الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017

دين الكادحين

أ. د. عماد الدين خليل
هل يمكننا القول بأن الإسلام هو دين الكادحين؟
نعم.. وبكل تأكيد.. وقد سبق لي أن عرضت في كتابي (مقال في العدل الاجتماعي)، الذي صدر في سبعينيات القرن الماضي، وأعيد طبعه مراراً فيما بعد، وكانت آخر طبعاته تلك التي أصدرتها دار ابن كثير في بيروت عام 2008 م.. حشوداً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومعطيات السيرة النبوية، ما يغطي عشـرات الصفحات، ويقدّم بالدليل المؤكد القاطع أن هذا الدين هو – بالفعل – دين الكادحين.
ولكني أريد، في مقالي الموجز هذا، أن أوسّع المنظور، لكي يمضـي إلى التراث النبوي كلّه عبر تاريخ البشرية، والذي جاء الإسلام لكي يتممه، ويضع لمساته الأخيرة، ويقدمه للناس في كل زمن ومكان نموذجاً فذّاً في العدل الاجتماعي عبر أقصـى وتائره فاعلية ومساواة.. ولكي ينصف المظلومين والفقراء والمسحوقين والمستعبدين، وينزل حممه على
الأغنياء المترفين والطواغيت ورجال الدين، الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله!!
إننا إذا رجعنا في الزمن إلى عصور الأديان الأولى في التاريخ البشـري.. دعوة نوح (عليه السلام) التي استغرقت تسعمائة وخمسين عاماً.. فإننا سنعثر على التأسيس المبكر لخط الرسالات، الذي يبدأ بآدم، وينتهي بمحمد بن عبد الله (عليهما السلام).
إن الذين انتموا إلى دعوته – بادئ ذي بدء – هم الفقراء والمستضعفون والكادحون .. الأمر الذي استفز أصحاب المال والجاه والسلطة والمكانة الاجتماعية، فنظروا بازدراء إلى هؤلاء، وأدانوا نوح (عليه السلام) بأنه يلّم حوله الغوغاء وأراذل القوم.
فلنتابع الصورة بتفاصيلها، كما يعرضها علينا كتاب الله في (سورة هود): {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاّ تَعْبُدُواْ إِلاّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلأُ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاّ بَشـَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاّ الّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ؟ * وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللّهِ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْراً اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لّمِنَ الظّالِمِينَ * قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ * وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ * وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } (سورة هود : الآيات 25-36).
وفي (سورة الشعراء) يعاد المشهد نفسه.. ذلك الحوار الحاسم بين نوح (عليه السلام)، وبين رؤوس قومه، من الأثرياء والمترفين وأرباب السلطة والطواغيت.. هؤلاء يدينونه بأن الذين التمّوا حول دعوته هم من الرعاع والأراذل والكادحين والمسحوقين.. وهو يجابههم بالتزامه هذه الشريحة من الناس، وأنه لن يتخلى عنها مهما كلف الأمر:
 {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * قَالُوا لَئِن لّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (سورة الشعراء : الآيات 105-122).
ولقد جاء الطوفان الإلهي ليكتسح، ويغرق، كل المترفين الذين ساوموا نوح (عليه السلام) لكي يطرد من صفوفه الكادحين.. فلم يكترث لأسماعهم.. وجبروتهم.. وطغيانهم.. وأسند ظهره للإرادة الإلهية، التي تنزلت بما لم يكن في حسبان هؤلاء: الإغراق الشامل للفساد، الذي يتمخض دائماً عن الترف والسلطة والجاه..
أية صورة هذه، يقدمها كتاب الله عن طرفي الصراع في العالم: المترفين، والكادحين.. وأنه يقف مع الفئة الأخيرة، ويكتسح الأولى اكتساحاً، فلا يبقي لها على أثر !!
وثمة في (سورة الكهف).. عبر قصة النبـي موسى (عليه السلام) والخضر، صورة أخرى لا تقل دلالة: وقفة صارمة ضد الملوك والطواغيت، حتى لو تطلب الأمر اعتماد ما يسمى بسياسة الأرض المحروقة، كي لا يترك الكادحون أية فرصة لابتزازهم:
{فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْـراً. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً...} (سورة الكهف: الآيات 71-73، 78-79).
إنها - والحق يقال - صورة صارمة، تنطوي على الكثير من الدلالات (الشورية) في قضية الصراع بين الذين يملكون الثروة والسلطان، وأولئك الذين لا يملكون..
والصراع الذي لا يرحم ماض في كتاب الله بين الأنبياء جميعاً، وبين خصومهم، من الجبابرة والطواغيت والمترفين:
{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ *وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ. وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (سورة الشعراء : الآيات 123-159).
وإنما يجيئ عقاب الله لكي يكتسح الفئة الأولى، ويمدّ بالبقاء للفئة الأخرى، تلك هي سنة الله في العالم.. لأن جرثومة الفساد، والبغي، والطغيان، والاستلاب، واحتقار المعدمين، وابتزاز الكادحين، تتسلسل في حجيرات هؤلاء، فتلتوي بسويتهم النفسية، وتقودهم، شاءوا أم أبوا، إلى مواقع الظلم والطغيان: {كَلّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} (سورة العلق: الآيتان 6-7).
وبينما تنصب الأوصاف والنعوت القاسية السيئة على الفقراء المعدمين، في المجتمعات التي يسودها الترف والطغيان، فيوسمون بالأوباش والأراذل والسوقة والأدنياء والمتطفلين.. إلخ .. ينعكس الموقف في القرآن الكريم، حيث توجه أقسـى الكلمات إلى (أصحاب المال) المارقين، ويرمون بأقسى النعوت.
ها هو أحد المقاطع يتحدث عن (أحدهم)، مخاطباً الرسول (صلى الله عليه وسلم):
 {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَّهِينٍ. هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} (سورة القلم : الآيات 10-16).
ولا نجد في كتاب الله، في مقابل هذا، أيّ نعت أو صفة سلبية، تلحق الفقراء والمعدمين، وكل ما ورد عنهم إنما جاء على لسان الكفار والمترفين أنفسهم، من تسمية هؤلاء بأراذل القوم، وأنهم طليعة من يتبع الأنبياء، وهم يدعون قومهم إلى الإيمان:
{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} (سورة الشعراء : الآية 111)، {.. وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ...} (سورة هود: الآية 27).
"ولم لا يكافأ هؤلاء الناس البسطاء، ذوو الصفحات البيضاء، والطوية السليمة، والتوجه الخيّر، والقلوب التي تشع نوراً؟ لم لا يكافأ هؤلاء الأطهار الطيبون، الذين لا يفعلون إلا طيّباً، ولا يقولون إلا طيّباً، والذين يتوحّد في ممارستهم الفعل والكلمة، فلا يعرفون معنى للنفاق، والالتواء، والازدواج ؟ لم لا يكافأ هؤلاء الذين يلبّون نداء الحق أول من يلبّـي، ويتجّمعون، بدافع فطرتهم النقية، وتوحدهم، حول كل نبـي أو رسول أو داعية، يدافعون عنه يوم يلاحقه الكبراء، ويحمونه في لحظات الأذى والعدوان، حين يعتدي عليه الملأ، وتطارده النخبة الممتازة... ويلتمون حواليه يوم ينفض الواجدون والمترفون، ويعز النصير؟
إنهم يشكلون نواة كل دين أو دعوة حق، وقاعدتهما، التي تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم، فتحوّل الفكرة إلى واقع مشهود، والحلم إلى ممارسة تمنح خيرها للناس؟
والقرآن الكريم يقف أكثر من مرة عند هؤلاء.. وآياته البينات تتنزل لكي تتحدث عنهم بمحبة واعتزاز، ولكي تمنحهم الوعد الجميل بالمصير.. ليس فقط لأنهم منحوا حياتهم، ومحضوا وجودهم، للدعوة، في لحظات الاجتياز الصعبة، بل لأنهم كانوا يعبّرون بسلوكهم، عن أقصـى حالات التوحّد، والتوافق، والانسجام، بين الفعل والكلمة.. هؤلاء أعطوا الكثير، فاستحقوا الأجر الكبير!
إننا نقرأ في كتاب الله خطاباً إلى رسوله الأمين (عليه أفضل الصلاة والسلام):
{وَلاَ تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَاءكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (سورة الأنعام: الآيات 52-55)،
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} (سورة الكهف: الآية 28)،
{عَبَسَ وَتَوَلّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلّهُ يَزَّكّى * أَوْ يَذَّكّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلّا يَزَّكّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} (سورة عبس: الآية 1-11).
ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان، عبر حياته جميعاً، صديق هؤلاء البسطاء الكادحين.. كان أخاهم الكبير.. يحبهم ويحبونه.. ويربت على أكتافهم بحنان، وهم يقفون بين يديه مسلمين، مخلصين، تغمر وجوههم البسمة الحانية، وقلوبهم الود والفداء.. من أجل هذا تحدّث عنهم قائلاً، فيما رواه مسلم: (رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه).. ولقد لبى هؤلاء البسطاء نداء الفتح منذ اللحظات الأولى، وما كان بمقدور القيادات الإسلامية، على تألّقها وتفوقها وفدائيتها، أن تصنع شيئاً، لولا هؤلاء الجند الذين شكّلوا عصب الحركة، وحولوا مطالبها إلى واقع منظور..
وفيما بعد، وعبر المسار الطويل للتاريخ الإسلامي.. عبر جلّ التحديات التي شهدها عالم الإسلام، والضغوط التي مورست ضده، أو قبالة كل الهجمات التي شنها الخصوم.. كان هؤلاء (البسطاء) يشكّلون الخامة الإسلامية في خط الثغور، وبأذرعهم قدر هذا العالم على الدفاع عن أراضيه، والتوسع والامتداد في ديار الخصوم والأعداء.
لقد أدرك فلاسفة التاريخ، وعلماء الاجتماع، الدور الخطير الذي تمارسه هذه الجماعات البسيطة التي تتحرك في أسفل السلّم الاجتماعي، وحدثنا (أرنولد توينبي) في تفسيره الحضاري للتاريخ، عن الأكثريات المتبعة، والأقليات المبدعة، وعن أن حضارة ما لا تأخذ سبيلها إلى التحقق ما لم يتم التواصل بين القطبين، فتتلقى الأكثريات المتبعة معطيات الإبداع، وتؤمن بها، وتتبناها، وتنفذها في أرض الواقع، وتنشرها في الآفاق.. أما (كارل ماركس) فقد مضـى، بإلحاحه المعروف، وتعميماته المبالغ فيها، إلى إلغاء دور النخبة، وعلّق الفعل التاريخي على أكتاف الجماهير الكادحة وحدها.
وفي كل الأحوال، تظل كلمات الله سبحانه وتعالى، وتعاليم رسوله (صلى الله عليه وسلم)، الشاهد العدل على ما يفعله هؤلاء وهؤلاء: أولئك الذين يتربعون في القمة، أو يتحركون عند السفوح، وتظل الحكم العدل الذي يمنح المصير المناسب لكل الأقطاب، شرط أن تتحقق – الأقطاب - بطرفي المعادلة: الإيمان والعمل الصالح، وإلاّ فإنه باطل إيمانهم وعملهم، إن لم يلتقيا ويتعاشقا من أجل تنفيذ كلمة الله في هذا العالم: {... وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ...} (سورة المائدة : الآية 5)، {... وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (سورة الأنعام: الآية 88)، {وَالّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ..} (سورة الأعراف: الآية 147)، {...أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ...} (سورة الأحزاب: الآية 19)، {...مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ...} (سورة البقرة: الآية 62)، {...مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (سورة المائدة: الآية 69).."().
ثم ماذا بعد؟
هل يستنتج من السياق آنف الذكر أن الإسلام هو دين الصراع الطبقي، وأنه ما جاء إلاّ لكي يعيد للطبقات المسحوقة مكانتها الاجتماعية، في مواجهة الطبقات المالكة والمترفة؟
أبداً..
 ولن يخطر هذا على البال، بمجرد الرجوع إلى واقعة عصـر الرسالة، الذي يعكس بمرآته الصافية كالبلّور، أن الأمر لم يكن كذلك، بدليل أن أوّل المنتمين لهذا الدين كانوا من علية القوم.. أولئك الذين يملكون الكثير، والذين سبق وأن تبوّؤا في القيادة المكيّة المسماة (رجال الملأ) أعلى مكانة: أبو بكر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف.. وعمر بن الخطاب.. و.. و.. جاء هؤلاء، ووضعوا أنفسهم في صف واحد مع الضعفاء والمسحوقين والمستعبدين.. أخوة على الطريق.. وعملوا معاً.. الذين يملكون والذين لا يملكون.. في سبيل الدعوة الناشئة، وشكلوا قاعدتها الأساسية، قاعدتها الصلبة التي قدّر لها أن تمضي إلى أهدافها، وأن تنشئ دولة الإسلام.. وأن تغيّر بها خرائط العالم القديم، وتحرّر الإنسان.
ليس ثمة في المنظور الإسلامي صراع طبقي، إنما هو العدل المطلق الذي بنيت عليه السماوات والأرض، وجبلت به سنن التاريخ، وقوانين حركته.
ولقد جاء هذا الدين لكي يحقق مفاهيم العدل، بأقصـى وتائرها فاعلية، فينصف الفقراء والمستعبدين، ويرفع سويتهم المعيشية، ويحررهم من الرق والاستعباد.. ويدفعهم، مع إخوانهم الأغنياء، معاً على الطريق.. كل يضحي بالذي يملك من مال أو جاه أو سلطان، أو قدرات جسدية.. أو طاقات روحية.. في سبيل الهدف الواحد، والبؤرة التي التّم حولها الجميع.. يداً بيد.. من أجل أن تنتصر كلمة الله بسواعد وسيوف الذين يملكون والذين لا يملكون..
ومن أجل أن تستقيم سنن الحياة الجديدة، التي جاء هذا الدين لكي يرسي دعائمها.. كان لا بدّ من ملاحقة كل صنوف الفقر والاستعباد والجوع.. ورفع أصحابها المسحوقين إلى درجة الكفاية، ووضعهم صفاً واحداً مع إخوانهم، الذين قدموا طواعية، بل تنازلوا لهؤلاء عن الكثير مما يملكون، استجابة لشيء واحد: قوة الإيمان!!
ليس ثمة أية لمسة من لمسات الصـراع الطبقي، وإنما – بالعكس – كان التواؤم والتصالح والالتقاء بين الطرفين، في مواجهة قوى الشرك والوثنية، لتعزيز كلمة الله في الأرض..
 فهو من ثم صراع بين الإسلام والكفر، وليس بين طبقة وأخرى، داخل الصف الإسلامي الواحد، الذي لم يخطر في بال المنتمين إليه، أغنياء وفقراء، سوى التوحّد والانصهار في بنية الدعوة، التي مضت تشق طريقها من أجل تحرير الإنسان.. مطلق الإنسان.. وبعيداً عن كل الاعتبارات الاقتصادية، أو المادية، التي يريد البعض إدخال الحركة التاريخية من عنقها الضيّق..
وثمة أخيراً – سؤال قد يتبادر إلى الأذهان، وهي تتأمل هذا المقطع القرآني المدهش: {... كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا، وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (سورة الحشر: الآية 7): لماذا – إذاً – لم يجعلها الإسلام مشاعية، للتحقق بهدف كهذا؟
والجواب يثير الدهشة هو الآخر، في إعجاز هذا الدين، وأنه من لدن حكيم خبير.. ذلك أن المشاعية تلغي الحافز الفردي، وتستأصل رغبة الإنسان الأصيلة في التنمية، وقد تبيّن ذلك من خلال فشل الشيوعية الذريع..

وبالتالي فإن القرآن الكريم بقدر ما يؤكد على ضرورات التساوي قدر الإمكان، بقدر تأكيده – في الوقت نفسه – على حماية الملكية الفردية، وتحفيزها، واعتبار الدفاع عنها، والقتال دونها، أمراً مقدساً، وجهاداً في سبيل الله!!

هناك تعليق واحد: