الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017

القراءة المثمرة

إعداد: سالم الحاج
لماذا نقرأ؟..
هذا سؤال كثيراً ما يطرح، وتتعدد الإجابات عليه.. ولكن أهم ما يمكن أن يقال هو أن الإنسان كائن قارئ، وقد فطره الله على ذلك، وميّزه بهذا عن بقية المخلوقات {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}، وجعل ذلك جزءاً من متطلبات القيام بمهام خلافته في الأرض..
فالإنسان هو الكائن الوحيد القادر على القراءة والتعلم، وتلك هي حكمة الله سبحانه، وقدره، في تهيئة الظروف الممكنة لابتلاء الإنسان واختباره: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.. ولكن الإنسان – كما هو معلوم – ليس مجبراً في الانصياع لمهام الخلافة تلك، بل هو يقوم بذلك باختياره، بعد أن هيأ الله سبحانه الإمكانيات والاستعدادات.. ومن هنا نرى أن كثيراً من بني البشـر لا يقرأون، ولا يهتمون بتعليم أنفسهم.. ذلك أن
ملكة القراءة إنما هي دافع فطري موجود لدى البشر، وعليهم وحدهم يتوقف أمر تفعيلها أو تعطيلها..
"هكذا، إذن، ظهرت صناعة الكتاب. وهكذا، أيضاً، صارت قراءة هذه الكتب شرطاً لازماً لاكتمال إنسانية الإنسان. ولا عجب، بعد هذا، أن نجد أول آية في كتاب الله الحكيم، كانت دعوة للقراءة وتصفح الأوراق والتصورات المسبوقة عن العالمين.
ومن هنا، نجد أن الإنسان لا ينال كرامته الموهوبة من مستخلفه: {ولقد كرمنا بني آدم}؛ إلا بعد أن يقرأ، ويكون قارئاً. إن صفة الإكرام لم يُقرنها الباري به، سوى بعد حديثه عن القراءة. إن المُكرمون هم القراء: (اقرأ وربك الأكرم)، أي: اقرأ لتكون إنساناً، ويحق لك السؤال عن الكرامة. أما أن تطالب بالكرامة وأنت هائم في ظلام الجهل وبلادة الحس والألفة الغافلة؛ فذاك ضرب من ضروب التخريف وأضغاث الأحلام.
إن القراءة واجب على كل إنسان كي يكون إنساناً بحق. إنها ليست هواية، كما يُشاع، أو لوناً من ألوان الترف وتسلية الوقت والقضاء على الفراغ. إنها ليست حصاناً يُركب للردّ على الأغيار. إنها منبع النور، يحمل الإنسان على الاتصال بذخائر كل الناس، ومعاناتهم، وكبدهم، في سبيل البحث عن المعنى، وجدوى الوجود، في هذا العالم. إن القراءة اختبار للملكات والقدرات الخاصة بجنس الإنسان، أي التأمل، والتفكير، والتعقل، والمقارنة، وإثارة السؤال".(عبد الكريم سروش)
ومن هنا، كان من الواجب على الآباء والأمهات، وعلى مؤسسات المجتمع كافة، وخاصة التعليمية والثقافية منها، أن تنتبه لخطورة هذا الأمر، وتهيئ كل المستلزمات اللازمة لتفعيل هذه الملكة، وهذا الدافع الفطري، ولتجعل الناس – كل الناس – يستزيدون منه، لأنه جزء من متطلبات إنسانيتهم، وخلافتهم..
فالقراءة – إذاً - ليست مجرد هواية، أو طقسًا من طقوس الترف أو الترفيه التي يمارسها الإنسان بشكل يومي أو أسبوعي أو شهري أو سنوي.. القراءة هي أول أمر رباني نزل من السماء للأرض، وهي مفهوم عميق يتجاوز فك الخط وقراءة الحروف والكلمات، بل هي فرض ودعوة للغوص في بحر العلوم كي تستخرج منه أفضل ما تخدم به البشـرية.. وبالقراءة يتفتح عقل الإنسان، ويكتسب خبرات من سبقوه، وعلومهم، وآدابهم، وبها تنضج شخصيته، وتكتمل إنسانيته..
فإذا عدنا إلى السؤال: لماذا نقرأ؟.. أصبح بإمكاننا القول: إننا نقرأ، لأن ذلك هو أمر الله، ومشيئته، ولأن بشـريتنا، ومهمتنا على الأرض، تتطلب ذلك.. ثم نحن، بعد ذلك كله، إنما نقرأ للأسباب التالية:
1-    أننا نقرأ كي نفهم، أو من أجل أن نصل إلى الفهم، فالقراءة ضرورة أساسية في حياة البشرية، وليست ممارسة تتوخى الترفيه؛ ذلك أننا لا نقرأ لكي نتسلى.. فعالم القراءة عالم ثري لا متناهٍ، لديه دائماً ما يقدمه لنا. والقراءة تضاعف لنا مستوى رؤيتنا للأمور.
2- القراءة ترفع من مستوى كلماتنا، لتدلّ على رقيّ لساننا، وأناقة فكرنا، ولزيادة حصيلتنا من الكلمات التي تساعدنا على التعبير عن آرائنا  ..
3-  بالقراءة يتشكّل وعي الإنسان بمجتمعه، والمجتمعات الأخرى. والقراءة تعمل على اتساع مدارك الإنسان، وتفتح له أفكاراً، وآفاقاً، جديدة، كل حين..
4- بالقراءة تتكون الثقافة التي تؤدي إلى ضبط السلوك، وتحسينه، وزيادة طموحات الفرد، وخلق الشخصية المبتكرة والمبدعة. فالمعرفة هي الأداة التي يسيطر بها الإنسان على مقدرات حياته، والتي تمكنه من تغيير بيئته، والسيطرة عليها .
5- العلم غذاء العقل ودواء الجهل، فهو يسمو بالروح إلى أعلى الدرجات، وبالقراءة نتحاور مع أعظم العقول التي عاشت عبر العصور الماضية، ونتعلم منها، ونستفيد من خبرات حياتهم المتراكمة، وعصارة فكرهم وعلومهم..
6-"لست أهـوى القـراءة لأكتـب، ولا أهـوى القراءة لأزداد عمراً في تقدير الحسـاب.. و إنما أهـوى القراءة لأن عندي حيـاة واحدة ، وحيـاة واحدة لا تكفينـي ، والقـراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثـر من حيـاة، لأنها تزيد هذه الحيـاة من ناحية العمـق.. ليـس هناك كتاب أقرأه ولا أستفيـد منه شيئا جديـداً، فحتى الكتـابُ التافـه أستفيد من قراءتـه أني تعلّمـت شيئـاً جديـداً هو ما هي التفاهـة؟ وكيف يكتب الكتاب التافهـون؟ وفيم يفكـرون؟" (العقاد)
7- ذهب العلماء والمفكرون السابقون، وذهبت الدور، ولم يبقَ إلا العلم الذي خُلّد بالكتب.. فكل منا عندما يقتني كتاباً، فهو لا يقتني مجرد أوراق جمعت، إنما يقتني خلاصات الأفكار لعشرات العقول والممحصين..
8- القراءة في هذا الزَّمن الصَّعب تقلِّل من الضغط والجهد الذي يواجِهه المرء في حياته؛ فالحياة اليومية مرهِقةٌ بأعمالها وارتباطاتها، فينزع المرءُ للكتاب ليخفِّف من هذا الضَّغط الذي يشعرُ به؛ فرواية ماتِعة تنقلك لعالَمٍ آخر ينسيك لحظات الشدِّ التي تمرُّ بها، وكتابٌ علميٌّ يجعلك في اندِهاش وتساؤل يشتِّت لحظات الضغط التي حلَّت بك، وكتاب في الرِّقاق يزهِّدك في الحياة فلا ترى الحياةَ شيئًا.. فهذا هو جمال الكِتاب، أنَّه يطرد ويزيل الشدَّ النفسي اليومي.
9- القراءة تقدِّم لك المعرفة، فلا زال الكتاب هو أفضل سبيل لنيل المعرفة، وبقدر ما تزداد معرفتُك، تكون أقدرَ على فهم كثيرٍ من القضايا، وأقدر على مواجهَة مشاكل الحياة.. فالقراءة تمنحك قوَّةً معرفية، يثمر عنها إزالة الجهل الذاتي.. المعرفة التي تحصل عليها هي سلاحٌ تواجه به تحدِّيات الحياة، فالمعرفة قوَّة، كلُّ شيء قد يُسلَب منك إلَّا معرفتك؛ فهي ملكٌ خاص لا ينتزع منك إلَّا حين تفقد قواكَ العقلية.
10- حين تقرأ كتابًا فأنت تزيد من قدراتك الذِّهنيَّة، فتزداد لديك مهارات التحليل والتركيب، وتخزين المعلومات تَنشط، فالعقل عضَلَة تنفعِل وتزدهِر وتنمو بكثرة الاستِعمال، وتذبل وتضعف عند تركِ استعمالها. وقد قيل: إنَّ القرَّاء أقلُّ النَّاس إصابةً بالزَّهايمر؛ لأنَّ الذهن لديهم في حالة عمَل مستمرٍّ، فمستوى الانتِباه يكون حاضرًا حالَ القراءة، والقراءة تزيد وتقوِّي التركيز، وهذا يجعل الإنسان أكثر قدرة على الاستيعاب.
11- العالم مليءٌ بالأحداث والقضايا، والتَّجاربِ والعقائد، والقارئ يَكتشف العالَمَ الإنساني الذي يحيط به، فيقرأ ليعرفَ عقائدَ النَّاس وقِيَمَهم، ولكي يثقِّف ذاته.. ولا يمكن للمرء أن يقدِّم رسالته ما لم يقرأ ويتعمَّق في القراءة، وكلَّما قرأنا كنَّا أقدر على مواجهة الباطِل ودفْعِه، فالقراءة تكشف سبيلَ المجرمين، والمرءُ إذا جَهِل الباطِلَ يوشك أن يقَع فيه.. وفي حديث (حذيفةَ) أنَّه كان يسأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الشرِّ، ويعلِّل ذلك قائلًا: ((وكنتُ أسأله عن الشرِّ مخافةَ أن يدرِكَني))، فمعرفةُ الباطِل ضرورة كي نتَّقيه..
12-  التعرف على الحضارات: القراءة هي سفير بين الشّعوب والحضارات، فالإنسان حين يقرأ في الكتب عن الحضارات السّابقة والقرون الغابرة فإنّه يتعرّف عليها، كما وتساعد قراءة الكتب التي تتحدّث عن ثقافات الشّعوب، وتقاليدها، الإنسان على الاقتراب منها والاستفادة منها، وبالتّالي تشكّل القراءة وسيلة تبادل للأفكار والمعلومات، وهي مفتاح لولوج العوالم والحضارات المختلفة.
13- تنمية العقل: القراءة تنمّي العقل وتوسّع مدراكه، فعقل الإنسان بلا شكّ إذا اعتاد على القراءة توسّعت آفاقه، وتفتّحت مداركه. بينما ترى الإنسان الذي لا يقرأ: عقله متبلّد، ومداركه مقفلة، محصورة بوجهة نظرٍ معيّنة، أو معلومةٍ خاطئة غير صحيحة. وبالتّالي، فإنّ القراءة هي وسيلة لإنعاش العقل وتجديده باستمرار، وعلى الإنسان أن يحرص على أن يبقى عقله بابًا مفتوحًا دائمًا لقراءة كل ما هو جديد من المعلومات والأفكار، ومن ثمّ تحليلها وغربلتها لكي تنضج عنده الفكرة والمعلومة الصّحيحة.
14- إنَّ القراءة هي الوسيلة الوحيدة التي تُمكِّن الإنسان من اكتساب مهاراتٍ متعدِّدة، وفي الوقت نفسه، وهي أيضاً الوسيلة الوحيدة التي يمكن لها أن تكسبه مكاسب مختلفة أخرى ومتنوّعة، لها أوّل وليس لها آخر، منها أنّها قد تكسب هذا الإنسان بعض المكاسب الماديّة التي قد تقلب حياته رأساً على عقب، وتحسّن أحواله إلى أحوال أفضل. يمكن من خلال القراءة أيضاً أن يقوم الإنسان بتعلّم لغات أخرى غير لغته الأصلية، كما ويمكنه أن يُحسِّن ويُطوِّر من اللغات التي يمتلكها، والتي من ضمنها لغته الأصليّة؛ فالقراءة تعطي للإنسان القدرة على الكتابة بطريقة أفضل، وذلك عن طريق إكسابه عدداً كبيراً من المفردات المختلفة والمتنوّعة، التي تساهم - وبشكل كبيرٍ جداً - في تطوير اللغة عند هذا الإنسان، وفي تطوير قدرته على التعبير عن نفسه، وعمَّا يجول في خاطره من أفكار..
15-  وأخيرًا: نحن نقرأ لأنَّنا أمَّةُ (اقْرَأ)، فنقرأ كي نتقرَّب إلى ربِّنا؛ فالعِلم يؤدِّي إلى معرفة الله تعالى، وكلَّما زاد المرء معرفةً بالله تعالى زادَت خشيتُه له: ﴿ إِنَّمَا يَخْشـَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28].. نقرأ لأنَّنا نريد أن نرتفع في درجاتِ الآخرة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].. فالقراءة للمسلِم ليسَت فقط مجرَّد تسلية ومتعَة؛ بل هي أعلى من ذلك وأسمى، فهي طريقٌ للجنَّة؛ ((مَن سلَك طريقًا يطلب فيه علمًا سلَكَ اللهُ به طريقًا من طُرق الجنَّة)).
16-  كي نستجمع الكلام: إن القراءة واجب على كل إنسان. وإن حث الناس على القراءة لن يُفلح بتسليط الأضواء على الفوائد المعدودة المستفادة من القراءة (كاللغة والبيان، والقدرة على الرد على الخصوم من الأغيار والأعداء). إنما منطلق الفلاح هو إثارة مسألة القراءة باعتبارها قضية وجودية، بدونها يصير الإنسان عنواناً لنص فارغ من المضمون والمعاني والغايات!

كيف نقرأ؟
لا شك أن القراءة – كما ذكرنا آنفاً – هي موهبة وقدرة أودعها الله سبحانه وتعالى لدى البشـر، كجزء من مهمة الاستخلاف، وعمارة الأرض، التي كلفهم بها الله سبحانه.. وهذه القدرة على القراءة تحتاج إلى مستلزمات أودعها الله سبحانه عند الإنسان، ومنها: حاسة العين، والعقل، أو المخ، فضلاً عن اليد، واللسان.. فمن حرم من شيء من هذه النعم، فقد حرم خيراً كثيراً، وربما رفع عنه التكليف!..
ولكن كيف نستفيد من هذه النعم التي أودعها الله لدينا، وكيف نفعّل قدرة القراءة فينا، والتي هي موجودة لدى كلّ بني البشر بالقوة؟!
بالطبع إن أهم شيء في هذه المسألة هو أن نبدأ برعاية هذه القدرة في نفوس الأطفال أولاً، ومنذ الصغر.. فالتعود على القراءة، وممارستها، في مرحلة مبكرة من الحياة، يجعلها جزءاً طبيعياً من عادات الإنسان، بحيث لا يمكنه الاستغناء عنها في باقي مراحل حياته.. أي إنها تتحول إلى ملكة لدى الإنسان، يمارسها بشكل طبيعي، دون تكلف، ولا عنت.. (وموضوع تعويد الطفل على القراءة هو موضوع مهم ومستقل، لا بد من الحديث عنه بصورة مفصلة، وهو أمر له مظانه ومصادره التي يمكن الرجوع إليها، ومنها هذا الكتاب المفيد للدكتور عبد الكريم بكار، وعنوانه: طفل يقرأ، وهذا رابطه لمن أراد الاطلاع: http://mybook4u.com.download/final/2758
ولكن دعنا هنا، نطرح – في البداية – بعض النصائح الأولية لمن لم ينمِّ ملكة القراءة عنده، ويريد أن يكون قارئاً، فبالإمكان القول:
إذا كنتَ ضيفاً جديداً في عالم القرَّاء، فلا تبدأ بقراءة أي كتاب تقع عليه عينك،  كما لا تسمع لنصائح القراء الآخرين الذين مدحوا الكتاب الفلاني، أو المؤلف الفلاني،  أو الموضوع الفلاني، لأنَّ الشخص الذي يجرّب القراءة لأول مرة يختلف تماماً عن الشخص الذي يقرأ منذ سنوات..  والطريقة الصحيحة للبدء، هي حصـر المواضيع التي تحبها، مثلاً: (الدين، التاريخ، العلوم، الرياضة... إلخ)، واقتناء (دفتر ملاحظات).. بعدها إبدأ بقراءة مقالات صغيرة، ومواضيع محددة، عن هذهِ العناوين.. يمكنكَ - كبداية - أن تقرأ مقالاً كلّ يوم،  لمدة شهر، والنتيجة ستكون أنكَ أصبحت تقرأ أسرع، وتعرّفت إلى أساليب الكتابة: الجيد والرديء منها، وانتابك الفضول تجاه عناوين جديدة لم تكن تعرفها من قبل.. وهنا فائدة (دفتر الملاحظات)، فعليكَ أن تسجل بها أي معلومة تعجبكَ أو تثيرَ فضولكَ ورغبتكَ في البحث .
في المرحلة التالية يمكنكَ البدء بقراءة كتب صغيرة من 30- 100 صفحة.. وحتى تختار الكتاب الصحيح، قم بعمل اشتراك في أحد صفحات القراء،  واسألهم عن كتب صغيرة في هذا الموضوع، أو شارك أصدقائك الذين تثق فيهم في ذلك.. بعد مدة من البحث، سيكون لديكْ قائمة بخمس كتب على الأكثر،  اختر أجمل عنوان،  والذي تشعر أنه جذبكَ .
مرحلة القراءة الفعلية للكتاب بالنسبة للقراء الكبار،  تشبه أكل وجبة سريعة.. أما بالنسبة لك، فهي تشبة تجريب وجبة جديدة لا تعرف طعمها، لذلكَ هيئ نفسك قدر المستطاع، وذلكَ بأنْ تجلس في مكان هادئ، ويفضل أن يكون شرفة (= بلكونة)، أو وسط أرض فلاة، وهيئ لنفسكَ مقعداً مريحاً، حتى لا تقطع قراءتك بسبب آلام الظهر..  وأحضـر معك وجبة خفيفة، وليست دسمة.. وابدأ القراءة بقراءة الغلاف الخارجي (الأمامي، والخلفي)، لأنه سيعطيكَ نظرة سريعة عن الكتاب.. وقم بالمرور على صفحة الفهرست.. وابدأ القراءة.. في أول تجربة يمكنكَ أن تقرأ ربع ساعة، ثمَّ تتناول شيئاً من وجبتك، ثمَّ تتابع على هذا المنوال.. ولكن مع الوقت والاستمتاع بالقراءة، لن تستطيع إزالة عينيكَ عن الكتاب حتى تنهيه .
لا تنزعج إذا لم تستطع إنهاء الكتاب، أو أنه لم يعجبك، لأنَّ بعض الكتب فعلاً ذات محتوى سيء ورديء، وأسلوب فقير في الكتابة.. وفي المرة الأولى خذ راحتك في قراءة الكتاب على يوم أو يومين، ولا تنسَ (دفتر الملاحظات)، لأنه سيجعلك أكثر انتباهاً في القراءة، وتيقظاً .
بعدَ قرائتكَ عدة كتب، قم بفتح دفتر ملاحظاتك، واقرأ ما به، ستشعر أنَّك استفدتَ فعلاً من الكتب، وأنك أنجزت شيئاً عظيماً، ومع الوقت ستصبحُ قارئاً نهماً، وسوف تتذكر الكتاب الذي قرأته أول مرة. تذكر أنَّ أولئكَ الذين لا يقرأون هم أفقر الناس، وأبعدهم عن متع الحياه، وعن الخيال والأمل، والسفر في كل مكان، وأنتْ جالس في نفس البقعة الجغرافية.
وكثير من هذه النصائح السالفة، هي نصائح عامة لكل قارئ، سواء كان مبتدئاً أم غير ذلك.. فليس كل من قرأ استفاد من قراءته، وكم من قارئ هو في الحقيقة (غير قارئ)؟!..  فما سرّ أن كثيرين يقرأون، ولكنهم لا يحصلون على الفائدة المرجوة من القراءة؟! إن السـر يكمن بجلاء في (القراءة المنهجية)؛ إذ من أبرز ما نعاني منه في قراءتنا هو افتقادنا للقراءة وفق منهج واضح محدَّد، فترانا نقرأ ونقرأ، ثم نكون {كباسط كفَّيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه}، وما ذلك إلا لافتقادنا للطريقة السليمة للقراءة.
وفيما يتعلَّق بالوقت، فهناك أوقات كثيرة تستطيع أن تقرأ خلالها: بعد الاستيقاظ مباشرةً قد يكون من الأوقات الجيدة للقراءة، حيث يكون الذهن نشيطًا، وفي بداية اليوم. كما أن وقت ما قبل النوم أيضًا، قد يكون مناسباً.. وإن كانت بعض الدراسات تقول إن القراءة قبل النوم ليست جيدة، لأنَّ الذهن ينشغل بالأفكار التي يقرأها.. كما أنه يمكن – بل يجب - الاستفادة من كل وقت للقراءة: أثناء المواصلات والتنقل بين العمل والبيت، أو أثناء أوقات الانتظار في مكان عام، أو عند الطبيب، أو حتى الاستفادة من أوقات قيادة السيارة – وخاصة أثناء السفر – للاستماع إلى الكتب الصوتية..
وهكذا لا بد من الاستفادة من كل وقت للقراءة، ولا بد من تخصيص وقت محدد كل يوم للقراءة، مهما كان قصيراً، لأن ذلك كفيل بجعل القراءة عادة، وأمراً لا يستغنى عنه، كما أن القليل سيصبح كثيراً بالتراكم، وكما يقول (د. عبد الكريم بكار): "إذا قرأ الواحد منا ربع ساعة كل يوم، فإنه يضمن قراءة 20 كتاب كل سنة. ومن قرأ في علم من العلوم نصف ساعة كل يوم، صار بعد خمس سنوات أستاذاً فيه"*..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* " وقد جرب هذه الطريقة طبيب وعالم من أشهر أطباء العصر الحديث هو السير (وليم أوسلر)، الذي تتلمذ عليه الكثيرون من أساطين الطب المعاصرين... وقد عزا عارفوه عظمته - فضلاً عن تفوقه في فنه الخاص- إلى ثقافته العامة، البعيدة المدى، فقد كان واسع الاطلاع على ما فعله الجنس البشـري - وفكّر فيه - خلال العصور المتوالية، وكان يدرك أن السبيل الوحيد للوقوف على أفضل تجارب بني الإنسان هو قراءة ما كتبوه في كتبهم.. لكن مشكلته كانت هي مشكلة كل رجل مشغول، لا يملك خلال الأربع والعشرين ساعة اليومية وقتاً يخرج عن حدود عمله، سوى ما يقتطعه من ساعات قليلة للنوم، وتناول الطعام، وتلبية مطالب الحياة الضرورية. لكن (أوسلر) توصل إلى الحل الذي ينشده في مرحلة مبكرة من حياته، فنظمها على أساس أن يقرأ لمدة ربع ساعة كل ليلة قبل النوم مباشرة، أياً كانت الظروف!.. فكان إذا أوى إلى فراشه في الحادية عشرة مثلاً، يقرأ حتى الحادية عشـرة والربع.. وإذا شغلته جراحاته أو أبحاثه حتى الثانية صباحاً، يقرأ إلى الثانية والربع، وهكذا.. ولم يشذ عن هذه القاعدة التي وضعها لحياته يوماً واحداً، خلال نحو نصف قرن!.. وكان الدستور الذي استنّه لقراءاته الليلية أن تكون منعدمة الصلة بمهنته وعمله، فحصل من هذه القراءات على اطلاع واسع نادر المثال، كفل التوازن في شخصيته بين التثقيف المهني والتثقيف العام!
وفي العالم كثيرون من أمثال هذا الطبيب الفذ، نمّوا شخصياتهم بالقراءة في غير نواحي عملهم أو تخصصهم.. وقد اشتهر الألمان بصفة خاصة بالإقبال على القراءة في شتى الموضوعات، ولعل هذا من عوامل تفوّقهم، وتعدّد وجوه ثقافتهم، وشمولها كافة مناحي المعرفة".(كتاب: لماذا نقرأ، لطائفة من المفكرين، تقديم: رجب البنا، دار المعارف، مصر، ط2، د.ت. ص 131- 133).
ولكن كيف نتعلم القراءة المنهجية؟
هناك كثير من السلوكيات والخطوات التي لا بد من اتباعها، لتحقيق الاستفادة القصوى من القراءة، ومن ذلك:
1- الاهتمام بتجهيز المكان الذي سنمارس فيه متعة القراءة، وذلك عبر النقاط التالية:
- الاهتمام براحة المكان، وطريقة الجلوس، وأن تكون مريحة.. فالجلسة المريحة تُنتج قراءة مركزة.
-  الاهتمام بالإضاءة، وأن تكون مهيأة بطريقة صحية لا تؤذي العينين، ولا تصيبهما بالتعب والإرهاق..
- الابتعاد عن أي مصدر ضوضاء، كوجود تليفزيون، أو راديو، أو أيّ صوت يُفقِد التركيز.

2- ابدأ بالمقدِّمة: المقدِّمة هي من أهم أجزاء الكتاب، ونحن عادة ما نهملها بحجة رغبتنا الدخول في المضمون مباشرة، وهذا خطأ كبير.
فالمقدِّمة هي مفتاح الكتاب، وهي التي ترسم صورته العامة، وهي التي تقول ماذا يحوي الكتاب، كما أنها تحدِّد منهجية الكاتب في كتابه، فهي المصباح الهادي لنا في القراءة. فأول ما نفعله، هو قراءة مقدِّمة كل كتاب.
3-  انظر إلى الفهرس: علينا أن ننظر للكتاب نظرة شاملة قبل أن نقرأ حرفاً واحداً، فلا يشدَّنا عنوان معين، أو موضوع نحب القراءة فيه، عن فتح فهرس الكتاب، وأخذ نظرة شاملة عنه، وعن ترتيب أبوابه وفصوله، وعن علاقة كل باب بالآخر.
4-  استوعب التصنيف: انظر في الفهرس ثانية، واقرأ تفصيل كل باب وفصل في الكتاب، وحاول استنباط الروابط بينها، فذلك أدعى أن نكون محيطين بمنهجية الكتاب وتسلسله.
5- دوِّن العناوين: عادة ما يتخذ الكُتَّاب أحد طريقين: الأول: عنونة كل فقرة أو موضوع. الثاني: الكتابة السـردية دون عنونة. وفي الحالتين ننصح من يقرأ بأن يحتفظ بقلم وورقة يضعهما داخل الكتاب، ويدوّن عناوين كل فقرة قرأها، على أن يكون العنوان دالاً على مضمون الفقرة، فيبدأ بوضع عنوان الباب الرئيسـي، ثم عنوان الفصل، ثم عناوين الفقرات الداخلية، ثم بعد الانتهاء من الفصل، ينظر إلى هذه العناوين ليتذكَّر ما قرأه، ويعرف تسلسل أفكار الفصل. ويعيد الكَرَّة بعد الانتهاء من كل باب، كي يربط بين فصول الباب كلها، وهكذا مع الأبواب حتى ينتهي من الكتاب.
6- لا تُهمِل الخاتمة: من الأمور المهملة عندنا الخاتمة، مع أنها تعتبر خلاصة الكتاب، ومفتاح ما قد يكتبه المؤلِّف.. إذ في المقدِّمة يقدِّم المؤلِّف مساره، وفي الخاتمة يقدِّم ما توصَّل إليه من نتائج، والقارئ يأخذ من الخاتمة النتائج والخلاصات.
7- قُم بمراجعة نهائية: قبل أن تغلق الكتاب ألقِ نظرة جديدة على الفهرس، ثم نظرة على ورقتك، وراجع الأبواب والفصول والعناوين الداخلية، وبذلك تكون قد أعدت قراءة الكتاب ثانية، ولكن بطريقة شاملة موسوعية.
هذه خطوات القراءة المنهجية، وبهذه الطريقة يحدث التحصيل الأمثل، وحتى لو سقطت منه بعض النقاط، فستكون العودة إلى الورقة كافية للتذكير. وقد تكون هذه الطريقة متعبة في البداية، وتحتاج إلى صبر ومثابرة، لكن من يطبقها لفترة سيجد نفسه يستغني عن الورقة والقلم، وسيصبح ذهنه قادراً على حفظ المعلومات بترتيبها المنهجي، دون الحاجة إلى أن يكتب حرفاً.
نعم، لا بد للمرء الذي يرغب في قراءة الكتب ومطالعتها من أن يعرف أولاً ما هي الكتب التي يجب عليه أن يبدأ بها؟ وما هي الكتب التي تستحق القراءة؟ ولا بد له من أن يعرف من هم الكُتَّاب الذين يستحقون أن يُقرأ لهم؟ فالقارئ يجب أن يبدأ رحلته التثقيفية بقراءة الكتب التأسيسية السهلة والميسـرة. كما يجب عليه أن يأخذ بعين الاعتبار أنه ليس كل كتاب يستحق القراءة، وكذلك الأمر بالنسبة للمؤلفين.
وحتى يتمكن الإنسان من قراءة كتاب ما قراءة ممتازة، ويستطيع أن يحقق من هذه القراءة أقصـى استفادة ممكنة، بأقلّ مدة زمنية ممكنة، يجب عليه أن يتخذ العديد من الأسباب والوسائل والطرق التي تحقق له هذه الغاية. ومن تلك الأسباب، عدا ما أشرنا إلى بعضه أعلاه:
تعرّف على الكاتب ودار النشـر: من المهم أن تعرف جهة النشر التي أصدرت هذا الكتاب، هل هي حكومية، أم جهة تعتني بثقافة معينة، ولها توجهات فكرية محددة؟ هل هي دار تعنى بالفكر، أم بالربح والانتشار فقط؟ فهذا سيساعدك على تقييم مبدئي للكتاب قبل أن تقرأه. ثم تعرّف على الكاتب، ماهو تخصصه؟ ما الذي جعله يكتب هذا الكتاب؟ ماهو توجهه الديني، أو السياسي؟ ثم اربط موضوع الكتاب بالكاتب.. على سبيل المثال: إذا كان الكتاب عن قضية نسائية، فماهو جنس الكاتب، ولماذا – إن كان ذكراً- اختار أن يكتب عنها؟ وإذا كان الكتاب عن الحرية – مثلاً -، فهل سُجن مؤلفه قبل ذلك، ليكتب عن الحرية؟ وليس صحيحاً بأن الكتاب الجيّد يصدر عن المؤلف الجيّد فقط، فقد تجد كاتباً مغموراً يكتب كتاباً ممتازاً، لكن الكثير منا لا يريدون أن يضيعوا أوقاتاً ثمينة في استكشاف المؤلف الجيّد بقراءة الكتاب، لذلك تعرّف على الكاتب أولاً، قبل أن تقرأ كتابه، أو استرشد بآراء من تثق بهم ممن سبقك في الطريق..
ابحث عن الأفكار: الكتاب يقدم لك الكثير من حياة وعلم وتجارب الكاتب في أفكاره المدونة. لا تقرأ الكتاب بحثاً عن المعلومات فقط، فأنت تستطيع أن تفعل ذلك باستخدام محرك البحث (غوغل) للبحث عن أي معلومة كانت. ابحث عن الأفكار، اسأل نفسك ماذا يريد مؤلف الكتاب أن يوضّح عندما ألف كتابه؟ كيف توصّل إلى أفكاره المدوّنة في هذا الكتاب؟ هل استند على براهين دعمت أفكاره ؟ إلى من يريد الكاتب أن يصل بكلماته هذه؟ كثيرون هم قارئون نهمون للكتب، لكن لا تظهر عليهم أي تطورات واضحة في أفكارهم، لأنهم يقرأون بحثاً عن القصة أو المعلومة. تخيّل أن هناك شخصاً مفكّراً دَرَس ودرّس وسافر واختلط بالناس وواجه العديد من المصاعب، ثم ألّف كتاباً، قراءتك لكتابه تعني أنك حصلت على فرصة عظيمة ليخاطبك هذا الشخص لمدة ساعات، ويعرض عليك أفكاره، فلا تفوّتها بحثاً عن المعلومات.
اقرأ بعين ناقدة: اسأل نفسك: في أي زمان ومكان كُتِبَ هذا الكتاب؟ قد يكون الكاتبُ منحازاً إلى جماعة معينة، أو إلى أفكار معينة، ويظهر انحيازه هذا في كتاباته. ابحث عن حجج المؤلف في الكتاب، وقيّمها: هل هي مخالفة أو موافقة لما قرأته مسبقاً؟ وإن كانت مخالفة، فهل هي أقوى من حجج السابقين؟ تستطيع أن تربط الكتاب بالأحداث الحالية، أو بتجاربك الشخصية، لأن الكتاب أحياناً مرآة لقارئه.
اقرأ في الكتب المخالفة لأفكارك: من غير الممكن أن تتطور شخصيتك وأنت تقرأ لأشخاص يوافقون تفكيرك منذ نشأتك.. اقرأ وفكّر بعقلك، وتذكّر أن الله تعالى خاطب (أولي الألباب)، أو أصحاب العقول، في القرآن، ست عشرة مرة، وابن حزم يقول: "لولا العقل لم يعرف اللهَ أحدٌ".. لا تقلق من الذين يخبرونك بأن هذه الكتب تلّوث أفكارك، فما دمت لست متكبراً، وتبحث عن الحق، فسوف تجده.. ثم إن قراءتك في الكتب المخالفة لأفكارك، تجعلك تعتاد على تقبّل الآخرين، وتوجهاتهم المختلفة عنك، من غير أن تتبناها.
اقرأ الكتب الكلاسيكية (الأمهات): يقول الكاتب الأمريكي (مارك توين): "لا يوجد فرق بين الأمّي والشخص الذي لا يقرأ كتباً جيدة".. والكلاسيكيات تُعتبر من الكتب الجيّدة. تستطيع أن تتعرف على العديد من المشاعر تجاه المواقف المختلفة، والتي لم تجربها من خلال الكلاسيكيات، وبمساعدتها، ستتفهم أوضاع البشـر وتقلباتهم بين الخير والشر. الكلاسيكيات مهمة تجعلك تحس بالإنسان وإن أخطأ، لأنك ستتفهم جيداً لماذا أخطأ. نحن نكبر مع فكرة أن في العالم لونين فقط، هما الأبيض والأسود، لكن مع تجارب الحياة نكتشف بأن هناك ألواناً عديدة غير هذين اللونين.. العلم وحده ليس كفيلاً بأن يجعلك إنساناً، لا بدّ من الاطلاع على الأعمال الأدبية والفلسفية. انظر إلى من يشتغل في الطب، أو الهندسة، أو غيرها من العلوم، وهو قليل البضاعة في غيرها، وانضم إلى الجماعات الإرهابية، فهؤلاء لا يرون العالم إلا بلونين فقط!!
اقرأ التاريخ: من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبداً، وسوف يرى الدنيا أياماً يدوالها الله بين الناس. اقرأ التاريخ بأقلام المنتصـرين والمهزومين. إن استطعت أن تجد كتاباً في التاريخ كُتب بيد المهزوم، أو من أشخاص ليس لهم علاقة بالمنتصـرين أو المهزومين، فاقرأه. مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعية، ستتفاجئ بوجود الكثير من التدليس في الأخبار التي تعايشها، فكيف تحكم على تاريخ كُتب من مصدر واحد (المنتصر)، قبل ظهور الانترنت؟! اقرأ عن الدول العظيمة التي تسمع عنها وتتفاخر بها، وسوف تتفاجئ أن عظمتها بُنيت على عظام المساكين والفقراء.
تفاعل مع الكتاب: لا تقرأ الكتاب دون أن تتفاعل معه. احمل في يدك قلماً تخط به الجُمل التي أثارت انتباهك، ودوّن رأيك وتعليقاتك في هوامش وصفحات الكتاب. استخدم رموزك الخاصة بك.. على سبيل المثال: تستطيع أن ترسم (نجمة) بجانب جملة مهمة، (قلباً) بجانب اقتباس يعجبك، أو (علامة تعجب) بجانب جملة تود الرجوع إليها لاحقاً. إذا واجهت كلمة دون أن تعرف معناها، فابحث عنها في (غوغل). تحدّث عن الكتاب مع أصدقائك، وشاركهم رأيك عنه، وعن مؤلفه. بإمكانك أن تشارك بمقتطفات من الكتاب، عبر وسائل التواصل الاجتماعية المختلفة. عند الانتهاء من قراءة الكتاب، افتح مذكرة في جهاز الكمبيوتر لديك، ثم اكتب الاقتباسات التي أحببتها في هذا الكتاب، هذه الطريقة تجعلك تعود إليها بين حين وآخر..

ماذا نقرأ؟
هل كل قراءة مفيدة؟ وهل كل ما يقرأه (س) من الناس، يكون مناسباً، ومفيداً، له؟.. وهل هناك مادة معينة، أو لوناً محدداً من الكتب يجب قراءته؟.. وهل هناك ما لا يجب أن نقرأه؟.. ما هو المسموح والممنوع في القراءة؟
هذه أسئلة اختلفت الإجابات عليها بحسب السائلين، وبحسب المجيبين عليها أيضاً؟.. فهناك من يراعي حال القارئ، فيما إذا كان مبتدأ أو متقدماً في القراءة، فيبيح لهذا ما لا يبيح لذاك.. وهناك من ينطلق من آيديولوجيا معينة، أو رؤية محددة للحياة والعالم، فيمنع ويحرم بحسب ما يرى، وما يظن أنه الصواب..
ولكن الجواب الأقرب إلى الصحة هو في القول بأن "الكتب طعام الفكر، وتوجد أطعمة لكل فكر، كما توجد أطعمة لكل بنية. ومن مزايا البنية القوية أنها تستخرج الغذاء لنفسها من كل طعام، وكذلك الإدراك القوي يستطيع أن يجد غذاء فكرياً في كل موضوع". (عباس محمود العقاد)، أو في القول بأن الكتاب مثل القميص " كثيرا ما تكون جودته من مناسبته للابسه، وليست جودة قماشه أو لونه، فقد يكون الكتاب ملائماً لك، ولكن مادته التي يشرحها لا تدخل ضمن أولياتك القرائية" (د. عبد الكريم بكار).. بمعنى أنه لا حظر على القراءة من حيث المبدأ، ولكن ليست كل قراءة مفيدة لكل شخص، فربما كانت هناك قراءة مفيدة لشخص دون آخر، بحسب احتياجاته وأولياته.. فهذه أمور تختلف بحسب ثقافة الإنسان، وإدراكه، وحاجته، وحالته المزاجية والنفسية.. وليس مثل الإنسان نفسه حكماً على نفسه، وما يصلح له من الكتب والعلوم وما لا يصلح، فهو أدرى بما يناسبه وما لا يناسبه، هذا إن لم يكن مبتدئاً، أو مضطرب الفكر، مشوش الذهن.. وآنذاك، فمن الأفضل أن يستمع إلى نصائح أصحاب الخبرة في هذا المجال..
فالأصل، إذاً، أن يقرأ الإنسان كل شيء.. ولكن هل يستطيع الإنسان – عملياً – أن يقوم بذلك؟.. لا، بالطبع، فمن المستحيل أن يستطيع الإنسان قراءة كل شيء خلال حياته القصيرة، وآنذاك فلا بد من الحصر والتحديد، واختيار المناسب والمفيد، والتركيز على التخصص، والمجالات التي تكون أقرب إلى اهتمام الشخص القارئ.. إذ كما يقول (د. عبد الكريم بكار): إنه "لو قدر للمرء أن يقرأ في حياته 60 سنة، وقرأ في كل أسبوع كتاباً، فإنه يكون قد قرأ نحواً من 3 آلاف كتاب، وهو رقم متواضع جداً بالنسبة إلى ما هو منشور"..
ومن هنا، فإن الخبراء في هذا المجال لهم نصائحهم التي تكون مفيدة في الإجابة على سؤال: ماذا أقرأ؟ أو: كيف أختار كتابي؟.. ونستطيع هنا أن نوجز أقوالهم فيما يلي:
هناك عدة طرق تساعدنا في اقتناء كتاب ما، أو قراءته.. منها ما ينجح معنا، ومنها ما قد لا يكون مفيداً لنا، ومنها ما قد يصادف أن يكون رائعاً ، لكن بشكل عام لا توجد قاعدة ثابتة! فشكل الغلاف – مثلاً -، أو عنوان الكتاب، قد يوحي للكثيرين أن مضمونه جيد، لكن الشكل والعنوان لا يمسّان من قريب أو من بعيد مضمون الكتاب، وهما  ليس إلا أن يكونا حافزين لاقتناء الكتاب، أو اجتنابه!
وكذلك، فإن عدد الطبعات، و(أكثر الكتب مبيعاً).. يعبّران عن  مدى الإقبال على الكتاب، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا الكتاب قيّماً.. فقيمة الكتاب لا ترتبط بالضرورة بمدى الإقبال عليه، فكم من كتاب مشهور، وهو غير ذي قيمة، والعكس صحيح!
وكذلك الأمر بالنسبة للمؤلف.. فعندما نقرأ اسم مؤلف معين، فهذا يشجّعنا على شراء كتبه.. لكن هذه الطريقة أيضاً ليست مثلى، فليس كل ما يكتبه نفس المؤلف يكون مميزاً.. لكنها تبقى طريقة أفضل ممن سبقها!
أما البحث في مضمون الكتاب، وقراءة جزء منه.. فأحسب أن هذه الطريقة هي الأفضل، فبإمكانك أن تبحث بالشبكة العنكبوتية عن مضمون الكتاب، وأن تقرأ بعضاً من مقتطفاته ومقاطعه، وأن تجد إذا كانت هذه النوعية تناسبك أو لا.. كما يمكنك أن تسأل غيرك عن مضمون كتاب معيّن، وسماع آراء من سبق أن قرأ الكتاب ، مع أن هذه طريقة ليست بمضمونة، فما يعجبني ليس من الشرط أن يعجبكـ، لكنها قد تفي في بعض الأحيان.. وهكذا !!
والقراءة كغيرها، قد تكون نعيماً على القارئ، وقد تكون وبالاً. فأنت حين تختار كتاباً لتقرأه، فقد قررت تقديم وجبة شهية لعقلك، وهذا يشبه تماماً حين تغذّي معدتك بوجبة طعام، فهل ستختار لها وجبة رديئة؛ الخبز فيها متعفن، واللحم فيها تفوح منه رائحة نتنة؟!.. بالطبع لا، لأنك حريص جداً على معدتك، ولا تريد أن ينتهي بك الأمر إلى سيارة الإسعاف!.. نفس الحال ينطبق على عقلك: هل تقبل أن تقدم له وجبة متعفنة، سوف تفسد عقلك؟!.. وكما يقول (العقاد): "إن التحديد في اختيار الكتب هو كالتحديد في اختيار الطعام، وكلاهما لا يكون إلا لطفل في هذا الباب أو مريض، فاقرأ ما شئت تستفد، إذا كان لك فكر قادر أو معدة عقلية تستطيع أن تهضم ما يلقى إليها من موضوعات، وإلا فاجعل القابلية حكماً لك فيما تختار، لأن الجسم غالباً يغذيه ما نشتهيه"..
نعم، فليس كل الكتب تُقرأ! وهذه حقيقة، ولن يستطيع المرء أن يقرأ في حياته كل ما كتب، وكل ما يطبع، فلذلك لا بد من التخصص، ولا بد من عدم إضاعة الوقت مع الكتب غير النافعة، أو غير ذات الأهمية بالنسبة لك.. فاقرأ الجَميل والرائع، الذي تَسـُرّ بِهِ النُفوس، وتُشـرح به الصدور، ويعينك على تكوين ثقافتك المتميزة..
وهنا نتساءل: كيف تتمكن من اختيار كتاب جيد لكي تقوم بقراءته؟
اتبع، إذاً، الخطوات التالية:
 1. ما هو غرضك من القراءة؟
قبل أن تفكر في اختيار الكتب التي تريدها، عليك أن تسأل نفسك عن غرضك الرئيسـي من القراءة، لأنه توجد أغراض مختلفة من القراءة، وكلما أدركت غرضك بسهولة، كلما أمكنك اختيار الكتب بصورة أكثر دقة. فمثلاً القراءة المعرفية، كأن يقرأ الإنسان رغبةً في التثقيف والحصول على المعرفة والمعلومات من الكتاب الذي يقرأه، مما يزيد من حصيلته الثقافية. أو القراءة الترفيهية، وهي أن يقرأ الإنسان للاستمتاع بالكتب، وتعتبر وسيلة للترفيه بالنسبة له. غرض آخر من بين أغراض القراءة هي القراءة التفاعلية، وهي أن يقرأ الإنسان للتفاعل مع الواقع، (كمن يولد له طفل، فيعتمد على الكتب كوسيلة لتعزيز قدراته على التربية. وبالتالي، فإن هذا سوف يجعل تركيزه منصباً على اختيار الكتب التي تتحدث عن التربية، وكيفية التعامل مع الطفل في مراحله المختلفة). وهناك القراءة الوظيفية والقراءة التطويرية، في الأولى يقرأ الشخص حول مجال عمله ليفهمه بشكل أكبر يساعده على إتمام المطلوب منه، وفي الثانية يقرأ الشخص ما يتفق مع مجال عمله لكن بغرض التطوير، فهو على دراية بما يفعله، لكنه يبحث عن المزيد. وهكذا توجد خمس أغراض من القراءة على الأقل، وهناك – بالتأكيد - أغراض أخرى، فإن كنت قادرًا على تحديد غرضك بالضبط، سوف تجعل من عملية اختيار الكتب أسهل كثيرًا..
2. طلب ترشيحات من أصدقاء تثق بهم:
تعتبر هذه أكثر الطرق شيوعًا في اختيار الكتب. وهي أن تلجأ إلى أصدقائك الذين تثق برأيهم، وتطلب منهم الترشيحات. لماذا يجب أن تكون على ثقة بهؤلاء؟ لأن القراءة تمثل أذواقاً مختلفة لأصحابها، وما يجده البعض مفيدًا، قد لا تجده أنت كذلك. غير أن مسألة ترشيح الكتب لا يجيدها كل الناس من حولك، وبالتالي يجب أن يكون هناك قدر من الثقة في اختيارات الأصدقاء، بحيث لا تضيّع وقتك في القراءة. في هذه الطريقة يعتمد الأمر عليك أنت أكثر من اعتماده على صديقك، لأنك مكلّف بأن تخبره بما تريده بالضبط، وبالتالي فتتم عملية اختيار الكتب بشكل صحيح.. فحتى إن كان صديقك يعرف كتباً متعددة، ويجيد ترشيح الكتب للآخرين، فإنه قد يعجز عن مساعدتك إن لم تخبره بما تريد بشكل صحيح. كذلك كن حريصًا على أن تقسم أصدقاءك إلى فئات حسب معرفتك بمقدرة هذا الشخص في الترشيحات، لأنك قد تملك شخصًا يجيد ترشيح كتب التاريخ، وآخر قد يجيد ترشيح الروايات، وبالتالي لا يمكنك أن تلجأ إلى الأول لترشيح الروايات، أو العكس. فبوجود التقسيم، سوف تجد أنك تحصل على الترشيحات المناسبة دائمًا.
3. اختيار الكتب من خلال مراجعة الفهرس وتصفح الكتاب:
من الوسائل الأخرى التي يمكنك الاعتماد عليها في اختيار الكتب هي مراجعة الفهرس، ومن ثم تصفح الكتاب للتعرف على بعض الأجزاء الموجودة به، والتي يمكنك أن تحددها من الفهرس، مما يسمح لك بأن تحدد إن كانت هذه العناصر هي المتوافقة مع ما تريد أو لا. لكن هذا قد لا يكون كافيًا في عملية اختيار الكتب التي تريدها، وهنا يأتي دور الخطوة التالية، وهي خطوة تصفح الكتاب. فبعد أن تحدد بعض العناصر من الفهرس، تذهب إلى الصفحة المطلوبة وتبدأ في تصفح محتوياتها سريعًا، فيما يعرف باسم القراءة السريعة، التي تعني تصفح الكتاب بسـرعة؛ بحثًا عن إن كان ذلك يتوافق مع ما تريد أو لا. فإن وجدت من خلال القراءة السـريعة أنك وصلت إلى ما تريد، يمكنك أن تبدأ في القراءة العاديّة لتتأكد أكثر من أن الكتاب يحتوي ما تريد. كذلك فإنه من خلال هذه القراءة يمكنك أن تتأكد من أسلوب الكاتب، وتتعرف عليه عن قرب، فمن الأمور الهامة في اختيار الكتب هي أن تعرف مستوى الكاتب الذي تقرأ له، وأن تكون مدركًا إن كان يناسبك أو لا، لا سيما وأنه يوجد العديد من الكتّاب الذين يكتبون لكن لا يحب الجميع القراءة لهم، لأنها مسألة أذواق في هذه النقطة، والأسلوب الذي تفضله أنت، قد لا يفضله غيرك... كذلك من الأمور الضـرورية في اختيار الكتب أن تقرأ المكتوب على ظهر الغلاف، لأنه يعبّر عن محتوى الكتاب، وهو شيء آخر يمكن أن يساعدك في الاختيار.
4. استخدام مواقع تقييم الكتب:
ماذا لو كنت لا تملك أصدقاء يمكنهم ترشيح الكتب لك؟ وماذا إن كنت تعجز عن تحديد ما تريد من خلال تصفح الكتب؟ قد تظن أن هذا سوف يمثل لك مشكلة، لكن الآن توجد حلول أخرى، وربما كانت أفضل في بعض الجوانب من سابقاتها، وهي أن تقوم باستخدام مواقع تقييم الكتب. ومن أشهر هذه المواقع الموجودة حاليًا هو موقع Goodreads حيث يجمع أغلب الكتب الموجودة على مستوى العالم، ويتم عمل تحديث مستمر له، كما أنه يتيح للمؤلفين التواجد على الموقع، وإضافة كتبهم. إذًا لو رغبت في استخدام هذه الوسيلة لمساعدتك على اختيار الكتب التي تريدها، يمكنك أن تركز على أن تقرأ النبذة التي يتم إضافتها عن الكتاب، وأن تعرف درجة التقييم التي حصل عليها حتى الآن. ومن ثم تبدأ في قراءة المراجعات التي كتبت عنه على الموقع، حيث أنك سوف تجد آراءً متعددة، وتتفاوت في درجة الإعجاب أو عدم الإعجاب بالكتاب. هذه المراجعات تكون تفصيلية أحيانًا، وتساعدك في حسم قرارك حول إن كان هذا هو الكتاب المناسب لك أو لا..
 5. عنوان الكتاب، واسم مؤلّفه، ودار النشر:
توجد بعض دور النشـر المشهورة بأنها تتخصص في أشياءً بعينها في صناعة الكتب، بالتالي فإن تحديدك لغرضك من القراءة يمكنك من البحث عن دور النشـر المتخصصة في صناعة الكتب التي توافق غرضك. أيضًا من الأشياء التي يمكنها أن تساعدك على اختيار الكتب هي عنوان الكتاب ذاته، سواءً كان العنوان واضحاً ومباشراً وكأنه يخاطبك أنت، أو كان كتاباً بعنوان غريب، لكن عليك أن تكون حذرًا، لأنه في الوقت الحالي أصبح العديد من الأشخاص يعتمد على وضع عناوين غريبة لتسويق كتابه، وقد تكتشف في النهاية أنك لم تستفد شيئاً. أيضاً اسم المؤلف يعتبر من العناصر التي تساعد في الاختيار، فمعرفتك بأسماء كتّاب بعينهم تجعل كتبهم مفضلة بالنسبة لك، وهو الأمر الذي يمكن أن يساعدك جدًا. على الرغم من ذلك تعتبر هذه النقطة غير كافية، لا سيما وأن الكاتب قد لا يقوم بالتأليف في مجالات كثيرة، فهو قد يتخصص في شيءٍ بعينه، فتصبح عملية اختيار الكتب الخاصة به لا تقدم لك إضافة جديدة، حتى وإن كنت تستمتع بقراءتها.
 6. لا تختر أول كتاب يقابلك:
تخيل أنك في معرض للكتاب وتوجد أمامك العديد من الكتب، وقد قمت بتصفح كتاب معين، ووجدت أنه يناسبك، لكن هل يعني ذلك أن هذا هو أفضل كتاب لك؟ الإجابة قد تكون نعم، وقد تكون لا. والطريقة الوحيدة التي يمكنك من خلالها التأكد من ذلك الأمر هو أن تبحث بنفسك في الاختيارات الأخرى الموجودة أمامك. فأياً كانت طريقتك التي تتبعها في اختيار الكتب التي تناسبك، دائمًا امنح لنفسك فرصة لمعرفة عدد كبير من الكتب الموجودة، حتى يمكنك اختيار الكتب التي تناسبك بأفضل جودة ممكنة. وينطبق هذا الأمر على كل الطرق التي ذكرناها في الفقرات الماضية. مثلًا إن كنت تعتمد على الترشيحات، اطلب من صديقك أن يرشح لك عشـر كتب بدلًا من خمس، بحيث يكون لديك مساحة أكبر للاختيار، وإن كنت تعتمد على مواقع تقييم الكتب، فلا تقرأ تقييم كتاب واحد بل أكثر من كتاب. أما إن كنت تعتمد على طريقة تصفح الكتب التي ذكرناها، فإن الحل هنا هو أن تتصفح عددًا من الكتب، وتحدد لنفسك طريقة اختيار الكتب المناسبة بدرجة من عشـرة مثلًا. فعند الانتهاء من تصفح أي كتاب امنحه درجة، طبقاً لأسلوب كاتبه ومحتواه والفهرس الخاص به، وعندما تنتهي من تصفح عدد من الكتب، يمكنك أن تختار الكتاب الذي حصل على أعلى درجة..
وفي رأيي فإن أفضل الطرق في عملية اختيار الكتب هي أن تجمع بين كل هذه الوسائل معاً: تأخذ ترشيحات من الأصدقاء، وتتصفح الفهرس لهذه الكتب، وكذلك تقرأ جزءًا قراءة سريعة كما ذكرنا، وتجمع بعض المعلومات عن الكاتب، وفي النهاية أن تدخل إلى مواقع تقييم الكتب لتحدد موقفك الأخير من الكتاب. فالجمع بين هذه الأشياء يجعلك على قدر كبير من القناعة بالكتاب، سواءً قررت أن تقرأه، أو قررت أن تبحث عن كتاب آخر.
إن اختيار الكتب من المهام الصعبة كما ذكرنا، لكنك لو نجحت في التعامل معها بالشكل الصحيح، فإنك سوف تضمن لنفسك قراءة الكتب التي تناسبك، وهذا هو الأهم في النهاية.

كيف ننشئ فرداً، ومجتمعاً، قارئاً؟
لقد خلق الله الإنسان قارئاً، وذلك من أجل المهمة التي أعدّ لها، مهمة خلافة الله في الأرض، وعمارتها، كما ذكرنا سابقاً، وهذا يدل على عظم وأهمية هذه الصفة، أو المقدرة، لدى الإنسان.. ولقد كانت هذه المقدرة هي الأساس في التقدم المعرفي والحضاري لدى الإنسان، فلولاها لما استطاع الإنسان من تحصيل التراكم المعرفي والحضاري.. يقول (ابن سعدي) في (تيسير الكريم الرحمن): {الَذِي عَلّمَ بِالْقَلَمِ * عَلّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}، فإنه تعالى أخرجه من بطن أمّه لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصـر والفؤاد، ويسّر له أسباب العلم، فعلّمه القرآن، وعلّمه الحكمة، وعلّمه القلم الذي به تحفظ العلوم، وتضبط به الحقوق، وتكون رسلاً للناس، وتنوب مناب خطابهم، فلله الحمد والمنة"..
إن المؤرخون يؤرخون بحدث اختراع الكتابة، "للتأشير على الفواصل القائمة ما قبل التاريخ، وما بعد التاريخ، ... دلالة على عظمة الزلزال الذي أصاب البشرية بفعل هذا الاختراع. لأن الكتابة خزان لكل ما راكمه الإنسان في سبيل الاقتراب من معرفة الحقيقة، والاقتراب من مُراد الله في هذا العالم البديع"... "هكذا، إذن، ظهرت صناعة الكتاب. وهكذا، أيضاً، صارت قراءة هذه الكتب شرطاً لازماً لاكتمال إنسانية الإنسان. ولا عجب، بعد هذا، أن نجد أول آية في كتاب الله الحكيم، كانت دعوة للقراءة وتصفح الأوراق والتصورات المسبوقة عن العالمين. ومن هنا، نجد أن الإنسان لا ينال كرامته الموهوبة من مستخلفه {ولقد كرمنا بني آدم}؛ إلا بعد أن يقرأ ويكون قارئاً. إن صفة الإكرام لم يُقرنها الباري به سوى بعد حديثه عن القراءة. إن المُكرمون هم القرّاء: {اقرأ وربك الأكرم}، أي اقرأ لتكون إنساناً، ويحقّ لك السؤال عن الكرامة. أما أن تطالب بالكرامة وأنت هائم في ظلام الجهل وبلادة الحس والألفة الغافلة؛ فذاك ضرب من ضروب التخريف وأضغاث الأحلام. إن القراءة واجب على كل إنسان كي يكون إنساناّ بحق".
"إن القراءة واجب على كل إنسان. وإن حث الناس على القراء لن يُفلح بتسليط الأضواء على الفوائد المعدودة المستفادة من القراءة (كاللغة والبيان، والقدرة على الرد على الخصوم من الأغيار والأعداء). إنما منطلق الفلاح هو إثارة مسألة القراءة باعتبارها قضية وجودية، بدونها يصير الإنسان عنواناً لنص فارغ من المضمون والمعاني والغايات!"..(عبد الكريم سروش، القبض والبسط في الشريعة، دار الجديد: بيروت، الطبعة الثانية، 2010، ص:94-95)
و"إذا كانت القراءة أهم وسيلة لاكتساب المعرفة، وإذا كان اكتساب المعرفة أحد أهم شروط التقدم الحضاري، فإن علينا ألا نبخل بأيّ جهد يتطلبه توطين القراءة في حياتنا الشخصية، وفي حياة الأمة عامة. فالمسألة ليست كمالية ولا ترفيهية، وإنما هي مسألة مصير!"..
و"لا ريب أن جعل (القراءة) إحدى مفردات أعمالنا اليومية، لن يكون يسيراً؛ حيث يقتضـي تغييراً جوهرياً في سلوكاتنا وعاداتنا، كما يتطلب توفير المال والوقت، وقبل ذلك الأهداف والدوافع. ومع كل ما في ذلك من عناء ومشقة، إلا أنه لا خيار آخر أمامنا، وعلينا ما دمنا نود أن نحيا الحياة التي تليق بكرامة المسلم وغايات وجوده على هذه الأرض، أن نتحمل تكاليف ذلك عن طيب خاطر". (القراءة المثمرة - عبد الكريم بكار، ص 18)
ولتحقيق ذلك علينا اتباع مجموعة من الخطوات والإجراءات، والتي يمكن اختصارها فيما يلي:
1-         الدافع :
زوّد البارئ – جل وعلا- الإنسان بعدد من القوى الفطرية (الغرائز) التي تدفعه إلى سلوك معين، وترسم له أهدافه وغاياته، من أجل تحقيق توازنه الداخلي، وإعداده للتكيف مع البيئة الخارجية. وتظل حياة المرء معلقة على الاستجابة لعدد من الدوافع، وتلبية عدد من الحاجات الأساسية؛ فيستحيل استمرار حياة الفرد من دون أخذ الحد الأدنى من كفايته من الطعام والشراب والهواء.
وهناك إلى جانب هذه حاجات ودوافع، لا تتوقف حياة المرء على تلبيتها، وإنما يتوقف عليها تحسين نوعية الحياة، والارتقاء بالإنسان وتوفير الهناء له، مثل الحاجة إلى التقدير والأمن وقسط من المعرفة عن الوسط الذي يعيش فيه، والشعور بالتأنق… مما يصنف عادة مع الحاجات الثانوية.
ولم يصادف الإنسان مشكلة في التعامل مع دوافعه الأساسية، لكن مشكلته الأساسية في الاستجابة لدوافعه الثانوية، فالتخلف الحضاري، يجعل المرء مشغولاً بتلبية حاجاته الأساسية، ويجعل حسه وحدسه ضعيفاً نحو كل ما يحسّن حياته، ويدفع به في مراقي الكمال. وهذا هو السبب الجوهري في انعدام الدافع نحو القراءة لدى كثير من المسلمين. وحين يقطع المجتمع شوطاً في طريق الحضارة، فإنه يمارس ضغوطاً مادية وأدبية على أفراده من أجل أن يرحلوا من سوياتهم، من خلال السعي إلى الكمال والاهتمام بما يعدّه مجتمع مختلف أمراً هامشياً..
وإن كان الفكاك من رقبة التخلف الحضاري هو الحل النهائي لمشكلة العزوف عن القراءة، فإن هناك جهات عديدة بإمكانها أن تدفع بالناشئة -خاصة- خطوة إلى الأمام في هذا الاتجاه، مثل الأسر المتعلمة والمدارس والجامعات والنوادي الأدبية والمكتبات العامة والجمعيات الثقافية.. وأعتقد أن كل مدينة من مدننا جديرة بأن يكون فيها جماعة أو جمعية، مهمتها التشجيع على القراءة، والمعاونة على توفير الكتاب، على غرار جمعيات أصدقاء المرضى وحماية البيئة..
2-        تكوين عادة القراءة:
البدايات دائمة شاقة، وأشق مراحل الطريق هي المرحلة الأولى، وكثير من الناس يجد صعوبة بالغة عند البدء في أيّ عمل أو مشروع، وذلك لأن نتائج جهده في البداية تكون ضعيفة، كما أن استفادته من الوقت تكون غير مرضية؛ فالواحد منا يشعر أنه أمضى وقتاً طويلاً من أجل شيء لا قيمة له. لكن سيهون الأمر حين نعدّ البداية في أيّ أمر مثل تسخين (السيارة)، ثم يتعاظم الانطلاق شيئاً فشيئاً.
البدايات التربوية الجيدة تبدأ دائما في المنزل، والآباء هم المربون الطبيعيون، ولذا كان اهتمامهم بالعلم عاملاً حاسماً في تطور الموقف النفسـي لأطفالهم تجاه قضية التعليم، وتكوين عادة القراءة لديهم، فهم قادرون -إن أرادوا- على تكوين حسّ الملاحظة والإصغاء و الانتباه وتنمية الملكات، كوصف المشاهد، وعقد المقارنات ، وتمييز المفارقات؛ وكذلك غرس روح النظام والترتيب والجدولة في حياة أبنائهم اليومية.
... إن عادة القراءة لن تكون لدى الإنسان إلا عندما يشعر بشيء من المتعة واللذة ، وهذا لن يكون إلا حين تكون القراءة عبارة عن نوع من الاكتشاف، ونوع من تنمية العقل، وتوسيع قاعدة الفهم، وكل ذلك مرهون بامتلاك طريقة جديدة للتعامل مع المواد العلمية المقررة على الطلاب. إن قابليتنا للتعلّم تتحول بفضل ممارسة القراءة إلى براعة، كما أنه يمكن للتكرار والتمرين أن يجعلا من حب المعرفة طبيعة ثانية لنا.
3-        توفير الكتاب :
لأن القراءة لا تتمتع بأيّ أهمية لدى السواد الأعظم من أبناء الأمة، فإننا نسمع شكوى مستمرة من غلاء الكتب، وعدم توفر المال المطلوب لشـرائها. ولا نشك أن هناك قسماً محدوداً من الناس لا يجد أيّ سبيل لاقتناء الكتاب، بسبب بطالته عن العمل، أو بسبب كبر حجم أسرته.. لكن عند التمحيص في حياة معظم من الناس، سنجد أن سوء تنظيم عميلة الإنفاق لديهم هو المسؤول عن شعورهم بالعجز عن توفير ثمن الكتب وغيرها. ووقفة متأنية للنظر فيما يهدر من مال شهرياً على بعض الكماليات، وبعض الأشياء المقصود من استهلاكها الظهور والتسلق الاجتماعي؛ ستجعلنا نوقن أن السبب الجوهري للعزوف عن القراءة لدى كثير من الناس ليس شحّ المال، وإنما انعدام أيّ رغبة لديهم في مصاحبة الكتاب. ومع هذا فإن قضية كبرى كقضية القراءة يحتاج تعميمها إلى عدد من (الحلول المركبة)، وليس إلى حلّ واحد.
4-        توفير الوقت للقراءة:
إن أكثر من 80% ممن لا يقرؤون كتاباً في الشهر، يعتذرون بأنه ليس لديهم وقت للقراءة، فمدّة عملهم اليومي طويلة، وعملهم شاق يحتاج إلى راحة مديدة بعده، ثم إن الوقت القصير الذي يتبقى لدى الواحد منهم ينفقه في تدريس أولاده.. أعذار كثيرة يبديها كثير من الناس، مع أن في صدورهم شيئاً آخر يتلجلج ، لا يملكون فكاكاً منه: {بل الإنسان على نفسه بصيره *ولو ألقى معاذيره}.
إن الإحساس بالزمان منتج حضاري، ومن العسير على من لا يعيش عصره، ولا يشعر بإيقاعه، أن يفهم بدقة ما يقال اليوم عن أهمية الوقت، وأهمية تنظيمه، واستثماره، والمحافظة عليه، وهذه ضريبة أخرى من ضرائب التخلف الكثيرة.
إن الوقت هو المادة التي صنعت منها الحياة، وسيكون لكل الذين يبذّرون في إنفاقه أن يجدوا الكثير الكثير من البراهين على حسن تعاملهم معه. مع  أن الموضوعيين من بني البشـر يعرفون أن استغلال الوقت على نحو كامل مستحيل؛ ولذا فإنهم يتهمون أنفسهم دائما بالتقصير.
لو أن واحداً منا وضع سجلاً كاملاً يوضّح قضاءه أوقاته خلال أسبوع، لوجد أن نحواً من 20% على الأقل من نشاطاته لا يخدم أي هدف، ولا يعود عليه بأي نفع، وليس له أي معنى!.. ولو إننا دققنا النظر في (المكالمات الهاتفية) التي نجريها كل يوم، لاكتشفنا أن كثيراً منها لا حاجة إليه، ولوجدنا أن كثيراً مما يقال فيها، يمكن الاستغناء عنه. وإني واثق أن تنظيم هذا الجانب وحده من حياتنا، كفيل بأن يوفر يومياً نصف ساعة - على الأقل- يمكن أن نستفيد منها في قراءة مادة معرفية ننمي بها ثقافتنا.
إن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى الذين لا يقرؤون، ربما كانت أنهم لا يملكون أيّ أهداف، أو أيّ أولويات، يضغطون بها على حاضرهم، ويوجهون من خلالها جهودهم. سيكون مفيداً ونحن نبحث عن وقت للقراءة، أن نكتشف (الساعة الذهبية) في يومنا، حيث يكون الواحد منا في قمة نشاطه، كي نستفيد منها في التفكير الإبداعي، أو قراءة المواد الصعبة، أو التخطيط لأعمالنا.
... لو أن الواحد منا سأل نفسه: ما هو العمل الذي يمكن أن أقوم به الآن، ثم لا أقوم به؟ لو سأل نفسه: هل العمل الذي أقوم به الآن له أهمية وأولوية على غيره؟ لوجد كل واحد منا الوقت الكافي للقيام بالعديد من الأعمال النافعة، ولاختفى الكثير من الفوضى والكسل اللذين يغلفان حياة المسلمين اليوم!
إن تغيير السلوك في التعامل مع الوقت، يحتاج إلى وقت، وعلينا أن نثابر ولا نيأس.
5-        تهيئة جو القراءة:
إن هناك ارتباطاً وثيقاً بين إمكانية الفهم والاستيعاب، وبين الأجواء والأوضاع التي تجري فيها عملية القراءة؛ فالوضعية غير المريحة للقارئ، والمكان غير المناسب للقراءة، يقللان من إمكانية استمرار القراءة، كما يجعلان الفائدة منها محدودة.
(عن كتاب: القراءة المثمرة للدكتور عبد الكريم بكار، ص 18 – 26)
وقد تحدثنا فيما سبق عن ظروف وتقنيات القراءة المفيدة، فلا داعي لتكراره هنا..
إن القراءة المثمرة تستحق منا التخطيط والتفكير والمثابرة والعناء، لأنها من أهم العوامل التي تعيد صياغة وجودنا من جديد!. r

المصادر:
الكتب:
1.       القراءة المثمرة، عبد الكريم بكار، دار القلم، دمشق، ط6، 2008.
2.       لماذا نقرأ، طائفة من المفكرين، تقديم: رجب البنا، دار المعارف، مصر، ط2، د.ت.
المقالات:
تمت الاستفادة من مجموعة من المقالات على الروابط التالية:
3.       http://mawdoo3.com
4.       http://www.jadidpresse.com
5.       https://www.sasapost.com/opinion/why-do-we-read-2/
6.       http://www.alhayat.com/Opinion/Letters/7553474/
7.       alukah.net/culture/0/100302
8.       http://mawdoo3.com/
9.       http://mawdoo3.com/
10.    https://najm49.com/2015/08/26/how2read/
11.    http://www.huffpostarabi.com/kamal-lmasry/post_14164_b_14718004.html
12.    https://6oood.wordpress.com/2009/10/31
13.     https://www.ts3a.com/             

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق