الأربعاء، 5 يوليو، 2017

قراءة في كتاب/ الهند من خلال رحلة ابن بطوطة (دراسة في الجوانب السياسية والحضارية)

عرض: د. محمد نزار الدباغ
نشأت في بلاد الهند إحدى أبرز الحضارات القديمة أصالةَ، وكان لها صلات بالمراكز الحضارية الأصيلة في بلاد العرب. ومما يدل على ذلك، تماثل الأوجه الحضارية بين الطرفين. وبعد ظهور الدين الإسلامي، في القرن السابع للميلاد، شهدت العصور الوسطى الإسلامية اللاحقة، تطور صلات الهند بالعرب والمسلمين، كما شهدت أيضاً ترسيخ مبادئ الإسلام، ونظامه السياسي، هناك. ومن ثم، تعزيز تراثها المحلي بالتراث العربي الإسلامي، الذي يعدّ- بحقّ - مفخرة للعرب والهنود، على حدٍ سواء.
ونظراً لأهمية هذا التراث، وديمومته من جهة، وتداخل عوامله ومكوناته، من جهة أخرى، فقد كان من الطبيعي أن تحظى عدد من جوانب هذا التراث، وعصوره، بعناية عدد من الدراسات العلمية، ومن بينها موضوع: (الهند من خلال رحلة ابن بطوطة)، الذي يلتقي في سياقه العام، وهدفه، مع غيره من الدراسات التي سبقته. إذ تكمن أهميته في أن (ابن بطوطة) كان الرحالة
الوحيد الذي دخل الهند،ومكث فيها قرابة عشر سنوات، ودوَّن عنها كثيراً من المعلومات، كما حصل على التوظيف الرسمي قاضياً للمالكية في (دلهي)، وصاهر أُسراً معروفة هناك. وقد شكّلت رواياته عن الجوانب السياسية والحضارية، أهمية كبيرة لكل من يتصدى للبحث عن تاريخ الهند، في القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر للميلاد. كما أن رحلته، والمعلومات الفريدة التي أوردها، تعد أحد أشكال جسور التواصل مع الحضارة الهندية الأصيلة العريقة، على سبيل رؤية الحاضر بعين الماضي، من أجل إدامة الصلات السابقة بين الطرفين.
إن ما يميز الموضوع هو الدافع الطوعي الذي حدا بـ(ابن بطوطة) إلى القيام برحلته، فهو لم يكن تاجراً، ولا مؤرخاً، ولا جغرافياً، بل استطاع أن يوازن بين عنايته بوصفه فقيهاً وعالماً دينياً، وبين الأمور الأخرى المتعلقة بمختلف جوانب الحضارة والحياة.. كما أن ميزة الموضوع الأخرى، هي أن(ابن بطوطة) كان شاهد عيان مباشر على أغلب الأحداث، باستثناء عدد من الأخبار التي رواها عن العلماء الثقاة الذين التقى بهم هناك، مما يعطي رواياته موثوقية أكبر.
يهدف الموضوع إلى تحقيق غايتين: الأولى: هي الوقوف على صحة ودقة المعلومات التي قدمها (ابن بطوطة) عن (الهند)، من خلال التطرق إلى من ضعَّف، ومن أشاد به من المؤرخين، ومحاولة الوصول إلى الحقيقة من خلال مناقشة أهمية ما أورده عن الهند، وتفنيد ما ذُكِرَ ضده.والهدف الثاني، هو: توظيف الرحلة، بوصفها مصدراً للتاريخ الحضاري للهند في تلك المدة، وإبراز الأثر العربي الإسلامي فيها. ومن أجل الوصول إلى الحقيقة، فقد اعتمد الكتاب على تحليل الروايات، ومن ثم مقارنتها بما ذكرته المصادر الرديفة السابقة،أو المعاصرة،أو اللاحقة له، مع الابتعاد عن السرد النظري.
ارتأى المؤلف، وحسب طبيعة المعلومات الواردة، أن يتضمن الكتاب تمهيداً وأربعة فصول، فضلاً عن المقدمة والخاتمة والخرائط المساعدة والملاحق. جاء التمهيد في بيان طبيعة عصر ابن بطوطة، وسيرته، ورحلته، وكيفية دخوله الهند، حتى خروجه منها. ومن ثم بيان حدود الهند، ووصفها، وما كانت تضمه من أقاليم ومدن آنذاك. وكذلك الإشارة إلى طبعات كتاب الرحلة، والنسخة التي اعتمدها المحقّق، وسبب ذلك.
عالج الفصل الأول (الجوانب السياسية والإدارية) في ثلاثة مباحث: تناول المبحث الأول: نشوء عصر السلطنات الإسلامية في (دلهي)، قبل وأثناء وصول (ابن بطوطة) إليها،وبيان طبيعة حكمها، وأهم نظمها السياسية، ومن ثم محاولة تكوين صورة واضحة عن شخصية سلطان الهند (محمد تغلق)، من خلال كتاب الرحلة. في حين ضمّ المبحث الثاني:أعمال السلطان (محمد تغلق)، على الصعيدين السياسي والإداري. وتناول المبحث الثالث:العلاقات الخارجية للهند، في تلك المدة.   
أما الفصل الثاني: (الأوضاع الاقتصادية)، فقد اشتمل على مبحثين: تطرق المبحث الأول إلى مرويات ابن بطوطة عن الزراعة، وما يتعلق بها من المحاصيل، وطرائق الري، ومواسم الزراعة، والإجراءات التي اتخذتها السلطنة عند حدوث الكوارث والمجاعات. ولم يغفل المبحث الإشارة إلى الصناعات الغذائية والإنتاجية، وبيان المواد المستخدمة فيها، وأماكن تمركزها، فضلاً عن ذكر العوامل التي ساعدت على إنعاش الوضع الاقتصادي الهندي، ولاسيما دعم السلطنة للتجار والفلاحين وأهل الحرف، واستقرار قيمة العملة...إلخ. في حين تحدث المبحث الثاني عن التجارة الداخلية والخارجية، وبيان أهم الصادرات والواردات، فضلاً عن التطرق إلى أهم النقابات التجارية، التي أدت دوراً متميزاً في الحياة الاقتصادية، ليس في الهند فحسب، بل في كافة الدول التي ارتبطت معها بعلاقات تجارية بحرية.
كما احتوى الفصل الثالث: (الحياة الاجتماعية) على مبحثين: إذ عدّد المبحث الأول أهم الطبقات الاجتماعية والطوائف الدينية في الهند. وتناول المبحث الثاني: مرويّات الرحالة عن المظاهر والتقاليد السلطانية، التي كانت تخص الأسرة الحاكمة في الهند، وكذلك المظاهر الاجتماعية والتقاليد المحلية الأخرى والدينية التابعة للهنود، وما يتعلق بحياتهم اليومية وأفراحهم وأحزانهم، ثم الإشارة إلى مكانة المرأة ودورها في الحياة الاجتماعية، وتقديم ما ذكره عن تقاليد الزواج في مختلف المدن في الهند. كما أشار المبحث إلى ظاهرتي الحرق والغرق، اللتان تحدّث عنهما الرحالة السابقون، بإسهاب.
أما الفصل الرابع: (الحياة الثقافية)، فقد جرى فيه تناول ثلاث مباحث: الأول ذكر دور العلم، سواء أكانت مساجد ومدارس وغيرها،وبيان طبيعة العلوم السائدة، وتخلل ذلك بيان أهم مناهج التعليم في الهند. أما المبحث الثاني، فاحتوى عرضاً لسير عدد من العلماء المسلمين الذين التقى بهم ابن بطوطة في الهند، ومن ثم ذكر رعاية السلاطين الهنود لهم.وفي المبحث الثالث، جرى تناول الحركة العمرانية، من أبنية ومساجد، لعدد من المدن الهندية، كـ(دلهي Delhi) و(سيوستان Sehwan) و(هنور Hanovar)، وبيان الأثر العربي الإسلامي في فن العمارة على الطرز الهندوسية القديمة التي امتزج معها.
وجاء تقديم هذا الكتاب بقلم سعادة الأستاذ الدكتور (عبد الهادي التازي)، عضو أكاديمية المملكة المغربية، مُسطراً بهذه الكلمات البليغة، قال:"كنا بحاجة إلى هذا البحث الجيد الذي قدمه إلينا الدكتور (ياسر عبد الجواد المشهداني) عن (الهند من خلال رحلة ابن بطوطة). نحن نعتقد أن كل عنوان من عناوين الرحلة يقتضي منا أن نتتبعه بالشرح والتعليق، ولا سيما (الهند) التي قضى فيها ابن بطوطة (ت 770هـ/1369م) فترة هامة، كانت فترة القمة من حياته...
وقد أحسن الدكتور (ياسر) عندما أشعرنا أنه لا يقصد إلى الهند في رقعتها الحالية، ولكنه يقصد إلى الهند الواسعة الأطراف، التي كانت تشمل: سيلان، وجزر مالديف، والبنغال، وجانب من جبال الهيمالايا، وملتان،..إلخ.
وقد أكبرت في الأستاذ سعة صدره، عندما قام باستشاراته لعدد مهم من المصادر والمراجع، سواء المكتوب باللسان العربي، أو غير العربي. وكان في مقدمة تلك التآليف، مصنف الدكتور (مهدي حسين)، الذي كان الباحث الوحيد، من بين المهتمين بابن بطوطة، الذي رحل إلى (باريز)، ليتأكد من المخطوطات التي تحتضنها المكتبة الوطنية بالديار الفرنسية.
وقد استحسنتُ صنيعه عندما كان يوثق تواريخه بذكر الموافق بالشمسي إلى جانب التاريخ القمري، هذا إلى حرصه على كتابة الأسماء والأعلام بالحروف اللاتينية إلى جانب الحروف العربية. إن مثل ذلك الصنيع هو الجدير اليوم بالباحثين.
ولا أدري هل ما إذا كانت بعض الإحالات في التعاليق تحتاج إلى مراجعة من أخينا الأستاذ (المشهداني)، فقد كنت أحتار في الوصول إلى حقيقة أرقام الأجزاء والصفحات، وأنا أعرف متاعب الأخطاء المطبعية..
هناك موضوع ثان كنت أريد أن أسأل الدكتور (المشهداني) عنه: ذلك موضوع (المركب الثلاثي)، الذي يقدّم لضيف الهند، والذي يعتبر في تقاليد القارة رمزاً للتكريم.. هذا (الثلاثي) يتألف:أولاً من أوراق (التنبول)، وليس من أزاهيره، ولا من وروده، إنه أوراق فقط.
وثانياً: إلى جانب أوراق التنبول، يقدم (الفوفل) الذي يعني جزءاً من (جوزة الطيب)، التي يتناولها الضيف إلى جانب ورقة التنبول.
ثالثاً: ومع هاتين المادتين، تقدّم مادة (النورة)، وهي ليست نباتاً، ولكنها شبه حجر يلوكه الضيف.
يعتبر تقديم الثلاثة مبادرة تكريمية للضيف في الهند، سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبـي.
وأذكر أنني تناولت الثلاثة في أعقاب مأدبة غذاء حضرتها في (دهلي)، بوزارة الشؤون الخارجية، كما أذكر أنني تناولت هذا المزيج في القصر الجمهوري، بمناسبة العيد الوطني...
أريد القول: إن الحديث المفصل عن هذه المواد مما قد يكشف لقراءة الرسالة هذا النمط من الفولكلور الهندي الذي صمد إلى اليوم: ورق التنبول، أجزاء من جوز الطيب، حصة من النورة، ولا أدري أصول هذا التقليد عندهم.
هناك رجاء يبقى لي، أتمنى أن يبرز الحدث الدبلوماسي، وبعده الدولي الكبير... هذا الحدث: سفارة ملك الصين لدى سلطان الهند، وسفارة الهند جواباً على هذه السفارة. لقد قمتم مشكورين بالإشارة إلى هذا النوع من العلاقات الدولية، ولكني كنت أطمع في أن تتحدثوا مثلاً عن الأطنان من المسك الذي قدمته الصين للهند.. وعن الهدايا التي كانت جواباًمن الهند على هدايا الصين..
هذا الحدث الكبير استأثر بذكره (ابن بطوطة)، دون سائر الكتب التي تناولت تاريخ الصين والهند، وقد طرح عليّ السؤال في أعقاب محاضرة لي بـ(جامعة بكين): ما هي المصادر التي اعتمد عليها ابن بطوطة؟!
وهنا كان الجواب: إن المصدر الذي يعتمد عليه (ابن بطوطة)، هو (ابن بطوطة) شاهد عيان!! (ابن بطوطة) الذي كان يتمتع بمصداقية عالية رفيعة.
أريد أن أخلص في هذا التقديم المقتضب، إلى التأكيد على أنكم بإلقاء الضوء على مقام ابن بطوطة بالهند، قمتم بدور هام في سبيل التعريف بالعمل العظيم الذي تفرد به الرحالة المغربي بامتياز، عمل جاد قدمتموه إلينا، كنا نستمتع بالاستفادة منه، وأشعر بأنني أمام باحث عميق الغور،يتطلع إلى إبلاغنا بأسلوبه الخاص..
هناك معلومات (بطوطية) من الهند، ما تزال قصية عنا..عن مصير أحمد، الابن الوحيد المتبقي لابن بطوطة، والذي تركه أمانة عند الحفيد الثالث للخليفة المستنصر بالله العباسي، عندما سافر إلى الصين.عن بعض المعلومات التي وعد ابن بطوطة بالحديث عنها، ولم يفعل: السلطان هريب، مثلاً.
ونحن نودع الدكتور (ياسر)، الذي لاحظ اختزال الرحالة لبعض المعلومات عن الهند، نؤكد أن السبب في ذلك يعود للناسخ (ابن جزي)، الذي كان على حال صحي لم يسمح له بالإطناب والإسهاب..
مهما يكن.. فأنا أجدّد الرجاء للأستاذ (المشهداني) أن لا يقطع الصلة بابن بطوطة في الهند، وأن يعمل على استثمار مقام هذا الرحالة العربي بالهند، بكل ما يتوفر عليه من معلومات، لا سيما وأن له رسالة سابقة عن علاقات الهند بمصر، مكنته من اختراق فضاء العوالم الأخرى..
التهنئة مجددة لـ(ابن بطوطة)، الذي يكتسب زبناء جدداً له كل مطلع شمس.
وإذا أعظم البلاد بنوها     *                              أنزلتهم منازل الإجلال!"
ومما يجب التنويه إليه،أن المؤلف من مواليد مدينة (الموصل)، سنة 1975، وهو من الباحثين والأساتذة الأكفاء،الذي يختار عناوين بحوثه بعناية،ويمتاز بعلمية جادة في تخصصه بالتاريخ الإسلامي، وتحديداً (الإسلام في الهند وجنوب شرق آسيا). له خمسة كتب مطبوعة - مع هذا الكتاب - أحدها تأليف بالإشتراك،فضلاً عن عشرة بحوث منشورة في دوريات أكاديمية وعلمية مُحكمة، وما يزيد عن خمسة عشر مقالاً منشوراً في مجلات علمية وثقافية، جُلّها في مجلة (مناهل جامعية)،التي تصدر عن شعبة الإعلام في جامعة الموصل، ومجلة (موصليات) التي تصدر عن مركز دراسات الموصل/ جامعة الموصل. وشارك المؤلففي مؤتمرات وندوات علمية وثقافية:عراقياً وعربياً وعالمياً، وصلت إلى ثلاثة وعشرين مشاركة.
وهذا الكتاب كان في الأصل مشروع أطروحته للدكتوراه، والتي نوقشت في قسم التاريخ/ كلية التربية، جامعة الموصل، سنة 2005، تحت إشراف الأستاذ الدكتور (حسين علي الطحطوح). وها نحن نراه اليوم يخرج للنور في طبعة جميلة، وبحلة قشيبة،صدرت عن منشورات المعارف في الرباط بالمغرب، سنة 2010، في (192) صفحة.

وأخيراً، أتوجه بالتحية والتقدير للزميل والصديق العزيز - مؤلف الكتاب - الدكتور (ياسر عبد الجواد المشهداني)على هذا النتاج العلمي المهم، الذي سيأخذ مكانه في المكتبة البلدانية العربية، متمنياً له المزيد من التقدم والنجاح والعطاء العلمي، بحثاً وتأليفاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق