الاثنين، 2 أبريل 2018

(عرض كتاب)/ كتاب دار الاعتماد البريطانية وتكوين الحكم الوطني في العراق (1920 – 1932)/ دراسة تاريخية سياسية


عرض: عبد الرزاق الحمداني
إن موضوع (دار الاعتماد البريطانية)، أو ما يعرف بشكل غير رسمي بـ(دار المندوب السامي البريطاني)، من المواضيع ذات الأهمية الكبيرة، سيما وأن الدراسات التي تناولت السياسة البريطانية في العراق، قد تجاهلت طبيعة ودور وتشكيلات هذه المؤسسة، التي تعد - بحكم نصوص لائحة الانتداب والمعاهدات العراقية البريطانية - السلطة البريطانية العليا في العراق، التي تتحكم باتجاهات الإدارة، رغم وجود مؤسسات للحكم الوطني، فكانت صلاحيات المعتمد البريطاني أعلى من صلاحيات الملك، رغم أن دوره قد حدد بكونه مستشاراً للملك .
والذي يزيد من أهمية الموضوع، وصعوبته في الوقت نفسه، هو أن الدار أسهمت بشكل مباشر في بناء مؤسسات العراق الإدارية والعسكرية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن دورها يمثل - بصريح العبارة - تاريخ العراق، بكل اتجاهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، في مرحلة الانتداب، فضلاً عن عدم وجود تصور
واضح ومحدد عن طبيعة تشكيلاتها وماليتها وموظفيها.
وكانت الدار تمسك بمقدرات العراق، بحجة أنها مؤسسة شرعية مسؤولة عن تنفيذ التعهدات الدولية في العراق، وعليها تقديم التقارير الدولية عن سير الإدارة إلى لجنة الانتدابات الدائمة في عصبة الأمم.
وكتاب (دار الاعتماد البريطانية وتكوين الحكم الوطني في العراق 1920-1932م/ دراسة تاريخية سياسية)، من تأليف الأستاذ الدكتور ياسين طه ظاهر، مكون من (431) صفحه من الورق الأبيض حجم (B5  وغلافه كارتون باللون القهوائي الفاتح، وعناوين الكتاب مكتوبة بالنسخ المطبعي، صدر في بغداد، وطبع في مكتب أحمدالدباغ للخدمات الطباعية/ بغداد - باب المعظم، والطبعة بتاريخ (1432هـ-2011م)، ويحمل رقم الإيداع (2366) لسنة 2011 في دار الكتب والوثائق ببغداد.
يتألف الكتاب من تقديم للأستاذ الدكتور نوري عبد الحميد خليل/ أستاذ متمرس/كلية التربية/ ابن رشد/ جامعة بغداد، ومقدمة، وسبعة فصول، وخاتمة تضمنت الكثير من الاستنتاجات ذات الأهمية.
اهتم الفصل الأول بنشأة الوجود الرسمي البريطاني في العراق، أو ما يعرف بالتمثيل الدبلوماسي، الذي بدأ من تأسيس المقيمية البريطانية في بغداد(1798) م، وانتقل إلى دار الحاكم المدني العام بعد الاحتلال البريطاني لبغداد آذار سنة 1917، وإلى دار الاعتماد بعد فرض الانتداب سنة 1920 .
تناول الفصل الثاني التشكيلات الإدارية والتنظيمية والمالية للدار، مبتدئاً بتحديد موقعها وتوسيعها، ثم انتقالها إلى بنايتها الجديدة في الكرخ (السفارة البريطانية حالياً) في (الصالحية)، مع متابعة تطور تسمية هذه الدار، والمعلومات التي توافرت عن المعتمدين البريطانيين، وموظفي الدار، ممن كان لهم دور في القضايا المطروحة على الساحة العراقية تلك الفترة .
وكرس الفصل الثالث لمتابعة واجبات ومهام الدار، ووسائلها في تعزيز سلطاتها، ودور الاستشارة البريطانية في تأكيد تبعية العراق لبريطانيا، التي جعلت سلطة الملك والوزراء مقيدة بموافقة ومشورة المعتمد. وكان من مظاهر سلطتها: مراسم توديع واستقبال المعتمدين، التي أضفت عليهم طابعاً من التعظيم والمهابة. فضلاً عن دراسة وسائل سلطة الدار، وأدواتها في الحكم .
أما الفصل الرابع، فقد تناول دور الدار في تشكيل مؤسسات الحكم الوطني، بالكيفية والإخراج اللذين اعتمدتهما الدار لكي تحكم في الخفاء، بعد أن كانت تحكم بالعلن. إذ تناول دراسة الدوافع الأساسية لتشكيل هذه المؤسسات، وتحليل طبيعة دورها في تشكيل الحكومة المؤقتة، وتمثيلها للعراق في مؤتمر القاهرة، واختيار (فيصل بن الحسين) ملكاً على العراق، وتأسيس الجيش العراقي، وتطوير وتشكيل المجلس التأسيسي، وتشريع الدستور.
واهتم الفصل الخامس بدراسة علاقة الدار بمؤسسات الحكم الوطني، والرأي العام، في العراق، لتأكيد حقيقة أساسية، هي حالة تبعية هذه المؤسسات للدار، وليست علاقة التكافؤ بينهما، وهي: البلاط، ومجلس الوزراء، ومجلس الأمة. واهتم أيضاً بموقف الدار من الأحزاب السياسية، والعلاقة بينهما وبين الجمهور العراقي .
وفي الفصل السادس تمت دراسة دور الدار في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، إذ كان هذا الدور شاملاً وواضحاً، وتضمن دراسة المشاريع الاقتصادية التي طرحتها الدار، والقوانين التي أسهمت في إصدارها، والسياسة المالية والنقدية والاقتصادية التي اختطتها الدار في العراق، والتي ظلت نافذة المفعول حتى بعد انتهاء الانتداب، فضلاً عن دراسة الجوانب الاجتماعية المتعلقة بالتعليم والقضاء والصحة.
وتابع الفصل السابع دور الدار في وضع المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية العراقية، وعلاقاتها بالأقطار العربية والأجنبية، ودورها في دخول العراق عصبة الأمم، وتحرّره من الانتداب البريطاني .

 الانتداب وتطور تسمية دار الاعتماد البريطانية:
 لم يستمر التمثيل الدبلوماسي البريطاني في العراق على تسمية واحدة، بل كان يتحول من تسمية لأخرى، ففي سنة 1798 كانت الممثلية البريطانية تعرف بـ(المقيمية)، ويقال للممثل: المقيم. وفي سنة 1880 أصبحت تعرف بـ(المفوضية)، وكان للمفوض مساعدان: أحدهما للشؤون القضائية، والآخر لشؤون الدخل. وبعد الاحتلال البريطاني للعراق، أصبح ممثل بريطانيا يعرف بـ(الحاكم المدني العام). وأول من شغل هذه الوظيفة (برسي كوكس)، ثم سافر لتسنم منصبه الجديد: وزيراً مفوضاً في طهران سنة 1917. وبعد قيام ثورة العشرين التحررية، عاد (كوكس) للعراق، لتسلم منصبه، باسم المندوب السامي تارة، والمعتمد السامي، تارة أخرى. وقد ساد مفهوم (المعتمد)، ودار الاعتماد، بسبب رفض العراقيين لكلمة (الانتداب)، التي كانت تعني بالنسبة إليهم استعماراً في صيغة جديدة .
وقد نصت لائحة الانتداب البريطاني على العراق، على "أن العراق دولة مستقلة، تقبل المشورة الإدارية والمساعدة التي يقدمها المنتدب". وكان الممثل البريطاني، في بداية الانتداب، يعرف بالمخاطبات الرسمية باسم (المندوب)، أو (المعتمد السامي) High commissionel، وتعني com" عضو لجنة، أو مندوب، أو معتمد، أو مفوّض، والذي يعدّ - بموجب مفاهيم الانتداب - مستشاراً لملك العراق، ولكنه يمثّل - من الناحية العملية، ومن وجهة نظر بريطانيا-: (الموظف الرئيس لضمان تنفيذ الالتزامات التي أخذتها حكومته على عاتقها، ما دامت محتفظة بمسؤولية الانتداب).
وفي بداية تلك المرحلة كان يطلق على دائرة المعتمد السامي: (دار المندوب البريطاني)، أو (دار الانتداب البريطاني). ونظراً إلى أن كلمة (الانتداب) كانت مكروهة من العراقيين، تحوّلت التسمية إلى (دار الاعتماد)، و( المعتمد السامي)، في المراسلات كافة بين الدار والحكومة العراقية (ص 41) .
خلاصة البحث:
أدت دار الاعتماد البريطانية دوراً حيوياً في توجيه الشؤون العراقية، والهيمنة عليها، طوال مرحلة الانتداب. وكان موقعها السيادي يأتي من كونها ممثلة لسلطة الانتداب، ومسؤولة عن تحقيق التطور والتقدم للعراق أمام عصبة الأمم، لهذا احتفظت بحقها في التدخل بالشؤون الداخلية، وإدارة علاقات العراق الخارجية، بشكل مطلق، وأن يقبل الملك نصيحة ومشورة المعتمد السامي في كل الشؤون، بغضّ النظر عن أهميتها، بل إن الدار تدخلت حتى في اختيار أعضاء سكرتارية الملك، وليس رئيس وزرائه فحسب.
وهكذا كان دور الدار، كما اتضح من البحث، هو المحافظة على مصالح بريطانيا، وليس مصالح العراق.
إن قواعد السياسة البريطانية التي التزمت الدار بتنفيذها، هي التي وردت في برقية (تشرشل) إلى (كوكس)، بعد تتويج (فيصل) ملكاً على العراق: فما دام العراق قد كلّف بريطانيا مبالغ كبيرة، يبقى لفيصل أن يقبل نصيحة المعتمد السامي، وأن يعتمد في إدارة شؤون العراق على المستشارين والموظفين الذين هم جزء من موظفي الدار. وهذا يعني أن مصدر القرار، وتنفيذه، يكون بيد الدار، وليس بيد الحكومة العراقية. بعبارة أخرى: إنها الجهة التي تملك مظاهر سلطة القرار. ويمكن القول إن الدار كانت دولة متكاملة المؤسسات، تشمل اختصاصاتها كل مجالات الإدارة والمالية والسياسة والاقتصاد والمجتمع. ويتضح من خلال بعض المؤشرات الآتية، حقيقة هذا الدور:
1.كانت الدار هي الجهة العليا الوحيدة المسؤولة عن شؤون العراق، وعن تنظيم علاقاته الخارجية،  وكانت تتصرف على أساس "أن العراق هو مجرد تجمعات عشائرية، وليس له حق الأداء بإقامة علاقات خارجية".
2.أعطت المعاهدات والاتفاقيات سلطات واسعة للدار. فقد جعلت قرارات السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) مقيدة بسلطة الدار، وموافقتها، ويطلب المعتمد السامي - وهو ما حصل في حالات كثيرة - من الملك الإمساك عن التصديق عليها، فضلاً عن أن الدار وضعت نظاماً للرقابة على عمل الحكومة، وذلك من خلال المستشارين والموظفين البريطانيين، بحيث لا يكون عملهم استشارياً حسب، بل هو استشاري وتنفيذي، لتحقيق السيطرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية .
3. أسهمت الدار في إيجاد مؤسسات ضعيفة البناء، ووزارات سريعة التغيير، وأحزاب خفيفة الوزن. وعملت على إضعاف الحركة الوطنية، ومحاربتها. وكانت سياستها في التطور، تقوم على ما وصفته (مس بل) في قولها، الذي نقله (ساطع الحصري): (التدرج، أو سياسة ياواش ياواش) .
4.وعنيت الدار في عدم إيجاد تواصل بين أبناء المجتمع. فكانت تعمل على إخافة الأقليات من القومية العربية، فضلاً عن عزل العراق عن محيطه العربي، حيث قامت بإيجاد نمط جديد من الحدود المصطنعة بين هذه الأقطار .
5.أدت سياسة الدار؛ العشائرية والاقتصادية، للإضرار بمصالح العراق، فقد أسهمت في خلق المنازعات العشائرية حول الأراضي والمياه، وفي خلق الإقطاعيات الكبيرة، واتّباع سياسة الموازنة بين العشائر وأهل المدن، وربط امتيازات شيوخ العشائر بموقفهم في دعم سياسة الدار.
أما الجوانب الإيجابية في عمل دار الاعتماد البريطانية، فهي:
1.أسهمت بشكل كبير في تعريب النظام، وتأسيس الملكية، فلم يكن هناك قبل الانتداب البريطاني إدارة وطنية في الحكم. لهذا كان دور الدار كبيراً في تثبيت حدود العراق الحالية، وتكوين مؤسساته الحكومية على النمط الغربي .
2. إن تأسيس العرش والدستور قد حدد شكل الحكومة في العراق بعض الوقت،  ولكن ظل التساؤل قائماً في داخل دارالاعتماد، وهو: ما مساحة الأراضي التي يمكن أن تكون تحت سلطة الحكومة؟ ففي الوقت الذي أمسكت الدار بيديها مباشرة إدارة المنطقة الشمالية، أسهمت بشكل إيجابي وكبير في حسم موضوع الموصل لصالح العراق .
3.لقد أكدت الدار على وحدة التراب العراقي، حينما رفضت دعوات أهالي البصرة للانفصال وتكوين (دولة) تحت الإشراف البريطاني، وإلحاقها بالهند، فضلاً عن عدم السماح لكوردستان العراق بالانفصال، واعترافها بأنها جزء حيوي من العراق وتاريخه وجغرافيته، وبأن علاقة الكورد بالعراق تختلف عن علاقتهم بدول الجوار. وكانت مع منح الحكم الذاتي ضمن العراق، وبما يجعل الكورد يتمتعون  بحقوقهم الثقافية والقومية، ليس إلا!!! بعد ذلك استخدمت القوة العسكرية ضد كل دعوة للانفصال، ونظرت من وجهة مصالحها السياسية إلى  "أن علاقة كوردستان بالعراق حيوية، لأنها ستكون حاجزاً مهماً ضد تركيا، وحافزاً لأيّ امتداد خارجي".
4. نعطي الحق، من خلال هذه الدراسة، لدور الدار للسياسيين العراقيين، الذين نظروا إليها على أنها (المربي القدير)، وعلى أن رجالها (بناة الدولة)، كما وصفتهم (فيب مار)، وأنهم أسهموا – بحقّ - في ذلك، رغم أن هدفهم كان - وهو شيء طبيعي - حماية مصالح بريطانيا، والحفاظ عليها، ورغم أن مؤسسات الدولة التي أوجدها كانت مظهرية، ولكنها مثلّت الأساس وقاعدة البناء في العراق المعاصر.
اعتمد البحث على مصادر متنوعة، منها: الوثائق البريطانية غير المنشورة، التي تحوي وثائق وزارتي الخارجية والمستعمرات، ولا سيما تلك الوثائق المتعلقة بالمخاطبات بينها وبين الدار، والوثائق المنشورة الخاصة بالتقارير الدورية التي رفعتها الدار إلى لجنة الانتداب الدائمة في عصبة الأمم.
أما وثائق مقر الطيران البريطاني في العراق، فقد تضمنت المخاطبات والتقارير التي رفعتها الاستخبارات البريطانية في العراق إلى الدار. وأفاد البحث من بعض الوثائق الفرنسية، ولا سيما تقارير القنصلية الفرنسية في بغداد.
وقدمت الوثائق العراقية غير المنشورة، والمحفوظة في دار الكتب والوثائق، مادة مهمة للبحث، وبخاصة وثائق البلاط الملكي، وكذلك الوثائق غير المنشورة التي تضم مقررات مجلس الأمة.
وأفاد البحث من الصحف، وكتب المذكرات، وبخاصة مذكرات السياسيين الذين عاصروا تلك المرحلة، وكذلك كتب الموظفين المستخدمين تحت إدارة المعتمد البريطاني، والحكومة العراقية، وكذلك كتب السيد (عبد الرزاق الحسني)، وفي مقدمتها: (تاريخ الوزارات العراقية)، وكتب (المس بل)، و(لونكريك)، و(فوستر)، و(ايرلاند)، والتي تضمنت الإشارة إلى التشكيلات الإدارية للدار، وكشف أسماء الموظفين البريطانيين العاملين في الدار. فضلاً عن بعض الكتب الأجنبية الأخرى، والمقالات الصحفية المنشورة باللغة الإنجليزية، والتي أمدت الدراسة بمعلومات مفيدة.
ومن الجدير بالذكر أن الاستاذ الدكتور طه ياسين ظاهر (مؤلف الكتاب) من مواليد الحلة (1949)، تخرج من كلية الآداب/ جامعة بغداد (1972)، وحصل على شهادة الماجستير من الجامعة المستنصـرية (1984)م، وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر من كلية التربية – ابن رشد/ جامعة بغداد (1994) م، وساهم في العديد من المؤتمرات والحلقات النقاشية داخل وخارج العراق. أشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في كلية التربية/ ابن رشد، والتربية - بنات/ جامعة بغداد، ومعهد التاريخ العربي. رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب والألسن/ جامعة ذمار اليمنية (1998-2000) م. رئيس قسم التاريخ في كلية التربية للبنات/ جامعة بغداد ( 2001-2003)م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق