الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017

خصائص دعوة الأنبياء

قاسم جميل نوفيسي
إن الله الذي أرسل الرسل والأنبياء هو الذي حدد وظائفهم،  ومن ضمن وظائفهم الدعوة إلى الله، وتبيين ما أنزل الله عليهم للناس.
وقد بيّن الله تعالى الهدف من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، في (سورة الحديد) بياناً واضحاً، حيث يقول الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ مَن يَنصُـرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّـهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} ﴿الحديد: ٢٥﴾، لقد حدّد الله تعالى في هذه الآية الهدف من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهو أن يقوم الناس بالقسط. ولم يقل الله تعالى: ليقوم الرسل، أو الأنبياء، أو المؤمنون، بل قال: ليقوم الناس، ومعلوم أن لفظ الناس يشمل الجميع، فهذا يدل على أن من ضمن وظيفة الرسل والأنبياء: تبيين ما أنزله الله عليهم للناس جميعاً بلا استثناء، ولا بد على المؤمنين - الذين يقومون بدعوة الأنبياء والرسل - أن يعملوا مثلما عمل الأنبياء والرسل، وأن يدعموا كل من يحاول أن يقيم العدل، ويتعاونوا معه.
وهناك آيات عديدة في القرآن الكريم بهذا المعنى والمفهوم، منها الآيات الآتية:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللّـهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللّـهَ إِنَّ اللّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ﴿المائدة: ٢﴾..
لقد نهى الله تعالى النبـي والمؤمنين أن يعتدوا، حتى على الذين منعوهم عن المسجد الحرام، وأمرهم بالتعاون على البر والتقوى، ومنعهم عن التعاون على الإثم والعدوان. ولقد أمر الله تعالى في هذه الآية بالتعاون على البر والتقوى، ولم يقيده بالمؤمنين وغير المؤمنين، فلا بد على المؤمنين أن يتعاونوا مع كل من يدعو إلى البر والتقوى، وكذلك لا بد على المؤمنين أن لا يتعاونوا على الإثم والعدوان، مهما يكن الأمر، كما قال تعالى: {إِنَّ اللّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ} ﴿النحل: ٩٠﴾ وكذلك قوله: {يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّـهَ إِنَّ اللّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ﴿المائدة: ٨﴾..
لقد منع الله تعالى النبـي والمؤمنين أن يجعلوا العداوة مع الآخرين سبباً لمنع إقامة العدل، فلا بد عليهم أن يقيموا العدل، وإن كان مع أعدائهم.  وكذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّـهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللّـهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰأَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّـهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} ﴿النساء: ١٣٥﴾..
هذه هي دعوة الأنبياء: أن تقول الحق، وإن يكن في ضررك، وضرر أقرب المقربين إليك، سواء كان غنيا أو فقيرا.. فلننظر أين نحن من هذه الآية الكريمة، ولينظر الذين يدّعون أنهم دعاة إلى الله، أين هم منها؟!
ولقد بيّن الله تعالى لنبيّه كيفية الدعوة في هذه الآية الكريمة:
{فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللّـهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللّـهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللّـهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} ﴿الشورى: ١٥﴾.. لقد أمر الله تعالى نبيّه في هذه الآية أن يستقيم كما أمره، وأن لا يتبع أهواء الناس، وأن يعدل بينهم بغضّ النظر عن أعمالهم.
وقال الله تعالى: {شَهِدَ اللّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـهَ إِلّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَـهَ إِلّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ﴿آل عمران: ١٨﴾، وقال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ، فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُـرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ﴿المائدة: ٤٢﴾. مع إن الله سبحانه يثبت في بداية هذه الآية أن هؤلاء هم سماعون للكذب، وأكالون للسحت، ولكنه لم يقل لنبيه: فإن جاءوك فقل لهم إنكم كذابون، لا تقبلون الحقيقة، وأنتم أكّالون للسحت، لا تقبلون العدالة. بل أمر الله تعالى نبيه أن يقوم بمسؤوليته، ويحكم بينهم بالقسط، ثم أكّد الله تعالى إنه  يحب المقسطين.
وقال الله تعالى: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ﴿هود: ٨٥﴾. هذه الآية مثل كثير من آيات أخرى تبيّن كيفية التعامل بين الناس في حياتهم اليومية، فلا يمكن فصلها عن الحياة اليومية للعباد.
وقال الله تعالى: {وَإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} ﴿هود: ٦١﴾، هذه الآية تبيّن جزءاً من وظيفة العباد على هذه الأرض، ألا وهو عمارتها.
وإذا كان القرآن قد ركز على قضية الشرك كثيراً، فإنه وصف الشرك بالظلم العظيم، كما قال الله تعالى في (سورة لقمان): {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْـرِكْ بِاللّـهِ إِنَّ الشِّـرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ﴿لقمان: ١٣﴾.
خلاصة الكلام: إن القرآن الكريم قد ركّز على ثلاثة أهداف:
1- إقامة العدل.
2- إصلاح المجتمع.
3- عمارة الأرض.
فلا شك أن هذه الأشياء هي جزء من الحياة اليومية للإنسان، ولا يمكن فصلها عن حياة الناس، ويمكن للمؤمنين أن يتعاونوا في هذه القضايا مع غير المؤمنين أيضاً، وهي كلها عملية، وليست بمجرد أقوال.
بناء على هذه الآيات القرآنية، فإن دعوة الأنبياء التي أمر الله تعالى الأنبياء والرسل أن يقوموا بها، لا يمكن فصلها عن الحياة اليومية للعباد، سواء كانوا حكاماً أو محكومين. ولكن لا يحق لأحد - مهما يكن - أن يستغل دعوة الأنبياء للوصول إلى الحكم، أو الحصول على منصب، فيعيش عيشة الملوك، ويدعي أنه يقوم بدعوة الأنبياء، فهذا الشيء مرفوض في النظام الذي أنزل الله تعالى لعباده.
المؤمنون بالنظام الذي اختاره الله تعالى لعباده، والذين يقومون بالدعوة إلى الله، هم الذين يضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ليدافعوا عن إقامة العدل، وهم الذين يسلكون مسلك الأنبياء، فلا يطلبون أجرهم من غير الله رب العالمين، كما أمر الله الأنبياء أن لا يطلبوا الأجر من غير الله، فإذا أراد شخص منصباً من مناصب الحكومة، أو الوصول إلى الحكم، فلا يحق له أن يستخدم الدعوة إلى الله للحصول على ما يطلبه.. وكذلك إذا أرادت جماعة الوصول إلى السلطة، فلا يحق لها أن تستخدم الدعوة إلى الله، أو الشعائر الدينية، بادعاء أنها ستقيم العدالة بعدما تصل إلى الحكم، وليس ببعيد أن يكون ادعاؤها مثل ادعاء الآخرين، مجرد جعجعة بلا طحين، وأقوال بلا أفعال، كما تبينت هذه الحقيقة في كثير من الأماكن والدول. ولكن باستطاعتهم، إذا أرادوا أن يثبتوا دعوتهم إلى الله بأعمالهم، فلا يحتاجون أن يرفعوا أصواتهم في كل مكان وزمان. وقديماً قيل: إن الأقوال تؤثر أكثر من الأفعال. ويقول الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ﴿التوبة: ١٠٥﴾، فليدعوا إلى الله بأعمالهم قبل أقوالهم.. ولكن إذا أراد أحد أن يقوم بدعوة الأنبياء، فليعش عيشتهم، وليقم بدعوتهم، وليرفع صوته في كل مكان وزمان مناسبين، ولا يطلب السلطة أو المنصب. أما أن يعيش عيشة الملوك، ويصـرف جهوداً جبارة  في الحصول على منصب من المناصب، أو الوصول إلى الحكم، ثم يدّعي إنه يقوم بدعوة الأنبياء، فهذا مرفوض في النظام الذي اختاره الله تعالى لعباده!..
والآن نريد أن نطرح هذه الأسئلة: هل كان الناس في زمن النبـي (صلى الله عليه وسلم) يسألونه عن الأعمال، أم كانوا يسألونه عن العبادات؟ وهل القرآن يشجع على الأقوال، أم يشجع على الأعمال؟ وهل ورد في القرآن الكريم لفظ العبادات أم الأعمال؟ وهل يوجد في القرآن ما يثبت أن العبد سيدخل الجنة بعباداته، أم بأعماله وما كسب؟
إن الدعاة الذين يخوضون في المسائل التاريخية التي عفى عليها الزمن، والمسائل الكلامية والعقائدية البعيدة عن الحياة اليومية للناس، بحيث لو حذفت تلك المسائل لما تأثرت حياتهم بحذفها، ولمشت أمورهم وكأن شيئاً لم يحدث، مع هذا يزعمون أنها مسائل دعوية، فيخوضون فيها في كل مكان وزمان، بادعاء أنهم يدعون إلى الله، وفي الحقيقة نستطيع أن نقول إن هذه المسائل لا علاقة لها بالدعوة إلى الله، وليست من ضمن وظيفة الأنبياء والرسل، فكيف يمكن أن يسموها دعوة إلى الله، أو يحسبوها من ضمن وظائف الأنبياء والرسل.
عدم التدخل فيما ليس له به علم:
لا بد على الداعي إلى الله أن لا يتدخل  فيما ليس له به علم، وما ليس من تخصصه، كما تشير إلى هذا المعنى رواية تأبير النخل: فعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ: (مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟)، فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا). قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ: (إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ).
عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "قَدِمَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: (مَا تَصْنَعُونَ ؟)، قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: (لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا)، فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَـرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ).
ولفظ الرواية المشتهر بين الناس، جاء معناه في آخر الحديث السابق، وهو قوله: (أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ)، أو: (إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ).
إن ألفاظ الرواية تبيّن أن النبـي صلى الله عليه وسلم قد أظهر رأياً في غير تخصصه (أيْ: تبليغ ما أنزل الله عليه، وتبيينه)، ثم تبيّن له أن ما أبداه لم يكن صواباً، فبيّن لهم أنه بشـر مثل بقية البشـر، يمكن أن يصيب ويخطأ في الأمور الدنيوية، ولكن لا يمكن أن يكذب على الله، وشرح لهم أنه ليس بصاحب زرع ولا نخل، وأمرهم أن يلقحوا، وقال لهم: أنتم أعلم بأمر دنياكم، وقد أمرهم النبـي أن يستمروا في عملهم في التأبير.
ولقد بيّن الله تعالى في كتابه أن النبـي لا يقدر أن يكذب على الله، كما بيّن  في هذه الآيات: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *  وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} ﴿الحاقة: 40-٤٨﴾.. لقد بيّن الله تعالى في هذه الآيات أن النبـي لو تقوّل على الله، لأخذه بشدة، ثم لقتله، ولا يقدر أحد أن يدافع عنه.
ومجمل القول: إن هذه الرواية تبيّن لنا إنه لا بد على الدعاة المؤمنين أن لا يتدخلوا فيما ليس لهم به علم، أو ليس من اختصاصهم.
اختصاص المكان:   
كانت الحياة في زمن النبـي صلى الله عليه وسلم، في المدينة المنورة، بسيطة، وكانت المشاكل تحل بسهولـة، وكان المسجد يحسب كمجمّع الدوائر الحكومية، وكان يقوم بدور المحكمة والجامعة والمدرسة وبقية الدوائر. ولكن في الحال الحاضر هناك في كل بلد وزارات ودوائر عديدة، وكل وزارة أو دائرة لها اختصاصها، فلا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يقوم المسجد بتلك الأعمال والوظائف كلها، ولا بد أن تترك  لكل دائرة لما تختص به، وعدم التدخل في شأنها. على سبيل المثال: وزارة الدفاع، فإن وظيفتها، في جميع الدول التي تحترم القوانين والدساتير، هي الدفاع عن الدولة، وحدودها، وليس لها حق التدخل في غير ذلك. وليس بمخفيّ على أحد إنه عندما تكون الدولة مؤسساتية، يكون الفصل بين هذه الأشياء طبيعياً، وتكون كل مؤسسة مشغولة بعملها، وكل مسؤول مشغول بمسؤوليته. وعندما تكون الدولة سلطوية واستبدادية، تختلط هذه الأمور بعضها ببعض، وعندما تختلط الأمور، ويلبس الحق بالباطل، يكون من الصعب التمييز بينها.. والوضع في الدول الإسلامية أكبر دليل على هذا!!
خلاصة الكلام:
إن المشكلة الحقيقية لن تنحل بفصل الدعوة عن السياسة، بل المشكلة الحقيقية هي في كيفية الدعوة!!
فإن الخوض في المسائل الفلسفية والكلامية والمنطقية والجدلية، وشرح أقوال العلماء، والدفاع عن آرائهم، وتمجيدهم، وتأويل الروايات، والأحاديث، والخوض في الجرح والتعديل، والتعمق في العقائد، التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، ولكنها ذكرت في كتب العقائد المسماة بالإسلامية على أساس أنها من الدعوة إلى الله، أو من المسائل الدعوية، فلن نحصل منها أكثر مما حصل عليه من سبقنا، سواء فصلناها عن السياسة، أو دمجناها فيها..
إذاً، فلا بد على المؤمنين (لا أريد أن أستعمل مصطلح الإسلاميين) أن يراجعوا أنفسهم، ويبدأوا بالأشياء العملية، ولا يصـرفوا أوقاتهم في الأشياء النظرية والجدلية، سواء كان اسمها السياسة أو الدعوة.
هناك أمر مهم، وهو أن القرآن لم يذكر أحداً بالاسم ويصفه بالظلم أو بالكفر أو بالفسق، ولكن ذكر أوصاف الظالمين والفاسقين والكافرين. فلماذا عندما يختلف بعضنا مع بعض يستدل كل واحد منا بآيات قرآنية، وكأنها نازلة من جديد في حق مخالفيه، ولا نكتفي بالآيات، بل نستدل بأحاديث نبوية أيضاً!! ألا ترون أننا بهذا الشكل نقوم بدور الخصم والحكم في آن واحد؟ أليس هذا أمراً عجيباً؟! وفي الحقيقة فإن بعضاً منا لا يكتفون بهذا، بل يحكمون على أناس آخرين، مخالفين لهم، بنار جهنم، وعذابها، ناسين أو متناسين أنهم بعملهم هذا يتدخلون في أمر الله، ويرسلون الناس إلى جهنم، قبل أن يحاسبهم الله ويحاكمهم..
والخلاصة، إن النظام الذي أنزله الله تعالى لعباده نظام مبني على أسس مستقلة، وله أهداف سامية. ومن أهم أهدافه الأساسية: إقامة العدل في المجتمع، وعمارة الأرض، وإصلاح المجتمع، ولا يمكن فصل هذه الأهداف والمواضيع عن الحياة اليومية للإنسان، بأي شكل من الأشكال.
ولكن - مع الأسف - هناك مصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لها أساس في دين الله، ولكن بعض الناس اتخذها أسساً لمناهجهم الدعوية، ويدافعون عنها بكل جهودهم في المساجد والمدارس، وكأنها نصوص قرآنية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
ولأجل هذا لا بد أن نفرق ونميز الأوامر الإلهية، وهي كلها عملية، وتحضّ على إقامة العدل، وتخدم البشـرية، وبين المصطلحات المصنوعة من طرف المذاهب والطوائف والجماعات، التي ليس لها أساس في دين الله..
فعلى سبيل المثال، وليس الحصـر، هناك في عصرنا الحاضر مصطلح (الإسلام هو الحل)، الذي انتشر بشكل واسع بين الناس، مع أننا لا نجد لهذا المصطلح في كتاب الله تعالى أي أساس، بل إن كتاب الله يبين لنا أن الحل يكون في إقامة العدل. صحيح أن الإسلام دين الله، وأن الله لا يأمر بغير العدل، ولكننا نتحدث عن المصطلح..
وكذلك مثل مصطلح: (التوحيد)، لقد صرف العلماء أوقاتهم منذ قرون طويلة في شرح التوحيد، وأنواعه، مع أنه ليس له أي أساس في دين الله، لا في كتاب الله، ولا في السنة النبوية. وكذلك مصطلح (العقيدة) و(الاعتقاد)، وإلى آخره من هذه المصطلحات النظرية والجدلية، التي ما أنز الله بها من سلطان، ولكنها عند أغلب المسلمين وكأنها نصوص قرآنية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
هناك مصيبة أصابت الجميع بلا استثناء، إلا من رحم ربي، ولكن مع التفاوت في الدرجات، ألا وهي إن الغالبية العظمى - إن لم يكن الجميع - من الذين يزعمون أنهم يعملون في الدعوة إلى لله، يهاجمون من يخالفونهم في التوجهات الفكرية، سواء كانت تلك التوجهات سياسية أو دينية، بالآيات والأحاديث، عندما يريدون أن ينتقدوهم، بدل أن يشـرحوا أفكارهم وأقوالهم وأضرارها على المجتمع البشري، ويظهرون للناس وكأن الآيات قد نزلت في حق مخالفيهم من جديد، وهم  يبينون للعباد وكأن هذه الأعمال والأقوال هي الدعوة إلى الله، ومع الأسف الشديد إن كثيراً منهم لا يراعون لا المكان ولا الزمان ولا المناسبات. 
حق لكل مؤمن أن يتطوع، ويبين للناس ما أنزل الله تعالى على رسله للعباد، ويقوم بدعوة الأنبياء، ولكن بشرط أن يعيش عيشة الأنبياء، ويطلب أجره من رب العالمين، مثلما فعل الأنبياء بأمر من الله، لا أن يستغل دعوة الأنبياء لكي يعيش عيشة الملوك والأمراء، أو يستغل دعوة الأنبياء للوصول إلى الحكم، أو الحصول على منصب من المناصب الحكومية، أو أي منصب آخر.
مع كل ما سبق، فالدعوة إلى الله في الحقيقة هي تبيان للحقوق والحدود والواجبات، فلا يمكن لمن لا يكون محايداً أن يبينها حق التبيين والتوضيح، وإن الداعي إلى الله لا بد عليه أن يشرح النظام الذي اختاره الله لعباده جميعاً، ويبقى في تبيينه للدين محايداً لا يميل لجماعة من الناس، أو طرف سياسي. فكيف يمكن لمن يكون له ميل سياسي أن يبينه للجميع بدون أن يميل إلى طرف على حساب طرف آخر. ولقد قال الله مخاطباً نبيه: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّـهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} ﴿النساء: ١٠٥﴾ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق