الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017

عبر حميدة من ذكريات سعيدة

د. حكيم مختار
باحث علمي                                                     
قبل ما يزيد على أربعين عاماً، وبالتحديد في عام 1971، إذ كنت طالباً في  المرحلة الثالثة/ جامعة السليمانية، عندما قررتْ رئاسة الجامعة إرسال 40 طالباً من المتفوقين لدورة استطلاعية علمية، أمدها أربعون يوماً، إلى تركيا و بلغاريا ورومانيا.. وكنت أحدهم.
واجتمعنا: الطلبة الأربعون، وثلاثة أساتذة، في (بغداد)، شهر تموز عام 1971.. وقبيل الصعود إلى (الأوتوبيس) أبلغت الأستاذ المشـرف على الرحلة - عن قصد -  بأنني قررت عدم السفر، وأني سأرجع إلى (دهوك). استغرب الأستاذ المشـرف، وارتبك، وطلب مني بيان السبب. أخبرته بأن السبب هو أنني ملتزم بالصلاة، والابتعاد عن المنكرات، وأنكم خلاف ذلك، وسنختلف خلال الرحلة، فالأولى أن تذهبوا أنتم، وأعود أنا إلى (دهوك). لم يقتنع الأستاذ المشـرف، ورفض طلبـي، مقابل وعد أن يوقف (الأوتوبيس) في الطريق كلما حان وقت الصلاة، وأن لا يلزمني بمرافقتهم إلى مكان فيه شبهات، خاصة أن جواز السفر كان واحداً مشتركا للكل، وكان لي علم بذلك، فانتهزت الفرصة.
وصعدنا (الأوتوبيس) جميعاً، واتجهنا نحو مدينة (الرطبة)، غربيّ العراق، متجهين إلى (سوريا). وكلما حان وقت الصلاة، كنت أخبر الأستاذ المشـرف، وهو بدوره كان يفي بوعده، ويوقف (الأوتوبيس)، وكنت أنزل لوحدي، وأصلي، ثم أصعد ليستأنف (الأوتوبيس) المسير. وهذا ما حصل، ذهاباً وإياباً، وطيلة الرحلة، التي استغرقت أربعين يوماً.
الأستاذ أعلاه، المشرف على الرحلة،  كان أستاذاً، شيوعياً، يدعى (حسين كاشف الغطاء)، وكان قد حصل على شهادة الدكتوراه من أمريكا. في أحد أيام الرحلة - ونحن في الأوتوبيس - طلب هذا أن أجلس بجانبه، وأبلغني هو بأنني سوف أكون موفقاً جداً في حياتي، خاصة إذا سافرت إلى أمريكا، وأبلغني بأن سبب التوفيق هو أنني صاحب مبدأ في الحياة، وملتزم بالقيم والأخلاق، وطلب مني أن أستمع لقصّته، وما حصل له عندما كان طالب دكتوراه في الولايات المتحدة الأمريكية.
قال الأستاذ (حسين كاشف الغطاء): عندما وصلت إلى أمريكا، بدأت بتقليد كل ما هو أمريكي، وغيّرت سلوكي، وبدأت ألبس مثل الشباب الأمريكان، وأطلت شعر رأسي مثلهم، حتى اسمي غيّرته إلى اسم أمريكي. وكنت وطالب دكتوراه آخر من (الهند) نتشارك غرفة في الجامعة. وكان الطالب الهندي مسلماً ملتزماً، وسلوكه طبعاً مخالف لسلوكي.
ويستطرد الأستاذ (كاشف الغطاء) قائلاً: خلال الأشهر الأولى من بدء الدراسة في الجامعة بأمريكا، لاحظت أن الأستاذ الأمريكي الذي كان مشـرفاً عليّ، وعلى الطالب الهندي، كان يحترم الطالب الهندي كثيراً، بينما كان تعامله معي بخلاف ذلك تماماً، إلى أن وصل الحال بي أن بدأت أتخوّف من الأستاذ الأمريكي، فطلبت مقابلته. عندما جلست معه، بدأت أسأله عن سبب عدم احترامه لي، بينما يحترم الطالب الهندي، ويتودّد  له كثيراً، في حين أنني أتصـرّف كأيّ أمريكي، بينما الطالب الهندي مسلم ملتزم، ويعتبر عدواً له ولبلده. عندئذ بدأ الأستاذ الأمريكي بالكلام، وقال لي: "أولاً ما هو اسمك الرسمي الحقيقي؟ قلت له: اسمي حسين. قال: وهل كان شعر رأسك طويلاً في بلدك، كما هو الحال الآن؟ قلت: كلا. قال: وهل مصادقة البنات، والسهر في الملاهي أمر طبيعي في بلادك؟ قلت: طبعاً لا. قال: إن الذي يغيّر اسمه، وملبسه، ويتنكر لدينه، وقيم قومه، ويخونها، ليس أصيلاً، وسيخوننا في أي حين تسّنى له. بينما الطالب الهندي أصيل، صريح، ومخلص لقيمه، ودينه، وتفكيره منصّب فقط لعمله، لا لشكله، فلا خوف منه البته".
وأضاف الأستاذ الشيوعي، وقال لي: يا حكيم، أبارك لك التزامك بدينك وقيمك، وأرجو أن تبقى كذلك. كما أتمنى أن تسافر إلى أمريكا لتحصل على الدكتوراه، حيث إنهم سيحترمونك، لجدّيتك، والتزامك بقيمك.
مضت سنون.. وسبحان الله العظيم.. ففي عام 1986 كنت قد حصلت على شهادتي الماجستير، وأكملت كل متطلبات الدكتوراه في (جامعة كولورادو الدولية) – أمريكا.. وتحققت مقولة الأستاذ الشيوعي، بالضبط كما توّقع في نصيحته لي، التي مرّت آنفاً..
ففي آخر يوم لمناقشة أطروحة الدكتوراه – وبعد أن تناقشت اللجنة المشـرفة سرّاً، وهم خمسة أساتذة، جاءني أحد الأستاذين المشرفين على أطروحتي، وهنأني بكل حرارة، مضيفاً: أنك قد اجتزت المناقشة بكل نجاح، وأكملت كل المتطلبات، فقط اقترحت اللجنة أن تمضـي بضعة أشهر في الجامعة، وتشغل نفسك بدراسة أو بحث حتى تكتمل سنتان، ثم ترسل اللجنة قرار النجاح إلى رئاسة الجامعة، معللاً ذلك أن هذه هي (جامعة كولورادو الدولية)، التي نالت المرتبة الأولى في العالم للدراسات الهندسية لتسع سنوات من أصل عشـر سنوات، وعادة ما يقضـي الطالب الأمريكي نحو ثلاث سنوات للحصول على الدكتوراه - بعد الماجستير -، والطالب الأجنبـي يحتاج إلى أربع أو خمس سنوات لإكمال المتطلبات، بينما أنت أكملت كل شيء في سنة وسبعة أشهر. بدا عليّ عدم الارتياح، بسبب أنني كنت شديد الحرص على إكمال كل شيء بسـرعة، لأسافر إلى (تركيا)، وأستلم مهمتي المباركة في القيام بالعمل الإسلامي الكوردي، بناء على تنسيق بين المرحوم (أربكان)، رئيس (حزب الرفاه) حينئذ، وبين الأستاذ (الراشد)، صاحب (المنطلق) و(العوائق) و(الرقائق).. حينئذ التفت أستاذي المشرف إلى اللجنة المشرفة، وقال لهم: إنني لا أقبل بقراركم أن يبقى هنا عدة أشهر، بحجة أنه أكمل الدكتوراه في مدة وجيزة جداً، أتدرون لماذا؟ من من الأمريكان يستيقظ في الرابعة فجراً، ويتوجه إلى المركز الإسلامي، ليعبد الله إلى أن تشرق الشمس، ثم يأتي إلى الجامعة، ليعمل خمسة عشـر، وأحياناً سبعة عشـر ساعة في اليوم الواحد؟!.. وهل تعلمون ما هو الصيام؟ إن صاحبنا يكون صائماً شهراً كاملاً، ومع ذلك يعمل لنحو خمسة عشـر ساعة في اليوم، وهو صائم. .هل بين الأمريكان من يقدر على ذلك؟!
ووّقع هذا الأستاذ المشـرف على قرار النجاح، تلاه الأستاذ المشرف الثاني، ووّقع عندئذ الأساتذة الآخرون، وكان أحدهم  أستاذاً أمريكياً مسلماً، وقد صرّح لي ليلاً – عندما أقام المركز الإسلامي حفل تكريم لي، بمناسبة حصولي على الدكتوراه، والذي حضـره هذا الأستاذ الأمريكي المسلم – بأنني رفعت رأسه على الإنجاز الرائع في مناقشة الدكتوراه، والاجتياز في مدة قياسية..
وقدمت من أمريكا إلى تركيا، وعيّنت أستاذاً مساعداً، ثم أستاذاً مشاركاً، في (جامعة الشـرق الأوسط) – وكنت حينها أمارس عملي الدعوي المبارك – العمل الإسلامي الكوردي – في وقت كانت فيه الكلمتان: إسلامي، وكوردي، أخطر كلمتين في العرف السياسي التركي حينئذ.
بيت القصيد، والعبرة الحميدة من هذه الذكريات السعيدة:
 أولاً: المشـرف على رحلتنا إلى (بلغاريا ورومانيا) كان أستاذاً شيوعياً، لكنه كان حقّاً منصفاً  في نصيحته لي، وأعلن لي صراحة افتخاره بتمّسكي بقيمي وديني، ووّفى بعهده طيلة الأيام الأربعين للرحلة - كما مرّ آنفاً -، فلا يجب فقد الأمل بالخير في أي إنسان، مهما كانت طبيعة تفكيره، ومهما كان مختلفاً عنك، خاصة إن كان من أهل العلم، والعقل المتفتح.
ثانياً: في أمريكا - وكما تبيّن آنفاً، وحصل معي حقيقة -، وفي كل دول العالم الراقي، يكون التقييم والحكم على الشخص من خلال علمه وعمله، ومدى إنتاجه، وجديّته، بصـرف النظر عن انتمائه الفكري، أو الديني، أو السياسي. بعكس ما يحصل في عالمنا الثالث النائم، حيث يكون التقييم والحكم لا على العلم والعمل، بل على الولاء السياسي للسلطة أولاً. 

ثالثاً: شبابنا الملتزمين.. إن بقوا دائماً متمسكين مفتخرين بأخلاقهم وقيمهم ودينهم – مهما كانت الظروف – فإن تمسّكهم هذا لن يجعلهم صغاراً في أعين الآخرين – كائناً من كانوا – وكما يعتقد الضعفاء، بل إن إصرارهم على ما هم عليه، يجعلهم أكثر تقديراً واعتباراً في أعين الجميع، والتجربة أعلاه أكبر برهان، وثم سيجازيهم ربهم لاحقاً، بما هو أجّل وأعلى.. وللآخرة خير وأبقى.

هناك تعليق واحد: