الاثنين، 2 فبراير، 2015

الفكر الاقتصادي الإسلامي وإشكالية تنظير الأساس المادي

الدكتور أمين محمد سعيد الإدريسي
كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة صلاح الدين
خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تفجرت في أفق الفكر الإنساني تيارت فكرية شتى، منها المثالية الهيجلية التي تركن إلى دور الفكر في تطور التاريخ، والتيار المادي الذي يركز على العامل الاقتصادي، ودوره في مسيرة التاريخ(1)، كما انبثقت المدارس الاشتراكية على اختلاف توجهاتها بين مغال ومتطرف، حتى سمي بالفوضوي، ومعتدل حتى النخاع، والذي أطلق عليه: (الفكر الفابي)، نواة حزب العمال البريطاني الحالي(2).
تأثرت نخب العالم النامي ومفكريها بهذه الأفكار، فمنهم من تبناها حرفيا، ومنهم من حاول مواءمتها مع ظروف دولته.
لعل من المسائل الحساسة التي أثارت جدلاً فكرياً، وكأنها فيصل بين الإيمان والكفر، مسألة الأساس المادي، ودوره في مسيرة التاريخ، فضلاً عن دور الأساس المادي في إحداث تغييرات في التركيب الفوقي للمجتمع، المتضمن للأفكار والفلسفات والأديان والفنون والآداب...إلخ.
ولعل من أهم ما يؤخذ على هذا الاتجاه الفكري:
  • ارتباطه الفلسفي الفكري بمذهب الداروينية(3).
  • تضخيم دور الأساس المادي، بحيث يكون المحرك الوحيد لنشوء الأفكار والمذاهب والأديان(4).
  • اعتباره الدين مخدراً للشعوب، للحفاظ على مصالح التركيب الفوقي من خلال تشريعاته(5).
لعل هذه النقاط هي التي أوجدت نفوراً كاملاً، من قبل مفكري المدرسة الاقتصادية الإسلامية، تجاه فلسفة الأساس المادي، والتي يطلق عليها (الفلسفة الماركسية)، باعتبارها من أهم مروجيها. حتى وصل الأمر إلى إلغاء فكري لمحاولة تفهم دور الأساس المادي في التأثير على الفكر، أو تحجيم لهذا الدور على أقل تقدير، ودون مراجعة ناقدة لكثير من الأوضاع، ومنها الاقتصادية، التي واجهت عصور الخلافة الإسلامية، والتي أملت عليها تطوير الفكر الإسلامي، في ظل ثابت الفقه الإسلامي. ولعل الشواهد التالية نزر من فيض:

أولاً: الإشكالية الفقهية في كيفية التعامل مع الأراضي المفتوحة:
بعد فتح (السواد) على يد الخليفه الثاني (عمر بن الخطاب) (رض)، دب الخلاف في كيفية التعامل مع الأراضي المفتوحة. وقد انقسم الفكر الإسلامي، الذي جسده الصحابة (رض)، تجاه هذه المسألة إلى تيارين:
تيار محافظ: يرى الصورة التقليدية لتوزيع الأرض على المقاتلين، شأنها شأن غنائم الحرب الأخرى.
تيار متجدد: ينظر إلى مقصد الشريعة السمحاء، وهو تحقيق مصالح الأمة في إبقاء الأرض بيد أصحابها، مع دفع ضريبة الخراج عن ما ينتج عنها من زروع، إلى بيت مال المسلمين.
وقد كتب (عمر بن الخطاب) (رض) إلى (سعد بن أبي وقاص) (رض) بعد فتح (العراق): "أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم، وما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك كتابي هذا فانظر إلى ما أجلب الناس به إلى العسكر من كراع أو مال، فأقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها، ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر، لم يكن لمن بقي بعدهم شيء"(6). 
إن هذا الرأي المتجدد جاء ملبياً لتطورات الأوضاع الاقتصادية، ومستجيباً لتحدياتها الحالية والمستقبلية، إيماناً من الخليفة الثاني بأن الفتوحات الإسلامية ستتواصل، وتتسع تبعاً لها مساحة الدولة الإسلامية، وحاجات الشعب في تنامٍ، ولا بد من إيجاد مورد ثابت مستمر، يلبـي الحاجات الاجتماعية والعسكرية والاقتصادية.

ثانياً: الإشكالية الفقهية لطبيعة زكاة الفطر:
حينما كان الناس يعيشون أوضاع البداوة في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كان هذا الوضع الاقتصادي المتسم بخشونة العيش، والحاجة الماسة إلى الغذاء - إذ تحدثنا روايات السيرة النبوية الشريفة أن الرسول كان يمر عليه وأهله الشهر ولا توقد في داره نار-(7) مدعاة لتخصيصه (صلى الله عليه وسلم) زكاة الفطر بالحنطة والتمر والزبيب، وهي أغذية يمكن خزنها لمدة طويلة، دون أن يعتريها التلف.
إلا أن تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية في العهد الأموي، إذ اتسعت رقعة العالم الإسلامي من الصين شرقاً، وحتى فرنسا غرباً، وتحسنت الحالة المعيشية لأفراد المجتمع، أصبح لهذا تقديم زكاة الفطر بشكل نقدي يؤدي الغرض نفسه، وبشكل مرن، سواء من حيث إمكانية نقله من مكان لآخر، أو من حيث إمكانية استخدام النقد لأغراض مختلفة. من هنا وجدنا الإمام (أبو حنيفة) (رض) يرى جواز تقدير زكاة الفطر بمبلغ نقدي يلبـي الحاجة الإنسانية بشكل أفضل، حتى أصبح تقليد الإمام (أبو حنيفة) شائعاً لدى المسلمين من مختلف المذاهب الإسلامية(8).

ثالثاً: الإشكالية الفقهية في إنشاء الدواوين وتوزيع كل ما يردها من أموال:
كان بيت مال المسلمين متواضعاً في عهد الرسول، إذ كان يؤتى بأموال الزكاة والصدقات إلى مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وتوزع في حينها على المستحقين، بحيث لا يتبقى منها شيء، واستمر ذلك في عهد الخلافة الراشدة. إلا أن التطورات السياسية والاقتصادية، التي أعقبت فتح العراق والشام ومصر، كانت إيذاناً للدولة ورئيسها أن تغير استراتيجيتها في التعامل مع ما يردها من أموال، فكانت الدعوة إلى إنشاء الدواوين، وعلى رأسها ديوان بيت المال في عهد (عمر) (رض)، الذي كان بمثابة وزارة المالية في عهدنا الحالي، ترد إليه الأموال، ويتم توزيعها طبقاً لأولويات معلومة(9). لقد كان هذا التدوين للإيرادات، وأسلوب توزيعها، إنجازاً عملياً متواكباً مع حاجات العصر، ومستفيداً من تجارب الأمم الأخرى السابقة، في إنجازاتها الإدارية لدولة الخلافة الإسلامية. ولم ير (عمر) (رض)، وصحبه، مثلبة في هذا، فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها، فهو أحق الناس بها. وكنت أتمنى لو استجاب (عمر) (رض) لما اقترحه بعض الرعية في الإبقاء على بعض الأموال، التي فاضت عن حاجة المجتمع وشؤون الدولة والجيش، وعدم توزيعها بالكامل. إذ ورد أن "عمر (رض) قد جعل لكل واحد من المسلمين نوعاً مقرراً، وفرض لزوجات الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولسراريه وأقاربه، حتى استنفذ الحاصل، ولم يدخر في بيت المال شيئاً. قالوا فقام إليه رجل، وقال: يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت الأموال شيئاً يكون عدة لحادث إن حدث. فزجره (عمر) (رض) وقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك، وقاني الله شرها، وهي فتنة لمن بعدي. إني لا أعد للحادث الذي يحدث سوى طاعة الله ورسوله، فهي عدتنا التي بلغنا بها ما بلغناه" (10). إن الظروف الجديدة كانت تستدعي هذا الاتجاه في العمل، ورغم هذا، فإن مجرد هذا الاقتراح الذي صدر من كبار الصحابة (رض)، يدل على إدراك هؤلاء النفر ضرورة عدم الجمود الفكري في التعامل مع المعطيات والظروف الاقتصادية الجديدة. فسعة الفتوح الإسلامية في زمن (عمر) - إذ فتحت على يديه وصحبه الكرام (رض) الامبراطوريتان اللتان كانتا تتحكمان بثروات العالم آنذاك - لا يقارن بما فتح قبله، والثروات التي وردت بيت مال المسلمين أكبر بكثير مما ورد إليه قبل ذلك.

رابعاً: إشكالية النظام المصرفي الربوي
إنشأت في العديد من الدول الإسلامية مصارف عديدة. هذه المصارف تتعامل في السوق في ظل نظام سعر الفائدة (الربا). في ظل هذا النظام وقع المسلمون في إحراج شديد، خاصة وأن هذه المصارف تقدم خدمات للمسلمين لا غنى عنها. على هذا الأساس كان الاتجاه نحو المصارف الإسلامية يشكل الرد على المصارف التقليدية. حيث طورت العديد من المحفظات، كالمرابحة، والمضاربة، والمشاركة، والاستصناع، والاستزراع...إلخ.

خامساً: التأمين التعاوني والتكافلي
فرضت شروط العصر وتحدياته، حيث التطورات الاقتصادية المتسارعة، أشكالاً عديده من التأمين التجاري، كالتأمين على الحريق، والتأمين على السرقة، والتأمين على السيارات، والتأمين على المحال التجارية، والتأمين على النقل، بما فيه التأمين البري والجوي والبحري، والتأمين على الإصابات، والتأمين على الحياة، إلى غير ذلك. حينما تفحص علماء الفقه الإسلامي عقود التأمين وجدوها عقوداً يشوبها الغرر، وأكل أموال الناس بالباطل، الذي يلقي ظلالاً من الشك على شرعية هذه العقود. إلا أن التطورات الاقتصادية، وتشابك العلاقات الاقتصادية الدولية (الأساس المادي)، كانت تضغط على رجال الاقتصاد والفقه الإسلامي (التركيب الفوقي)، كي يستنبطوا نظاماً تأمينياً تستوحى أفكاره من الفقه الإسلامي، فكانت أنظمة التأمين الإسلامي التعاونية والتكافلية.

سادساً: بيع واستبدال الوقف                                                                
واجه الفقه الإسلامي تحدياً في مسائل الوقف، لعل أبرزها أن هناك من الأوقاف الإسلامية ما تقادم عليه الزمان، فبعد أن كان يدر عوائد ذات قيمة، خلال مدة معينة، أصبح لا يحقق العائد المطلوب، أو يحقق خسارة وإضراراً بالاقتصاد الوطني. هنا وقفت بعض المذاهب الإسلامية، كالمذهب الشافعي، متشددة، رغم حدوث تغيرات في الأساس المادي، في حين كان المذهب الحنفي والمالكي أكثر مرونة في التعامل مع هذه المسألة المستجدة، وفي الوقت نفسه لم يخرجا عن القواعد الفقهية الأصيلة في الموضوع، فأجازا استبدال وقف بآخر يحقق عائداً أفضل(11).

هوامش البحث:  
(1)Medema , Steven G &Samuels , Warren j , The History of Economic Thought , First Published , London ,USA ,and Canada ,2003 , P.375 .
(2) دجاني، برهان، الاشتراكية الفابية، مجلة الرائد العربي، العدد 15، 1962، ص13.
(3) كبة، إبراهيم، تاريخ الفكر الاقتصادي، الجزء الأول، ص ص 2-7.
(4) الصدر، محمد باقر، اقتصادنا، دار الكتاب الإسلامي، بيروت، د.ت، ص110.
(5) المصدر السابق نفسه، ص113.
(6) ياسين، نجمان، تطورات الأوضاع الاقتصادية في عصر الرساله والراشدين، ط1، دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ص222.
(7) www.articles.islamweb.net/mohammad/index 
(8) سابق، سيد، فقه السنة/ باب الزكاة/ ج 4، دار نوبليس، بيروت، لبنان، ص561.
(9) ياسين، نجمان، المصدر السابق، ص238.
(10) المصدر السابق نفسه، ص245. نقلاً عن: ابن الطقطقي، محمد بن علي بن طباطبا، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، دار صادر، بيروت، 1966، ص83-84. وصالح العلي، التنظيمات الاقتصادية والاجتماعية في البصرة في القرن الأول الهجري، ط 2، دار الطليعة، بيروت، 1969، ص151
(11) الصلاحات، سامي، مرتكزات أصولية في فهم طبيعة الوقف التنموية والاستثمارية، مجلة جامعة الملك عبد العزيز للاقتصاد الإسلامي، 2005، م 18، ع2، ص57.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق