الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017

دوافع تحريم الصوم عند الباطنية الإسماعيلية

د. سنان أحمد
شكل سقوط فارس على أيدي العرب المسلمين حدثاً غيّر التاريخ تغييراً كاملاً. فمن الوجهة العقائدية، جاء الإسلام بالتوحيد، وهو ما لم تألفه (فارس) على مدى أكثر من ألف عام، حيث كانت دياناتها تتوزع بين المانوية والمزدكية والزرداشتية، وهي ديانات ثنوية، تؤمن بإلهَيْ النور والظلام، أو الخير والشـر، ناهيك عن معتقدات أخرى، أهمها: تقديس النار، ورفع الملوك لمصاف الآلهة، والعلاقات الأسرية المنفلتة، كزواج المحارم... إلخ.
ولمقاومة المد الإسلامي، نشأت حركات الزندقة، وهي حركات فكرية علنية، استغلت تسامح العباسيين، لتعلن معارضتها للإسلام، على أساس أن أديان فارس القديمة أفضل من الإسلام.

ومن أشهر الزنادقة (عبدالله بن المقفع)، و(بشار بن برد)، الذي قال:
الأرض سافلة سوداء مظلمة ... والنار معبودة، مذ كانت النار
فشلت حركات الزندقة فشلاً ذريعاً، لتصدي السلطة والناس لها، فاتجهت للتحرك تحت الأرض، واتخاذ الغلو في الدين وسيلة لذلك. نشأت الحركات الباطنية، وأهمها الباطنية الإسماعيلية، التي اتخذت من مبدأ نصـرة آل البيت غطاءً لتحركاتها، وبعد طرد الإمام (جعفر الصادق) لدعاتها، لمعرفته بنواياهم السيئة، اتجهوا للالتفاف حول ابنه البكر (إسماعيل) (ت 138 هـ)، حيث لم يكن على سيرة والده.
تبلورت الأفكار الباطنية على يد (أبي ميمون القداح)، المؤسس الفعلي للحركة الباطنية الإسماعيلية، ومنظّرها، وهو القائل:
 "إني أضيق بدين محمد، وليس عندي جيش أحارب أهله به، وليس لدي مال، ولكني في الحيلة طويل الباع، بحيث إذا لقيت عوناً من أحد، قلبت دين محمد رأساً على عقب".
والباطنية الإسماعيلية أقسى حركة عصفت بالفكر الإسلامي، تنظيماً وفكراً، ومن أكثر الحركات سرية في العالم. حتى إن المستشـرق الشهير (بيرنارد لويس) (ت 2014 م) يقول بأن الحركة الماسونية أخذت تنظيمها وأسسها من الإسماعيلية.
ولكي تعطي الباطنية الإسماعيلية صورة إسلامية لتحركها، ولإخفاء مقاصدها الأصلية بإعادة إحياء أديان فارس القديمة، فقد تبنت مبادئ التأويل القسـري لآيات القرآن الكريم، والذي من خلاله زرعوا مفاهيماً غريبة عن جوهر الإسلام.
والتأويل القسـري هو التفسير المعتمد على الظن، وربط الألفاظ بمفاهيم لا تمّت للموضوع بصلة، اعتماداً على جهل الناس بأصول الشرع ومقاصده. فقالوا بأن لكل ظاهر باطن، وأن العمل بالباطن هو للخاصة، والعمل بالظاهر للعامة، وأن لكل تنزيل تأويلاً.
فقالوا عن معنى الزنى، هو: إلقاء نطفة العلم الباطن في نفس لم يسبق معها عقد العهد. وأن الكعبة هي النبـي، والباب: علي، والطوفان: طوفان العلم، والصيام: الإمساك عن كشف الستر.
ومما يجب التأكيد عليه، أن هذه الأفكار كانت عاملاً مشتركاً للإسماعيلية والقرامطة والفاطميين، مما يؤكد أن هذه الحركات مسميات مختلفة للحركة الباطنية، والتي جعلها (القدّاح) سبع مراتب، تبدأ بالتأنيس، وتنتهي بالإلحاد التام والإباحة.
والصوفية الحلولية، والتي كان (الحلاج) (ت 309)، أحد أعمدتها، هي من نتاج الحركات الباطنية. وهو الذي تبنى فكرة استبدال الحجر الأسود بحجر حيّ، هو الإمام. وكان (الحلاج) قد قال: "من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات، أجزأه ذلك عن صوم رمضان".
ولا يستغرب القارئ من التأويلات المتغيّرة للصيام من فرقة إلى أخرى من فرق الباطنية، فالخطاب الباطني يتغيّر حسب الزمان والمكان والفئة المخاطبة. فالغاية كانت هدم أركان الإسلام بطرق ملتوية .
إن الولاء للإمام الباطني ولاءاً مطلقاً، فكرة مركزية لهذه الحركات، وبذلك ساروا على خطى الأديان الفارسية التي رفعت ملوكها لمصاف الآلهة، فهم: وجه الله، ويد الله، وقوة الله.. إلخ .
وفي ذلك قال أحد كبار دعاتهم، المدعو (أبو يعقوب إسحق السجستاني): "الصوم هو الصمت بين أهل الظاهر، وكتم الأسرار عنهم، وصوم شهر رمضان هو ستر مرتبة القائم - الإمام -، ومن شهد منكم الشهر فليصمه، أيْ: من أدرك زمان الإمام، فليلزم الصمت".
وذهب قاضي الإسماعيلية (ابن حيون) إلى أبعد من ذلك، عندما فرّق بين المعنى الظاهر للصوم المتعارف عليه عند عامة الناس، وهو الإمساك عن الطعام والشـراب والجماع ، والمعنى الباطن، وهو كتمان علم باطن الشريعة عن أهل الظاهر، والإمساك عن المفاتحة به، ممن لم يؤذن له في ذلك!
وبعد قيام الدولة الفاطمية (297 هـ)، وظهور الخلافات السياسية، تعددت الفرق الباطنية. فقد نشأ المذهب الدرزي، وانتشر في الشام، على يد (حمزة بن علي الزوزني)، بعد موت (الحاكم بأمر الله) (ت 411 هـ)، وهو الخليفة السادس في السلسلة الفاطمية، ورفعه إلى مصاف الآلهة. والذي قال فيه الشاعر:
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم، فأنت الواحد القهار
حيث اعتبر الصوم نافلة، وما يجب صومه هو العشر الأوائل من شهر ذي الحجة!
وشهدت الحركة الإسماعيلية الفاطمية انقساماً سياسياً عميقاً بعد وفاة الخليفة الفاطمي (المستنصر بالله) (ت 487 هـ)، فانقسمت إلى نزارية في فارس، ومستعلية في مصر.
فالآغاخانية الحالية هي امتداد للنزارية، والبهرة  في (الهند) هم امتداد للفرقة المستعلية، الذين انقسموا بدورهم إلى داؤودية وسليمانية. وأما ما يسمى بالمذهب الإسماعيلي السني في (نجران)، فقد نشأ بعد هروب بقايا الإسماعيلية من مصر، بعد أن قضى (صلاح الدين الأيوبي)، عام (583 هـ)، على الدولة الفاطمية في مصر.
والصوم عند (الآغاخانية)، الذين لا يقرون بإمامة (الحسن بن علي) (رض)، ما هو إلا صوم العين والأذن واللسان، ولا يفسد صيامهم طعام ولا شراب، ويفطرون في العاشرة صباحاً. ويصومون كذلك يوم الجمعة من بداية كل شهر.
إن السرية التي تحيط بتعاليم الباطنية جعلت معرفة مثل هذه الطقوس أمراً عسيراً، لتغيّرها حسب المكان والزمان، كما ذكرنا آنفاً.
وعند جميع الفرق يجب الالتزام بالتقيّة، حتى يبقى المؤمن صائماً!
أما أتباع المذهب السني الإسماعيلي، فيصومون حسب التقويم الهجري الفاطمي، المشابه للتاريخ الميلادي، أيْ إن وقت رمضان ثابت لا يتغير، وهو أمر مخالف لحكمة الصوم.
وتوجد بعض الفرق لا تمتنع عن الأكل والشرب، ولكن تمتنع عن معاشرة النساء. وكلها تصب في تحريف الصوم، وغاياته العبادية. فأركان الصوم، ووقته، واضحة وضوح الشمس في القرآن والسنة، وكل التأويلات لا تصب إلا في إفساده، حسب قاعدة هدم الدين باسم الدين، ولا غير. 

هناك تعليق واحد: