الاثنين، 2 فبراير، 2015

كلُّ شيء هادئ في جميع الجبهات

 عبدالكريم يحيى الزيباري
بعد ستة شهورٍ طويلة قضياها في المكتبات العامة والخاصة: فجأةً قرَّرا التوقف. بعدما نقَّبا داخل الأرشيف، وأثَّثا غرفة صغيرة بمئات الكتب والمجلدات وصور الوثائق الرسمية والتواريخ المحدَّدة على دقَّات ساعة بيغ بن، اكتشفا في وادٍ ضيق: رسماً منحوتاً على جدار صخري، لحاكمٍ يقهر أسداً قوياً، ومن ورائهِ تتناهشه الخناجر المسمومة.
وهما يقلِّبان (جريدة الثورة) البغدادية توقَّفا أمام المرسوم الجمهوري 425 والصادر 27/8/1961 والذي ينص: بناءً على ما عرضه رئيس الوزراء، رسمنا بما هو آت: يقوم سيادة الزعيم (عبدالكريم
قاسم)، رئيس الوزراء وكيل وزير الدفاع، بمنصب وزير الخارجية بالوكالة.
قلتُ له:
- كيف يصحُّ هذا الكلام؟ بناءً على ما عرضه رئيس الوزراء على نفسهِ؟ اختزل لنفسه الدفاع ورئاسة
الوزراء والخارجية والداخلية، وماذا بعد؟
عبدالكريم قاسم
بحثاً عن الإجابة، اكتشف أحدهما سؤالاً جديداً، وهو يتأمل عجزه أمام فوضى الكتب والوثائق:
- مِنْ أينَ جاء التاريخ؟
أمسك صديقي بلحيته، التي لم يلمسها منذ ستة شهور، فطالت حتى غطّت رقبته، وقال:
- مهما بدا السؤال أو التاريخ أو الوجود مستحيلاً، فإنَّهُ ليس ضروريَّاً بالقدر نفسه، كما الكتابة في ذاتها ليست خطئاً ولا صواباً، بل ممكنة أو غير ممكنة، وليس بمقدورها القيام بشيء أمام هذا العالم؛ رغم أنَّ فعل الكتابة يظلُّ الأكثر قدرة على أنْ يقِفَ مانعاً ضدَّ تبديدنا من قبل الزمان.
- كيف؟
- بتعطيل حاسة الارتياب لدى القارئ، والتاريخ يعتمد في جزءٍ كبير منه على قدرة المؤرخين على الإقناع.
- لكن في متون التاريخ توجد اختلافات كثيرة.
- الاختلاف جزءٌ رئيس من عملية الإقناع، والاختلاف جزء من التاريخ أيضاً.
بعد نقاشٍ وجدل طال ليومين اتَّفقا على أنَّ التاريخ متاهة من التُّرَّهات، وأحرقا كل الكتب والوثائق التي قاما بجمعها، لأنَّ العالم سيكون مكاناً أكثر نقاوة بدونها. في ليلة من ليالي الشتاء الباردة أحرقا كل شيء داخل برميل نفايات، وهما ينفخان في أيديهما تارةً، وفي الهواء البخار تارةً أخرى، وافترقا، وقبل أنْ تختفي النار، غادرا المكان. وفي الليل كان أحدنا يضطجعُ عَاريا في خِزْيِهِ، كلصّ منكَّس الرأس، بعدما أمسكوا بهِ، وربطوه في شجرة. وبعدما كنت ألتقيه كل يوم، لم نلتقِ إلا مرةً أو مرتين كلَّ أسبوع أو ثلاثة أسابيع، ومضت ثلاثة شهور أسرع من ثلاثة أيام، وعلمتُ أنَّ صديقي طريح الفراش، فأسرعت لزيارته:
- لن تصدِّق ماذا قال الطبيب؟
لم يجب بكلمة، لكن الصمت ونظرات العينين المتلهفتين بدتا وكأنَّه يردِّد: ماذا؟
- يقول لديك تليف في الكبد نتيجة إدمان الكحول. لقد وضعَ السمَّاعات في أذنيَّ، وقال لي أسمع، وهو ينقر بطني بأصابعهِ، كان كصوت الطبل المكتوم.
- لكنه ليس مرضاً خطيراً.
- على العكس تماماً، هذا التشمُّع أو التليُّف، لا علاج له أبداً، ولم تتحقق في العالم حالة شفاء واحدة منه، قال الطبيب سنركِّز على منع المضاعفات فقط، وتخفيف الآلام.
- ومن أينَ جاءك التليف؟
- يقول لي من إدمان الكحول.
- لكنك لم تشربه في حياتك.
- هكذا قلت له أيضاً.
- وماذا قال؟
- قال نسبة الكحول في دمك عالية جداً.
- اذهب إلى طبيبٍ آخر.
- ذهبتُ إلى ثلاثة.
- جرِّب الرابع والخامس والعاشر.
- لقد تعبت وأنفقتُ الكثير دون فائدة، جميعهم متفقون تقريباً.
كان هذا لقائي الأخير معه، وكان الحديث طويلاً، حول مواضيع مختلفة، كان التاريخ إحداها. خلف فناء البيت كان برميل النفايات في مكانهِ، قلبته على الأرض، وبحثتُ، لعلي أجد شيئاً لم تأتِ عليه النار. وجدت جذاذات قليلة، جمعتها. اقترحت على نفسي إعادة الكتابة، لكن من أينَ سأبدأ: بلغني أيها القارئ الحزين. لا هذه الصيغة لم تعد تنفع. يجب أنْ أذكرَ الاسم الصريح:
أستاذ التاريخ الحديث (عبدالفتاح علي يحيى البوتاني) يقول نقلاً عن (سعد ناجي جواد):
في 9/1/1960 قدم (ملا مصطفى البارزاني) و(نوري شاويس) و(عمر مصطفى) و(إبراهيم أحمد)، وستة آخرون، طلباً إلى وزارة الداخلية للموافقة على تأسيس حزب باسم الحزب الديمقراطي الموحَّد لكوردستان العراق، وأرفقوه بمنهاج مؤلَّف من 23 مادة، ومما يجلب الانتباه المادة الثالثة التي أكَّدت أنَّ الحزب ينتفع في نضالهِ السياسي وتحليله للمجتمع من النظرية العلمية للماركسية اللينينية، واقترح وزير الداخلية الموصلي (أحمد محمد يحيى) إجراء عدد من التغييرات على المنهاج، وحذف كلمتي (كوردستان) و(الموحد) من اسم الحزب، ليكون: الحزب الديمقراطي الكوردي، وأبدى (البارزاني) استعداده لإسقاط كلمة (الموحَّد)، إلا أنَّه أصرَّ على كلمة (كوردستان)، فاقترحَ (قاسم) اسم: الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كحل وسيط، فقبل (البارزاني) الاقتراح.
(شكيب عقراوي) يقول:
في 8/2/1960 وافقت وزارة الداخلية على منح الترخيص الرسمي لـ(الحزب الديمقراطي الكوردستاني) لمزاولة النشاط السياسي، بموجب قانون الجمعيات السياسية لسنة 1960، وأنَّ الزعيم هو الذي اقترحَ تغيير اسمه من الحزب الديمقراطي الكردي إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ليكون بإمكان جميع سكان كوردستان العراق الانضمام إليه، وإن لم يكونوا أكراداً.
لا هذا الأسلوب أيضاً غير مناسب، إلا للانطباع الغريب بأنَّني عشتُ هذه اللحظة الغريبة من قبل. لا هذا الانطباع غير مناسب، كبداية مشوِّقة يجب أن تنطلق من صلب الحكاية، لا كما في كلِّ مرَّة من وثيقة جامدة.
هذه السيرة الشعبية لم ينجزها أحدٌ قبلي، بهذه الصيغة على الأقل. خلاف كل ما مضى قمتُ بإنجازهِا مع الاستفادة من كل الوثائق المحروقة.
عبدالسلام عارف
وهبطَ الزعيم الركن (عبدالسلام عارف) من الطائرة العمودية، التي أقلته إلى مدينة (أم البعرور)، والتي صار اسمها فيما بعد (مدينة الشاميَّة)، ذلك اليوم شكَّل انعطافاً كبيراً في تاريخ المدينة في مرحلة الجمهورية الأولى، حيث صار شيوخها وأعيانها محل اهتمام وتنافس الزعيم، ونائبه، الذي ظلَّ مولعاً بالخطب الحماسيَّة، والاستعراض في جولات مكوكية، يخطب في مئات المواطنين المحتشدين حوله، لم يكن (عارف) يعلم أنَّ ولعه سيكون سببا في إعفائه من جميع مناصبهِ، بعد سبعةٍ وسبعين يوماً من الثورة، ثم سبباً في سجنهِ، ثم سبباً في موتهِ حرقاً! هذا الاستعراض كم هو قميء ومثير للسخرية!
في زيارةٍ لأحد ملوك العرب إلى (بغداد)، للتهنئة بثورة 14 تموز، قرأ (عارف)، في مستهل خطبته الارتجالية، قوله تعالى: (إنَّ الْمُلُوك إِذَا دَخَلُوا قَرْيَة أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّة أَهْلهَا أَذِلَّة وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ). هذا الخطيب كان يجعل من نفسهِ أضحوكة من كثرة تمجيدهِ لعبدالناصر، وحين استولى على الحكم لم يقم بخطوةٍ واحدة صوب الوحدة التي كان يدعو إليها.
ظهيرة يوم الأحد السابع من أيلول، كان (هادي الطائي) عائداً إلى بيتهِ، بعد يومٍ حار ولزج، من دوامهِ الرسمي في محطة كهرباء الصرافية، تفاجأ بالشارع الرئيس مسدودا من كثرة الجماهير المحتشدة، تستمع إلى خِطاب (عبدالسلام عارف):
- اسمعوني جيداً يا أخوة السلاح، هذا الأسطول الأمريكي السادس قد استقرَّ في لبنان، والجيش البريطاني في عَمَّان يستعد لعملية إنزال في بغداد لإسقاط الحكم الجمهوري، ليعيدوا لكم ملكاً مستورداً، شنو رأي ولد الملحة الشجعان؟
- سنقطِّعهم بأسناننا، ستكون (بغدادطراد) مقبرتهم.
- ها ولدي الأبطال ما دا أسمع؟ أريد أشوف اشلون تتصدون للأمريكان؟ هذا أخونا الجبير (عبدالناصر) يريد يشوف شجاعة العراقيين؟ لا تفشلونا ها اخوتي.
- والجماهير ترقص وتهتف بالأهازيج: تلعلع يا لرصاص شبيك، شنهو الرايدة منه، انته اللي انغدر حقك، لو احنا انغدر حقنه..
كاد الزعيم ينفجر غيظاً من هذه الجولات المكوكية، بدا وجهه النحيل وقد جفَّفَه تجاهلُ صديقه له، وعدم ذكر اسمه ولا لقبه، لكنَّ حاشيته نصحوه بأنْ يترك (عبدالسلام) حتى ينفجر من الخطب.
كانت للزعيم (عبدالكريم قاسم) أمنية لم يُفصِح بها لأحد إلا طبيب الأسنان، الذي زاره كمريض مرتين فقط، وانعقدت بينهما صداقة دامت لأربع سنوات. في المرَّة الأولى ذات مساء ربيعي منعش اقتلعَ ضرسهُ. أخبرهُ بأنَّه كزعيم يتمنى أنْ يُصبِحَ قادراً على السباحة. وهو يُفكِّر ببناء مسبح في فناء وزارة الدفاع، هذه الفكرة كانت تتنافى مع صورة الزعيم الزَّاهد، فأهملها. في جلسةٍ ثانية، بعد شهور طويلة، اعترف لهُ الزعيم:
- أحياناً أشعرُ بهيجان نفسي لا أعرف له سبباً.
كان طبيب الأسنان قد استأمنه على أنْ يقول كل شيء بصراحة، فقال للزعيم:
- سيدي أنتَ تعيش مع زمرة من الضباط النبلاء ليل نهار، وآلاف الرايات ترفرفُ أمامكم، وخلفكم، ومن حولكم، وبين كلِّ هذا الضجيج أنتَ إنسان، ولديك احتياجات كإنسان، وحياتك من الممكن أنْ تكون حُلُماً جميلاً، أو كابوساً لا يُطاق.
- كيف أجعلها حُلُماً جميلاً، وهؤلاء الذين تقول عنهم نبلاء ليسوا إلا ذئاباً لا يفكرون إلا في اكتناز الذهب والعقارات، لقد ظلَّ (عبدالسلام) يتوسَّل ويتباكى إلى أنْ أطلقتُ سراحه، ووهبته داراً فخمة في (زيونة)، فاستأجره، ولم يسكن فيه، صرفت له معاشاته المترتبة، وهو في سجنه، وها هو يراجعني يريد صرف معاشاته كنائب رئيس وزراء، لا كعقيد فقط. في البداية توسَّل لتخفيف حكم الإعدام، ثمَّ توسَّل لإطلاق سراحهِ، ثم معاشاته كعقيد. ماذا أفعل؟ إنَّهم لا يشبعون أبداً.
- سيدي الزعيم دعكَ منهم، وتزوَّج، لِتَجِدَ حُضناً دافئاً تعود إليه كل ليلة.
- كيف يتزوَّج من لديهِ أربعة آلاف أخت عانس؟
ظنَّ طبيب الأسنان أنَّ الزعيم سيقول له: ولماذا أتزوَّج وكل الذين من حولي زوجاتي؟ أنا مستمتع ببث داء الضرائر بينهم. قال طبيب الأسنان:
- لكنَّ العراق كله لم يبلغ أربعة ملايين بعد.
- قبل عشرة سنوات كانوا أربعة ملايين ونصف.
في مساء آخر قرر الزعيم أنْ يشاهد فيلم (احنا التلامذة)، حيث رفعَ له مدير الأمن تقريراً يقول فيه إنَّ الرقابة أخطأت في تمرير الفيلم، لأنَّ الفيلم مفبرك ضد الجمهورية، والجمهور يطلق على مجلس الوزراء اسم جماعة احنا التلامذة. أمرَ الزعيم أثناء مشاهدتهِ للفيلم إيقاف التشغيل عند الكثير من المشاهد، كان أولها المشهد الأول من المقدمة، وسأل:
- هذه السبَّابة التي تشير إلى كلمة شكر، هل هي لليد اليسرى أم اليمنى؟
- وكيف سنعرف فخامة الزعيم؟
- لو شغَّلتم عقولكم ستعرفون! أنَّها لا يمكن أنْ تكون لليد اليمنى. تمثلوا المشهد.
مرت لحظة صمت، سألهُ أحد الحضور:
- فخامة الزعيم، هل نعيد تشغيل الفيلم.
- اقرأوا ماذا كُتِب: المنتج حلمي رفله يسعده أنْ يُقدِّم أعمق الشكر وخالص التقدير إلى حضرات أساتذة التربية وعلماء النفس ورجال الفكر والصحافة الذين اشتركوا في دراسة قصة احنا التلامذة، وساهموا في وضع خطوطها واتجاهها، وكان لآرائهم السديدة، وتوجيهاتهم السليمة، آثارها في إبراز القصة، والمشكلة التي ترويها، بصورة صادقة، حققت الأهداف من إنتاج الفيلم، وأكدت تجاوب السينما، ومساهمتها في تطهير المجتمع والنهوض.
انتهى الزعيم من قراءة كلمة الشكر، ثم وقف أمامنا، وظهره إلى الشاشة، وقال:
- هذا الشكر علامة على المبالغ الطائلة التي تمَّ إنفاقها على هذا الفيلم.
قال له مدير الاستخبارات:
- لو أمرتم فخامتكم الموافقة على اقتراح العقيد ركن غانم إسماعيل.
- ومن هو هذا العقيد؟
- ملحقنا العسكري في بيروت.
- وماذا يقترح أفندينا؟
- يريد من فخامتكم تخصيص بعض المبالغ للأقلام المأجورة في بيروت، للرد على الهجمة الشرسة التي يشنها المأجورون الآخرون على جمهوريتنا الوليدة.
- هذه آخر مرَّة أسمع كلمة جمهوريتنا الوليدة. هل فهمت؟ قل جمهوريتنا الخالدة، قل جمهوريتنا العظيمة. ليس مِنْ مأجورين بمقدورهم إنهاء مأجورين، كما ليسَ من حربٍ يمكنها أن تنهي حرباً، كلُّ حرب تَلِدُ حرباً أخرى، إلى أن تقوم الساعة. وماذا تريد منِّي؟ ألا تخجل من نفسك؟ أنا الزعيم أشترك في جريمة إفساد ذِمم المثقفين؟ هل جننت؟ ماذا سيقول التاريخ عَنِّي؟ اعملوا بصدق، بالعمل وحده يمكننا خدمة الوطن، وليس بالأكاذيب. هذه أموال الشعب، لن أنفقها إلا على الشعب، لن أنفقها من أجل تزويق صورتي، هذا حرام، لا زال بين الشعب من لا يجد قوتَ يومهِ. 
الجواهري
ثمَّ أنَّهُ لدينا أكثر من 82 صحفي في نقابة الصحفيين، ماذا يفعلون؟ أينَ (الجواهري) نقيب الصحفيين، ورئيس اتحاد الأدباء، ماذا يفعل؟ أظهروا للعرب حقيقة منجزاتنا.
وجلس في مقعدهِ منزعجاً، وهو يتابع الفيلم، ولم تمضِ عشر دقائق حتى أمرَ بإيقاف التشغيل ثانية، بإشارةٍ من يدهِ. بقيَ في مقعدهِ لدقيقتين، ثم وقفَ ثانيةً:
- انظروا هؤلاء الثلاثة يحملون أوراقاً بأيديهم، يحاولون قراءتها على ضوء الفانوس الذي يحمله ذلك الرجل العجوز، الذي يرتدي الزيَّ الروماني، إشارةً إلى حضارة روما، التي حكمت العالَم لألفي سنة، وها هم اليوم يريدون أنْ يحكموننا لألفي سنةٍ أخرى، بينما نحن منشغلين بالاقتتال الداخلي فيما بيننا. اكتبوا في كلِّ الصحف: أنا لستُ ضدَّ الوحدة العربية، أنا عربيٌّ وأفتخرُ بقوميتي أكثر منهم. أينَ (الجواهري)، لماذا لا 
يكتب قصيدة عصماء عن عروبتي؟ وفوق كلِّ هذا يريد وزارة؟ وهنا دخل العقيد (فاضل عباس المهداوي) يلهث، ووقف أمام الزعيم:
فاضل عباس المهداوي
- سيدي وصلت الآن إلى مقر وزارة الدفاع البيضة التي عثروا عليها في الأنبار، وعليها صورة فخامتكم؟
لم يقل الزعيم شيئاً، لكنَّهُ لم يستطع أنْ لا يمتعضَ ويرفع الجزء الأيسر من شفتهِ العليا، كما فعل قبل أنْ يدخل إلى قاعة السينما، وهو يشكو قائلاً:
- كنتُ محاصراً بين الشيوعيين التابعين للسوفييت، والقوميين التابعين لعبدالناصر، وكلاهما ضد الغرب. نصحني صديقي (همفري تريفليان) بأنْ أضربَ أحدهما بالآخر.
وكانت نصيحة (همفري تريفليان) قد جاءت بعدما رأى بعينيه في 1/5/1959 كيف قاد الحزب الشيوعي مظاهرة، قدر عددها بنصف مليون، جاؤوا من عموم العراق. عن هذه المظاهرة صرَّح (هنري كابوت لودج)، ممثل أمريكا في الأمم المتحدة: عدد أعضاء الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ستة ملايين، لكنهم في العراق ثمانية ملايين! وكان عدد سكان العراق آنذاك ثمانية ملايين!
بعد مجازر كركوك في 14-16 تموز 1959 خطبَ الزعيم في كنيسة (مار يوسف) في 19 تموز: إنَّ مَنْ قام بهذه المجزرة برابرة أسوأ من هولاكو، وسخرَ منهُ أعضاء الحزب الشيوعي، قائلين:
- انظروا صوت الزعيم يرتعش، انظروا يديه ترتعشان خوفاً مِنَّا!
كتبَ (محمد حسنين هيكل)، في جريدة (الأهرام)، في 27/9/1963، أنَّ ملك الأردن أخبره: إنَّ ما جرى في بغداد في 8 شباط 1963 حظيَ بدعم الاستخبارات الأمريكية.
لم يذكر الزعيم أنَّ (همفي) نصحهَ أيضاً بالإفراج عن اللواء (غازي الداغستاني)، وكان قائداً للفرقة الثالثة، وذكرَ أمام محكمة الشعب، التي حَكمَت عليه بالإعدام، بتهمة الاشتراك في محاولة الانقلاب العسكري في دمشق، والتي لم ينكرها، فذكر أن (نوري السعيد) استدعاه في ربيع عام 1957، وأطلعه على خطة للقيام بانقلاب في سورية، مدعوم بهجوم للجيش العراقي على حلب و حمص و دمشق، وقد أعطيت الحركة الانقلابية الداخلية في سورية اسم (عملية نصر)، بينما أعطي التدخل العسكري اسم (عملية سيف العرب)، وأنَّهُ التقى (هوارد ستون)، السكرتير الثاني للسفير الأمريكي في سوريا، وبعض ضباط الجيش السوري، في بيروت، الذين سيعلنون الوحدة بين العراق وسوريا والأردن، فيما لو نجحَ الانقلاب، كرد على محاولات الوحدة مع مصر، التي أعلنت بعد هذه المحاولة بشهور. ولأنَّ اللواء (غازي) لم يرَ جديَّة من (عبد الحميد السرَّاج) و(أديب شيشكلي)، وأنَّهم كانوا لا يتحدثون إلا عن المائة مليون جنيه استرليني، والتي وقعَ جزء كبير منها على حكومتي العراق والسعودية، ولهذا دفعَ (غازي) نصف المبلغ فقط، وأعاد النصف الآخر إلى خزنة السفير العراقي في بيروت، لإعادته إلى العراق.
قال العقيد المهداوي:
- سيدي هل أجلبُ لكم البيضة؟
- ليس الآن. ألا تراني مشغولاً؟
خرجَ العقيد فاضل عباس. كان العقيد مجيد سعيد جالساً في الصفِّ الأخير، لم يبدُ عليهِ الارتياح، وازدادَت كآبته بدخول العقيد المهداوي فجأة، حيث تذكّر اجتماع اللجنة العليا للضباط الأحرار في بيت الزعيم بتاريخ 4/7/1958، حيث دخل المهداوي يلهث، وهو يقول: انكشفنا، الاستخبارات لديها علم بهذا الاجتماع. فتفرَّق الضباط، وكانت أسوأ ليلة، ولكن الجميع آنذاك تناسوا أنْ يسألوا الزعيم: لماذا فبركت علينا هذه اللعبة؟ وبعد ذلك لم يجرؤ أحدٌ على سؤالهِ. وقبل ذلك أخبرني (شامل عبدالقادر) بأنَّ المهداوي اقتحمَ اجتماعاً سريَّاً بين الزعيم ومدير الأمن العام ومدير الاستخبارات، ليخبرهُ بأنَّ الناس يتظاهرون في شارع الرشيد، لأنَّهم رأوا صورته على وجه القمر، ونهضَ الزعيم، وخرجا معه، وتطلعا إلى وجه القمر لأكثر من عشرة دقائق، وهم يضحكون، ثمَّ سألهم الزعيم:
- هل تريان شيئاً؟
- كلا سيدي، لا نرى شيئاً.
وهنا ابتدرَ العقيد فاضل عباس:
- أنا السبب سيدي، لقد تأخرت في المجيء.
- عبوسي، ألا ترى أننا في اجتماع، لا تزعجنا مرة أخرى.
كان الزعيم حين يكون راضياً عنه يناديه عبوسي، وكان الزعيم في الاجتماع يخبرهما:
- الباشا نوري السعيد لم يستطع القضاء على الشيوعيين لأنَّهم كانوا في الأقبية والسراديب، وأنا قد أخرجتهم إلى النور، وصاروا مكشوفين لكم، ماذا بكما؟ هل عجزتم عن القضاء عليهم؟
- لم نعجز سيدي، ولكننا بانتظار أوامر فخامتكم.
- ما هيَ أخبار الاستعدادات للاحتفال العظيم؟
- سيدي لقد جلبتُ لكم الجرائد والمجلات كافة- وراح يقرأ- حتى صحف المعارضة مهتمة، نشرت مجلة الوادي العدد 14، يوم السبت 11/6/1960، إعلاناً بعنوان: نداء (إلى كافة المواطنين: ترغب لجنة الاحتفالات بيوم 14 تموز الخالد، من سيادتكم، معاونتها في صياغة شعارات ترفع من قبل الدوائر الرسمية والمنظمات الوطنية بهذه الذكرى المجيدة، وترجو اللجنة أن تنبثق تلك الشعارات الشعرية أو النثرية، وتستمد من الشعارات الثلاث التي دعا إليها سيادة الزعيم المنقذ عبدالكريم قاسم، وهي: أ: تحيا الجمهورية العراقية الخالدة. ب: تحيا الوحدة العراقية الصادقة. ج: تحيا الأمة العربية المجيدة. ونحن نؤكِّدُ رجاءنا هذا، على أن يصل قبل يوم 15 حزيران 1960 إلى مدير إدارة بلدية الموصل، ولكم مزيد الاحترام. خيرالدين محمود، عضو لجنة الاحتفالات في 14 تموز الخالد).
- وأين عبدالله صديق الملاح رئيس بلدية الموصل، هل يأنفُ أنْ يصيرَ رئيساً للجنة الاحتفالات بالثورة؟
- كلا سيدي، لكنه عضوٌ في اللجنة العليا التي يرأسها المتصرِّف.
- وهذا تقرير وزارة البلديات: لقد تمَّ التعاقد مع الصين لشراء مائة ألف صورة لفخامة الزعيم. سيغني (ناظم الغزالي) أغنية للشعب، من كلمات الشاعر (جبوري النجار)، وألحان (خضر الياس)، ويقول فيها: للشعب تسلم تسلم، ركن الظلم يتهدَّم، تسلم يا عبدالكريم، باسمك مجدنا ترنَّم. تسلم يا عبدالكريم، تسلم وأنت الزعيم، أنت يا قائد أمتنا، يا ذخر اليوم العظيم، ليل المظالم ولَّى، فجر العروبة تجلى).
- توقف، توقف. ما هذه العروبة التي أقحمتها في الأغنية؟ اجعلها: فجر العراق تجلى.
- نعم سيدي. وهناك أغنية: يبقى الزعيم عبدالكريم. وأغنية: عبدالكريم كلُّ القلوب تهواك، عبدالكريم ربُّ العباد يرعاك، كلنه فِداك، نحمي حِماك، عبدالكريم، عبدالكريم، عبدالكريم، أنت الزعيم، عاشت بك الأمجاد، لا عاد ملك يحكم ولا طاغي ولا جلاد، بثورتك اتوحدت كل القوى، بين العرب وأكراد.
- سيدي لن تتصور مدى الإقبال الكبير لمؤسسات الدولة، ورغبتها في المشاركة في العيد الثاني للثورة، لكنَّ (محمد حديد) يقول إنَّ النفقات صارت كبيرة، وأنَّ الموازنة لم تعد تحتمل.
- هذا المجنون ينتحر سياسياً، يريد أنْ يقفَ ضد رغبات الشعب العراقي العظيم في الاحتفال بثورته الجّيدة.
بعد الثورة بفترةٍ وجيزة، حين سأل (هيكل) (محمد صديق شنشل)، وزير الإرشاد العراقي، عن قاسم وعارف، أجاب: الأول نصف مجنون، والثاني نصف عاقل. وبعد ذلك بسنوات طويلة، ستنشر مجلة (دير شبيغل) الألمانية، أنَّ المخابرات الأمريكية سلمت الطبيب العراقي، الذي يعتمد عليه عبدالكريم قاسم، مناديل ورقية مشبَّعة بعطر فيه مواد مخدِّرة، حين يستعملها الزعيم للمسح والشم، يُصاب بهلوسة.
لم يكن الزعيم ينسى إساءة، مهما كانت صغيرة، ففي العهد الملكي تمَّ إيفاد المقدم ركن عبدالكريم قاسم إلى لندن، للاشتراك في دورة الضباط الأقدمين، وكان يتردد على السفارة العراقية في لندن كثيراً، حتى انعقدت صداقة قوية بينه وبين السفير حسن مصطفى آنذاك، وكانت في أنفِ الزعيم آنذاك ثلمة أو قرطة تُشوِّه منظرَ وجهه، فطلب من السفير أنْ يسمحَ له بالبقاء، بعد انتهاء الدورة، ليجري عملية جراحية، فوافق السفير. وأجريت العملية، وكانت أنظمة وزارة الدفاع تقضي بأنْ تدفع الوزارة نفقات معالجة الضباط الموفدين، وأجور المستشفى والعمليات والأدوية، لكن محمد إسماعيل رمضان الملقب أبو جاسم رفض أنْ يصرف مُبرِّراً: هذه عملية تجميل! وعلى الضابط أنْ يتحمل نفقاته وحده. ونشبت مشاجرة بينه وبين الملحق العسكري، ولم يصرف المبلغ أيضاً، إلى أنْ تدخل السفير، وأمر بدفع المبلغ على مسؤوليته. في أواخر 1958 ذهب الزعيم رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الخارجية، إلى مبنى وزارة الخارجية في زيارة مفاجئة، واستدعى رؤساء الدوائر كافة، وحالما استقرَّ بهم المقام، التفت مبتسماً إلى نجدة فتحي صفوة:
- أين صار أبو جاسم الآن؟
- في سفارتنا في نيودلهي سيدي!
وكان الزعيم بعد ذلك بأيام بدأ يخطِّط لإعادته، والانتقام منه، إلا أنَّ أحداثاً جسيمة عصفت به، فأنسته أبو جاسم، وكان أول هذه الأحداث تصريح كامل الجادرجي زعيم الحزب الديمقراطي: على قادة الجيش تسليم مقاليد السلطة إلى سلطة مدنية منتخبة ديمقراطياً من قبل الشعب، والعودة إلى ثكناتهم! لم ينم الزعيم ليلتين متتاليتين، ولم ينسها له، وظلَّ يكيد حزبه حتى فكَّكه، وردَّ عليه في اليوم التالي:
- أينَ كان ساسة الصالونات حين فجَّرنا الثورة!
وكان (الجادرجي) يعتقد أنَّ الزعيم يقود الدولة بعقليَّة عريف آمر مفرزة كمين صغيرة، وقال ذات خِطاب: القطار يسير، والركاب يتخاصمون، لكنه سيواصل السير، وسيصل! كان يُفكِّر كسائق قطار يجب عليه إذكاء نار الفتنة بين الركاب، لأنَّها إذا انطفأت سيتلفتون إلى سائق القطار!
كامل الجادرجي ظلَّ مُشَكِّكاً بأنَّ مصير أية حكومة يشترك فيها العسكر ستتحول إلى دكتاتورية، كما حدث في انقلاب بكر صدقي. ورغم عدم اشتراكه شخصيا في الحكومة، فقد زجَّ بمحمد حديد وزيراً للمال، وهديب الحاج محمود وزيراً للزراعة، ثمَّ تطوَّع بفكرة السفر إلى مصر، لمقابلة عبدالناصر، في 14 أيلول 1958، لبحث تأجيل الوحدة، أو إرجائها، ثمَّ أمرهما بالاستقالة، بسبب حماسة الحزب الشيوعي في مساندة عبدالكريم قاسم، فقدَّم كلٌّ منهما استقالته. وبحسب رواية محمد حديد فإنَّ الزعيم توسَّل بهما سحب الاستقالة، إلى درجة أنْ سالت الدموع من عينيه. كان (حديد) يرى المصلحة الوطنية في الاقتراب من عبد الكريم قاسم، لأنَّ في الابتعاد سيفسح المجال للعسكر والشيوعيين المتطرفين، ولَمَّا ازدادت الضغوط اضطرَّ محمد حديد إلى الاستقالة من الحزب الوطني الديمقراطي، وقام بتأسيس الحزب الوطني التقدمي، كما استقال من الحكومة أيضاً. ويُقال إنَّ الاستقالة من الحزب والحكومة كانت متفقا عليها مع الزعيم، حيث كانت الاستقالة ضربة قوية قصمت ظهر الحزب الوطني الديمقراطي، فلم تقم له قائمة، وظلَّ محمد حديد محتفظاً بعلاقته الحسنة مع قاسم، وفعَّالاً أكثر مما كان في الوزارة. لكنَّ أهل بغداد علقوا على استقالة محمد حديد:
- ظل البيت لمطيره، وطارت بيه فرد طيره!!
كما وأنَّ الحزب الشيوعي، وحاشية عبدالكريم قاسم، كانوا قد ضاقوا ذرعاً بمحمد حديد، المنطقي أكثر من مناطقة العالم كلهم، وكانوا يطرحون أسئلة تشكِّكُ في نزاهتهِ:
- من الكسل ألا يميل الشباب إلى الاشتراكية، لكن من الغباء أنْ يظلَّ اشتراكياً بعد الأربعين! اشتراكية محمد حديد المبهمة قد تلاشت، مع ما وصلت أرباح شركة الزيوت النباتية التي يديرها إلى أرقام قياسية. هل يمكن لإنسان أنْ يبقى اشتراكياً، حتى عندما تكبر مصالحه وتنمو؟
- سيدي وقبل فترة أثارَ قضية شقيقكم (حامد عبدالكريم) بخصوص صفقة القمح الأسترالي؟
- أية صفقة؟
- التي وجدوا فيها بعض الجرذان.
- لكن استيراد القمح من اختصاص اللواء ناجي شاكر مدير عام مديرية الإعاشة.
- نعم سيدي، ومديرية الإعاشة العامة إحدى مؤسسات وزارة المال.
- وماذا بعد؟
- كتبَ محمد حديد بياناً بالرقم 343 يقول فيه، إنَّ شقيقكم (حامد قاسم) لم تكن له أية علاقة، ولم يمارس أيَّة ضغوط على وزارة المال، التي رفضت الصفقة، وقام المجهزون ببيع القمح في السوق، بعد استحصالهم موافقة الجهات الكمركية والصحية المعنيَّة. وبذلك فإنَّ وزارة المال لم تعد مختصة بهذه القضية، التي صارت من اختصاص وزارة الصحة.
- هذا شيءٌ جيد، حامد شقيقي بريء إذن.
- نعم سيدي، لكن كان من الأفضل عدم ذكر اسمهِ في البيان.
- ولماذا؟ نحن لا نخاف من أحد. اطلبوا لي محمد حديد لنرى مسألة الموازنة.
بعد ساعة واحدة كان محمد حديد وزير المال جالساً قرب الزعيم في غرفته، وأمرَ الجميع بالخروج، بادره الزعيم:
- ما أخبار الموازنة؟
ابتسم حديد، وقال:
- سيدي العزيز، بعد الانتهاء من الاحتفالات بالذكرى الثانية لثورة 14 تموز المجيدة، ستبدأ وزارة المال بجدية، ونشاط خلية نحل، بإعداد ميزانية الدولة للسنة الثانية، بطلب إلى جميع الوزارات والدوائر لإرسال تخميناتها للمصروفات المتوقعة، وقد ضمَّت في السنة الأولى توسعا كبيراً في التشكيلات الإدارية، ونتوقَّع هذه السنة توسُّعات أكبر، وسنعمل -كما في السنة السابقة- تخصيص 50% من موارد النفط للميزانية التشغيلية، و50% للتخطيط الاقتصادي، وبالنسبة إلى العجز في السنة الفائتة، فهو لم يكن كبيراً، وسيكون بمقدورنا تجاوزه بزيادة الضرائب، علماً إنَّ المبلغ الإجمالي سيكون 116 مليون دينار عراقي تقريباً، أي بزيادة أربعة ملايين عن العام.
قاطعه الزعيم:
- لكن لماذا نستورد القمح، وقد كنَّا نصدِّره؟
- سيدي الزعيم لدينا 44 مليون دونم صالح للزراعة، وعدد الفلاحين لا يتجاوز المليونين، لكن بعد تفتيت الوحدات الزراعية، ومنح كل فلاح خمسين أو عشرين دونم، أو خمسمائة دونم، كحد أعلى، أسهم في تقليل الإنتاج الزراعي، لعدم شعور الفلاحين بالمسؤولية الجديدة، التي ألقتها الثورة على أعتاقهم. سيدي، ترك الفلاحون أراضيهم، وعلقوا على أبواب أكواخهم الطينية سندات ملكيتهم للأراضي، وقاموا بهجرة جماعية إلى بغداد، حيث وفَّرت لهم الثورة السكن والماء والكهرباء مجانا، في مدينة الثورة، والتحقوا بالوظائف العامَّة، وصارت العائلة المؤلَّفة من خمسة أنفار تتقاضى ثلاثمائة دينار شهريا، هذا المبلغ لن يجنيهِ من أرضهِ خلال عشرة سنوات.
- اسمع هذا التقرير الذي وصلني صباح اليوم: كان العراق قبل الثورة ينتج مليوني طن من القمح والشعير والتمر، يستهلك ثلاثة أرباع الطن، ويقوم بتصدير ما لا يقل عن نصف مليون طن، ويحتفظ بالباقي كخزين استراتيجي، وها نحن في العام الثاني من الثورة نستورد الطماطم من السعودية. هذا غير مقبول أبداً. نحن بلاد النهرين نستورد الطماطة من السعودية الصحراوية!!
- سيدي لا تُصدِّق هذا كلام جرائد.
- كيف، لقد سألت إبراهيم كبَّة وزير الاقتصاد، فقال هذا الكلام كله صحيح.
وقال لي أيضاً إنَّه استطاع خفض العجز في الميزان التجاري بمقدار 14 مليون دينار. انظر هذا الكلام بخطِّ يدهِ: العجز سنة 1957 كان 109،505 مليون دينار، وهذه السنة هبطَ إلى 95 مليون دينار عراقي فقط، هل تعرف كيف فعلَ هذا؟
- لا سيدي.
- بالتزامهِ بنصائحي بوجوب منع استيراد المواد التافهة والكماليات.
كان (حديد) يريد أنْ يقول: إنَّ خفض العجز بنسبة 10% ليس إنجازاً، نظرة الزعيم الحادة منعته، فقال:
- لكنه سيدي لم يخبرك برداءة الموسم الزراعي، وانقطاع الأمطار لفترةٍ طويلة، ولا تنس سيدي بأنني طرحت مسألة الانخفاض في الصادرات الزراعية في اجتماع مجلس الوزراء قبل سنة، واقترحت عِدَّة نقاط لمعالجة هذا الانخفاض، ولقد تمَّ فعلاً هذا العام تسليف الفلاحين ثلاثة ملايين دينار عراقي، واستيراد الجرارات الزراعية، وتوزيع البذور المستوردة، مما سيؤدي حتماً إلى زيادة المنتوج الزراعي. ولقد كانت اتفاقيتنا مع الصين الشعبية، بشرط أن يكون استيرادنا بقدر صادراتنا إليهم، وكذلك مع تشيكوسلوفاكيا وفيتنام الشمالية وبلغاريا وهنغاريا وبولندا ورومانيا.
- ما هذه الاتفاقيات الهزيلة: أينَ روسيا، أين انكلترا؟
- سيدي هؤلاء لا يقبلون منتجاتنا، حتى لو صدرناها بالمجان لهم. لقد قمنا بتقليص استيراد السلع الكمالية عن طريق التخصيصات المحدودة، ورفع الرسوم الكمركية عليها، ومنع استيراد البضائع المماثلة لما تنتجه صناعتنا الوطنية لتشجيعها، وقد أسهم قراركم الحكيم بخروج العراق من المنطقة الاسترلينية، فحققت إنجازاً آخر من إنجازات ثورة 14 تموز.
- كان قراركم، وليس قراري، ولم أرَ له نفعاً.
- كان اقتراحنا سيدي وقراركم، لقد تخلصنا من احتمالات تقلبات الباون الاسترليني، وزاد في سيولتنا الخارجية، وزادت العملة المتداولة من 54،5 مليون دينار لسنة 1957، و68،9 مليون دينار لسنة 1958، إلى 82،2 مليون دينار لسنة 1959.
- وأين الفائدة في زيادة حجم العملة المتداولة؟
- سيدي العزيز، إذا حدث نقص في حجم العملة المتداولة، سترتفع القوة الشرائية، وتنخفض الأسعار، وتنتشر البطالة، وهذه مصيبة كبيرة يسمونها في علم الاقتصاد بالانكماش.
- نعم، لكن ما قلت لي ماذا سيحدث حين يرتفع حجم العملة المتداولة.
- لن يحدث شيءٌ ذو بال، سيدي، إنَّ في ازدياد حجم العملة المتداولة، تنخفض القوة الشرائية، وترتفع الأسعار، فيكفُّ النَّاس عن التبذير، و(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ).
- وأنت من الشياطين، أم من إخوانهم؟
- خادمكم المخلص سيدي.
كان الزعيم، وظلَّ طوال حياتهِ، يتشاءم من كلمة خادمكم المخلص، لكثرة ما ردَّدها على أسماع نوري السعيد، كلما سأله:
- كرومي، جا توصلنا ما خوش تقارير عنكم.
- خادمكم المخلص باشا، والله كلها دعايات!!
وانتبهَ الزعيم إلى وزيره، وهو يبتسم، فامتعضَ وهو يقول:
- اسمع، نحن جميعاً نخدم الشعب، وأنا لا أملكُ خادماً شخصياً. هل فهمت؟
- نعم سيدي فخامة الزعيم، كلنا في خدمة الشعب، حفظك الله لنا وللشعب.
بالطبع لم يكن لدى الزعيم الوقت الكافي ليستفسر عن أضرار التضخم جراء زيادة العملة المتداولة، والذي قد ينتجُ عنه انهيار تام، يسبقه عدم التوازن بين معدلات الإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار، وارتفاع مستمر في الأسعار، والأجور والعقارات، إلى أنْ يصل الدينار إلى مستويات لا يستطيع معها الصمود أمام الغلاء.
وفي العام 1962 سأل طلبة كلية الاقتصاد والتجارة في (جامعة بغداد)، أستاذهم (إبراهيم كبَّة)، عن أسباب انخفاض الإنتاج الزراعي بعد ثورة 14 تموز 1958، باعتباره أحد أهم الوزراء، قبل أنْ يستقيل، فأجاب بابتسامة:
- كان قرار تفتيت الملكية هدفـاً سياسياً لا اقتصادياً.
كان بمقدور أيِّ فردٍ من الشعب أن يعرف عن زعيمهِ الشيء الكثير، فقد كُتِبت عنه قصائد وأغنيات ومقالات كثيرة، لكنَّ أحداً لم يكن يعرف أنَّهُ كان يعيش أيامه الأخيرة. لقد أخبره ذات مدير الأمن عن قلق الاستخبارات الغربية، لأنَّ صور الزعيم الفتوغرافية قد صارت تماثل تقريباً عدد سكان العراق، فدخلَ ذات ليلة من ليالي الشتاء الباردة إلى فرنٍ للصمون، في منطقة باب الشيخ، وعرفهُ الفرَّان أبو جاسملر، الذي كان يتهيأ للدخول إلى نوبة سكرهِ الثانية والأخيرة، وأرادَ أنْ يقبِّلَ يد الزعيم، لكن مرافقه جاسم كاظم العزاوي منعه، فحدثت جلبة، اضطرَّ معها سائق سيارة الزعيم أنْ يترجَّل ليعرف ماذا حدث، ثم عاد إلى مكانهِ، راح الزعيم يُقلِّب الصمونة الصغيرة بيديه، وينظر إلى صورته الكبيرة، ثمَّ قال للفرَّان:
- ليش الصمونة صغيرة؟
- سيدي الطحين غالٍ، والضرائب ارتفعت، و...
- ابني كَبّر الصمونة شوية، وصغّر صورتي. شنو هذا الشعب ياكل صور؟
هذه القصة التي تمَّ تداولها كثيراً، ستظلُّ حديث الناس.
حين عاد أبو جاسملر إلى بيتهِ، قبل الفجر بقليل، كانت زوجته منهكة، وهي تبكي، وتمسح الدموع عن وجنتيها، فسألها بلا مبالاة:
- ماذا حدث هذه المرة؟
- مات الرفيق أرابلوف في حادث سيارة؟
- ومن يكون هذه اللوف؟
- سكرتير الرفيق ماستربوف.
- ومن أينَ لك هذا الخبر يا أم أووف؟
- جارتنا حمدية، ذهبت إلى مقر اللجنة المحلية في الكرخ، فأخبروها بالخبر.
- أيووووووه، وكيف مات الرفيق.
- في حادث سيارة.
- أعرف، في حادث خراء، قلتِ ذلك، لكن أقصد أين؟
- لا أعرف، غداً سوف أسأل حمدية.
- كفى نِفاقاً، ماتت أمُّكِ فلم تبكِ عليها هذا البكاء.
هل من المعقول أنْ تكون أم جاسملر تبكي بعينٍ مهراقةٍ على الرفيق الذي لا تعرف شيئاً عنه، كانت بالتأكيد تمتلك أسباباً أخرى لهذا البكاء المر، لكنَّ أحداً لم يكن بمقدورهِ استكناه الصورة الحقيقية التي جعلت أم جاسملر تنتحب بهذا الشكل.
قبل حادثة الفرن بسنتين، أو أكثر، وبالتحديد يوم الجمعة 4/10/1957، أطلق الاتحاد السوفيتي أول مركبة فضائية، هي (سبوتنيك واحد)، من مركز بيكانور الفضائي، في جمهورية كازاخستان، كان قطر (سبوتنيك) 58 سنتمتراً، ووزنها 84 كيلوغرام تقريباً، دارت حول الأرض في 96 دقيقة و12 ثانية فقط، وكان في هذا الدوران نصراً معنويَّاً عظيماً للأحزاب الشيوعية المنتشرة في العالم، واستفاد الحزب الشيوعي من هذا النَّصر، وكانَ أبو جاسملر قد ولدت له بنت أسماها (تالا)، وهي تعني النخلة الصغيرة، التي كانت في باحة منزلهم، ولدت يوم الأربعاء 2/10/1957، لكنَّه قدَّم تاريخ ميلادها يومين، وغيَّر اسمها إلى (سبوتنيك)، مقابل دينارٍ وربع الدينار، من صديقهِ مسؤول اللجنة المحلية في الكرداة، وهذا المبلغ كان آنذاك يعادل نصف المرتب الشهري الذي تدفعه الحكومة للمعلم، وكانوا ينادونها سبوتنيك الحبيبة، وبسبب ثقل الاسم المركب، لم يبقَ من اسمها غير الحبيبة، وشيئاً فشيئاً صار اسمها حبيبة. واحتفلت كوادر الحزب الشيوعي في سجون ومعتقلات العهد الملكي بهذا النصر المؤزَّر على الامبريالية الرأسمالية، وقبل ذلك احتفلوا بدعم السوفييت لعبدالناصر في تأميمهِ قناة السويس، وقبل إعلان سبوتنيك بشهرين أعلنوا عن تزويد مصر بالسلاح، وكان الحزب الشيوعي ينتقل من احتفالٍ إلى آخر، وأبو جاسملر يرقص في قلب الاحتفالات.
في السينما كان الجميع منهمكين بمتابعة الفيلم، تحسُّباً للسؤال المقبل من الزعيم قاسم، رفع يدهُ إشارةً إلى إيقاف التشغيل:
- أريد تقريراً كاملا عن حياة كلّ من: كامل يوسف، وتوفيق صالح، ومحمد أبو سيف، ونجيب محفوظ.
- غداً، قبل نهاية الدوام، يكون الملف أمامك سيدي.
- قوموا بنا، لماذا نُضيِّع وقتنا في مشاهدة فيلم عن التلاميذ، ونحن ضباط، لو كان اسم الفيلم: احنا الضبَّاط، ثمَّ أنَّ الفيلم يبدأ بهم في قفص الاتِّهام، بينما نحن الذين نُقرِّر مَنْ يدخل قفص الاتِّهام، ومَنْ يخرج منه. هل تعرفون ماذا قال لي نائب رئيس الوزراء السوفيتي (انستاس ميكويان)، في زيارته الأخيرة: إنَّ أكثر من خمسين ألف شيوعي فرَّ خارج العراق. لقد نجحت خلال شهور قليلة من القضاء على الشيوعية، وهو ما لم تستطع أن يفعله الباشا، ومعه بريطانيا وأمريكا. قل لي كيف حال السيد مولانا؟
- بخير سيدي، ويدعو لكَ في كلِّ صلاة، لكن لديه عتبٌ صغير، بلغني أنْ أخبرك، لكني لا أريد إزعاج فخامتكم؟
- على العكس أخي، رغباته أوامر.
- منذ شكلتم الوزارة، وليس فيها سوى شيعيٌّ واحد، وهو الأستاذ باقر الدجيلي.
- وطلعت الشيباني.
- حسناً اثنان فقط.
- وأنا.
- حسناً ثلاثة سيدي.
- وأنتَ أهمُّ منِّي، ومن جميع الوزراء. و68 آمر وحدة، ومدير عام. وأوَّلُ الغيثِ قطرٌ، ثمَّ ينهمرُ.
- سيدي عقلك يوزن بلداً بأكملهِ.
بعد لحظة صمت، أكملَ شكواه:
- لقد بلغ الشيوعيون درجةً من القوة لم يبلغوها حتى في موسكو. سيدي لقد وصل الأمر بلجنة الدفاع عن الجمهورية، في وزارة البلديات، إلى التدخل في تلقيح النخيل الموجود في حدائق المؤسسات الحكومية، وأماكن نصب المبردات.
- الكبرياء يأتي قبل السقوط. هل تعرف أنَّ يوسف إسماعيل، وشقيقه: عبدالقادر، رئيس تحرير جريدة اتحاد الشعب، اعترفا بكلِّ الأخطاء، وقال إنَّ همفري تريفليان دسَّ بيننا جواسيساً، بلغت أعدادهم واحدا وخمسين، كان واجبهم الوحيد تشجيعنا على ارتكاب المزيد من الأخطاء. لم يشعر أحدٌ بأنني كنتُ من أكبر المشجِّعين للشيوعيين والقوميين وللأكراد، أنا أشجِّع الجميع، لأنني مهما كانت النتائج أظلُّ الرابح الوحيد.
- سيدي هذا التقرير كتبهُ صديقك، طبيب الأسنان: محمد عثمان.
راح الزعيم يقرأ، ويتعجَّب، ثم قال:
- طلبت منهُ تقريراً عن جورج كرستنس، فإذا به يكتبُ لي تقريراً عن خيَّاط!
كانت الدفعة الأولى من طب الأسنان قد تخرجت في عهد الزعيم، واستوردَ لهم الزعيم رئيساً جديداً للقسم: جورج كرستنس، أسترالي الجنسية، ولأنَّه كان يتردد على السفارة البريطانية، أرادَ الزعيم أنْ يدسَّ عليه صديقه ليتعرف نواياه. وكان (محمد عثمان) قد ذهبَ إلى (ميكائيل حسو) لاستلام بدلته حسب الموعد، فوجدها ضيقة قليلاً، وطلبَ من الخيَّاط توسيعها، وأعطاهُ الأخير موعداً جديداً، وفي الموعد رفضَ الطبيب استلام البدلة، ودفع ثمنها، إلا أنَّ الخيَّاط اضطرَّه، وهدده باستخدام القوة، فاغتاظَ الدكتور، خاصةً وأنَّه قد دفعَ ديناراً ونصف ثمنا لبدلة سوف لن يرتديها أبداً، فكتبَ تقريراً بخطّ يدهِ، وسلَّمه بيد أحد ضباط الاستخبارات، الذي أقسم بأنَّ التقرير سيصل بيد الزعيم مباشرةً، وذلك بعدما يأس من زيارة ثالثة للزعيم. ومما جاء في التقرير أنَّ لهذا الخيَّاط الكوردي علاقات مع الثوار الكرد في الجبال، وأنَّ شقيقهُ هو أحد القادة المهمين. أمرَ الزعيم بتوقيفه، والتحقيق معه. هذا التحقيق الرهيب سيدوم تسعة شهور، سيعترف خلالها أنَّ ابن شقيقة زوجته، واسمه شكري ملا حسن، هو أحد قادة الثوار. هذا الاعتراف جعلهم يساومونه، ويحاولون ترغيبه بالمال، ليلتحق بالثوَّار، ويكون عيناً للحكومة عليهم. وكان هو يرفض، لأنَّه لا يجيد، ولا يحب استخدام السلاح. وحكمت عليه محكمة الثورة بالسجن أربع سنوات. في 29/4/1962 غادر (ميكائيل) سجن مديرية الشرطة، جلبوا إلى السجن أكثر من ثمانين ضابط شرطة، وآخرين من المراتب الأخرى، بتهمة التآمر، ورأى (ميكائيل) وجه النقيب الذي داهمَ بيته واعتقله. كانت فرحته كبيرة، لأنَّ هذا النقيب أشبعه ضرباً ورفساً، أمام زوجته وأبنائه، قبل أنْ يأخذه، وكان السجن يحتوي على متهمين بالتحريض على إضراب البنزين، الذي وقعَ بسبب قرار زيادة سعر لتر البنزين عشرة فلوس، منذ نهاية آذار 1961، ولم يتم تقديمهم إلى المحاكمة.
 وافق الزعيم على عودة (رشيد عالي الكيلاني)، بعد سبعة عشرَ عاماً في المنفى، واستقبله استقباله الأبطال، وأعاد له ممتلكاته المصادرة، وزاره في بيتهِ مع وفدٍ كبير من الضباط، ولم يمضِ شهران حتى ألقيَ القبض عليه، مع مبدر الكيلاني، وعبدالرحيم الراوي، بتهمة التآمر على الثورة، صدرَ قرار محكمة الشعب في 10/12/1958 ببراءة (رشيد)، وحكمت بالإعدام على (مبدر) و(عبدالرحيم)، هذا الحكم الذي أغضبَ الزعيم حدَّ الجنون، فأمرَ بإعادة المحاكمة، وانتزاع اعترافات جديدة من مبدر وعبدالرحيم. وتفاجأ الشعب بموقف الدولة من (الكيلاني)، الذي كان قبل أسبوع قائد ثورة 1941 التحررية ضد الاستعمار البريطاني، ورجل السياسة الوقور الحكيم، إلى خادم الاستعمار البريطاني، ووجَّهت محكمة الشعب إلى (الكيلاني) تهمة عقد اجتماعات في دارهِ، مع نفر من أدعياء القومية المزيفة، الناقمين على النظام الحالي، يدعو إلى الوحدة الشاملة والفورية، مخالفاً الدستور المؤقت للجمهورية العراقية. وكذلك تهمة الاتصال مع مستشار سفارة الجمهورية المتحدة، بهدف إسقاط الوزارة الحالية، لتحقيق الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وكتبت الصحف البغدادية انتقادات شديدة لهذه المحاكمة، حيث لا يجيز القانون إحالة المتهم إلى المحاكمة مرة ثانية، بنفس التهمة، ونفس الوقائع، التي صدر بها قرار البراءة بحقِّ المتهم. وعينُ ما فعله الزعيم مع (الكيلاني)، فعله مع (ملا مصطفى البارزاني)، وآخرين.
وذات مرَّة، قال له مرافقه المُقَدَّم (قاسم الجنابي):
- سيدي، لو قمنا بتأسيس حزب، لكسبنا أكثر من 80% من الشعب.
- ولماذا أخسر الــــــــ 20%؟ أنا أبو الفقراء، أنا الأخ الأكبر لضباط الجيش، أنا أبو الشعب.
لم يكن الزعيم يعلم أنَّهُ قد خسرَ الشيوعيين، والقوميين، والكورد، والإسلاميين، من أئمَّة السنَّة والشيعة، ولم يعد بالإمكان إصلاح الضرر. فقد ذكرَ صادق الحسيني الشيرازي: من سيئات عهـد قاسم، تشريع قانون الأحوال الشخصية، الذي يمنح المرأة حق الطلاق مثلما للرجل، والذي لا يسمح للرجل بأن يتـزوج أكثر من واحدة، كذلك يساوي هذا القانون المرأة مع الرجل، في الإرث... فكانت الخطوة الأولى تشكيل وفد لزيارة عبـد الكريم قاسم، لتقديم النصح إليه، وحثّه على ترك محاربته للإسلام. وقمت بدعوة السيد سعيد الزيني، وصهرنا السيد عبد الحسين القزويني، وسافرنا إلى بغداد، والتقينا بعبـد الكـريم قاسم. وعاد الوفد بخفَّي حنين، كبقية الوفود السابقة واللاحقة.
وذات مساء جلبَ له المهداوي رجلاً بهيأةٍ رثَّة، وقال له:
- هذا هو مؤلِّف أهزوجة: نوري سعيد القندرة، وصالح جبر قيطانها.
- مهداوي هذا ثالث واحد، تأتيني به، وتقول: هذا هو مؤلفها.
- سيدي أقسم لكَ، هذا هو المؤلف الحقيقي؟
- والآخران ماذا كانا؟ مزيفان؟ وإذا كانا مزيَّفين، فما هو المانع أنْ يكون هذا مزيَّفاً أيضاً. لا، لا، كفى، لقد اكتفيت من هذه الألاعيب.
ووقع فتور بين الزعيم وابن خالته المخلص: المهداوي، لم يتبدَّد إلا بعدما عرف الأخير كيف ينقل له هذه الحادثة الطريفة، التي أطربت الزعيم، فعادت المياه إلى مجاريها: أثناء محاكمة أحد المتهمين في ثورة الشوَّاف، ذكر أحد الجنود الشهود، العقيد (حسن عبود)، آمر حامية الموصل، ودوره في قمع التمرد، ووصفه بالرجل الحديدي، فاحمّر وجه العقيد (فاضل عباس المهداوي) رئيس محكمة الشعب، من شِدَّة الغضب، لكنَّهُ لم يقل شيئاً. وفي اليوم التالي، ذكر شاهدٌ آخر، العقيد (حسن عبود)، ووصفهُ أيضاً بالرجل الحديدي، فصرخَ المهداوي فيه: اسمع، لا يوجد رجل حديدي إلا الزعيم عبدالكريم. وضجَّت القاعة بالتصفيق والهتافات للزعيم الأوحد!
العقيد فاضل عباس المهداوي لم يستطع إتمام الدراسة الإعدادية في بغداد، فسافر إلى بيروت، وحصل على الشهادة خلال بضعة أسابيع، لكن وزارة المعارف لم تعترف بالشهادة، فاضطرت وزارة الدفاع منحه رتبة ملازم احتياط، ولانعدام كفاءته لم يشغل منصباً قيادياً، وكان آخر منصب له في العهد الملكي: آمر سرية حراسة، وكان آنذاك برتبة عقيد. أصدرَ الزعيم أمراً بنقلهِ إلى منصب آمر اللواء الأول في الفرقة المدرعة الرابعة، فرفض قائد الفرقة: العميد الركن (محي الدين عبدالحميد)، تنفيذ الأمر، استناداً إلى إضبارة المهداوي الشخصية، واقتنعَ الزعيم بعدم كفاءتهِ، وعدم توليه قيادة أيَّة وحدة فعالة، وفتشوا له عن منصب، فلم يجدوا غير المحكمة العسكرية العليا الخاصة، وصدر المرسوم الجمهوري رقم 18 في 20/7/1958 بتعيين هيئة المحكمة العسكرية العليا الخاصة، وتعيين العقيد (عباس فاضل المهداوي) رئيساً لها. وكان لا ينطق بحكم إلا بعد الاختلاء مع الزعيم، الذي قال: احكم ناظم الطبقجلي ورفعت السري بالإعدام، وأنا أصدر عفواً عنهم بعد ذلك!
لم يكن المهداوي يعلم أنَّه سينال شهرة عالمية، ليس بأقل من شهرة الزعيم نفسه، فولاة الأمر في مصر اختاروا اللواء فؤاد الدجوي لمحاكمة بعض خصوم عبدالناصر. قال أحد الصحفيين: اختاروا للمحكمة رجلاً هو مهداوي صغير! ولما اختيرت محكمة في السودان، لمحاكمة عصبة قامت بانقلاب فاشل، وقف أحد الانتهازيين أثناء نظر المحكمة للقضية، وأخذَ يلقي أبياتاً من الشعر يمدح النظام القائم، زجره رئيس المحكمة: نحن في محكمة، لا في سيرك المهداوي!
في مساء آخر، خطرَ ببال الزعيم أنَّ صورته في الصحافة العالمية باتت هشَّة، وهو يريد أنْ يتصدَّر الأخبار مرَّة أخرى، فاستدعى (سعيد الدوري)، سكرتيره الصحفي والإعلامي، ليشرح له تطورات أزمة (خليج الخنازير)، ثمَّ أمره بعقد مؤتمر صحفي، فاعتذر لتأخر الوقت، الذي لم ينتبه له الزعيم، واقترحَ أنْ يدلي الزعيم الأمين بتصريح عن الأزمة إلى وكالة الأنباء العراقية، وهي بدورها تقوم بتوزيع التصريح إلى وسائل الإعلام العراقية والعربية والأجنبية، فوافق الزعيم بعد لألأ. قام (الدوري) بالاتصال بـ(محسن حسين)، مدير قسم الأخبار الداخلية في وكالة الأنباء العراقية، وأمرهُ بالمثول فوراً، لمقابلة الزعيم قاسم، في مبنى وزارة الدفاع. كانت الساعة الثانية عشرةَ ليلاً. كاد هذا الاستدعاء أنْ يوقفَ قلب المسكين هلعاً، وزاده رعباً، أنَّهُ حين دخلَ تفاجأ بمدير الاستخبارات العسكرية، ومدير الأمن العام. ولم يطمئن حتى قال له (الدوري) إنَّ الزعيم الأمين يريد منحَ وسائل الإعلام تصريحاً حول قضية خليج الخنازير، في (كوبا)، وظلَّ الزعيم حتى الخامسة والنصف يعطي أقوالاً، ويعدِّلُ فيها، وحين انتهى من التصريح، أمضى أكثر من ساعة في حيرته: أيُّ الألقاب يناسب هذا التصريح: ابن الشعب البار، الزعيم الأمين، الزعيم الأوحد، رئيس الوزراء، أو الاكتفاء بالرتبة العسكرية فقط: العقيد الركن، وكثيرا ما كان يطلب رأي مدير الاستخبارات، أو مدير الأمن العام، فيجدهما نائمين، فيقول للدوري ومحسن:
- انظرا، لقد تركتُ العراق أمانة بيد هذين النائمين!
أما (محسن حسين)، فلم يتركه الزعيم ولا دقيقة واحدة، وحكى له طرائف، كان عليه أنْ يضحك كلما رأى أسنان الزعيم بارزة، لأنَّهُ سمعَ عن أحد زواره، رماه في السجن لعدة شهور، لأنَّه لم يضحك على طرفةٍ رواها الزعيم. وحكى الزعيم كيف أنَّه في سينما الخيام وقف يوبِّخ الجمهور، الذي كان يهتف:
- اعدم اعدمْ، جيش وشعب وياك اعدم،
فردَّ عليهم بعصبية واضحة:
- لماذا لا تطلبون بناء مدرسة أو مصنع؟
فالتزموا الصمت، كأنَّ على رؤوسهم الطير. ولم يخرج (محسن حسين) من غرفة الزعيم، في مبنى وزارة الدفاع، إلا بعد خمس ساعات ونصف، وقد نالَهُ من الإرهاق والتعب والنعاس ما لا يمكن لأحدٍ وصفه. وبعد هذه الحادثة، وحرصاً من الزعيم ألا يملَّ الوزراء والزوار، أو تأخذهم سُنَّةٌ من النوم، طلبَ الزعيم شراء تلفزيون، ليتمتع الوزراء بمشاهدته، وقت انتظارهِ في الصالة إلى ساعات متأخِّرة من الليل. وطلب شريط المقامات العراقية، التي سُجِّلت في مؤتمر الموسيقى الشرقية الأول في القاهرة 1932. وكان أثناء انعقاد الجلسة أحياناً يأمر بالصمت، رافعاً يده بحركة متشنِّجة، ليستمعوا إلى تسجيلات المقام العراقي، وغالباً ما كان الوزراء تأخذهم سِنَّة من النوم!

كان الزعيم معجبا بـ(فخري البارودي)، وطالما ردَّد دعوته للمسيو (مورغان)، المدَّعي العام الفرنسي، إلى المبارزة، ويحتفظ بنسخة من (جريدة القبس)، التي كان يصدرها (نجيب الريس)، التي نشرت مقولة (مورغان) بالنص: إن السوريين أنذال يختبئون في دورهم، ويرسلون نساءهم للمظاهرات في الشوارع. وكان لا يملُّ من إعادة هذه الحكاية. ووقفَ في قاعة السينما للمرة الرابعة، بعدما أعاد هذه الحكاية، وقال: اكتبوا لسفيرنا في مصر، أنا أيضاً أدعو جمال عبدالناصر إلى مبارزة بالمسدس، أو بالسلاح الذي يختاره.
لم يجرؤ (هاشم جواد) أنْ يسأل عن جديَّة هذا الاقتراح، ولم يجرؤ أحدٌ على تكرار هذه الحكاية، التي ذهبت أدراج الرياح كحكايات أخرى كثيرة.
في قاعة السينما، وقفَ الزعيم وقفة مسرحيَّة للمرة الخامسة، وسط الغرفة، وقال كلمات طالما رددها في خِطاباتهِ كافة، كانت لازمة يحفظها الزعيم منذ صغرهِ:
على الصغير أنْ يحترم الكبير، وأنْ يخصَّ الكبير الصغير بالمودة، وبهذا نؤلف فيما بيننا وحدة متينة تعمل من أجل هدفٍ واحد.
هذه الكلمات، حين سمعها لأول مرَّة البروفيسور (أوريل دان)، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، سيقفُ أمامها باحترامٍ تسعين مرة، الأولى تعيده إلى طفولته في برلين، حيث وُلد وسمعَ هذه الكلمات لأول مرة من والدهِ. والمرَّة الثانية حين اضطرَّ إلى مغادرة برلين، خوفاً من هتلر، والثالثة حين عمل في الجيش البريطاني، والخامسة عشرَ حينَ انضم الى سلاح الاستخبارات الإسرائيلي، والخمسين حينَ أكمل درجة البكالوريوس في التاريخ الحديث، من جامعة لندن. وسيظلُّ يتذكرها إلى الساعة الأخيرة في 19/10/1991 ويقول لأبنائهِ، احفظوا الوصيَّة:
على الصغير أنْ يحترم الكبير، وأنْ يخصَّ الكبير الصغير بالمودة، وبهذا نؤلف فيما بيننا وحدة متينة تعمل من أجل هدفٍ واحد.
ويلتفت لأبنائهِ: لا تسخروا من بساطة الكلمات، بفضل هذه الكلمات تحققت كلُّ أحلامي الكبيرة.
وهذه الكلمات تُعاد في احتفالية ذكرى رحيل البروفيسور السنوية، التي تقيمها (جامعة تل أبيب).
وهنا في السينما ردَّ مدير الاستخبارات:
- والله سيدي لقد فعلتَ ما يفعله العالَم كله! لم يبقَ أمامكَ غير الشمال.
- نزهة صغيرة في الشمال وينتهي كلُّ شيء، كيف الأوضاع هناك؟
- كلُّ شيء هادئ في الجبهة الشمالية، سيدي.
- قد حانَ الوقت، يجب أنْ نفعلَ شيئاً الآن!
لم تكن نظرة الزعيم تختلف عن نظرة صديق (عبدالسلام عارف) إلى الحرب، باعتبارها فرصة أو لعبة، فقد ذكر الصحفي (عبدالعزيز بركات) أنَّهُ سأل الرئيس (عبدالسلام عارف): إلى متى تستمر الحرب بين الحكومة العراقية والأكراد؟ فأجاب (عارف): وما يهمنا من الحرب، عبدالزهرة وكاكا يتقاتلان.
في تلك اللحظة، كانَ سدنة الحرب العجائز يبتسمون لشبح الحرب، الذي بات قريباً، ولا يراه سواهم!
وقبل ذلك بفترة قصيرة، لم يتفق عليها المؤرخون، صدر المقال الذي أوغلَ صدر (عبدالكريم قاسم)، كتبه (إبراهيم أحمد)، سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني، في جريدة خبات، عدد 19/11/1960، بعنوان "الأمة الكردية والمادة الثانية من الدستور"، فغضب (قاسم) وقال:
- مَنْ كتب هذا الكلام الفارغ في الدستور؟
- اللجنة، سيدي.
- فليحضروا أمامي حالاً.
- ليس هنا إلا (حسين)، وهو الذي كان رئيساً للجنة.
- أينَ هو؟ ليدخل فوراً.
دخل (حسين جميل) خائفاً بالكاد يبلع ريقهُ، وقبل أنْ يقول له اجلس:
- ما هذا الذي كتبته في الدستور؟
- سيدي، أنتَ أمرتني بالانتهاء من كتابة الدستور في يومين اثنين فقط، وكافأتنا لإتمامنا المهمة في المدة، وكتبتَ لنا بخطِّك الجميل نقطتين غير قابلتين للنقاش: العراق جزء من الأمة العربية. العرب والكورد شركاء في هذا الوطن.
- أنا كتبت هذا؟
- نعم سيدي، والورقة لا زالت محفوظة عندي.
- حسناً اجلس، في المرَّة المقبلة اجلب الورقة معك لأراها.
كانت المقالة تشير إلى أنَّ المادة الثالثة من الدستور، التي تنص على أنَّ العرب والكورد شركاء في هذا الوطن، والمادة الثانية تنص على أن العراق جزء من الأمة العربية، العراق العربي جزء من الأمة العربية، أما الشعب الكوردي فهو جزء من الأمة الكوردية. فأحيل إلى المحكمة بتهمة تفرقة صفوف الشعب، والتي حكمت ببراءته.
هنا كتبتُ سؤالين:
هل من المعقول أنَّ قاسم انقلبَ على الكورد بسبب مقال؟ هل من المعقول أنَّ قاسم انقلبَ على الشيوعيين بسبب مذابح الموصل وكركوك؟
واستمرَّت الحرب تأكل من تأكله، وتذر البقية جرحى الأجساد أو النفوس. يوم الخميس 6/3/1975 وقّعَ شاه إيران مع نائب الرئيس صدام حسين ما يُعرف باتفاقية الجزائر، يوم الخميس 13/3/1975 استقبل الشاه ملا مصطفى في قصره في طهران، وقال له:
- المسلحون الكورد أمام خيارين، لا ثالث لهما: نزع السلاح، والرجوع إلى العراق دون قيد أو شرط. أو البقاء في إيران بصفة لاجئين، والانصهار في المجتمع الإيراني .
كان لكلام الشاه وقع كالصاعقة، قال (ملا مصطفى) في نفسهِ:
- لو كان الانصهار بهذه السهولة، كنَّا انصهرنا مع العرب في العراق!
تلبدت سماء كوردستان بغيوم الهزيمة، وتولدت الشكوك، وتناثرت أشواك اليأس، وانهارت المعنويات وسقطت البنادق، وضاعت الآمال الكبيرة. سمعتُ بأنَّ البعض قتلوا أنفسهم، وأنَّ البعض قاموا برمي بنادقهم من أعلى الجبل، فالذين التحقوا بالثورة تركوا مواردهم المالية وبيوتهم وحقولهم ومراكزهم الاجتماعية، كان كطعم الموت، عليهم الآن أنْ يعودوا مُنَكِّسي الرؤوس، مشمولين بعفو الثورة، التي بالتأكيد لن يكون عفوها كاملاً.
فتحَ (نيوار) عينيه، وهو في قوافل السائرين إلى الحدود الإيرانية: تلال (قادر كرم) الجرداء، ثم (جمجمال)، ثم (السليمانية)، ثم (بنجوين)، ثم عبرنا إلى مدينة (مريوان) الإيرانية. استغرقت الرحلة عشرة أيَّام، وهناك قافلة أخرى دخلت مدينة (آشنوية) الإيرانية؛ هنا حيث تمَّ اغتيال (سمكو شكّاك)، عام 1930، وبعد التحقيقات نقلتنا باصات إيرانية إلى (كرمنشاه)، ومن هناك إلى (مهاباد)، كان معنا بعض النقود، فلم نذهب إلى معسكرات اللاجئين حتى نفدت. قمنا ببيع حاجياتنا: راديو، ساعة يدوية، قال لنا صاحب الفندق:
- أنتم مجانين إذا فكرتم في البقاء هنا. في العراق أسوأ شيء يحدث لكم: أنْ تقولوا نحن عراقيين، ندمنا على أفعالنا، وعدنا، فتعيشون معهم كعراقيين. الأكراد هنا في إيران، لا يُعاملون كما في العراق، ستظلون تحت المراقبة والملاحقة، إلى أنْ يأتي يومٌ يتمُّ فيه اغتيالكم، فأنتم قد فتحتم أعينكم، والشعب الكوردي هنا في إيران أعمى مغلق العينين، والحكومة الإيرانية تخاف عليهم منكم، وستعمل على تصفيتكم الواحد تلو الآخر.
علمنا أنَّ (ملا مصطفى) في رحلة علاج إلى أمريكا، وحين عاد ذهبنا لرؤيته، فقال لنا ما قاله للجميع:
- مصيرنا مجهول، مصير شخص موقوف في سجن الحكومة، ينتظر لحظة صدور الحكم. مَنْ كان منكم يأتمن حياته، فليعد إلى العراق، ومَنْ كان يريد البقاء معنا، فلن نحرم كسرة خبز.
ثم جاءت التعليمات: أنَّ إيران ستمنح الجنسية الإيرانية بعد ثلاث سنوات لمن يرغب في البقاء، وباب اللجوء إلى دول أوربا مفتوحٌ على مصراعيه. هكذا بجرَّة قلم انتهت أربعةَ عشرَ سنة من الحرب. كانا، هو وشكري، يعملان كحمَّالين في السوق، وفي الليل -قبل أنْ يناما- يُغنِّي شكري كلمات عشوائية، اخترعها للتعبير عن حزنهِ:
يا كوردستان يا أمَّ الفقير، نحن نضرع لله كل ليلة للعودة إليك، طلعَ عليكِ الصباحُ، وأرضكِ مملوءةٌ بالمعتدينَ الغرباء، يا كوردستان يا أمَّ الخيرات...
أجمل ما في أغانيه، أنَّها لم تكن جميلة، بل من أقبح ما سمعت في حياتي، لا كلمات لا لحن لا صوت، رغم ذلك فقد كانت شجيَّة في تلك اللحظات، كجائع يرى كل الأطعمة لذيذة!
ذات يوم، وهما جالسان في مصطب الحمالين، وسط السوق، اشتريا ورقة صغيرة، فيها قرار العفو المرقم 666 بعنوان: إعفاء المحكومين الأكراد من كافة العقوبات. ولا زلت أحتفظ بهذه الورقة في محفظة نقودي، مع بطاقة الهوية ونقودي. سأخرجها الآن لأتأكّد:
القرار منشور في جريدة الوقائع العراقية، العدد: 2479، والصادر بتاريخ 7/7/1975:
المادة 1: إعفاء المحكومين من الأكراد، العسكريين والمدنيين، من كافة العقوبات الأصلية، والتبعية، التي صدرت بحقهم من المحاكم الخاصة، ومن محكمة الثورة، عن الجرائم التي ارتكبوها بسبب حوادث الشمال، وإطلاق سراحهم حالا، ما لم يكونوا مسجونين، أو موقوفين عن قضايا أخرى، لا صلة لها بحوادث الشمال.
وفي (إيران)، قبل أنْ يعود، وصلت الأنباء بوفاة الراعي الصالح (خه مخور)، ووفاة شقيق ديار (دلير)، وجدَّتهِ قبلهما، و(جافشين) قد تزوجت، وأنجبت دستة أطفال، وابنه (غازي) قد تزوج ابنة خالته..
قرر (نيوار) أنْ يعود، وكانوا يسمونهم (عائدون). صباح يوم الخميس، الثاني من تشرين الأول 1975، عاد (نيوار). كانت شمس الخريف رائعة، وصلَ إلى مدينة (عقرة)، بعدما بات ليلتهُ في بيت شقيقته في حي الفاروق، قرب الجسر الخامس، في الجانب الأيمن من مدينة الموصل. حالما تأكّد أنَّه في مدينة (عقرة)، شَعَرَ بوخزة تأنيب ضمير، فلقد تأخَّر كثيراً! هناك أشخاصٌ يصلون مكانٍ ما، فيتغير كلُّ شيء بوصولهم، وإنْ كان ظهورهم يتأخَّر قليلاً، وهناك آخرون انكسرت بأيديهم زجاجة السعادة، تكاد ترى التعاسة في عيونهم، لكنَّ أحداً لا يرى شيئاً. في (عقرة) جميعُ أهلها يُعانونَ الخوف والفقر والتعاسَة، كجميع مدن وقرى المنطقة، تنتشر فيها قرحة الخوف، وانعدام الثقة، حيث كلُّ الأعمال صعبة، أو مستحيلة، لا لشيء إلا لأنَّهم لا يجرؤون على البدء بها، فتتحوَّل هذه الأعمال إلى كوابيس، وأشياء أخرى، لم يكن (دلير) يعرفها، لأنَّه كان غير مهتم سوى بالعودة إلى قريته. كان قد خطّط لزيارة كلِّ الأقرباء والمعارف، لم تكن خطة بقدر ما كانت حُلُماً، ولم يكن يعرف أنَّ كلَّ أحلامهِ وخططه، سوف تتبدَّد بسهولة، كفقاعة صابون، رغمَ أنَّه شعرَ بضيقٍ في صدرهِ، كان يزداد يوماً بعد يوم، ويمنعه الوصول إلى القرار الصائب في اللحظة المناسبة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق