الاثنين، 2 فبراير، 2015

عبق الكلمات// حصانة الثقافة

عبد الباقـي يوسف
الدولـة القويــة الراسخة في قوتها، هي تلك الدولة التي تقوم على نشاط ثقافي في الرخاء، ويتكاثف نشاطها الثقافي في الشدائد.. والدولة الواهنة، الراسخة في وهنها، هي تلك الدولة التي لا تنشط فيها الثقافة في الرخاء، وتموت ثقافياً في الشدائد.
وهذا يُقاس على أحزاب الناس، وكياناتهم، ومنازلهم، وأفرادهم: فالحزب القوي، هو ذاك الحزب الذي يترسخ في مفاصله الفعل الثقافي. والبيت القويم، هو ذاك البيت الذي شُيدتْ دعائمه بلبِنات الثقافة، والوعي، وهو الذي يسهر معيله على استنارته، وإمداده بعوامل النضج والانفتاح وقوة الشخصية، فينتج هذا البيت أشخاصاً نافعين، يقدّمون نفعاً للمجتمع. في حين أن البيت الهش ثقافياً، هو ذاك البيت الذي يُخرّج إلى المجتمع أفراداً يكونون وبالاً عليه، وعلى أنفسهم، وعلى أبوَيهم.
فأن تُدخل كتاباً إلى بيتك، لهو خير من أن تُدخل عليه رزمة مال، واعلم بأن حب تكديس المال هو من أقوى عوامل الانحطاط الثقافي، سواء لدى الدول، أو الأحزاب، أو الكيانات، أو المنازل، حيث يبلغ المرء مرحلة يعتقد فيها بأنه قوي بمقدار ما يُكدّس من أوراق نقدية، وهنا يتحوّل إلى كائن همجي، لا يكتفي بالابتعاد عن الثقافة لنفسه فحسب، بل يُبعدها عن أبنائه، ويُعادي كل شكل من أشكال الاستنارة، وإن كان (مسؤولاً)، يُمارس هذا الزيغ من خلال سلطته.
وحقيقة الأمر، فإن المال هو عدو الثقافة، كما أن الثقافة هي عدوة المال، ولا يمكن لهما بأي حال أن يلتقيا. وفي هذا تقول الحكمة: "إذا أراد الله بعبد خيراً، ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة، وفقهه في الدين، وعضده باليقين، فاكتفى بالكفاف، واكتسى بالعفاف. وإذا أراد به شراً، حبّب إليه المال، وبسط منه الآمال، وشغله بدنياه، ووكله إلى هواه، فركب الفساد، وظلم العباد". 
بحكم عملي، فقد التقيت بكبار الأثرياء، وشخصيات مسؤولة رفيعة، في مناسبات شتّى، من مختلف الدول، وكنتُ دوماً أشفق بحال ثري، وأنا أرى بأن هذا المسكين قد أفنى عمره وهو يجمع المال، ثم بعد حين سيترك هذا المال لأشخاص، دون أن يتمكن من أخذ شيء معه، فينعم بهذا المال هؤلاء الأشخاص، وليس هو، بل سيتحوّل إلى إدانة له في الدنيا، حيث يُقال عن المصادر التي جمع من خلالها هذا المال، وتُثار الشكوك حول ثروته الطائلة. وليت الأمر توقف هنا فحسب، بل هو الآن في الآخرة يُسأل عن هذا المال، ولماذا اكتنزه، وكيف جلبه؟ فيكون المسكين قد أفنى عمره، وهو يُصارع الآخرين، ويصبح على عداوات مع أناس، ويظلم أناساً، ويتنازل عن القيم الإنسانية، في سبيل نتيجة تحوّلت إلى وبال عليه في الدنيا والآخرة، ثم أن هذه النتيجة بات ينعم بها غيره، فهذا هو المفلس الحقيقي. 
ولعلي هنا أذكر أنني وسط أثرياء، يتبارزون: أيهم لديه أموال أكثر من الآخر، فيقول أحدهم بأنه يمتلك مائة (دفتر)،{والبعض يطلق على كل عشرة آلاف دولار (دفتراً)}، ثم يقول الآخر بأنه يمتلك مائة وخمسين (دفتراً)، فأقول: أحمد الله الذي جعل حصيلة عمري حتى الآن خمسة وعشرين (كتاباً)، ولم يجعلها خمسة وعشرين (دفتراً)!            
 لقد تربّع زعماء وأثرياء على عروش، وجيوش، فلم تستطع الثروة حمايتهم في الشدائد، ولعل هذا ما نبّه إليه الرسول (صلى الله عليه وسلم)، إذ كان على الأغلب يدور على بيوت بناته وأصحابه من شدة الجوع، بسبب عدم وجود طعام في بيته، وهو الذي كان يُعطي الجميع، ثم تعلّم منه (عمر بن الخطاب) هذا الدرس، فكان يجوع ولا يجد شيئاً في بيته وهو أمير المؤمنين، ثم تعلّم منه الخليفة (عمر بن عبد العزيز)، الذي يقول عياله بأنهم ضجروا تناول العدس والبصل.

 وربما لذلك كان موقفي حاسماً في هذا الأمر، منذ البداية، وهو أن أتخلص أولاً بأول من مال يمكن له أن يتراكم لدي، وذلك عندما تصلني مكافآت مؤلفاتي، أو جوائز التكريم، فإنني أشعر بأن ناراً دخلت بيتي، ولا أهدأ قبل أن أخمد هذه النار بالإنفاق، أو بتقديمه كمساعدة، لأن بقاءه سُيشغلني عن عملي، وقد تتسرب إلي فكرة أن أتحوّل من أصحاب (الكتب) إلى أصحاب (الدفاتر). ولعل من نعم الله عليّ، أنه رزقني بزوجة توافقني على مذهبـي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق