الاثنين، 2 فبراير، 2015

التراجع المعرفي في زمن الـ(فيسبوك)!

سعد الزيباري
حضارتُنا اليوم لا زالتْ - حتّى هذهِ اللحظة التي نعيشهُا - تزوّدنا بكُلِّ جديدٍ في عالَمِ التكنولوجيا وتقنية الاتصالاتِ والمواصلات، فسهّلتْ لنا العسيرَ وقرّبتِ البعيد، وشرعتِ الآلةُ تقتحمُ حياتَنا في أدقِّ تفاصيلها، ولم يعدِ المعيارُ الضابطُ في تأهيلِ الموظفين معقُوداً على الكفاءةِ العلميّة والقوّة العضليّة، وإنما على كفاءةِ التقنيات المستخدَمة وقدرتها الميكانيكيّة، ورُبّما بعد عقدينِ مِنَ الزَّمن سيأخذُ (الروبوت) أو (الموظّف الجديد) موقعَ الآلافِ من (الموظفين القُدامى) الذين سيتمُّ تسريحُهم من قبلِ الشركاتِ العملاقة، ويؤدِّي ذلك إلى تفاقمُ العِلَل النفسيّة أكثر فأكثر في بنية المجتمعاتِ المعاصرة التي اكتسحتها الآلةُ اكتساحاً، وحوّلتِ
الإنسان إلى (نصف آلي)، وجعلتهُ يلتهمُ الآلاتِ التهاماً. ولم يقف شغفُ الإنسانِ عند هذا الحد بَلْ لا زالَ توّاقاً إلى الآلةِ التي ملأتْ حياتَهُ بكاملِها، وجعلتهُ أكثرَ قُرباً مِنَ الذي يعيشُ في القارةِ الأمريكية، وأكثرَ بُعداً مِنَ الذي يعيشُ في حيّه الذي يحيا فيهِ، وذلك لأن وسائِلَ الإعلامِ الجديدة حوَّلتِ العالَمَ - حسب مَقُولةِ المارشال ماك لوهان - إلى قريةٍ كونيّة، فالإعلامُ بدأ يمثِّلُ (سلطةً ثانية)، بعدَ أنِ اعتُبِرَ تقليديّاً (سلطة رابعة)، وأصبحَ عالَمُنا - في هذا المفصل الزمنيّ تحديداً - عالَماً من نوعٍ جديدٍ توقّف فيه نبضُ الزّمن، وتقلّصت فيهِ المساحاتُ الجغرافيّة، وأصبحنا على قِمَّة هرمِ التطوُّر، استناداً إلى المراحِل التي حدَّدها (ماك لوهان)، تلك المراحِل التي تعكسُ - في رأيهِ - التاريخَ الإنسانيَّ، وهي تندرِجُ أوّلاً: في المرحلةِ الشفويّة، أي مرحلة ما قبل التعلّم، وثانياً: مرحلة كتابةِ النُسَخ التي ظهرت في اليونانِ القديمة، واستمّرتْ ألفَيْ عام، ثالثاً: عصرُ الطِباعة من سنة (1500)م إلى سنة (1900)م تقريباً، رابعاً: عصرُ وسائِل الإعلام الالكترونيّة من سنة (1900)م إلى الوقتِ الحاليّ. وهي لا زالتْ في سيرِها تتقدَّم، وأصبحتِ الوسائِلُ الإعلاميّةُ اللُحمةَ الاجتماعيّةَ التي تربطُ العالَم كُلّهُ ببعضهِ في نسيجٍ مُتجانسٍ مُتوائِمٍ مُتآلِف، وقد صرَّح عالِمُ الانثروبولوجيا (مالنيوفسكي): "أن اللغةَ في استخداماتِها البدائيّة، تقومُ بدورِ حلقةٍ في سلسلةِ الأنشطةِ الإنسانيّة المتآلِفة، باعتبارِها جزءاً مِنَ السلُوكِ الإنسانيّ. فهي وسيلةٌ من وسائِل الفعل، وليستْ أداةً للتأمُّل". هذا إذا كانت بدائيّة، فكيف إذا كانتِ اللغةُ مُستخدمةً بصورةٍ مُتقدِّمة، كاستخدامِها مطبوعةً في الصِحَافةِ الورقيّة - التي تحملُ في ثناياها القوّة البلاغيّة الكامِنة، فضلاً عن قوّتها التأثيريّة الفعليّة - ولكنّها اليوم أصبحتْ تندبُ حظّها، بعد أن تبوَّأتْ مركزاً مهمّاً في بنيةِ المجتمعاتِ الإنسانيّة كافّة، واقتحمتِ البيُوتَ كُلّها، وخاطبتِ الطبقاتِ الاجتماعيّة جميعَها، وتناغمتْ مع مُشكلاتِ المجتمعِ كُلّها جمعاء، فقد كانتِ الطفلةُ المدلّلة التي تدغدغُ الإنسانَ مِنْ على سريرهِ، وتُضحكهُ أكثرَ مِنْ سميرهِ الذي بجوارهِ، وتُشارِكهُ فيما يحزُّ المجتمع مِنْ أزماتٍ ومُنغصّات وعقباتٍ ومُعوِّقات، كُلَّ ذلك يحصلُ في وقتٍ ما زالَ فيهِ الإنسانُ الشرقيُّ - المكبُوت المقمُوع - مأسُوراً في دوائِرَ أمنيّةٍ خانقة، يُراوح في دوّامةٍ مفرّغة بين مطرقةِ السياسةِ النفعيّة الميكافيلية وسندان الأوضاعِ الاقتصاديّة البائسة المزرية. فالصِحافةُ جاءتْ لكي تقفَ جنباً إلى جنبِ مُشكلاتِ الإنسانِ المعاصِر، وتُخاطِب أدقَّ ما يُعانيهِ الفردُ والمجتمع في محكِّ الصيرورةِ الزمنيّة. وليس مبالغة أن نؤكّد - بكُلِّ ثقةٍ - أن الصِحافةَ قد أحدثتْ تغييراً جذريّاً في عُمقِ الوعي المجتمعيّ، وأسهمتْ في تشغيلِ الماكنةِ الإنسانيّة التي ترنّحتْ في ظلِّ الأوضاعِ المأساويّة التي تعيشُها المجتمعاتُ النامية تحديداً، وطفقَ الإنسانُ يعتمِدُ في الحصُولِ على المعلُوماتِ من خلالِ الرؤيةِ البصريّةِ عبرَ الكلمةِ المطبُوعة.
ولا ضيرَ أن نعترفَ في هذا السياق ونقرّ أن الصِحافةَ المكتوبةَ أو الثقافةَ المقروءة - وإنْ كانتْ لا تُضاهِي الثقافةَ المرئيّة الجاهزة أو المعلومةَ البصريّةَ النابضةِ بالحياةِ والحركة - لا زالتْ تقومُ بواجبها في إيصالِ الكلمةِ المعبّرة التي تتناغمُ مع نبضِ الإنسانِ المعرفيّ، وتتناغى مع تطلّعاتهِ في نشدانِ حياةٍ مِلْؤُها الطمأنينةُ والسّلام والعدالةُ والوئام، وليسَ صحيحاً أن الصِحافةَ المكتوبة أو بالأحرى الكلمة المقروءة تعيشُ في أزمةٍ، وإن كُنّا نسمعُ بينَ آونةٍ وأُخرى عن صِحافةٍ بلا ورق أو الصِحافة الالكترونيّة، ولكن كُلّ ذلك بقيَ حِبْراً على ورق، وخاصّةً في فضاءِ الدول النامية - حسب التعبير المهذّب - على أقلِّ تقدير. ولكنّنا مع ذلِكَ لا نُنكِر أثرَ الإعلام البصريّ في تشكيلِ الأذواق وتدجين العقول وتنميط التوجّهات من خلالِ ثقافةٍ مرئيّة عَرضيّةٍ مُسَطّحة، تقدّم وجباتِها على طبقٍ مِنَ الإغراء والمُتعة والإثارة، فرُوّاد الشاشةِ أو الثقافةِ المرئيّة أصبحُوا أكثرَ عدداً من زبائنِ الثقافةِ المقرُوءة، ومن ضِمْنها الثقافة التي تُقدّم الآن كبضاعةٍ مُزجاة على فضاءاتِ الشاشةِ الالكترونيّة الزرقاء الـ(فيسبوك) التي يستخدمُها أكثر من مِليار شخص على مُستوى العالَم، فهذهِ الشبكةُ تقدِّم لزبائنها ورُوّادها ثقافةً مسطّحة أكثرَ من اللازم، وتجعلُ من كُلِّ النَّاسِ كُتّاباً، يكتبُون بلغةٍ مِلْؤُها الركاكة الأسلوبيّة، والهلهلة التعبيريّة، والضحالة الفكريّة، وأصبح بمكنةِ كُلِّ هاوٍ للأنترنت أن يكون كاتباً يُشار إليهِ بالبنان، وأصبح شهرةُ الكاتِبِ رهناً بعددِ (الإعجابات) التي ينتزِعها من روّاد الشبكة ومُدمنيها، بصرفِ النظرِ - غالباً - عن المحتوى أو المضمُون الذي يسعى إلى ترويجه على صفحته أو صفحاته التي يديرُها، المهم أن يستحوذ على شبكةِ اهتمامِ المعجبين، ويُثير فضولَهم، ويُلفت أنظارَهُم، بغضِّ النظر عن قوّة ما ينشرهُ من أفكارٍ أو يثيرهُ من قضايا أو أخبار، وليس طُرفةً أن نقرِّر هنا أن الكثير من المعجبين يؤكِّدون إعجابهم لصاحبِ المنشور دون أن يقرأوا منشورَهُ أحياناً، فهم يُعلنون إعجابَهُم لأجل (عيونِ) صاحبِ الصفحة هذهِ أو تلك، وهذهِ تمثِّلُ مأساة الثقافة الراهنة التي بدأتْ تنهارُ بمعاولِ هؤلاءِ مِمّن أصبحُوا حفارّي قبورِ الثقافةِ الأصيلةِ على مذبح الـ(فيس)، كما أن التعليقاتِ التي نقرأهُا على هذهِ الشبكة الاجتماعيّة الأكثر شعبيّة في العالَم - والتي تكون عادةً أقلّ مِنَ الإعجابات - هي في جُلّها تعليقاتٌ فارِغةٌ لا تحملُ مضموناً معرفيّاً ذا جدوى، وفي هذا السِّياقِ كتبَ الرّوائيُّ الأمريكيِّ (جوناثان فرانزن) تعليقاً طريفاً، يعبِّر فيهِ عن رؤيتهِ الفلسفيَّة: "حينَ أتأمَّلُ وسائِلَ التواصُلِ الاجتماعيِّ، أشعرُ أنَّ العالَمَ - الذي كان ناضِجاً - تحوَّلَ فجأةً إلى كافيتريا مدرسيَّة بها صبيةٌ مِنْ طلبةِ الصفِ الثاني الإعداديّ. وحينَ أتأمَّلُ صفحةَ الـ(فيسبوك) أشعرُ أنَّني إزاءَ صالةِ الميسِر في (لاس فيجاس)". وهذا لا يعني البتّة أن نقلّل من شأنِ هذهِ الوسيلة التي أصبحتْ أفضلَ وصيلةٍ بين جيل اليوم، فهي مُغرية أكثر مِنَ اللازم إذ تثيرُ شهيّة مُرتاديها، وتشبعُ فضولَهم، وتروي نهمَهم المعرفيّ وإن كان مُسطّحاً، فهي تقدِّم المعلومةَ الحيّةَ في قلبِ لحظاتٍ وامِضة للمشاركين - مِنْ مختلف الألوانِ والأذواقِ والمشارِب - الذين يتواصَلُون معاً في الأُمسياتِ الافتراضيّة على هذهِ الشبكة العنكبوتيّة العملاقة، وهم يتطارحُون كؤوسَ المتعة، وربما نجدهم في ظروفٍ أُخرى وهم يتراشقون بكُلِّ ما أنتجته المعاجِمُ اللغويّة من الألفاظِ النابية والعبارات البذيئة والإشارات المسيئة، وتتحوّل شبكات التواصُل الاجتماعيّ إلى ساحاتِ الوغى يتشابك فيها المتصارِعُون بالكلماتِ المقذعة والتعليقاتِ المؤذية والإيماءاتِ السّافلة، فتتهاوى الفضيلةُ والبراءةُ على مَذْبح الفُحش والبَذاءة. هذا، ولم يسلم من هذهِ المشكلة الموقع الاجتماعيّ الشهير (تويتر) حتّى كتبَ أحدُهم تعليقاً ساخِراً لاذِعاً، مُندِّداً بشدّة بكُلِّ مَنْ ينتهكُ تخومَ الأدب واللياقة "ما ذنبُ الطائِرِ وشعارُهُ بما يرتكبهُ المستخدِمُون من تجاوزاتٍ وإساءاتٍ إلى الآخرين، هَلْ فكّرَ هؤلاءِ ما فائِدةُ "تغريدةِ الطّائِر" على النَّفْسِ الإنسانيّة؟ ألا يعني أن هذهِ التغريدةَ تجعلُ النَّفسَ البشريَّةَ في راحةٍ وسعادةٍ وسَكِينة؟ لماذا لا يزرعُون هذهِ المفاهيم الإيجابيّة بين النّاس؟ ويزرعُون بدلاً عنها بذورَ الشحناءِ والعداءِ بين الشعُوب؟ ألا يعني أنهم أساءُوا إلى شعارِ "تويتر"؟ فمتى تنظّم التغريداتُ في "تويتر"؟ لماذا لا يُمنع كُلُّ مَنْ هبَّ ودبَّ في التدخُّل بشؤونِ غيرهِ، والتوغّل في غيرِ تخصُّصه؟ أليسَ من الحقِّ والعدالةِ والإنصاف حجبُ حسابِ كلِّ مَنْ يتعدَّى على غيرهِ بتغريداتٍ مُسيئة، حتّى يكون ذلك درساً لهُ ولأمثالهِ؟".
هذا، وقد أصبحَ انتزاعُ الإعجابِ فنّاً من فنونِ الـ(فيس)! حيث ترى الهواةُ وهم مُنكّبون على فضاءِ هذهِ الشبكة المترامية الأطراف، لتكثير نسبةِ إعجاباتِهم، فيتهافتون على اختيارِ كُلِّ ما يثيرُ شهية المتصفِّح، ويملأ أقطار نفسهِ عجباً، ويتكالبُون على نشرِ العجائب والغرائب التي يتهافتُ عليها المتصفحِّون من كُلِّ جنسٍ ولون، وهذا ما يُضخِّم حصيلةَ إعجاباتهم، ويمنحهُم علامةً إيجابيّة بين قومهم وبني جِلْدتهم، ويشعرُون في قرارةِ أنفسهِم بحالةٍ غامرة من الرِّضى عن إنجازاتهم ومكتسباتهم، بعيداً عن روح المسؤوليّة تجاه أمانة الكلمة التي ألزمنا الله بها، وإهداراً للأمانة العلميّة التي أصبحتْ في رحمةِ المتصفحين الذي يتصرَّفون بنتاجاتِ غيرهِم - حذفاً وتحويراً وبتراً وإضافةً - كيفما يشاؤون ومتى يشاؤون! وعليهِ أصبحتِ المنشوراتُ أو الاقتباساتُ أو الاستشهادات - التي تُنشر هُنا وهُناك - بمثابةِ قُصاصاتِ الورقِ التي لا تصنعُ معرفةً ولا تؤسِّسُ ثقافةً ولا تعزِّز نهضة، بل لا تعدُو كونها وسيلة ناجِعة لتمضيةِ الأوقات، وقتلِ الفراغات تحاشياً من قولِنا ملءِ الفراغات والمسافات والبياضات.
والأنكى من كُلِّ ذلك أن الكُتّاب المخضرمين - مِمَّن استهوتهم هذهِ الشبكةُ المدلّلةُ - بدأوا بمجاراةِ الأساليبِ المستحدثةِ أو بالأحرى المسطّحة لكي تتناسبَ مع مُستوياتِ هُواةِ المعرفة السطحيّة العرضيّة العابرة، فهم يتقصّدون أحياناً انتقاءِ الكلماتِ البسيطة والعباراتِ السهلة من أجلِ امتلاكِ جمهورٍ عريض بدأ يتحاشى الكُتُبَ مهما كانتْ قيمتها العلميّة والمعرفيّة أو المنهجيّة، وكان على الكُتّاب - جرياً على العادة الشائعة اليوم - أن يأخذوا لأنفسهم مكاناً في هذا الفضاء المعرفيّ المتناهي. وما يُثير امتعاضَنا هو الكتابة باللغة العامية السوقيّة أو اللهجة المحكيّة الدّارِجة التي لا تتناسبُ مع المعرفة المعمقّة التي لا يمكنُ التعبيرُ عنها إلاّ بلغةٍ فصيحةٍ صحيحة سليمة من الأخطاء شَكْلاً ومضمُوناً. فكيف يصحّ في الأفهام الانزياح إلى العاميّة التي رُبّما تُسِيءُ إلى قيمةِ الثقافةِ وعُمقها المعرفيّ وجوهرها الجوّانيّ. فالمعرفة في السابق كانت نزوعاً داخليّاً بل مسؤوليّة تاريخيّة من قبل مُتعطّشي المعرفة، وكُنّا نكتبُ لأنَّ حاجتَنا إلى الكتابةِ كانتْ كحاجتِنا إلى الطعامِ والشّراب، كما قال طه حسين، كُنّا نكتبُ لحاجتنا للآخرين، وحاجةُ الآخرين إلينا، فضلاً عن التعبير عن إحساساتنا ومشاعرنا وخلجاتنا ومكنوناتِنا، وكان الكاتبُ يُعاني من مكابداتٍ أليمة ومخاضاتٍ مُوجعة من أجلِ الوصُول إلى ضفاف القصديّة التي يتغيّاها، والأهداف التي يتمنّاها، وكانتِ الكتابةُ فعلاً يمارَسُ من أجلِ الآخرين، وتبدأُ بعد اكتمالِ مرحلةِ امتلاكِ ناصيةِ اللغة، فكانت مرحلةً فوقَ اللغة، وكانت بحقّ بحثاً عن الحقيقةِ الضائعة في متاهاتِ الزيفِ والانتحالِ والتجديف، فأصبحتِ الكتابةُ اليوم فعلاً لتحقيقِ الذاتِ وإثباتها بَلْ والتباهي بها، وإرضاءِ غرورِها في هذا المحيطِ الواسِع الفسيح، ولكنّها الآن أصبحتْ وسيلةً لملءِ فراغ الهُواة مِمَّنْ يتمعَّنُون في تزيينِ ذواتِهم، وإن كان على حسابِ غيرهم، فالهاوي أيّاً كان وأينما كان إنَّما يبغي أن يكون شيئاً مذكُوراً بعد أن كان مغمُوراً!
ولا أدري بعد سنواتٍ ذوات عدد يكون هذا المقالُ وأخواته مثار تندر بعضهم وطرافتهم، لأنَّ (الفيس) ستكون قنطرة غير هادفة للشرائِح الاجتماعيّة كلِّها، حتّى من غير المتعلِّمين. والكارثة أن الـ(فيسبوك) في المحيطِ الغربيّ رُبّما لا تتركُ أثراً كارثيّاً مثلما تتركهُ في المحيطِ العربيّ الشرقيّ، لأن تقاليدَ الكتابة والقراءة في السياقِ الغربيِّ المعاصر رُبّما هي أكثر عُمقاً ورسُوخاً بالمقارنة مع الكتابة والقراءة في شرقنا المبتلى اليوم بالعطالةِ الفكريّة والبطالة الاقتصاديّة والعمالة السياسيّة. فالقراءةُ في الغرب وأوروبا لا زالتْ في أوج نشاطها، بينما هي في الشرق المسكين كانتْ منذ عقود ولا زالتْ تعيشُ في سُباتٍ طويل! هذا، وقد تـمَّ رصدُ العديدِ مِنَ المساوئ التي تتركُها الـ(فيس) في الجيل الجديد، ومن ضِمْنها العُزلة الاجتماعيّة الخانقة، والتوقّف عن مُمارسةِ الأنشطة الرياضية، الإساءة المقصُودة للآخرين، التأثيرُ السلبـيِّ على الصحّة الجسمانيّة، إلى جانبِ اعتلالِ الصحّةِ النفسيّة والاكتئاب، وكذلك التسبّب بأوجاعِ الظهر نتيجة الجلُوس المتواصِل، أو الصُداع من كثرةِ التحديق في الحاسُوب، أو الإرهاق الشديد نتيجة السهر الطويل، فضلاً عنِ الإصابة بمشكلاتٍ في الرؤية والنظر، وتدني المستوى الثقافي والمعرفيّ، وإضاعة الوقت والمال، والتحريض وإثارة الشغب، وسيادة الأفكارِ التي تعارِضُ ثقافة المجتمع الأصيلة، وشيوع القيم التي تخالِفُ قيم الإسلام العظيم، وإهمال الصلوات الخمس في أوقاتِها، زيادة معدلات العنف والجنوح نحو الجريمة، وضعف المستوى الدراسيّ لدى الطلبة وخاصّةً في اللغة العربية كتابة وتعبيراً، والعزوف عن المذاكرة. هذا وقد أظهرت دراسة أميركية أن الطلبة الذين استخدمُوا الـ(فيسبوك) و(تويتر) وغيرها من وسائل التواصُل الاجتماعيّ قد حصلُوا على درجاتٍ مُتدنيّة مقارنة برفاقِهم الذين لا يستخدِمُون هذه المواقِع. كما أنَّ لهذهِ المواقعِ انعكاساً سلبيّاً على مدى تركيزِ الطلبة في الدّراسة، فكلما زاد وقتُ الإقبال عليها قلّتْ فُرَص التحصيلِ الدراسيِّ عند الطلبة، بسبب إهدار الوقت وإضاعته!
وإضافةً إلى كُلِّ ذلك فإن الإدمان على الإنترنت يسبِّب الأرق والحِرْمان من النوم، وفي هذا السياق كشفتْ دراسةٌ طبيّةٌ حديثة، أجراها باحِثُون أمريكيُّون بجامعةِ (بوسطن)، أنَّ الحِرْمان مِنَ النوم يلعبُ دوراً مهمَّاً في خفضِ معدلاتِ التفوُّق والتحصيل الدراسيِّ عند طلبةِ المدارس في مراحلِها كافّة، وأكّدُوا أن النظرَ إلى شاشاتِ الحاسُوب والهواتِفِ الذكيّة قبل الذهاب إلى الفراش يعطِّلُ أنماطَ النومِ الطبيعيّة.
ومن الآثار السلبيّة التي تتركُها هذهِ المواقِع - مع إيجابياتها الكثيرة التي لا يُمكن إنكارُها أو إهدارُها - ضَعْف الذوق العام، وعدم التفاعُل مع الأسرة والمجتمع، فضلاً عن الإصابة بالبلادة واللامبالاة، وإشاعة روح الخمُول والكسل، وفي هذا السياقِ كشفتْ دراسةٌ بريطانية حديثة أن كثرةَ استخدامِ مواقعِ التواصُلِ الاجتماعيِّ الـ"فيسبوك" و"تويتر" قد تؤدِّي إلى زيادة نسبة الغباء. وذكرت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية عبر موقعها الإلكتروني، أنَّ الباحثين القائمين على الدراسة أكّدوا أنَّ السّرعة والسهولة التي يتمُّ بها تبادُل المعلوماتِ من خلال مواقِع التواصُل الاجتماعيّ الـ"فيسبوك"، و"تويتر" وغيرها، قد تؤدِّي إلى صعوبة التفكيرِ التحليليِّ لمستخدميه. وأكّد الدكتور إيّاد رهوان - من معهد مصدر للعلُوم والتكنولوجيا في أبو ظبـي، بالتعاون مع جامعةِ إدنبرة البريطانيّة - أنَّ الذكاءَ الذي يُعتقد أن مواقع التواصُل الاجتماعيّ تمنحهُ لمستخدميها هو مجرَّد ذكاءٍ سطحيِّ، وكُلُّ مَنْ يتصفّح هذهِ الشبكات يلحظُ فيها سرعة انتشار المعلُومات، وسهُولة الحصُول عليها، وهذا - كما تؤكّد الدّراسة - قد تؤثِّر سلباً على القدراتِ التحليليَّة لدى الأشخاص الذين يستخدِمُونها بكثرة، وتفسِدُ قدرةَ الفرد على التفكير، فضلاً عن تأثيرها السلبـيّ على أسلُوب التعلّم. ولاحظتِ الدراسةُ أيضاً أنَّ هناكَ اعتماداً على "نسخ" المعلُومات من المحيط، أكثر من القدرة على تحليل البياناتِ، والتمسّك بالإجاباتِ الشخصية، كما كشفتِ الدراسةُ أنَّ كثافةَ المعلُوماتِ التي يحصلُ عليها مستخدِمُو الشبكاتِ الاجتماعيّة، قد تُعطي تصوُّراً أنها ترفعُ من معدلِ الذكاء، ولكنَّ الحقيقة أنَّ النتيجةَ سطحيَّة جداً.
ومن الآثارِ السلبيّة التي يتركُها استخدامُ الشبكاتِ الاجتماعيّة هو اعتيادُ المستخدِم على الوصُولِ السَّهْل إلى المعلُوماتِ المطلوبة، وهذا ما يجعلُ الذاكرةَ تتركّزُ على أسلُوبِ الحصُول على المعلُومة، دون تثبيتِ المعلُومات المستقاة بشَكْلٍ واضِح ومُركّز. وبناءً على هذه المعطيات ينصحُ الدكتور رهوان بأن يجريَ المستخدِمُون بحثاً تفصيليّاً مُعمّقاً في موضوعٍ واحِد بين الحينِ والآخر. وهذهِ ليست الدراسةُ الأُولى - التي تطرحُ موضوعَ الأثر السلبـيّ لسُرعةِ انتشارِ المعلُوماتِ إلكترونيّاً على النَّشاطِ الذهنيِّ للمُستخدِم - بَلْ هناك دراساتٌ كثيرة في هذا المجال، ومنها الدراسةُ التي نُشرِتْ في عام 2009م، في مجلة (Science) العلميّة، حول تأثير وسائلِ الإعلامِ المختلفة على قدراتِنا الإدراكيَّة، وقد أكّدتِ الدّراسةُ أنَّ الأنترنت يزيدُ من مهارة القراءة والكتابة البصريّة، ولكنّها يعوق بعض المهارات الأُخرى مثل التفكير الناقِد، والحلّ الاستقرائيّ للمشكلات، والخيال، مِمّا يعني أنَّكَ سوفَ تحصلُ على بعضِ المهاراتِ في مقابل فقدانِ مهاراتٍ أُخرى أهم، حيث إنّ الخيالَ والتفكيرَ الناقِد وحلَّ المشكلات الاستقرائيّ هِيَ صفاتٌ جميلةٌ مِميّزة للإنسان، ولكن استبدالها بمهارةِ القراءةِ والكتابةِ البصريّة يعدّ صفقةً خاسِرة بالنسبة إليك.
هذا، وقد كشفتْ دراسةٌ علميّة حديثة أجراها باحثون أمريكيُّون أيضاً أنَّ قيامَ المراهقين بكتابةِ الرَّسائلِ النصيَّة القصيرة عبر الهاتِف المحمُول يُؤثِّر سلباً على إمكانيَّاتِهم اللغويَّة، والنطق بشَكْلٍ سليم، وأشارتِ الدراسةُ إلى أنَّ هذهِ الرَّسائِل تسبِّبُ تأخُّراً في مهاراتِ التحدُّث والتعلّم بشَكْلٍ كبير، وأوضح الباحِثُون أن المراهقين - الذين يستخدِمُون الرَّسائِل النصيَّة في التواصُل مع أقرانِهم بشَكْلٍ دائِم - يرتكِبُون أخطاءً لغويّة ونحويّة كثيرة بالإضافة إلى اعتمادِهم على اللغةِ العاميّة، والكلماتِ المختصرَة والأرقام بدلاً من الحرُوف في أثناءِ كتابة الرَّسائِل النصيَّة. ونحن هُنا لا نجانبُ الحقيقة إذا قُلْنا "إنَّ شبكاتِ التواصُل الاجتماعيِّ تهدمُ ما تبنيهِ المدارِسُ من مهاراتِ الكتابة والتعبير"! وأخيراً كشفتْ دراسةٌ أميركيّة عن وجُود علاقة مُباشرة بين تزايُدِ استخدامِ الأنترنت، وتراجُع النّاسِ عن التزامِهم بالقواعدِ والتعاليمِ الدينيّة.
ولكنّنا نقرِّر - على الرَّغمِ من كُلِّ الحيثيّات السَّابقة - أن الصِحافة المكتوبة المتمثّلة في الصحفِ والمجلاّت لا زالتْ في زهرةِ شبابها وربيع عمرها، وهي لم تبلغ الشيخوخة بعدُ حتّى تترنّح على عصا غليظة! فهل نحنُ يا تُرى على هذهِ الدرجةِ مِنَ العقُوقِ حتّى نرميَ الصِحافةَ الورقيّة في دورِ المسنين؟! بعد أن كانتْ في وقتٍ سابق من الوسائلِ الأثيرة التي دغدغتْ مشاعرِنا في الصِّغر، وتحاورت معنا في الكِبَر، وهي لا زالتْ بجوارِنا تعرضُ بكُلِّ سماحةٍ مشكلاتِنا على دفّتَيْ صفحاتِها بَلْ على صدْرِها الحنُون الذي تمخّض عنهُ جنينُ الوعي الإنسانيّ في أرجاءِ المعمورةِ، وخاصّةً في هذهِ اللحظةِ التاريخيّة التي نعيشُها معاً على هذا الكوكب الجميل، ولا ندري ماذا تخبؤهُ صفحاتُ المستقبل من عجائِبَ وغرائِب، ولكن ما نشاهدِهُ الآن أن الصِحافة المكتوبة لا زالتْ تُقرَأ في كُلِّ رِجْئ من أرجاءِ العالَم، ولا زالتِ المطابعُ تتنفّسُ، ولا زالتِ الأقلامُ تبدعُ مع الكلمةِ المقروءة التي تنضحُ بالسِّحْر والجمال، ولا زالتِ العقُول تتفتّقُ منها رحيقُ العبقريّة! فالصِّحافةُ - بلا شكّ - وعلى الرَّغمِ مِنْ كُلِّ ما يُقال عن أدائِها، هي الوسيلةُ الحضاريّةُ التي أحدثتْ نقلةً ثقافيّة معرفيّة جبّارة، بَلْ طفرة هائلة في المسارِ الإنسانيّ، بحيث قرّبتِ البعيدَ وسهّلتِ القريب، وأحدثتْ تناغُماً بينَ المجتمعاتِ الإنسانيّة قاطبةً، تلك المجتمعاتُ التي أصبحتْ بفضلِ الوسائِل الإعلاميّة، وكأنّها تعيشُ في فضاءٍ إنسانيّ بلا سقوفٍ ولا جُدْران. فالإعلامُ يُعَدُّ بحقّ مِنَ الظّواهِر المميّزة في التاريخ الإنسانيّ برمّته، والصِّحافةُ - بشكلٍ خاص - أو الثقافةُ المكتوبة ورقيّاً أصبحتْ تملأُ فراغاً واسعاً في بنيةِ المجتمع المعاصر، فراغاً لا تسدّهُ الشاشات مهما كان بريقها ومهما كانت جاذبيتها ومُتعتها، لأنَّ الشاشةَ أصبحَ هدفُها استقطابَ المشاهِد وجذبه بغضِّ النظرِ أحياناً عن المُعْطى الثقافيّ الذي تثيرُه، ولذا أصبحَ همُّ القنواتِ الفضائيّة - فضلاً عن شبكاتِ التواصُل الاجتماعيّ - زيادةَ عدد المشاهدينَ بصرفِ النظرِ عن قيمةِ المادّة المعرُوضة. والإنسانُ الواعي يقفُ سريعاً على أيديولوجيّة القنواتِ الفضائيّة أو شبكاتِ التواصُل الاجتماعيّ وضبابيّة توجّهاتِها وسطحيّة معلوماتِها وعرضيّة أفكارِها، ولا يدعُوَنَّ هذا إلى العجب، لأنَّ هدفَ القائمينَ على الشاشةِ المرئيّة أو الشبكات الاجتماعيّة استقطابُ المشاهدينَ بغضِّ النظرِ عن السعراتِ العلميّة للمادّة الإعلاميّة المعروضة للتلقّي والاستهلاك، فلم يعد يهمّهم تغذيةُ شرايينِ الفكرِ البشريّ بالثقافةِ الرصينة الراقيّة، والمعرفة الأصيلة الرّائدة، بِقَدْرِ ما يُحاولون تخديرَ الطّاقةِ الفكريّة، وشلِّ الحاسّة النقديّة، وتسطيح الخلفيّة المعرفيّة، والإنسانُ بعد كُلِّ هذا مدعوٌ لمراجعةِ حساباتهِ والتقليل من ساعاتِ مشاهدته للقنواتِ المرئيّة وشبكات التواصُل الاجتماعيّة من أجل التسلية وتزجية الوقت، وأن يجلسَ رويداً رويداً مع صديقهِ القديم (الكتاب) يحاورهُ ويُخاطبه ويُناقشه عسى ولعلّه يؤوبُ إلى رُشدهِ ويثوب إلى صوابه، فآن له أن يتأمّل قليلاً ويمضي في جولةٍ شعوريّة ورحلةٍ عقليّة مع سِحْر الكلمات النديّة، ويتواشج مع جَرْسِ العباراتِ الرخيّة، ويتغذّى من رحيقِ الألفاظِ النقيّة، هذهِ دعوةٌ إلى المراجعةِ، من أجلِ إعادةِ التوازُن إلى ميزانٍ مُختل، فهذهِ من المفاهيم التي ينبغي أن تُصحّح، والإنسانُ مدعوٌ إلى مُراجعةِ الذات ومُخاطبة المشاعِر والنزعات، والموازنة بين الثقافةِ المرئيّة المسطّحة والثقافة المكتوبة المحكّمة، ولا أدري على أيِّهما يقعُ اختيار القارئ أو المتلقّي.

 وأنتهزُ هذه الفرصة كي أوجِّه رسالةً إلى الأساتذةِ والمدرِّسين مِمّنْ يكتبُون رسائِلَ قصيرة، أو يُعلِّقون على القضايا المثارة على شبكاتِ التواصُل الاجتماعيِّ، أن يكتبوا بلغةٍ فصيحةٍ صحيحة، حتّى يتعوّد المتصفِّحُون من الطلبةِ وغيرهم على الكتابة بلغةٍ سليمة سامية، "وكيلا لا نناقض أنفُسَنا بين أن نعلِّمَهم قواعِدَ اللغةِ ونحاسبهم عليها في الاختبارات، بينما لا نحافِظُ نحنُ على قواعدِ اللغةِ الصحيحةِ المطّردة في تعليقاتِنا وتقريراتِنا ومنشوراتِنا". وفي الختام نتمنّى أن تكون الـ(فيسبوك) وسيلةً ناجعة للتواصُل الحضاريّ الراقي بين الشعوب والحضارات بحيث يشتركُ فيها نخبة من المفكّرين والمثقفين وأصحاب القرار من أجل تلاقح ثقافي وتبادُل معرفي وتجانسٍ حضاري بعيداً عن لغةِ الإقصاء والإلغاء والمصادرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق