الأحد، 4 يناير، 2015

الأنساق المهيمنة في كتاب "الارتقاء في تلقي معاني القرآن"

أثير محسن الهاشمي
يكرّس الكاتب (عبد الباقي يوسف) في كتابه (الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن) المفاهيم الجمالية للخطاب القرآني، ويتطرق إلى محاور وأنساق مهيمنة، للارتقاء في درجات التلقي لمعاني القرآن الكريم، ومنها: (وعي القارئ – جماليات الخطاب القرآني – العقل/ اللسان)... إلخ من الأنساق المهيمنة، التي تحتاج إلى وقت أكبر، ومساحة أوسع، لعرضها وتفصيلها. لا يسعنا إلا أن نحيي الكاتب الأستاذ (عبد الباقي يوسف)، وهو يفصّل لنا مواضع الجمال في معاني القرآن الكريم، ودرجات تلقيه، على وفق منهجية جليّة وغير معقدة، بالإضافة إلى شرحه وتفصيله وأدلته الشاملة لما اختاره من أمثلة قرآنية، ودعمه لها من
خلال الأحاديث النبوية الشريفة.

وعي القارئ (المتلقي)
 يطرح الكاتب فكرة (وعي القارئ) المتجدد في ثقافته، والواعي لقراءته. فالقراءة الحق تحتاج إلى إدراك ووعي لما يُقرأ؛ لذلك نحن إزاء كتاب يهتم بتشكيلات القراءة، ووعيها، تنطلق من منظور ثقافي يُحدد فكرة القراءة وتنوعها وتجددها في الآن ذاته، كما يبيّن ذلك الكاتب: "إن كل قراءة للقرآن الكريم تقدم للقارئ ما لم تقدّمه قراءة سابقة، وتبثّ إليه أنواراً لم تبثها قراءة سابقة"(1).
إن منظومة القراءة تحتاج دراية تامة بالكلمات، ومعانيها، وأنساق الخطاب القرآني، وجماليته. خاصة تلك القراءة المتعلقة بالقرآن الكريم، وآياته المباركات، وعلى هذا الأساس نجد أن القارئ المتدبر -كما يسميه الكاتب- هو من يكشف (بعض) جماليات القرآن وأنساقه الفكرية، لا (جميعها)، لأننا إزاء إعجاز قرآني متكامل (البلاغة، النظم، الصوت...إلخ). وعلى وفق ذلك، فإن القرآن الكريم بكليته يكون كتاباً جامعاً، ومُعجزاً، فهو يحتاج إلى دراية ووعي تام، بالإضافة إلى أن جزئياته القرآن الكريم من صوت معجز وبلاغة أعجز ونُظم تُبهر العقول.
كل ذلك، وغيره، يدخل ضمن جمالية اللغة، بكلّ تجلياتها. وكيف لا، وهو الخطاب الإلهي المُنزّل من السماء: "كل تأمل، كل نظرة، كل قراءة، تحقق حلاوة: بسم الله الرحمن الرحيم .."(2)
إن الارتقاء في درجات تلقي القرآن الكريم - كما ينصّ عليه الكاتب - تكمن في ماهية الكلمة ككلمة، والجملة كجملة: "انظر إلى كلّ حرف من حروف البسملة التسعة عشر، التي ميّزها الله بمرتبة أن تكون فاتحة كتابه الحكيم، تأمّل لفظ الجلالة، انظر جمالية تنسيق الكلمات الأربع"(3).
ويعبّر (عبد القاهر الجرجاني) عن بلاغة ونظم القرآن الكريم قائلاً: "وما من حرفٍ أو حركة ٍ في الآية، إلا وأنت مصيب من كل ذلك عجباً في موقعه، والقصد به، حتى ما تشك أن الجهة واحدة في نظم الجملة والكلمة والحرف والحركة، إنما تلك طريقة في النظم قد انفرد بها القرآن، وليس من بليغ يعرف هذا الباب، إلا وهو يتحاشى أن يلم به من تلك الجهة، أو يجعل طريقه عليها، فإن اتفق له شيء منه كان إلهاماً"(4).
يقرن الكاتب في درجات وعي القارئ ما بين جمالية الخطاب القرآني من جهة، والمضمون الديني من جهة أخرى. كما يتطرق الكاتب إلى الجانب الأخلاقي، المُتشكل على وفق منظومة القرآن الكريم، والمُتعلق بوعي القارئ ودرجات تلقيه، فالقارئ الجيّد غير القارئ المتوسط، وغير القارئ العادي. فلكل قارئ وعيه وفكره ومميزاته في القراءة والتلقي، لذلك يحتاج تلقي القرآن الكريم إلى درجات وعي أكبر، وإدراك أكثر، تمتاز فيها القراءة التدبرية، لتكون ذا رؤية صحيحة، كما يشير الكاتب إلى ذلك(5).
وكل جانب من القرآن الكريم بحاجة إلى ثقافة خاصة، فالجانب الصوتي –مثلاً- يحتاج إلى دراية تامة في المنهج الصوتي وسماته الخاصة، وكذا الحال مع الجانب النفسي، وهكذا.
ويعد الأسلوب التصويري للقرآن الكريم "أداة فعّالة ومؤثرة في جماهير المتلقين للعمل الفني، كما يُنشئ علاقة إيجابية بين محور العمل وعناصره وأحداثه، وبين السامع أو القارئ... والتصوير الجمالي الحي يشيع جوّاً من الحياة في ثنايا القصة، بحيث تنطلق الأخيلة، وتتابع الصور على الأذهان"(6)
إن القراءة جانب مهم في إنتاج المعنى الصحيح، المتوافق شكلاً ومعنى مع النص، فالقراءة "المتأنية لمعاني ودلالات قراءة البسملة جعلتك تقبل على حمد الله ورب العالمين، ومعنى لفظ الجلالة: يعني المألوه المعبود حباً وتعظيماً"(7)


جمالية لغة الخطاب القرآني
يذكر الكاتب أن جمالية الخطاب القرآني تكمن في رقي الكلمة، ودلالاتها اللغوية والمعنوية، إذ إن ما يؤديه الخطاب القرآني من جمالية، سواء على مستوى الجزء أو الكل، يندرج ضمن مفهوم الخطاب الصادر من الأعلى للأدنى، كما في الآية القرآنية: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ، الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ، الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، نُورٌ عَلَى نُورٍ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(8).
يبيّن الكاتب أن ذلك التشبيه في الآية الكريمة يرتقي في بديع المعنى القرآني بقراءتك – الاستنارية – لتعرفك على مثل نور ربك، في علاقة بالغة العذوبة بينك وبين جمالية الخطاب القرآني، وأنت في ذروة محراب عبادة قراءة القرآن الكريم(9)
إن المعرفة الذاتية لتشبيهات القرآن الكريم للنور الإلهي يفرض علينا عملية التأمل والتدبر في تلك الصور، وذلك المعنى، فيكون لزاماً علينا أن نتعلم ماهية القراءة الصحيحة والواعية على أساس التأمل والإدراك.
إن الدلالات والصور التي يستشهد بها الكاتب غنية للمتلقي، وهي تعكس فكرة الإعجاز القرآني وخطابيته الجمالية أو جماليته الخطابية، فـــ (النور، الماء، الأرض، السماء)، جميعها تشكل منبراً للجمال ومعناه، والحياة وأسرارها:
{وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى كُلوا من طيبات ما رزقناكم}(10)
يتجه الخطاب الجمالي للقرآن الكريم باتجاهين:
الأول: الألفاظ وأشكالها وبلاغتها.
الثاني: المعاني ودلالاتها.
ومن ثم يوضح الكاتب أن قارئ القرآن يرى "أن الله يضرب الأمثال، كي يبيّن له بعض الحقائق، ومن ذلك ما قيل عن النبـي (عيسى) عليه السلام، حيث شبه الله خلقه بخلق (آدم) عليه السلام، وأخبر الله عباده بخصوصية خلق (عيسى)، وضرب به مثلاً (آدم) عليه السلام"(11): {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}(12).


العقل/ اللسان:
إن علاقة الإنسان بالقرآن الكريم علاقة روحية وعقلية: فالقراءة، والوعي الفكري، والثقافة الدينية، متعلقة بعقلية الإنسان وإدراكه، إذ إن خصائص العلاقة -كما يعددها الكاتب- مرتبطة ما بين الإرسال الإلهي والتلقي البشري: "بين الله كمرسل، وبين الرسول كمبلّغ، وبين الناس كمتلقين بمزايا الخطاب اللغوي، الذي هو تكريم للإنسان، الذي أكرمه الله تعالى بقسمة العقل، ثم وجه خطاباً إلى عقله، هذا العقل الذي تكلل بنعمة اللسان الذي ينطق عنه، وهو يخاطب عقلاً آخر، فيكون حديث الناس، حديث العقول للعقول"(13).
يعكس اللسان ماهية العقل وفحواه، سواء في الوعي أو اللاوعي، وبالتالي يكون اللسان أداة للعقل، يبوح ما يبوح به العقل، ويستر ما يشعر فيه. وقد استشهد الكاتب بحديث للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له: اقبل ْ فأقبل. ثم قال له أدبرْ فأدبر َ، فقال عز من قائل: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز عليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أحاسب، وبك أعاقب"(14).
إن ماهية العقل مرتبطة باعتبارات شتى، أهمها: التفكير والتدبر. والحلم -كما يصف الكاتب- هو دليل رجاحة العقل، بدليل قوله تعالى: {أتأمُرون الناسَ بالبرّ وتنسون أنفُسكُم وأنتم تتلون الكتاب َأفلا تعقلون}(15).
إن فقه التلاوة ومعناه يختصر الطريق أمام العقل، فالتلاوة عند القراء: قراءة القرآن الكريم متتابعاً، كالأوراد والأسباع. ويراد بترتيل القرآن: تلاوته تلاوة تبين حروفها، ويتأنى في أدائها، ليكون أدنى إلى فهم المعاني(16).
فالإنسان -كما يعبّر عنه الكاتب- يرتقي "في درجات تلقي معاني القرآن الكريم، على قدر ما يتمكن من توظيف طاقاته العقلية بشكل إيجابي، فيمسي القرآن بالنسبة اليه كتاب التحولات الكبرى في محطات حياته، وعندئذ ٍيقال عنه بأنه إنسان عاقل"(17).
إن سلّم الصعود، أو الارتقاء، إلى المستوى الذي يصل به الفرد إلى مرتبة العقل، ليست بالصعبة، كما أنها ليست سهلة، في الوقت ذاته. فما هو معروف أن الناس مراتب، كلّ ومرتبته العقلية والفكرية، فصاحب العلم غير الجاهل، كما في قوله تعالى: {قُلْ هل يَسْتوِي الذين يعلمون والذين لا يعلمُون، إنّما يتذكر أولُوا الألبَاب}(18).
العقل يورث العلم، فيكون غنياً تابعاً له، والعكس صحيح. وفي ذلك يقول الإمام (علي) في وصية لابنه (الحسن) -عليهما السلام-: (يَا بُنَيَّ، احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَأَرْبَعاً، لاَ يَضُرَّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنّ: إِنَّ أَغْنَى الْغِنَىُ الْعَقْلُ، وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ، وَأَوحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ)(19) .
كما أن "الذوق أداة العقل والوجدان، لا يصقل إلا بالعلم، ولا يكمل إلا به، ولا يوفق إلا بكثرة مران الحسّ والعقل على رؤية الجميل تلو الجميل"(20).
وعلى هذا الأساس نقول إن ما يميز الإنسان هو العقل لا غير، فالغني غنيٌّ بعقلهِ وإدراكه ووعيه، ويكون على "قدر ما يتمتع به العقل، ويتميز أكثر على قدر ما يوظف هذا العقل في سائر وقائع حياته اليومية. فالعقل نعمة، وكذلك يمكن أن يودي بصاحبه إلى المهالك"(21).
وهكذا يأخذنا الكتاب إلى أنساق مهمة في الخطاب القرآني المُعجز. إنه كتاب يحتاج إلى أكثر من قراءة وقراءة، لما يغتني به من معلومات قيّمة، ودراسة وافية لجماليات اللغة القرآنية.



*عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
له :
- صورة المرأة بين السياب وأدونيس/ دار الكتب الحديثة/ عمان، 2011.
- المفارقة في الأدب المسرحي العراقي المعاصر/ دار نيبور/ 2014.

--------

الهوامش:
1- الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن، عبد الباقي يوسف، مطبوعات مجلة الحوار، ط1، أربيل، 2014م: 18.
2- المصدر نفسه: 19.
3- المصدر نفسه: 19.
4- دلائل الإعجاز، عبدالقاهر بن عبدالرحمن بن محمد الجرجاني، مطبعة المدني، ط3، القاهرة، 1992م: 474.
5- ينظر: الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن، 22.
6- القصة في القرآن "مقاصد الدين وقيم الفن"، محمد قطب عبد العال، دار قباء، القاهرة، ط1، 2002م: 33.
7- الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن، 26.
8- سورة النور: 35.
9- ينظر: الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن، 84.
10- سورة البقرة: 57.
11- الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن، 89.
12- آل عمران: 59.
13- الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن، 47.
14- المصدر نفسه: 47.
15- سورة البقرة: 44.
16- فتح الباري، الإمام الحافظ ابن حجر، طبعة الريان: (8/707).
17- الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن، 47.
18- سورة الزمر: 9.
19- نهج البلاغة، مجموعة خطب الإمام علي عليه السلام، جمعها الشريف الرضي، تحقيق محمد عبد: 875.
20- البناءات الجمالية في النص القرآني، رائد مصباح الداية، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية (غزة)، 2011م: 12.

21- الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن، 49.

هناك تعليق واحد:

  1. أثير الهاشمي11 يناير، 2015 8:04 م

    شكرا لنشر مقالتي عن الكتاب القيّم " الأرتقاء في درجات تلقي معاني القرآن " للمؤلف عبد الباقي يوسف
    نتشرف بالتواصل معكم
    تحياتي
    أثير محسن الهاشمي
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100001460337776

    ردحذف