الأحد، 4 يناير، 2015

التلفظية ومستويات التلقي في فصل (التلقي القرآني وترويض النفس)

محمد المشهوري- أكاديمي سعودي
حاول (عبدالباقي يوسف) في كتابه (الارتقاء في تلقي معاني القرآن)، من خلال فصله السادس (التلقي القرآني وترويض النفس)، أن يلامس أثر القول الإلهي في النفس. والباحث في جنبات هذا التلقي يصل إلى مسلمة ظاهرة، هي وجود الأثر في المتلقي، فهو خطاب الله الذي خلق الإنسان وعلم خصائصه.  
تأتي درجات التلقي بحسب اختلاف مدى قابلية المستقبل لهذه الرسالة، وكيف أنه ربما تؤثر فيه فتحقق الهدف، أو أن متلقيها يعرض عنها، ويترك الأخذ بها. هذا القول لا يتنافى مع قولي بمناسبة
دراية هذا الخطاب الإلهي لنفوس البشرية–حاشا لله-، على العكس تماما فهو يتكامل معه. يأتي التكامل من حيث تنوع النفوس ذاتها، فكل نفس لها ميولها وأهواؤها وما تسعى إليه، وهنا تظهر معجزات القرآن الكريم في خطابه، إذ يناسب النفوس كلّها على تعدد طباعها، وأخلاق حامليها، فتنوع الخطاب منشأه تعدد النفوس والطبائع.
يتحدث (عبدالباقي يوسف) عن فكرة الإنسان، وعلاقته بالنفس، هذه الفكرة تستمر بعدد من الملامح، فيبدأ بأيهما يسيطر على الآخر: الإنسان أم النفس؟ ويشرح طريقة إمساك أحدهما بالآخر، من أجل الانقياد لآيات القرآن الكريم. حدوث هذا الصراع لم تكن الآيات خلوا منه، فاستشهد المؤلف بقوله تعالى: [أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى](1). 
مناقشتي تنصب من خلال الوقوف على (تلفظية)(2) السياق القرآني في إرساليته، وهنا أعني(3) القصد وبغية إحداث الأثر، كما يقول (جين آدم)(4). فالفعل الإنجازي يهدف إلى إحداث الأثر المنوط به، من خلال مرسلته الكلامية التي يريدها المرسل من  المرسل إليه. ويمكنني توسيع الدائرة أكبر، ببحث قضية التلفظ المشتملة أيضا على ما عناه (أوستين) من أنه عالم من التفاعلات في محيطه.
يأتي سؤال مهم نناقش فيه (عبد الباقي يوسف)، هو: كيف طرح هذا التفاعل، من خلال أثر بنية السياق القرآني في المتلقي؟ هل هذا التفاعل كان في ذهنية المؤلف عندما جعل عنوان فصله (التلقي القرآني وترويض النفس)؟ يمكنني القول: إن هذا التمثل بدا واضحا، من خلال آية استشهد بها على هذه الفاعلية القرآنية، في بنية سياقها، على النفس البشرية، فذكر قوله تعالى: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...](5) هذا الاستشهاد كان موفقا، فالنفس لا تميل في حياتها إلى أشد من المال والنساء والبنين.
إن موقف الناس ببشريتهم، وقت تلقيهم لهذه الآية، تجعل الواحد منهم يقف مع نفسه قليلا، ويتساءل: إنني فعلا كذلك، وهي فطرة الله في خلقه، إذن هي نعيم، فلمَ أُلام عليه؟! لكن هذا التساؤل ما يكاد ينتهي حتى تُـختم الآية بما يعيد التفكير وفعل الصواب، ليرجّح العقل كفة الحكمة، وجعل الإنسان المؤمن ينسى شهوات نفسه، فتكون [...وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ](6) هنا يحدث التحول في التلقي: من مجاراة النفس، إلى لجمها عن الانسياق المفرط في ملذاتها، بجعلها زائلة، وعند مقارنة الزائل بالخالد، فلا عقل راجح سيختار النعيم المؤقت.
 مناقشة هذا الاستشهاد برؤية تداولية، نجد أن المؤلف حاول إشراك القارئ لسطوره، عموم المخاطبين في الآية السابقة ضمنا، فجاءت الحوارية المضمنة حاكمة للدلالة "العميقة للتلفظ: ما دامت الآلية الإحالية، والمضمون القضوي، والقوة الإنجازية للجملة في وضعية تخاطبية"(7). الوضعية التخاطبية المشتركة بين القارئ وذكر عموم الناس في الآية، جاءت من طريقين: الأول: حتمية أن القارئ للآية هو من عموم الناس. الثاني: أن المؤلف وجَّه كتابه للناس، وهنا يأتي منطق إشراك القارئ بمضمون الآية. إذن الآية فيها مركزية خطاب أعلى، وهي من الله سبحانه وتعالى، ثم جاءت تقنيات المؤلف للإفادة من هذا الخطاب الرباني في توجيه مبحثه، المتعلق بأثر القرآن النفسي على متلقيه.
لا يقف (عبد الباقي يوسف) عند مستوى إشراك القارئ مع متلقي القرآن، فهو يحاول التصريح والانفضاض من شرنقة جمع خطاب طرفين في موضع واحد، بطرح وجه مسالم لتلك النفس، التي ليس شرطا أن تدخل في صراع مع الإنسان، إنما هي المسيطَر عليها من خلال الإرشاد القرآني، الذي كشف بعض أسرارها، فما عادت عصية تواقة إلى التمرد والخروج عن الحد. يشرح هذا المستوى من التلقي، المؤلفُ نفسه بقوله: "عندما نقرأ القرآن، نصبح أكثر معرفة بأنفسنا، حيث يقدم لنا القرآن الكريم مكوّنات النفس، يقدم مزاياها، تركيبتها، ميولاتها. كما يرشد القرآن قارئه الماهر كيفية قيادة النفس"(8).
لا أستطيع تجاوز هذا الموضع دون أن أثير نقطة للنقاش. كيف للإنسان أن يصل هذا المستوى من التلقي، قبل أن يتجاوز المستوى الأول، المعني بصراع النفس، ومحاولة ردعها، لا سيما خلو الكتاب في مقدمته من العقد(9) مع القارئ؟ العقد الذي يشير إلى ماهية عقيدة المتلقي، أمؤمن هو بالقرآن أم لا؟ ليس شرطا أن يصرح المؤلف بعقده، كأن يقول مثلا في عنوان الفصل: (أثر تلقي القرآن في ترويض النفس المؤمنة)، ليكون منطلق المؤلف واضحا في نوعية المتلقي ودرجة تلقيه، فالكاتب قد افترض مسبقا أن كل متلقٍ سيسلم له، بينما هذا ليس صحيحا.
صحيح أن القرآن نزل مخاطبا لكل العقول والنفوس، ومن يقترب منه بصدق إقبال، سيجد ما يطمئنه، لكن هذا لا ينسحب على ما كتبه المؤلف، فالله عليم بنفوس كل خلقه، وهذا لا يتحقق في خطاب الإنسان إلى الإنسان. لتقريب هذه الصورة أضرب مثالا: كأن يأتي أحدهم، ويحاول أن يقنع آخر بالإسلام، ومهما أقنع وملك حسن البيان، فقطعا لن يفوق بيانه بيان القرآن الكريم بقصد التأثير، لعجز الإنسان عن إلمامه بكل طبائع النفوس، ليخاطبه من خلال كتاب واحد. ومن يقول إن (عبدالباقي يوسف) تحدث عن أثر القرآن الكريم، ولم يأت بشيء يجاوزه أو يخالفه؟ فأجيب: نعم، لكن المتلقي يفرّق بين القرآن الكريم بوصفه كتابا، وبين كتاب تحدث عن القرآن الكريم، وهنا الاختلاف الذي سأنطلق منه.
أستحضر في هذا السياق قصة (الوليد بن المغيرة)، عندما سمع القرآن الكريم، متلفَّظا به من النبـي )صلى الله عليه وسلم). هذا التلفظ بالقرآن الكريم يحمل دلالات خطابية، لها أثرها في النفس الإنسانية المتمردة، فجاء الخطاب الإلهي في هذا الموقف أبلغ من أي قول، إلى حد التأثير، وخوف قريش من أن يؤمن. موضع جيد هذه القصة للموازنة بين الخطاب الإلهي -وأثره الفاعل الجامح- والخطاب البشري، الذي ما كان في وسع محمد (صلى الله عليه وسلم)  إلا استخدامه، وهو أفصح العرب، وصاحب بيانها، مما يدلل على استشعار رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) لأثر القرآن في النفوس وترويضه لها. 
أعود فأقول، وحديثي عن توظيف الكاتب للقرآن، لا عن أثر القرآن نفسه: إن ما حاوله (عبدالباقي) في كتابه لشرح أثر القرآن في ترويض النفس، رائع جدا للمسلِّمين بأثره، لكنني لم أجد أدنى محاولة لجعل المتشكك في القرآن يقتنع بالأثر والتأثير. فلنعد إلى المقدمة، ونرى ما يقول الكاتب: "القرآن الكريم هو دعوة للإنسان، كي تستيقظ حواسه على مدركات الحياة، فيشعر بجدية وحميمية ومسؤولية العلاقة بينه وبين مقومات حياته، وبذات الوقت يحافظ على حياة الآخرين...".
لا أجد ذكرا لعقيدة هذا الإنسان: أمؤمن هو أم لا؟ ومن يقول أنه موجه أصلا للمسلمين، فأقول: صحيح. لكن هناك من لا يؤمن بالقرآن، حينها لا يؤثر فيه خطاب الكاتب، لشديد تملك غواية النفس، مما يخرجه من مستويات التلقي بالكلية، ولم يعد خاضعا بعدها لسلطة خطاب المؤلف، الوارد في المقدمة؛ فالإعراض موجود حاصل. تلمَّس المؤلف شيئا من هذا بداية الفصل(10)، ربما دون أن يستحضر هذا، عندما قال: "النفس تتبع توجهات صاحبها، لا توجد نفس لا ترضخ لأمر حاملها".
وأعتذر للمؤلف أنه لم يرد من كتابه، في المقام الأول، أن يكون أداة حجاجية لتقديم الرؤية القرآنية، التي لا تقبل النقاش عند المسلمين، "حيث إن قدرتنا وكفاءتنا في التكلم، إنما هي موضوع جوهري لفلسفة العقل"(11)، إنما جعل خطابه في الكتاب عاما لكل متلقٍ، ممن هو خاضع لنفسه المتمردة، أو مسيطر عليها، تاركا مدى الاقتناع من عدمه للقارئ. وفي ظني أن استدعاء شريحة أوسع، وقت التأليف، من خلال مواقفهم المتباينة، سيجعل الكاتب يعيد النظر فيما كتبه، ويدلف إلى تقويته، بجعله يخاطب المعرِض والمسلِّم. 
لا تبقى التلفظية خارج بنية السياق، فلا تستطيع اللفظة أن تؤدي دورها المنوط بها من خلال أفعال الكلام، إلا بوجودها داخل بنية سياقية تحتويها، فعلى" الأقل في كل موقف تواصلي شخصان: أحدهما فاعل حقيقي، والآخر فاعل جهة الإمكان"(12). هنا أستدعي حالة كامل صفحات الكتاب الذي كتبه (عبدالباقي يوسف)، وما حواه من ألفاظ قصد بها القارئ، ففي تأملٍ نمطي مسلَّم به، أنه وقت تأليفه استحضر أن يكون هناك قارئ لهذا الجهد. هذا الاستحضار هو ما يسمى بالافتراضات المسبقة(13) عند المؤلف عن متلقيه لخطابه/كتابه، ولا أستطيع قياس الافتراضات المسبقة، إلا بعد محاولة تقصي ردات فعل الكتابة على طول صفحات الكتاب، وهو متعذر الآن.
إن القارئ المتلقي ضمن أفق الرصيد الديني، المتشارِك مع المؤلف في مرجعياته الثقافية والدينية(14)، وقت إمساكه بهذا الكتاب(15)، ما يكاد ينفك عن نورانية حرفه، وروح أمله، وجمال روحه؛ فهو ينطلق من موِّلدٍ قوي، انطلق منه المرسِل/الكاتب إلى رحاب المرسَل إليه/المتلقي، هو القرآن الكريم، حيث يشتركان في التصديق به، والإيمان بنفعية ما جاء لأجله.
من خلال فكرة (ياوس)، في حديثه عن التلقي وإعادة بناء الأفق(16)، نجد المؤلف يوجّه رسالته مباشرة للمتلقي في نهاية الفصل، ولم يعد يجنح إلى التضمين أو التلميح، فيصرح بدرجة أعلى باستخدامه القيمة التأشيرية(17) بما يريده، فيقول: " أنت الآن تجلس إلى مائدة عليها ألوان متعددة من طعام شهي وشراب لذيذ، لقد منحك الله هذا الطعام، ومنحك شهية وقابلية لتناول هذا الطعام، بيد أنك - ومن تلقاء نفسك - تترك شيئا على هذه المائدة، قبل أن تضجره، بل تنهض وفي نفسك رغبة للبقاء مزيدا مع مسامريك. هنا تشعر بقوتك على نفسك، وبسيطرتك على زمامك، وأنك لا تنقاد، بل تقود، لا تَرضخ، بل تـُرضخ. ثم ترى هذا بشكل تلقائي يجري على سائر ممارساتك وسلوكياتك في الحياة، وفي الناس، وفي نفسك".
في الختام نخلص إلى أن (عبدالباقي يوسف)، في هذا الفصل، انطلق من قاعدة ودائرتين: فالقاعدة، استخدام التلفظية الجانحة نحو القصدية، وإحداث الأثر بواسطة فعل الإنجاز الكلامي(18). وأما الدائرتان: فداخلية وخارجية، الداخلية اعتمدت على النص القرآني، والحديث عنه وقت الإشارة إلى النفس وتلقيها للقرآن، ومنها اتجه إلى الدائرة الخارجية، التي طوعها لضم القارئ - المتشارك معه في مرجعياته الثقافية - لخطاب القرآن الكريم. فهي علاقة تكامل مرحلية، لا تنفك إحداهما عن الأخرى.
 -----------------
السيرة الذاتية:
محمد بن عبدالله المشهوري، ماجستير في الأدب والنقد. معيد في كلية اللغة العربية/ قسم الأدب بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وطالب دكتوراه في قسم الأدب والنقد بالجامعة ذاتها. له عدد من الكتابات في الصحف والمجلات محليا وخارجيا. صدر له: (الحوار في شعر محمد حسن فقي: دراسة تداولية)، عام 1434هـ/2013م.
 -----------------
الهوامش:
1) سورة النازعات: آية (40-41).
2) التلفظ مصطلح يشوبه الكثير من التداخلات واختلاف الرؤى، فكل منهج نقدي يرى التلفظ من نافذته الخاصة به، وهذا لا يقلق بل يدل على الشمولية وعمق المصطلح، بحيث تعطي كل باحث ما يريده من أدوات، بحسب المنهج الذي يكتب تحت مظلته.
3) وذلك خروجا عن بعض ما يحيل إليه المصطلح من خلفيات بحثية غير مقصودة، وتركيز نظر القارئ على مقصود الباحث.
4) انظر:  د.عبد الواسع الحميري ، ما الخطاب ؟ وكيف نحلله ؟ ، المؤسسة الجامعية للدراسة والنشر (مجد)، بيروت/لبنان، ط1، 2009 م.
5) سورة آل عمران: آية 14.
6) المصدر السابق.
7) فرانسواز أرمينكو، المقاربة التداولية، ترجمة: سعيد علوش، مركز الإنماء القومي، (د.ت)، ص:4.
8) اعتمدتُ على نسخة إلكترونية في البحث والنقل.
9) العقد: هو محاولة اتفاق يبرمه الكاتب مع المتلقي، لتوجيه فكره ورؤيته تجاه الهدف من الكتاب. وقد يكون من خلال المقدمة، أو الإهداء، أو التمهيد، أو حتى بطرح بسؤال يستفز به قارئه. طرحت هذه الفكرة كون الكتاب كُتب بلغة أدبية، فيه توظيف لكثير من التقنيات الكتابية، مما يبعده عن المسحة الدينية المكثفة، التي هي بالضرورة عقد واضح المعالم. 
10) أي: الفصل السادس، وهو ما تناولته بالبحث.
11) فان دايك، النص والسياق: استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، ترجمة: عبدالقادر قنيني، أفريقيا الشرق، المغرب، ط1، 2000، ص: 227.
12) المرجع السابق، ص: 258. 
13) انظر:  جورج يول، التداولية، ترجمة: قصي العتابي، دار الأمان، الرباط، ط1، 2010م، ص:51.
14) انظر: كريمة بنت دغيمان العنزي، تلقي النقد السعودي قصيدة النثر، مطابع جامعة الملك سعود/كرسي الأدب السعودي، ط1، 1345هـ/2014م. 
15) عنيت: كتاب (الارتقاء في تلقي معاني القرآن).
16) انظر: روبرت هولب، نظرية التلقي، ترجمة عزالدين إسماعيل، نادي جدة الأدبي، ط1، 1415هـ/1994م. ملحوظة: أحالني إلى هذا المرجع كتاب: كريمة بنت دغيمان العنزي، مرجع سابق، عندما عرضت للحديث عن التلقي والأفق.
17) القيمة التأشيرية تحديد المعنى بالقول عموما. انظر: جورج يول، مرجع سابق، ص: (27)وما بعدها، (39) وما بعدها.  

18) انظر: جون لانكشو أوستين، نظرية أفعال الكلام العامة، ترجمة: عبدالقادر القنيني، أفريقيا الشرق، المغرب، ط2، 2008م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق