الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017

ملامح تأهيل الورّاق المسلم في القرن الرابع الهجري.. النديم أنموذجاً (حوار مع الأستاذ الدكتور جزيل عبدالجبار الجومرد)

حاوره: د. نبيل فتحي حسين

أبو الفرج محمد بن إسحاق النديم، اسم لامع، عرفه التاريخ الثقافي العربي الإسلامي من خلال كتابه الشهير (الفهرست)، والـذي يمثل إحصاءً للعلوم، والعاملين فيها، وما قدموه من نتاج خلال القرون الهجرية الأربعة الأولى..
وفي هذا الحوار الذي أجريناه مع الأستاذ الدكتور جزيل عبدالجبار الجومرد/ أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية التربية/ جامعة الموصل، نحاول أن نستعرض جملة قضايا رئيسة تتعلق بالنديم: حرفته، مصطلحاته، تكوينه الثقافي، وهي موضوعات قدم لنا فيها الدكتور الجومرد آراء وتصوراتٍ جديدة تمثل خلاصة جهد عميق مكثف في شخصية النديم، وفهرسته، استمر ما يزيد على عقد كامل من الزمان.. 

لنقف أولاً عند أهم القضايا التي تواجه الباحث في حياة النديم، وفي مقدمتها حرفته: (الوراقة).. كيف تقرأون النصوص التي تتعلق بحرفة النديم؟
الدكتور جزيل الجومرد: إنَّ القول بأنَّ (النديم) كان وراقاً، أو نساخاً، أو تاجر كتب، أو حتى شخصاً مهماً في عملية استيراد الكتب وتصديرها، كل ذلك يقتضـي أن نُطوِّر منهجنا في الاستقراء، وأن نبحث عن كثيرٍ من المواصفات في أنحاء كتابه (الفهرست)، لكي نضمها إلى بعضها.. فنحن يجب أن نقف عند سَفَرِ النديم إلى الموصل عدة مرَّات، ولقائه ببعض علمائها، وشعرائها، واطلاعه على بعض الكتب فيها، كما ينبغي أن نقف عند سَفَرِهِ إلى (حديثة)، ولقائه رجلاً شيعياً جمَّاعة للكتب، اسمه (محمد بن الحسين)، ويُعرف بابن أبي بعرة، حيث يقول النديم: "فلقيت هذا الرجل دفعات". ويُفهم من هذه العبارة أنه زاره أكثر من مرَّة، فضلاً عن ذهابه إلى مكتبة (الحكمة)، واطلاعه على بعض الكتب فيها.. كلُّ ذلـك يدلُّ على أنَّ النديم كان تاجراً يتجوَّل في أنحاء العراق، ويبحث عن النصوص، ربما لكي يشتريها ويبيعها.
وعندما يُنيط أحدهم به ثقةً كبيرةً في رؤية كتبٍ تكاد تكون ممنوعةً أو مثيرةً للشكوك، فهذا لا يفعله سوى شخص غاية في القرب منه، ويدرك مدى تقديره لما يعرض عليه، أو أنه شخص يدرك أنَّ هذه حرفته، وأنَّ حرفته تفرض عليه أن يرى الكتب أولاً، ثم أن يضمن عدم الوشاية بصاحبها. وهكذا يظهرُ لنا أنَّ النديم طوَّر أخلاقيات الوراقة التي عنده، وكان يمتلك الكثير من الحرص؛ لأنه يتاجر في قضيةٍ خطيرة.
وهنا يمكن أن نتساءل عن سبب متابعة النديم للكتب بعد وفاة أصحابها: لماذا يتابع الكتب؟ غالباً ما يقوم بذلك لكي يرى مصيرها، أو ربما للعودة إليها ثانيةً، وشرائها، وتوزيعها. وهذا يعني أنَّ إصراره على متابعة الكتاب الواحد، يعكس لنا أنه ليس فقط عاشق للكتاب، وإنما ورَّاق أيضاً.
وإذا ما قارنا بين ما قاله ياقوت الحموي وابن خلكان عن حرفته، فإننا نجد ياقوت - وهو وراق - حذراً وحريصاً، وهو في معرض الإدلاء برأيه في حرفة النديم، عندما يقول شيئاً يدرك مدى قيمته كمحترف للحرفة، بعكس ابن خلكان الذي يكتفي بإضافة كلمة (الوراق) إلى نسب النديم. وللحقيقة فأنا أفضِّل رواية ياقوت.. وهكذا الحال بالنسبة إلى (عمر رضا كحالة)، فهو يكاد يكون نديم عصـره، ففي كل كتبه كان رجلاً مُعجمياً، تهمُّه الكتب أكثر من أصحابها، أو الكتب وأصحابها أكثر من أي عَلَمٍ من الأعلام. واستنتاجاته عن النديم تعطي النصَّ قيمةً كبيرة، من حيث الذي يكون وراءه. أنا أقدِّر كثيراً حَدْس محترفٍ كـ(عمر رضا كحالة)، على حَدْس مؤرخٍ عادي أو حتى ممتاز، ولكنه ليس معجمياً ولا كتبياً - إذا صحَّت العبارة -، أي ليس بالإمكان الاستهانة بحَدْس كتبي يتحدَّث عن ورَّاق، وحتى إذا لم يقدِّم شواهِدَ معينة فيجب - في رأيي - ليس الأخذ برأيه، وإنما الانطلاق منه في بحث جديد.
كيف تنظرون إلى مصطلحات النديم في التعامل الثقافي مع الكتب؟
الدكتور جزيل الجومرد: إذا أردنا أن نجيب على سؤال يتعلّق بمسألة هل إن مصطلح النديم وِرَاقيٌ في التعامل ثقافياً؟ فنحن بحاجةٍ إلى قاموسٍ وِرَاقي، يُبيِّن معاني الورق والقرطاس والطومار والأقلام والخطوط وغيرها. وهذا هو ما فعله النديم في مقدّمة كتابه، عندما حاول أن يقدِّم لنا مدخلاً تعريفياً موسَّعاً، ولكنه مدخل في مصطلح الوراقة. وهذا كلّه يجعلنا نقول: إذا لم يكن النديم ورّاقاً، فماذا يكون إذاً؟ إنه رجل يجيد علم الوراقة، فهل كان ذلك عن ممارسة؟ هل هو كـ(ابن وحشية) في كتاب (الفِلاحة) فلاح؟ ليس بمقدور أحد أن يقول إنَّ (ابن وحشية) كان يمارس الفلاحة، ولكن مصطلحه في كتابه فِلاحيّ. ومثله (ابن بصَّال)، و(ابن وافد)، وغيرهم. وهذا يعني أنَّ علينا أن نعترف بوجود شريحةٍ اجتماعيةٍ ثقافيةٍ ليست من ذوي الحرفة فقط، وإنما الحرفة والمعرفة التي يمكن أن تُدوّن عنها، وهذا قد عوَّض عن التجربة في رأيي.
ومن هذا المنطلق، فإن الحضارة المعاصرة لا يمكن فهمها لهذا السبب، فهناك شرائح اجتماعية ثقافية لم تعد موجودة، ولكي نوجدها فلا بد من تفتيت الحضارة بمفهومها الذي أضفيناه عليها، وإعادة تركيبها تركيباً جديداً.
هل كان النديم عالماً بمفهوم العلماء الذين تناولتهم كتب التراجم؟
الدكتور جزيل الجومرد: تزداد قناعتي يوماً بعد يوم أنَّ النديم ليس عالماً بمفهوم العلماء الذين يترجم لهم (الخطيب البغدادي) - مثلاً - في كتابه (تاريخ بغداد)، ولا تجوز عليه منهجية البحث عن الشيوخ والتلاميذ، لأنه ليس شيخاً، ولا تلميذاً، بل هو محترف، وهذا يزيد من إمكانية كونه محترفاً للوراقة. مرةً أخرى يجب أن نبحث عن هذه الشـريحة للمحترفين الكُتاب، كابن وحشية الذي لا نعرف من هم شيوخه، ولا نعرف من هم طلبته، ولكنه كتب كتاباً عن الفلاحة ذا قيمة كبيرة يدلُّ على احترافٍ وممارسة، وقدم لنا نصّاً مليئاً بالمصطلح أيضاً، ولكنه يشبهُ تقريباً ابن حجاج الغرناطي، كما يُشبه ابن العوام الإشبيلي، صاحب كتاب (الفلاحة)، فهؤلاء حرفيون لا يتمشيخون بالطريقة نفسها التي يمارسها المُحَدثون. وهذا يعني أنَّ هناك حِرفاً لا تمت بصلةٍ إلى هذا المعيار في التعامل الذي يبحث عن الشيوخ والتلاميذ في دراسة التحصيل الثقافي، وهذا يزيد من احتمال كون النديم حِرفيّاً نشأ في السوق، وتناول حرفةً لا تُدَّرس، ولكنه غاص في أعماقها، وأصبح خبيراً بها. هذا الرجل يمكن أن نضعه ضمن شريحة أخرى خارج هذا الإطار المنهجي، مما يعني أنه يجب أن نفكر في كون دراسة الحرفي لا يمكن أن نعتمد معها الأسلوب نفسه في التعامل مع المُحدث، أو مع المفسر.
الآن يظهرُ لي أنَّ النديم لم يقصـر معرفته بالكتب - كحِرفي - على ذوي الثقافة العالية المجازين، إنما أخذ المعرفة التي تتعلَّق بالصُحف والكتب والأوراق والكتابة والطوامير من أي شخصٍ يستطيع أن يتحدَّث عنها، ولكنه راعى الدقة ونسب الأقوال إلى أصحابها، وبيَّن من أي وعاءٍ جاءته الفكرة، ولكنه لم يكن مرتبطاً بمنهجية علماء الحديث، ونمطيتِهم نفسِها في النقل من الثقات ورجال المشاهدات وغير ذلك. بل هو يأخذ ممن هو أكبر منه، كما يأخذ ممن هو أصغر منه.. يأخذ من شخصٍ له قيمة اجتماعية، ويأخذ من شخص هو أقل قيمة اجتماعية.. يأخذ من شخصٍ منبوذٍ ذهنياً أو أيديولوجياً، كما يأخذ من شخصٍ مقبولٍ أيديولوجياً.. وهذه هي صناعة الحِرف.

يوماً بعد يوم أقرأ النديم، ويوماً بعد يوم أتحاور معه، وأقرأ بعض نصوصه، وفي كل مرةٍ يُعاد توزيعه على خارطة التكوين الاجتماعي والثقافي لعصـره. والآن يظهرُ أنه يستقر أكثر ضمن الخارطة الثقافية أو الحرفية لعصـره. وهذا يعني أنه يمكن القول إننا الآن في طريقنا لإيجاد الملامح الرئيسة لحرفة الوراقة من جديد، فعلى الرغم من أن الوراقة دُرست مراراً وتكراراً، ولكن أحداً من المؤرخين لم يقدِّم لنا لحدِّ الآن مقومات الورَّاق المسلم، وأرى أنَّ دراستي للنديم على مدى عقد من الزمان تقريباً تكاد تعطيني الآن صورةً لا بأس بها عن ملامح تأهيل الورَّاق المسلم في القرن الرابع الهجر ي.

هناك تعليق واحد: