الاثنين، 2 أبريل 2018

تاريخ الصراع على مدينة (القدس)

أ. د. فرست مرعي
تحتل (القدس) مكانة مرموقة عند كل أصحاب الديانات السماوية، فهي عند المسلمين: أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام. وهي عند النصارى: مهد المسيح عليه السلام، ومكان تكريزه ( = دعوته) بالإنجيل، وآلامه. وهي عند اليهود المكان الذي عاش فيه ملكهم داود عليه السلام، وبني فيه هيكلهم، وإليها سيعود المسيح حتى يقودهم إلى سيادة العالم، وفق تقاليدهم. وهي - في نفس الوقت - ذات طبيعة تجعل كل من يريد ملكاً ومالاً، يطمع فيها.
وقد أوردت آثار الأمم القديمة المكتشفة، هذا الاسم، بصور مختلفة. فالأواني المكتشفة من عهد الفرعون (سنوسرت الثالث- 1878 – 1843 ق. م) تسميها (روشاليموم)، أو (أوشاميم)، ورسائل تل العمارنة، وهي المكتوبة بالخط المسماري على ألواح قديمة، وترجع في تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد؛ أي إلى عصر الفرعون
(أخناتون 1372 -1354  ق. م). تنطقها (يوروساليم)، وأما مخطوطات الملك الآشوري (سنحاريب) فقد أوردت اسم (القدس): (يوروسليمو).
وقد سبق اسم (يبوس) إلى الوجود كل الأسماء التي حملتها المدينة، حيث نسبها البناة الأوائل إلى أنفسهم. ومن الأسماء القديمة أيضاً (القدس)، وقد ورد لدى المؤرخ والرحالة اليوناني الشهير (هيرودوت 484 ـ 425  ق. م) هكذا: (قديتس).
وللقدس أسماء عديدة، فهي: صهيون، ومدينة داود، وأريئيل، وموريا، وإيلياء، وتنطق: إيليا، ونادراً إليا، أو بيت المقدس، ولكل اسم من الأسماء قصة وحكاية، فلكثرة الغزاة على المدينة كثرت أسماؤها، وتعددت، فكل غاز كان يسميها باسم. والجامع أو العامل المشترك بين هذه الأسماء أنها كلها مقدسة، كل اسم كان مقدساً عند من أطلقوه، وذلك دليل على مكانتها.

مكانة (القدس) عند أتباع الديانات الثلاثة:
مما لا شك فيه أن هناك صراعاً ينشب بين الفينة والأخرى بين أصحاب الديانات السماوية الثلاث، فإنهم جميعاً يوحّدهم تقديس وتبجيل هذه الأرض المقدسة، وفي قلب المدينة الذي يضم أزقة ضيقة توجد أربعة أحياء: الحي الإسلامي، والمسيحي، واليهودي، والأرمني، وهي تضم بعضاً من أقدس الأماكن في العالم.
والحي الإسلامي هو أكبر الأحياء الأربعة، ويضم: قبة الصخرة، والمسجد الأقصى، في منطقة يعرفها المسلمون باسم الحرم القدسي الشريف. ويعد المسجد الأقصى هو ثالث أكثر الأماكن قدسية في الإسلام، بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويديره الوقف الإسلامي. وفي الإسلام أسرى الله بالنبي محمد (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) من مكة المكرمة، حيث المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى في (القدس)، ثم عرج به من موقع قبة الصخرة، إلى السماوات العلى، في الحادثة المعروفة بـ (الإسراء والمعراج).
ويزور المسلمون هذا الموقع المقدس طوال العام، وخلال شهر رمضان يصلي مئات الآلاف من المسلمين في المسجد الأقصى.
وفي داخل الحي المسيحي توجد كنيسة القيامة، التي تتمتع بأهمية خاصة لدى المسيحيين في كل أنحاء العالم، فهي تقع في المكان الذي شهد موت السيد المسيح (عليه السلام)، وصلبه، وبعثه، وفقاً للتقاليد المسيحية. وقبره في الكنيسة، وهي أيضاً الموقع الذي بعث منه. ويدير هذه الكنيسة ممثلون عن مختلف الكنائس، فهناك: بطريركية اليونان الأرثوذكس، والفرنسيسكان من كنيسة الروم الكاثوليك، والبطريركية الأرمنية، فضلاً عن الكنيسة القبطية، التي تشمل المصريين، بالإضافة إلى الكنيسة السريانية الأرثوذكسية.
وموقع كنيسة القيامة من مقاصد الحج الرئيسية للملايين من المسيحيين في أنحاء العالم، الذين يزورون قبر السيد المسيح، ويسعون لطلب العزاء والفداء من خلال الصلاة في الموقع. وعندهم ما يسمى بدرب الآلام ( = حديقة حثيسيماني)، وهو مقدس عند كل الطوائف المسيحية، لاعتقادهم أن السيد المسيح قد سار فيه حاملاً صليبه، عندما اقتاده الجنود الرومان لصلبه، تنفيذاً لأوامر الوالي الروماني (بيلاطس).
وفي الحي اليهودي يوجد الحائط الغربي ( = حائط البراق)، أو حائط المبكى، الذي يعتقد اليهود أنه البقية الباقية من سور أورشليم القديم، وأنه الحائط الخارجي لهيكل ( = معبد) الملك سليمان، الذي أكمل بناءه حوالي العام953 ق. م، والذي دمّره الملك البابلي الكلداني (نبوخذنصر) عام 586 - 587 ق. م تدميراً كاملاً، وبعد قرار بنائه على يد كورش الأخميني عام520 ق. م، والذي اكتمل عام 515 ق. م، كما يشير العهد القديم. وقد رمّمه الوالي الروماني على فلسطين الملك هيرودس الكبير عام 19-20 ق. م، ودمره تدميراً كاملاً القائد الروماني تيتوس، في شهر آب/ أغسطس عام 70م، وأتى على ما تبقى منه الامبراطور الروماني البيزنطي هادريانوس عام 135م، والذي غيّر اسم أورشليم أيضاً إلى (إيليا كابيتالونيا) تيمناً باسمه. ويقوم اليهود بزيارة حائط المبكى ( = حائط البراق)، وتقبيله، وقراءة بعض النصوص التوراتية والتلمودية إلى جواره، وكذلك البكاء على مجدهم الضائع.
ويعتقد اليهود أنه يوجد داخل هيكل سليمان قدس الأقداس، وهو أكثر المواقع قداسة لدى اليهود. كما يعتقد اليهود أنه بقدس الأقداس حجر الأساس الذي خلق منه العالم، فضلاً عن أنه الموقع الذي كان سيضحي فيه النبي إبراهيم بابنه إسحق، ويعتقد الكثير من اليهود أن قبة الصخرة هي موقع قدس الأقداس، وأنها مبنية على هيكل النبي سليمان.
واليوم، فإن حائط المبكى هو أقرب الأماكن، التي يصلي عندها اليهود، قرباً لقدس الأقداس. ويديره حاخام الحائط الغربي، أو حائط المبكى، الذي يزوره الملايين كل عام، إلى جانب ملايين اليهود الذين يأتون من مختلف أصقاع العالم للصلاة.
ومن جانب آخر، فإنه لم يكن لليهود بـ (القدس) سوى بعض الكُنس (مفردها كنيس)، وهي حديثة البناء نسبيًا، وكذلك بعض القبور. ويرجع تاريخ بناء أول كُنَيس إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وجميعها يقع في الحي اليهودي بـ (القدس القديمة)، وهو الحي المعروف بحارة اليهود، ومنها: (قدس الأقداس، طبرت إسرائيل، توماتوراة، بيت إيل، مدراش، طابية، مزغاب لاوخ).
ولليهود مقبرة خاصة بهم، فيها أربعة قبور مميزة، وهي : قبر النبي زكريا، وقبر يعقوب، وقبر أبشالوم، وقبر يهوشافاط.
ينقسم اليهود في مشاعرهم تجاه (القدس) إلى قسمين: الأول منهما يرى أنها مدينة عادية، بل ويمكن الاستغناء عنها بأخرى. ومن هؤلاء زعيم الحركة الصهيونية نفسه، اليهودي النمساوي: تيودور هرتزل (1860 - 1904م)، حيث من الثابت أنه قبل اقتراح السياسي البريطاني الكبير (تشمبرلين) في إعطاء اليهود وطناً قومياً في (أوغنده)، بوسط إفريقيا، لولا أن غلاة الصهيونية ثاروا عليه، بل واعتدوا على مساعده (ماكس نوارداو) بالرصاص، واتهموا هرتزل نفسه بالخيانة، لولا أنه تراجع تماماً عن موقفه، فتراجعوا هم أيضاً. الفريق الآخر هم الغلاة منهم، وهم يرفعون دائمًا أصواتهم ويترنمون بنص من المزامير (مزمور: 137/605) والذي يقول :
إن نسيتك يا أورشليم، فلتشلّ يميني
وليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك
 إن لم أرفع أورشليم على قمة ابتهاجي.
والحقبة التي بدأ فيها البناء الأول للقدس يقع ضمن (العصر البرونزي). وليس من المعروف هل أقيمت المدينة حينئذ بناء على قرار اتخذته جماعة اليبوسيين (وهم في الأصل قبائل حورية). واختار اليبوسيون لمدينتهم مكانًا حصينًا يرتفع عما حوله من الأرض، وشيدوا لها حصناً لحمايتها، واختاروا لها أيضاً موقعاً حيوياً؛ ليتيسر لهم الانتفاع بمميزات تجارية، وخيرات طبيعية، تتيحها مدينة تقبع في هذا المكان. فبنيت (القدس) (يبوس) – مع مدن كنعانية أخرى – على طريق المياه بين الشمال والجنوب، وأُقيمت على مرتفع الضهور (وهو التل الجنوبي الشرقي في القدس القديمة، القائمة الآن داخل السور) قرب عين ماء جيحون (نبع العذراء)، وحُفر تحت الجبل نفق تُنقَل من خلاله مياه النبع إلى الحصن.
وقد أطلق هؤلاء الكنعانيون على مدينتهم الصغيرة اسم (يبوس)؛ ليكون أقدم اسم لها في التاريخ، وأُضيفت إليها أسماء أخرى في أزمنة مختلفة.
وقد أُسند إلى ملك يبوسي يدعى (ملكي صادق) أنه وسّع (القدس)، وزاد في مبانيها، في القرن العشرين قبل الميلاد تقريباً، وأقام على التل الجنوبي، المعروف بـ (جبل صهيون)، قلعة للدفاع عن مدينته، التي صار اسمها حينئذ (أوروسالم) بدلاً من (يبوس). وتذكر مصادر العهد القديم أن نبي الله (إبراهيم) قد اشترى قطعة من هذا الملك اليبوسي (ملكي صادق)، وأنه المكان الذي حاول فيه ذبح ابنه إسحاق(عليه السلام)، وفق العهد القديم. وقد يظن البعض أن (أورشاليم) اسم عبري، أو اسم اختاره العبريون لمدينة (القدس)، لكن الحقيقة المؤكدة على خلاف هذا تماماً. فـ (أورشاليم) اسم كنعاني، من لغة كنعانية، واختاره لها الكنعانيون، ودخل عليه بعض التحريف على لسان العبرانيين، فهو في الأصل (أورسالم)، أي مدينة سالم، أو مدينة إله السلام، ولكن تحولت السين إلى شين على لسان العبريين.
وظلت (يبوس) بأيدي اليبوسيين، والكنعانيين، حتى احتلها النبي داود عليه السلام عام 1004 ق. م، فأطلق عليها اسم (مدينة داود)، واتخذها عاصمة له، ثم آلت من بعده لابنه الملك سليمان عام 965 ق. م، وازدهرت في عهده ازدهارًا معماريًا كبيرًا. وفي هذه الحقبة سادت الديانة اليهودية في المدينة.

ما هو الهيكل؟
كلمة هيكل يقابلها في العبرية (بيت همقداش)، أي (بيت المقدس)، أو (هيخال) وتعني البيت الكبير، في كثير من اللغات السامية. والبيت الكبير، أو العظيم، التعبير الذي كان يشار به إلى مسكن الإله. ومن أهم أسماء الهيكل (بيت يهوه)، لأنه أساساً مسكن للإله، وليس مكاناً للعبادة، وهو أهم مبنى للعبادة اليسرائيلية. وبعد هدمه عام 70م على يد القائد الروماني تيتوس، لم يحل محله مبنى مركزي مماثل. وقد كان اليهود يحجون إليه في أعياد الحج الثلاثة: الفصح، والأسابيع، والمظال. وبعد العودة من بابل عام538 ق. م، كان السنهدرين ( = سندريون – المجلس اليهودي الأعلى) يجتمع في قاعة ملحقة به.
ومع استقرار العبرانيين في بلاد كنعان، كان العبرانيون يقدمون الضحايا والقرابين للآلهة في هيكل محلي يعبّر عن استقلالية كل قبيلة. ومع هذا ظل تابوت العهد مركز العبادة اليسرائيلية. وبعد تدمير (شيلوه) ( = المكان المقدس عند اليهود غير أورشليم) عام 1050 ق. م، واستيلاء الفلسطينيين عليه، أحضره (داود)، وبنى له خيمة في أورشليم. وقد ظهرت أماكن العبادة اليسرائيلية في اماكن مختلفة، لكن أياً منها لم يفلح في أن يصبح مركزاً دينياً لكل القبائل العبرانية المتناثرة. ولذا، فمع تركز السلطة في يد الملوك: ( داود، وسليمان)، تركزت العبادة القربانية في مكان واحد، هو: الهيكل في أورشليم، التي كانت تقع على الحدود بين العديد من القبائل، كما أنها لم تكن تابعة لأي منها. لكل هذا أصبحت أورشليم مركزاً دينياً للقبائل العبرانية، ومن ثم لعبادة يسرائيل القربانية. وتاريخ بناء الهيكل هو أيضاً تاريخ تحول عبادة يسرائيل (البدوية المتجولة) إلى العبادة القربانية المركزية (المستقرة).
يشغل الهيكل مكانة خاصة في الوجدان اليهودي، فقد كان يتصور أنه يقع في مركز العالم، فقد بني في وسط أورشليم ( = القدس)، التي تقع في وسط الدنيا، فقدس الأقداس الذي يقع وسط الهيكل هو بمنزلة سُرّة العالم. والهيكل كنز الإله مثل جماعة يسرائيل، وهو عنده أثمن من السماوات والأرض، بل إن الإله قرّر بناء الهيكل قبل خلق الكون نفسه.
فالهيكل يذكر عند الميلاد والموت. وعند الزواج يحطم أمام العروسين كوب فارغ، ليذكرهما بهدم الهيكل. ويرى منظرو الحركة الصهيونية أن ظهور الصهيونية يعود إلى اللحظة التي هدم فيها الهيكل، وفرض الشتات على اليهود. ويقوم الصهاينة بالتأريخ لوقائع تاريخ العبرانيين، وتواريخ أعضاء الجماعات اليهودية في فلسطين، بمصطلحات مثل: (الهيكل الأول)، و(الهيكل الثاني). ويشير أول رئيس وزراء لإسرائيل: (ديفيد بن غوريون، المتوفى سنة 1973 م)، وكثير من الإسرائيليين، إلى (دولة إسرائيل) باعتبارها الهيكل الثالث.

أولاً: هيكل سليمان
اشترى النبي والملك (داود) (1004 - 965 ق. م) أرضاً ليبني فيها هيكلاً ( = معبداً) مركزياً، ولم يبدأ هو نفسه في البناء، حيث جاء في العهد القديم أن داود كان يريد أن يبني هَيكلاً للرب في أورشليم، ولكن النبي (ناتان) أبلغه – من لدن الرب - بأن يترك هذا المشروع لابنه سليمان (صموئيل الثاني7). فقام بالمهمة ابنه النبي والملك سليمان (حوالي 965 - 928 ق. م)، وأنجزها بين 960 و953 ق. م، وكان قد شرع في بنائه في السنة الرابعة لملكه، وهي السنة الأربعمائة والثمانين لخروج بني إسرائيل من مصر (الملوك الأول 7:1)، بينما استغرق بناء قصره، وملحقاته، ثلاثة عشر عاماً؛ ولذا يسمى (هيكل سليمان)، أو (الهيكل الأول).
وحسب التصور اليهودي، قام سليمان ببناء الهيكل فوق جبل موريا – جبل بيت المقدس- أو هضبة الحرم، التي يوجد فوقها المسجد الأقصى وقبة الصخرة. ومن الصعب الوصول إلى وصف دقيق لهيكل سليمان، فالمصدران الأساسيان لمثل هذا الوصف هما كتاب: (الملوك الأول 6:1-38)، و(الأخبار الثاني 2:4)، وهما يقدمان صورتين تختلفان في كثير من التفاصيل، كما أن المصادر الأخرى تعطي تفاصيل أخرى، تتناقض مع المصدرين الأساسيين.
وهيكل سليمان ليس بناءً واحداً، إذ يضم قصر الملك، ومباني أخرى. وكان ملحقاً بهذا المركب المعماري المذبح الصغير، الذي يضم تابوت العهد، وكان يحيط بهذه المباني جميعاً فناء واسع. وقد أقيم هيكل سليمان مكان المذبح الصغير، يحيط به فناء مقصور عليه، يفصله عن المركب المعماري الأكبر.
كان للهيكل عدة بوابات، وتبلغ أبعاده: 90 قدماً و30 قدماً عرضاً، و45 قدماً ارتفاعاً، وهو لا يختلف كثيراً في التقسيم الثلاثي: ( المدخل- البهو المقدس- قدس الأقداس) عن الهياكل الكنعانية. ونظراً لحياتهم البدوية، كان العبرانيون يجهلون فنون العمارة والهندسة، على خلاف الحال في البلاد المجاورة: بلاد الرافدين، ومصر. ولذا، فقد جلب (سليمان) البنائين والمهندسين، من مدينتي صور وصيدا، كما تم استيراد القسم الأعظم من مواد البناء، من جبال فينيقيا ( = لبنان)، بمعاونة صديقه (حيرام)، ملك صور.
وقد كرس (سليمان) جزءاً كبيراً من ثروة الدولة، والأيدي العاملة فيها، لبناء الهيكل. ولذا، فإن ثورات وانقسامات عديدة حدثت بعد إتمام بنائه. وانتهت هذه الثورات بانقسام الدولة العبرانية المتحدة إلى مملكتي إسرائيل ( = الشمالية)، ويهودا ( = الجنوبية)، وتساقط العبادة القربانية المركزية.
وعند انقسام مملكة سليمان، بعيد وفاته عام 928 ق. م، فقد الهيكل كثيراً من أهميته، إذ شيّد ملوك المملكة الشمالية ( = إسرائيل)، بقيادة يربعام مراكز مستقلة للعبادة. وقد هجم فرعون مصر: (شيشنق) على مملكة يهوذا، في ربيع عام 924 ق. م، ونهب نفائس الهيكل، كما هاجم (يهواش) ملك المملكة الشمالية ( = إسرائيل)، المملكة الجنوبية ( = يهودا)، في عهد ملكها (إمصيا)، وهدم سورها، وأخذ ما في (هيكل سليمان) من الذهب والفضة والأواني، ونهب قصر سليمان، وأخذ بعض الرهائن، وعاد إلى السامرة العاصمة (الملوك الثاني 14:14). وفي عام 586 ق. م، هدم (نبوخذنصر) الكلداني (هيكل سليمان)، وحمل كل أوانيه المقدسة إلى مدينة (بابل).
وعلى أية حال، فعلم الآثار يعطينا معلومات بأنه لم يبق من هيكل سليمان، ولا من أسواره، حجر واحد. وجلّ ما بقي قائماً إلى اليوم، هو جزء من أساسات سور هيكل زرو بابل( = الهيكل الثاني)، الذي أقيم بعد العودة من المنفى في بابل عام520-515 ق. م، وما يدعى خطأً ببرج داود، الذي يرجع إلى فترة المكابيين، في القرن الثاني قبل الميلاد، وأجزاء من سور الملك هيرودس الكبير (37 ق. م - 4 م)، بما فيها حائط المبكى ( = حائط البراق)، الذي يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد. وتؤكد عالمة الآثار: السيدة (كاثلين كينيون)، التي كشفت عن كل ما يمكن كشفه في موقع (القدس) ( = أورشليم) القديمة، عدم جدوى البحث عن هيكل سليمان، لأنه قد ضاع إلى الأبد.
ومن جانب آخر، لا يوجد دليل أثري قاطع يحدد مكان الهيكل تحديداً دقيقاً. ويرى الباحث الغربي (جان باتيست أومبير) : "أن هيكل سليمان يعتبر لغزاً، لأنه لم يبق منه حجر واحد يُرى، وأن وصف الهيكل كان رمزياً"..
بينما يذكر المؤرخ الأمريكي، اللبناني الأصل: (فيليب حتّي) (المتوفى عام 1987م): "أن سليمان بناه - في الأصل - ليكون معبداً ملكياً ملحقاً بالقصر، واستغرق بناؤه سبع سنوات، وأصبح فيما بعد مركزاً عاماً لعبادة العبرانيين، وبنى الهيكل بناءون ومعماريون من مدينة صور، واستخدموا أرز لبنان، وأن الجناح الملكي في قصر سليمان كان يسمى بيت غابة لبنان، وأن زخرفة الهيكل مستوحاة من النماذج الكنعانية، وطقوس الهيكل وذبائحه تشبه الأساليب المتبعة عند الكنعانيين". ومفردة هيكل مستعارة من المفردات الكنعانية بصيغة هيكال، ويبدو أنها كلمة سومرية تعني المعبد.

ثانياً: هيكل زروبابل
مع هدم هيكل سليمان، قام (زروبابل = أحد كبار الكهنة)، الذي سمح له الملك الأخميني الفارسي بالعودة إلى فلسطين، بإعادة بناء الهيكل من جديد (520 - 515 ق. م). ويذكر العهد القديم أن الهيكل الثاني بني بأمر من إله يسرائيل، وبأمر من أباطرة الفرس ( = كورش – سيروس الأخميني 559 - 529 ق. م، ودارا- داريوس الأول 521 ق. م-  486 ق. م)، ولذا كانت تقدَّم فيه يومياً قرابين لصالح الحاكم الوثني، حامي صهيون، وكانت خارطة العاصمة الأخمينية الفارسية (سوسة – شوشة) مرسومة على مداخله. ولا توجد إشارات كثيرة إلى معمار هيكل زرو بابل، ولا تقسيمه. ويميل معظم الباحثين، والمؤرخين، إلى أن (نبوخذنصر) لم يهدم الهيكل الأول، بل أحرقه ونهبه، فاستخدم العائدون اليهود من بابل بناءه دون تغيير.
وفيما يتصل بالمحتويات، فإن (قدس الأقداس) كان فارغاً، لأن تابوت العهد اختفى. وقد لعب هذا الهيكل دوراً أساسياً في إسباغ شرعية على فئة الكهنة، التي صارت الفئة الإدارية الأساسية في مقاطعة يهودا ( = يهودا الأخمينية الفارسية). وقد تعرض هذا الهيكل للنهب عدة مرات.

ثالثاً: هيكل هيرودس ( = الهيكل الثاني)
هيكل هيرودس هو الهيكل الذي بناه الملك هيرودس الكبير (37 ق. م - 4 م)، الذي عينه الرومان حاكماً رومانياً يحمل لقب (ملك)، ويشار إليه بأنه باني (الهيكل الثاني). وأحياناً يستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى الهيكل الذي أسسه زرو بابل، وبهذا يكون هيكل هيرودس الكبير (الهيكل الثالث)، وإن كان مصطلح الهيكل الثالث يستخدم للإشارة - عادة - إلى الهيكل الذي سيُشيَد في آخر الأيام ( = دولة إسرائيل الحالية)، مع بداية العصر المشيحاني. وحينما اعتلى هيرودس العرش وجد هيكل زروبابل متواضعاً، فقرر بناء هيكل آخر لإرضاء اليهود، ولكنه قرر - في الوقت نفسه - بناء هيكل لآلهة روما لإرضاء الإمبراطور الروماني أغسطس (27 ق. م – 14 م). ويبدو أن الهيكل الروماني لم يختلف عن الهيكل اليهودي في معماره.
بدأ هيرودس البناء في 19 - 20  ق. م، فهدم الهيكل القديم، واستمر العمل في البناء وقتاً طويلاً، ومات دون إتمامه، واستمر البناء حتى عهد حفيده (أجريبا الثاني) عام 64 م، بل كانت تنقصه بعض اللمسات عندما هدمه تيتوس في 9 - 10/8/70 م.
بني الهيكل على الطراز اليوناني – الروماني السائد، وقد وسع هيرودس نطاقه ليضم مساحة واسعة، وكانت له عدة بوابات، وأربعة جسور.
ويذكر الباحث الكوردي السوري – المصري (حسن ظاظا= زازا) أن حائط البراق ( = حائط المبكى) كان - على الأرجح - جزءاً من جدار هيكل هيرودس الغربي، أو جزء من السور الخارجي، الذي بناه هيرودس، على حد تعبير الباحث المصري المختص باليهودية: (عبد الوهاب المسيري)..
واليهود يحرصون على تسميته حتى الآن ( الجدار الغربي)، ويعتبر من أقدس الأماكن عند اليهود في الوقت الحاضر، يبلغ طوله مائة وستون قدماً، وارتفاعه ستون قدماً. سمّي باسم حائط المبكى، لأن الصلوات حوله تأخذ شكل عويل ونواح. وجاء في الأساطير اليهودية أن الحائط يذرف الدمع في التاسع من آب/ أغسطس، يوم هدم الهيكل على يد القائد الروماني تيتوس. والتاريخ الذي بدأت تقام فيه الصلوات بالقرب من الحائط غير معروف. وحتى القرن السادس عشر الميلادي نجد أن المصادر التي تتحدث عن يهود (القدس) تشير إلى ارتباطهم بموقع الهيكل فحسب. ويبدو أنه أصبح محل قداسة، بدءاً من سنة 1517م، بعد الفتح العثماني لفلسطين، على يد السلطان سليم الأول (1512-1520م)، وهجرة يهود المارانوس ( = اليهود المتنصرون في الأندلس- إسبانيا والبرتغال) حَمَلة النزعة الحلولية المتطرفة في اليهودية. فالنزعة الحلولية تظهر دائماً في شكل تقديس الأماكن والأشياء. كما أن وجود اليهود داخل التشكيل الحضاري الإسلامي، ترك أثره العميق فيهم، فشعيرة الحج إلى مكة المكرمة، والطواف حول الكعبة المشرفة، وجدت صداها في تقديس اليهود لحائط المبكى!.
وقد قام الأثريون الإسرائيليون، بعد حرب حزيران/ يونيو عام 1967م، بعمل حفائر في أساس الحائط، فكان أقصى ما عثروا عليه في الحجارة تحت الأرض إصحاحين من سفر النبي أشعيا، محفورتين بخط يجعل نسبة هذه الحجارة لداود أو سليمان مستحيلاً. ويرجح العثور على هذا النص إلى الشهور السابقة على إحراق المسجد الأقصى في 21 من شهر آب/ أغسطس عام 1969 م.
رابعاً: الهيكل الثالث
الهيكل الثالث مصطلح ديني يهودي يشير إلى عودة اليهود، بقيادة الماشيَح ( = المسيح المنتظر)، إلى (صهيون)، لإعادة بناء الهيكل في نهاية الأيام. والهيكل الأول هيكل سليمان، الذي هدمه نبوخذنصر، والهيكل الثاني هيكل هيرودس. والهيكل الثالث مرتبط بالرؤى الأخروية، لا بالتاريخ الإنساني، ومع هذا فقد صبغ الصهاينة هذه الرؤية بصبغة علمانية، وجعلوا الاستيطان الصهيوني في فلسطين هو العودة المشيحانية. وبالتالي، فإن الدولة الصهيونية ( = يسرائيل الحالية) هي الهيكل الثالث.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق