الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017

قراءة في كتاب (الوسطية الإسلامية - دراسة تأصيلية منهجية فكرية)

قراءة: المفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور: محسن عبد الحميد
أستاذ التفسير والعقيدة والفكر في جامعة بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وآله وصحبة أجمعين.
أما بعد: فالإسلام دين الفطرة التي فطر الله (سبحانه وتعالى) الناس عليها، وهي تعني حقيقة كل شيء خلقه الله (سبحانه وتعالى)، لا تبديل لتلك الحقيقة، وأية محاولة للتجاوز عليها، لا بد أن تنتهي إلى الانحراف، ثم الخراب الذي يصيب ذلك الشيء، الذي يحرّف بل يدّمر كل شيء حوله.
ووسطية الإسلام هي تلك الحقيقة التي تتفرع منها عقائده وشرائعه وأنظمته الأخلاقية، التي تنقل العقائد والشرائع إلى السلوك البشري، لتكون الحياة متوازنة متعاضدة في دفع التنمية الحضارية إلى المواقع الحقيق بها أن
توضع.
وهذه الفطرة الكونية والإنسانية تبقى صافية محصنة عندما تسير وتتحرك في ظل أسماء الله الحسنى، التي منح الله (سبحانه وتعالى) بفضله عباده أنصبته منها.
غير أن الإنسان الظلوم الجهول يبعثرها، وعند بعثرتها تختل الحياة، وتنحرف الحضارة، وحينئذ يكون كالأنعام، بل يكون أضل، كما قال ربنا (سبحانه وتعالى) في كتابه الكريم: )أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ(([1]).
أما الإنسان الفطري المؤمن، فيجمعها بنسبها المعطاة لكل ناحية من نواحي العقل والروح والقلب والنفس، فتنمو بها الحياة، وتسعد بها الإنسانية.
وهذا هو الذي يريد الإسلام أن يقود البشرية إليه، من خلال وسطيته المنبثقة الشاهدة من تلك الوحدة.
ولقد أنزل الله (سبحانه وتعالى) القرآن الكريم على قلب رسوله الخاتم (صلّى الله عليه وسلّم)، بهذا المنهج الفطري المتوازن الجامع الوسطي، وأمره أن ينزله في ظل تلك الوحدة الكونية الكبرى على الحياة، لتسير متساندة غير مجزأة، لكي لا يأخذ الجاهل كل جزء منفرداً، فيحوله إلى دين قائم بذاته، بعيداً عن المنطق الداخلي الإيماني الذي يوحد بين تلك الأجزاء.
ومن هنا كانت حياة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وحدة متكاملة في حقيقة قرآنية موحدة، كل جزء منها يولد صفة من صفاته الكريمة، ليكون قرآناً يمشي على الأرض بين الناس، من حيث هو القدوة الكاملة للكائن الحي في هذا الوجود.
ولذلك لا نجد في سلوك رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، غلواً أو تطرفاً أو انحرافاً في كل نصيب من أنصبة الأسماء الحسنى، بل هو الحد الأوسط الذي جمع بينها في منهج وسطي مشهود. بمعونة الله (سبحانه وتعالى) الذي أرسله رحمة للعالمين.
والصحابة الكرام أدركوا هذه الحقيقة من حياة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فتمثلوها، ولذا كانوا يقومون قومة واحدة ضد كل شرود أو غلو أو تطرف.
وبرهان ذلك أنهم ألحقوا الهزيمة بكل الانحرافات التي ظهرت من أعماق النفس الأمارة، سواء أتت من داخل المجتمع الإسلامي، أم من خارجه. فلم تستطع من خلال غلوها أو تطرفها أو عنفها أو تكفيرها، أن تسلب من الأمة وسطيتها الإسلامية النابعة من منهجها القرآني وحقيقتها الإلهية.
وقد سخر الله (سبحانه وتعالى) لضبط هذه الوسطية الشاهدة، التي ارتضاها لحياة الأمة الإسلامية بقوله الشريف: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا(([2])، فقهاء ومجتهدي الأمة على بنائها عبر شبكة دقيقة موزونة من الأصول والقواعد والمقاصد والمآلات، التي استنبطوها من نصوص القرآن والسنة، تقطع الطريق على تحريف الأمة إلى مسالك مدمرة، أو دموية، ما أنزل الله (سبحانه وتعالى) بها من سلطان.
وقد وقع الكثير من هذا السوء في تاريخنا القديم، وفي وقتنا الحاضر كذلك، فانبرى له العلماء والباحثون والدعاة، لردّه، وإيضاح منهج الوسطية، كما ردّ السابقون الكرام على من أساء الفهم، أو جهل الحقيقة، أو غالى غلواً مقصوداً للنيل من عقيدة المسلمين ووحدتهم.
وأخونا الفاضل الدكتور (دحام إبراهيم الهسنياني) اقتدى بهم، وسار على منهجهم بمقدمات واضحة، وفهم شمولي دقيق، ودراسة عميقة وواعية، فشمّر عن ساعد الجد، فأخرج لنا هذه الأطروحة القيمة الموسومة: (الوسطية الإسلامية.. دراسة تأصيلية منهجية فكرية)، التي كشفت بأسلوب العصر عن تفاصيل هذا المنهج الوسطي، أصولاً وقواعد ومقاصد، بالاستناد إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، والاستفادة من الدراسات القرآنية الموضوعية، والأصولية الدقيقة، والفقهية العميقة، التي نسجها علماؤنا العظام عبر التاريخ الإسلامي المجيد، مع تتبع لأهم الدراسات الحديثة والمعاصرة التي دبجها يراع فقهاء الإسلام ومفكريه ودعاته في العصر الحديث.
أرجو الله (سبحانه وتعالى) أن يأخذ هذا الكتاب المهم مكانه في مكتبة التشريع الإسلامي، وفكره القيم، ويفيد الأمة جمعاء، لا سيما الجاهلين والشاردين والمحرفين والغاليين والتكفيريين، الذين صنعوا مآسي كبيرة لمجتمعاتنا الإسلامية، وغيرها من أصقاع العالم، وشوهوا حقائق الإسلام الناصعة أمام البشرية، التي هي اليوم بأحوج ما تكون إلى هداية ديننا الإسلامي الحنيف.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.




([1]) سورة الأعراف، الآية: 179.
(2) سورة البقرة، الآية: 143.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق