الاثنين، 2 أبريل 2018

إلى أين تأخذنا أيها الشاعـر؟


منير خلف[*] 
الشعرُ غذاءُ القلبِ الذي لا يمكن من دونه أن ينبض، وهو هواء الروح الذي لا بديل عن تجليات نسائمه الزّرقِ لمواصلة طريق الحياة. إنه الوردة التي تأخذنا بصوت رحيقها إلى عوالم الكشف، وجبْر ما تكسـّر من فخّار أمنياتنا. إنه النداء الطويل الممتدّ امتدادَ البصر، واتساعَ رقعة الحزن، وهو الحارس الوحيد لأرض أحلامنا، وجغرافية دمنا المهدور.
هو الذي يجعلك تشعرُ أنّ رؤوسَ أصابع يديك تنزفُ طيوراً من ضوءٍ أخضـرَ.. وأن المطر لا يهطلُ إلا ليكون بديلاً عن قطراتِ رُطبٍ من قمرٍ تنتظره قلوبٌ عاشقةٌ، وأيادٍ من غمام.
ولأنه الشعر، الذي لا يمكن إلا أن يكون شعراً، حاولتُ أن أصغيَ إلى صوت قلبي، وأستفتيَهُ عن ضرورة النهوض بهذا
الكائن الذي سمّتْهُ اللغةُ: شين الشهد، وعين العين، وراء حربٍ، أبت إلا أن تعترضَ بين حاء حنون، وباء غريب، فلم يخذلني وهو يومئ إلى الشعراء، الذين ربما أكون واحداً من جلدة سلالتهم، وبصمة حريقهم المستمرّ. ولا أبرّئ نفسـي من سوءتها الأمارة بالألم، حين يأخذنا الحرف إلى ما لا انتماء لحاسته المتجهة صوب أرض غير ذي قلقٍ، فرأيتُني أصرخُ ربّما على غيرِ عادةِ مَنْ آثرَ الاحتفاءَ بما استُهلك من مألوفات المعاني وزخرف الكلام، وألفيتُني قاصداً جوارَ الآخر المقابلِ لقابض جمرة الشعر..  إلى قارئ لا يمكن للشاعر من دونه إلا أن يلغيَ نفسه وحقيقة وجوده، كونه المتمِّمَ الرّئيسَ لاستمرارية عَلَقـَةِ فعله الإبداعي، المزيّن لعملية إجهاض تاء التأنيث، حين تعثُّرِ صاحبـِها على باب القصيدة، ولكي يكون للشعر مستقبلٌ، وكي يصبح كالرغيف السّاخن الذي تتلقّفه الأيدي، ويصيرَ كخبرٍ عاجل يُنعشُ الروحَ، لا بد للشاعر أن يُحسّن أثاث غرفته، وأن ينهض بكلماته بعيداً عن الرتابة والتكرار والجمود.
فعندما يدعوك إلى غرفة حالته الشعرية، التي كاد أغلب شعرائنا أن يفقدوها، أو فقدوا سند تمليكها، لأن جيوب أرواحهم باتت متخمة بالإفلاس.. عندما يدعوك إلى غرفته المنشودة، التي زخرف فيها نقوش قصيدته المعلنة، وأشهر في أرجائها دفء الكلمات، وحميمية صورها الطازجة، وتفاعلها، وتناغمها مع الفكرة التي كانت سبباً في إطلاق عصافير المعنى من قفص التقليد، وتحليقها في فضاء الغرفة الجديدة.. الغرفة التي تنعشك، وتنسى أنك في زمان ومكان محددين.. عندما يقدّم لك صاحب البيت الشرعي، والشعري، ما لذّ من فكر، وطاب من روح.. عندما يمنحك مفاتيحه المسحورة، التي كتب بها قصيدته، وهي بين أنامل شهيتك، ولا تطيق انتظار التهامها بالحواس التي لم تعهد أن تستعملها من قبل، ليس لأنك لم تكن تمتلكها، وإنما لكونها يائسة وغافلة عن شجونها، وهي الراقدة أبداً في هشيم الذات، وبئرها المعطلة.. عندما يمنحك تلك المفاتيح النادرة، كي تفتحَ بها أبواباً لم يطرقها قلبك، وتحلّقَ في فضاءات لم يكن بإمكانك أن تكتشفها لولاها، واعلم أن من مهام الشعر العظيمة أن ينهض بأسرار أعماقك، وأن يأخذ بيدك إلى حيث لم تذهب قط، فكيف لا يكون ضرورياً ؟؟ وكيف لا يكون له مستقبل؟؟
عندما يهبك كروم قلبه.. ونبضاتِ جرحه.. ويكون حارساً على شرودك عنه، وعن معارج قصيدته الحافلة بموائدَ لم تخطر على قلب قارئ، ولم تمتدّ إليها يدُ عابرٍ، وهو يبحث عن غزال المعنى في كِناسِ الفكرة المستنفرة..
عندما يفرش أمامك نكسته مع الحياة.. نكسته المفجعة، التي تؤرّخ غموضاً غير مقصود ٍ في تضاريس الألم، وتهدي بعضَ الضالين إلى  مشارب الإبداع، وقواريرها، التي من خضرة ٍ وطيور ماء، وحولها يواقيتُ من حبق ٍ وجلّنار.
عندما تشعر أنك لا تحارب ظلك.. ولا تقتفي أنهار عزلتك.. عندما تخرج من نفسكَ لتقف أمامها، أو لتتصفّحها أمامكَ..  عندما تنبسُ روحكَ بما لم تكن قادراً على جلبه من ذاتكَ، أو ذاتها، أو غافلاً عنهما.
عندما تحلّق معه بجناحيه..  ويؤرّخ لحظتكَ المشرقةَ.. ويحدّدُ وجهتكَ التي لا تنتمي إلى أية جهة ألفْتَها من قبل، ولم تشمّ في ربوعها عبق الحياة وياسميناتها.
عندما يُبعدكَ عنكَ ليقرّبَكَ منك.. كي تصل إلى أسوار حكمته، وفواجعَ لم تجرّبها بعد خيولُ محنتك.
عندما يسحبك من حرير قلبكَ.. ويغطي بردك العنيد.. وأنت تجفّف ثيابَ روحك، وتلمّ شتاتك، تدفّئ أوصالك في حضرة قصيدته التي من نار ٍ وهناء.. في قرّ شتاء لا مثيل له  في قسوة غربة الشعر عن الشاعر، ونضارة الكلمات وهي تفرّ من تابوت القواميس.. في حضرة قصيدته تنسى أنك أنتَ..  تقرأ روحك في عينيه.. وتنظر بنبراته إلى أفق ٍ يسوّرك بأنفاسه.. ويعالج سقمكَ بمداد صوته.
ومن غير رقيب لم يطلقْ حرّاسُ سمعك ِ أية طلقة نحو كلماته، كونها نابعة من بين رياحين قلبه.. فأفسحتَ المكان لتدخل القصيدة ـ العروسُ ـ  بكامل بهائها وأنوثتها.. بكامل تجلّياتها.. وبكل ما فيها.. لتدخل إلى مملكة قلبك.. ولتحلّ على عرشه.. كي تسودَ أنتَ.
تأشيرةُ دخولها إلى بلاد قلبك، كانت بصمات ِ حزنه.. ونواح روحه.. ودموع قلبه.. كانت صدق حروفه، واحتراق فؤاده.. كانت دماء معانيه، وأيائل أفكاره.. كانت أزاهير إيقاعه.. ومطر خيباته.. وكانت خصوبة الحياة.. ويباسَ أبنائها الطويلَ، وقساوة قلوبهم... كانت.. وكانت.. وكانت مرآتك.
تدخل القصيدة إلى قلبك، لتسبح أنتَ في فلكها.. لأن صاحبها أنتَ، ولأنك لم تكن سواه.
فيا أيها الكريـم !.. يا أيها الشاعر ـ الشاعر ـ أفضْ علينا بركاتِ حزنك، ونعيمَ بكائك.. أدخلنا إلى محراب عطركَ.. وبارك لنا مقامنا بين كشوفات أسرارك، وسحر كلماتك، ليصير الشعر حاجة كالماء والهواء، ولا نخشى على انقراضه، كما نخشى على كل شيء جميل.
إن كنتَ أنت، فلا تجرح ثقافتنا.. ولا تشوّه ملامح معرفتنا نحن ـ الماكثين ـ على شفا هاوية من عدم وهباء.
لا تدعْنـا خارج غرفتك.. خارجَ فهمنا لكَ..  أو حبّك لنا، حتى لا نتجمّد.. ولا نتحوّل إلى هياكلَ من صقيع التقليد، ولئلا نموتَ عطشاً، ونحن نمدّ أيديَنـا أمام صدأ التكرار وأصنام الغموض.
كن معنا، ولا تكن علينا، ليظلَّ ذلك النسغُ في المستقبل البعيد، زادَنا الكاملَ الذي نواجهُ به تصحُّرَ العالم.



[*]  شاعر وأديب كوردي سوري. مواليد 1970، الحسكة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق