الأحد، 1 فبراير، 2015

وترجَّل الفارس أخيراً.. الأستاذ المربِّي نوري عبدالله صالح ئاغجه له ري

نشأة غفور سعيد
قبل أن يرفعَ المؤذِن صوتَ الحقّ والإيمان فجرَ يوم الإثنين الموافق 24/11/ 2014م، في الثاني من صفر 1436هـ، جاء الوعد الحقّ مع أستاذنا المربِّي الملا (نوري عبدالله ئاغجلري)، ثالث فرسان لجنة الترجمة والتحقيق للرابطة الإسلاميّة الكُرديّة.
فقد رحلَ الداعية الكبير (عمر فتّاح ريشاوي) فجر يوم الخميس 18/10/ 2001، وصعدت روحهُ الطّاهِرة إلى بارئها، وهو يستعدُّ لصلاةِ الفجر، وله الحقّ على طُلاّبهِ ومُحبيّهِ أن يخلدوا ذكراهُ ويجمعُوا بصماته في الدعوةِ إلى الله، والتوجيه والإرشاد الإسلاميّ المبارك، في عمرهِ المديد، فقيهاً ومعلِّماً ومُدرِّساً وداعية إلى الله - سُبحانه وتعالى – بامتياز، كما فعلَ إخوان كركوك مع شبيهه في الدعوةِ والعقيدة، أستاذنا الكبير (سليمان محمَّدأمين القابليّ) (شيخ دعاة كركوك) رحمة الله عليه. فمن الوفاءِ، وحسنُ الخلُق، أن نعرِّفَ الجيلَ الحديثِ بدُعاةِ الرّعيل الأوّل، وعلى رأسِهم في السليمانية، الداعية المفكّر (عمر فتّاح ريشاوي) (رحمة الله 
عليه). وكان ثاني الفُرسان، صاحب القلب الإيماني الصّافي، والعمل الصّالِح، الأستاذ المعلّم (غفور أحمد كاني 
الداعية المفكّر
عمر فتّاح ريشاوي
سبيكةيى)، والذي رحلَ عنّا ظهيرةَ يوم الإثنين 19/ 8/ 2013م، في الثاني عشر من شوّال 1435هـ، وقد كان صاحِب العقل النيِّر الكبير، والفكر المتّقد، والإيمان العميق الرّاسِخ، والحريص على خدمةِ الفكرِ القرآنيّ، في ترجمةِ (الظاهِرة القرآنيّة) للمفكّر الإسلاميّ (مالك بن نبـي)، والمباشرة في ترجمةِ (كيف نتعاملُ مع القُرآن) للعلاّمة (يوسف القرضاوي)، وحملنا الوصية بالمضي قُدماً لإنجازِ ما تبقّى من أبواب الكتاب، ووضعه في متناول المسلمين الكُورد، ليغرس في قلوبهم محبّة كتابِ الله، كما كان مغرُوساً في قلبهِ وعاطفته وثقافته وجهادهِ الدائِب، (رحمة الله عليه).
وترجّل الفارِس الثالث، أستاذنا المربِّي، المتمكّن من اللغتين: لغة القرآن الكريم (العربيّة)، ولغة قومهِ وأهلهِ وشعبه (الكُورديّة)، وكان متفانياً في خدمةِ لغة العقيدة والإيمان، ولغة الانتماء والتفاهُم. وكما كتبتُ عنِ العَلاقةِ الصميمة بالفارسَيْن في تأبينهما، أجدُ لِزاماً عليَّ أن أرثي أخي الكبير، وصاحب الفضل والعطاء، أستاذنا (نوري عبدالله صالِح) (رحمة الله عليه).
مفتاحُ شخصيّة الأُستاذ (نوري الأغجلري)، أنه كان مُعلِّماً، وللمعلِّم مكانتهُ في الإسلام، والتاريخ الإنسانيّ. يقول المرحُوم أحمد شوقي:
قُمْ للمعلِّمِ وفِّهِ التّبْجيلا ... كادَ المعلِّمُ أن يكون رسُولا
في الحديثِ أنَّ رسُولَ الله (صلّى الله عليهِ وسلّم) قال: (إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمَاً). حقّاً كان أُستاذنا مُعلِّماً، فقد شاهدتهُ في زياراتهِ الإشرافيّة يحملُ علماً راسِخاً، ومكانة عالية، وتوجيهاً صائِباً، وقدرة على الإجابة عن كُلِّ مُعضلة لغويّة. وعاشرته في الدوراتِ التربويّة في اللغة العربيّة، والتربية الإسلاميّة، مُدرِّساً مُختصّاً له مكانته السامقة، ومنزلته المرموقة، والاحترام العلميّ الرّصين، وملكاته الفائقة في أثناءِ الدّرس، أو عندما كانت الحلقات المتكررة حوله يستفسِرُون ويسترشِدُون ويأخذُون من علمهِ وفقههِ ودرايته.
لقد كنتُ معهُ تلميذاً ومُرافِقاً في جولاتِنا المشترَكة إلى الأقضية والنواحي، فكان مثالَ الملتزِم بالوقت والمصاحبة والأُلفة واللطف في السفر، والأُنس في الطريق، والمعين في العِلْم والتوجيه والتوجُّه، وذكرياته ومكانته وتوجيهاته وسرعة بديهته محفورةٌ في الخاطِر. ومعالَم شخصيتهِ، وصورُها، شاخصة كأرقّ وأجملِ الصُور في التعاوُن والتكاتُف والتساند.
ومن معالم شخصيته الواضِحة، أنه كان مع الإصلاح والسّلام والاستقرار، والابتعاد عن الإيذاءِ بالعقوبات، وكم مرّة اشتركْنا في اللجانِ التحقيقيّة، وفي المسائِل الشّائِكة التي تودي بصاحبها إلى التهلكة، فكان المنقذ والموجّه إلى الإصلاح، وصاحبُ التدبير السويّ في إنقاذ (المتّهم) من السقُوطِ في الهاوية، أو نيل عقوبات انضباطيّة رادِعة، وكانت له القدرة على إقناعِ الجميع بأن (الصُلْح خير)، وأن العقوباتِ الانضباطيّةَ ما وضعت إلاّ للإصلاح، وإننا تربويُّون قبل أن نكون قضاةً، وكانت مداخلاته دوماً تؤدِّي إلى إصلاحِ المقابِل، والحفاظِ عليهِ من الانحرافِ أو الانجراف نحو الخطأ، وكان يُنادي دوماً "الإصلاحُ أساسُ الحياةِ التربويّة" رحمةُ الله عليه.
ومنذ أوائلِ لقائِنا في دورةِ التربيةِ الإسلاميّة، عام 1981م، كان يتحدَّثُ عن "مخاطِرِ الإلحادِ، وأهميّة الإيمان"، وكان يشيدُ بأهميّة كتاب (قصّة الإيمان بين الفلسفةِ والعِلْم والقُرآن)، للشيخ (نديم الجسر)، وكان يقول: يا ليتني أقدر - بحولِ الله - أن أترجمَ هذا الكتابِ إلى اللغةِ الكُورديّة، فإنَّنا جميعاً بأمسِّ الحاجةِ الفكريّة والعقديّة إلى مثل هذا الإيمان، فساندتهُ وشجّعته، وكانت ثمرة جهودهِ الفكريّة بعد إحالتهِ على التقاعُد كتابهُ الرّائِع: (داستانى ئيمان)، الترجمة الأمينة لـ(قصّة الإيمان)، فكان العنوانُ الكبير في مسيرته مع العلمِ والفقه والإيمان والتقوى، والكتاب من خيرةِ أنواع الزادِ الفكريّ لجيلنا والأجيالِ القادِمة، مع بقاءِ أهميّة الإيمانِ في حياةِ الإنسان، كما يقولُ الفيلسوف محمّد إقبال:
إذا الإيمانُ ضاعَ فلا أمان ... ولا دُنيا لِمَنْ لَمْ يَحي دينا
ومَنْ رَضِيَ الحياةَ بغيرِ دينٍ ... فَقَدْ جعلَ العناءَ لهُ قرينا 
وخلالَ العقُود الثلاثة التي قضيتُها معهُ، مُشرِفاً وأخاً وصديقاً، كنتُ أتزوّدُ منه في كُلِّ لقاءٍ ثمرةً وفائدة وحكمة.
وفي ختامِ هذهِ العَبْرة الصّادِقة، في وداعِ أخٍ عزيز على الجميع، أُردِّدُ مع المرحُوم أحمد شوقي:
 دقّـاتُ قلبِ الْـمـرءِ قائِـلـةٌ لَـهُ ... إنَّ الحيـاةَ دقائِقٌ وثـوانِ
فارْفَعْ لنفْسِكَ بعد موتِكَ ذكرها ... فالذِكْرُ للإنسانِ عمرٌ ثان
رحمة الله وبركاته على أساتذتنا الكرام: عمر فتّاح الريشاوي، وغفور أحمد كاني سبيكةيى، ونوري عبدالله صالح ئاغجلري، وصدق الله فيهم وفي أمثالهم: [يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي](سورة الفجر، 27- 30).
إخوتي وأحبّتي.. يا نجومَ الصّحوةِ الإسلاميّة المباركة، ويا أقلامَ الإسلامِ الصّادقة البليغة، ويا بدور الليالي الصّافية في تاريخ الإسلام، سلام عليكم أيّام تلقيكم العلم من أساتذتكم الأبرار، سلام عليكم أيّام جهادكم الفكريّ في المدارِس وأروقة المحاضرات والدعوة، سلام عليكم أيّام ولحظاتِ استقبالِكم الموت المحتوم، سلام عليكم في دنيانا الفانية، سلام عليكم في آخرتنا الباقية، سلام عليكم من ربٍّ رحيم.. سلام.. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

انظر: مقالي عن الداعية (عمر الريشاوي)، صحيفة (يه ككرتوو) العربيّة، العدد (361) بتاريخ 26/ 10/ 2001م، وعن العالِم (غفور كاني سبيكةيى)، في مجلة (هه يف)، العدد (31)، سنة 2013م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق