الأحد، 4 يناير، 2015

ميكيافيللي.. نحو قراءة جديدة

نيكولو ميكيافيلي
ريناس بنافي
إن أطروحة (استبداد) الأمير، التي تؤسس للصورة التي اشتهر بها (ميكيافيلي)، أي صورة المفكر المشدود إلى دولة الأمير، والمنادي بتقوية نفوذه السياسي، بكل الوسائل، دون اعتبار لحرية الشعب، هي مغايرة لصورة أخرى نجدها في متنه الآخر: (أحاديث على المقالات العشر الأولى في تاريخ تيتوليفي)، والذي إن كان أقل شهرة من متن (الأمير)، فهو لا يقل عنه أهمية من الناحية المعرفية، ولا هو أقل تعبيرا عن خصوصية التفكير الميكيافيللي. وفي متن (أحاديث) لا نلقى ذلك التنظير لاستبداد الأمير، بل ثمة نزوع تحرري، وتوكيد على الحقوق السياسية للشعب، على نحو مخالف للروح الاستبدادية في كتاب (الأمير).
فكيف نفسر هذا التضاد بين النظرية السياسية الميكيافيلية البادية في متن (الأمير)، ونظريته التي بسطها في متن الـ (أحاديث على المقالات العشر)؟
إن (ميكيافيللي) لم يكن يبحث عن ديكتاتور، إنما كان يبحث عن الوحدة: هذه الوحدة التي تجمع الأقطاب الأربعة المتناحرة (روما - البندقية - ميلانو - فلورانسا).
ولهذا فالمطلب الأهم لـ(ميكيافيلي) هو أن تحمل الدولة عنصر تقدمها في ثنايا استقرارها، وأن تتجدد باستمرار، من خلال آليات داخلية، وإلا فإن الدولة ستنهار. بمعنى أنه إذا كان السلوك الميكيافيللي، في علاقة الحاكم بالمحكوم، مشروعاً لبناء الدولة، فإنه لن يكون مشروعاً، إذا كان قد آل إلى مرحلة متقدمة من بناء الدولة، أو كان هدفه تأبيد المظاهر الأولى لهذه الدولة. أي أن الانبعاث أو الخلق الأولي للدولة لا يجب أن يكون هو الغاية، إذ إن ثالوث الدولة المعاصرة هو: (1)
1- الدولة -الإكراه.
2- الدولة - القانون.
 3- الدولة - المؤسسات.
وعليه فإذا كانت لعبة السياسة تقتضي لبناء الدولة، في شكلها الأولي، إقامة دولة الإكراه، ومن أجل هذه الدولة برر (ميكيافيللي) رعوية علاقة الحاكم بالمحكوم، فإن دولة الإكراه ليست إلا عتبة على السلم، ومع التطور منها إلى دولة القانون، فدولة المؤسسات.
نظر (ميكيافيلي) للطبيعة البشرية كما هي بالفعل، وكما تتجلى في التاريخ الفعلي للمجتمعات، وليس كما ينبغي أن تكون، كما فعل فلاسفة السياسة منذ (أرسطو).
فقام باتباع منهج جديد، مختلف عن مناهج من سبقوه، فعلى الرغم من دراسته للمنطق والفلسفة، إلا أنه أهمل مبادئها إهمالا تاماً، وركز على التاريخ. فقد كانت خلاصة فكرته الرئيسة: أن أفعال البشر تؤدي إلى نفس النتائج دوماً. فحاول الربط بين الأسباب، والنتائج، والدراسات التحليلية المستمدة من التاريخ. وعلى ذلك كان أسلوب (ميكافيلي) في البحث، هو:
1. الاستعانة بالتاريخ لاستقصاء الأحداث، ومعرفة نتائجها، وارتباطها، وإمكانية تكرارها، أي: محاولة التنبؤ بالمستقبل.
2. محاولة وضع تعميمات، في حالة تكرار الأحداث، للوصول إلى قواعد عامة، توضع أمام الحكام، لتسهيل مهمتهم، ومساعدتهم على تبني مواقفهم.
3. البحث عن إمكانية التدخل في الأحداث مسبقاً، بعد معرفة أسبابها، ومحاولة تحديد السلوك الواجب اتباعه لمواجهة الأحداث.
ومن هنا نرى بأن أسلوب (ميكيافلي) يبين مدى شغفه بالتاريخ، وكثرة استخدامه للأحداث التاريخية، للتدليل على صحة أفكاره –كما في كتاب (فن الحرب)، وغيره من الكتب – وبذلك يعتبر (ميكافيلي) أحد مؤسسي طريقة التحليل التاريخي الحديث.
هناك العديد من العوامل التي أثرت على فكر (ميكيافلي)، من أهمها:
1. ضعف حال الدولة آنذاك، وكثرة المشاكل السياسية في تلك الفترة. ولهذا كان يرى بأنه لا بد من نظام حكم قوي يحكم الدولة: إما نظام ملكي صارم، أو نظام جمهوري.. وكان مؤيدا بشكل كبير للنظام الجمهوري.
2. الخدع والمؤامرات التي واجهها (ميكيافلي) في أروقة ودهاليز السياسة، عندما كان ذا شأن في حكومة (فلورنسا).
3. تأثره الشديد وولعه بالتاريخ، واعتبار أن جميع الأحداث لا تخرج عن كونها دورة منطقية متكررة.
لقد ألف (ميكيافلي) – كما هو معلوم – مجموعة مؤلفات نذكر من بينها: (مطارحات تيتليف)، (فن الحرب)، (الأمير)، (تواريخ فلورنسا)، (جذور تفاح الجن)، إلى جانب العديد من القصائد، الرسائل، المسرحيات.
بيد أن الغريب في الأمر، هو أن مؤلفا واحدا هو الذي فاز بحصة الأسد، وهو كتاب (الأمير)، حتى بات أشهر مؤلف له، والذي عرف الانتشار قبل أن تظهر طبعته الأولى، بل أصبحت إذا ذكرت (ميكيافلي) ذكرت (الأمير) لدى العامة، والعكس صحيح، أي أن أغلب الذين يعرفون (نيكولا ميكيافلي) لا يعرفون عنه سوى (الأمير)، وكأنه وحده ما صدر له. وبالمقابل، يطرح مشكل بالغ الأهمية ها هنا، وهو هل يجوز لمن اطلع على كتاب (الأمير)، على الحصر أن يصنف (ميكيافلي)؟! أم أن تصنيف هذا الكاتب (الفيلسوف، السياسي، الأديب، المؤرخ، الشاعر، المسرحي)، يقتضي بالضرورة الاطلاع على مجموع متونه، أو على الأقل المؤلفات الرئيسية المحددة لتوجهه؟
وعليه، بقيت صورة (ميكيافلي) ترسم حسب مدى فهم المصنف لفكره، ورهانه، وبالتالي تنوعت الصورة التي رسمت لـ(ماكيافيلي).
ويجد الباحث في تاريخ الفكر السياسي إجمالا، وفي فكر (مكيافيللي)، على وجه الخصوص، نفسه، قبالة سيل من الدراسات والأبحاث، يبقى القاسم المشترك بين أغلبها  – خاصة في بدايات ظهورها- النظر إلى هذه الفكرة نظرة زراية واحتقار، يصحبهما كراهية واستصغار لشأن صاحبها، اللهم بعض الدراسات المعاصرة لـ(غرامشي) و(مونان).. وآخرها إصدار مجلة (Le NouvelObservateur) (العدد: 66) خاصا بـ: (مكيافيللي)  2007، وغيرها من الدراسات التي حاولت إنصاف الرجل، الذي لم يعمل في حقيقة الأمر سوى على تعرية الواقع السياسي، وكشف حقائقه. لكن هذه الحقائق كانت صادمة لمن اطلع عليها في بادئ الأمر، خاصة رجال الدين، الذين رأوا في آرائه هرطقة، وخروجا عن الصواب. لذلك لم يألوا جهدا في سبيل وأدها، والحد من انتشارها، بل وإصدار مرسوم بإحراق كتبه، مع التنكيل بصاحبها، ووسمه بأشنع وسم يكون(2). فهذا (موريس جولي) (1829-1878) -مثلا-، وهو رجل دين، كتب كتابا يصور فيه (مكيافيللي)، و(مونتسكيو)، في حوار بجهنم. 
لا إمكان لفهم النص المكيافيللي، إلا ضمن السياق التاريخي الذي ورد فيه، أي ربطه بما شهدته (إيطاليا) إبان تلك الفترة من ضعف وانحلال، جعلها محط أطماع غيرها من الدول. لكنها ظلت مع ذلك أقرب إلى ما روج لههؤلاء من أن (مكيافيللي)  عزل الأخلاق عن السياسة عزلا تاما.صحيح أن (مكيافيللي) صادم في كتاباته، وأن معظم أفكاره جاءت مخالفة للمتقدمين عليه، وهذا أمر جدير بالذكر، لكن القول بأنه أقام مسافة وبونا شاسعا بين السياسة والأخلاق، وأنه قطع كليا مع الأخلاق، قول فيه شيء من المبالغة والمجازفة، إن لم نقل إنه قول مغلوط. ما قام به (مكيافيللي) على وجه التحقيق، أنه أتى بتصور جديد عن إشكال العلاقة بين الأخلاق والسياسة.
لقد اختلفت التصورات حول قراءة (ميكيافلي)، لا سيما (الأمير)، فقد تنوعت الصورة التي رسمت لـ(ميكيافلي) حسب فهم كل قارئ له، عبرالتاريخ. وأمسى بذلك موضوع سجال كبير، تناوله مختلف المفكرين، السياسيين، الأدباء، الحكام، الفلاسفة، المسرحيين، القديسين، الساسة، بمختلف تمظهراتهم. وكل من هؤلاء يصنف (ميكيافلي) على شاكلته، أو لنقل حسب تأويله، وفهمه له، وهنا نتساءل عن سبب هذا التنوع في التصنيف، والتنوع في قراءة (ميكيافلي)، ما سبب ومرد ذلك؟ لماذا وصل هذا التصنيف إلى الاختلاف، بل التناقض الصارخ بين هذا وذاك؟ هل (ميكيافلي) هو المسؤول عن ذلك؟ أي هل هو الذي فعل شيئا، جعل بمقتضاه قراءه حائرين في تصنيفه بشكل جازم ونهائي؟ أم أن المشكل في القراء، وفي مدى فهمهم للرجل، ولسياقه، ورهانه؟
يقول (ميكيافيللي) في كتابه (الأمير): (هناك بعد شاسع بين ما يعيشه المرء، وما ينبغي أن يعيشه)(3). يمكن أن نستشف من هذا النص، وكذا من نصوص أخرى مشابهة، توكيدا على التباعد بين الواقع المعيش واليوتوبيا. لقد كان (ميكيافلي) على وعي بوجوب تغيير نمط قراءة الفعل السياسي، فبدل القراءة اليوتوبية التي تنظر إليه من منظور ما يجب أن يكون عليه، حاول فيلسوف (فلورنسا) التنظير لطريقة مغايرة، تقرأ الواقعة السياسية في مستواها الفعلي. وبهذا فصل بين الكائن، وما ينبغي أن يكون عليه، فبلور - حسب بعض القراءات الفلسفية- رؤية موضوعية لواقع الاجتماع السياسي، جعلته أول مؤسس لعلم السياسة الحديث.
 ولكن هناك مفارقات أخرى في فكر (ميكيافيللي)، وهي طرحه في استبداد الأمير، وتقوية نفوذه، بكل الوسائل، في مقابل صورة مغايرة نجدها في (أحاديث على المقالات العشر الأولى في تاريخ تيتوليفي)، لا ينظّر فيها لاستبداد الأمير، بل يدعو إلى حرية الشعب، ويؤكد على الحقوق السياسية للشعب، وهذا مخالف لما ذهب إليه في (الأمير).
ويعد المتن الميكيافيللي من أكثر النصوص السياسية إثارة للجدل، وأكثرها استحضارا كلما تم التفكير في الفعل السياسي، ولا يمكن قراءة السياسة الحداثية دون الرجوع إلى متن ميكيافيللي.
على الرغم من القراءة المتعددة لنصوص (ميكيافيللي)، لكننا لا نجد من يعطي تفسيرا مقنعا لهذه التناقضات. وأحد أسباب هذا الإشكال، هو عداء الكنيسة لأفكار (ميكيافيللي)، والتي أسست على رسم صورة نمطية عن أفكاره. والسبب الآخر، هو عدم قراءة نص (ميكيافيللي)، والرجوع إلى اللحظة الزمنية التي كتب فيها (ميكيافيللي) نصه، بالإضافة إلى كثرة التأويلات حول نص (ميكيافيللي).
ومن القراءات الطريفة، في محاولة تفسير هذه المفارقات، قراءة (ماريديتز)، حيث تقول في دراستها (فخاخ الأمير): إن (ميكيافيللي) أراد خداع الأمير المستبد، فأعطاه نصائح هي كفيلة بتدميره. وحسب تعبيرها، فهي نصيحة ملغمة، لا تعبر عن حقيقة موقف (ميكيافيللي).
ولكن مفارقة أخرى قام بها (برجيس) بدراستها، وهي أن (ميكيافيللي) يرى حتمية تاريخية تحكم النظم، من حيث ميلادها، ونموها، وأفولها، وهذه نفس الفكرة التي سار عليها (ابن خلدون). ولكن يمكننا أن نجد ما يخالف هذا الرأي في نص (ميكيافيللي)، عندما يتحدث عن وجود ثلاث قوى تتبادل المراقبة، وبإمكان النظام الاستمرار بفعل توازن القوى. ولهذا فإن (برجيس) يصف (ميكيافيللي) بالمفكر المقنع.
يتضح من هذا أن نص ميكيافيللي يحبل بمفارقات ونقائض عديدة، فكيف يمكن الجمع بين هذه التناقضات؟ يذهب الدكتور (الطيب بوعزة) إلى أن هناك إمكانية متاحة لفهم نص ميكيافيللي، بشرط الرجوع إلى اللحظة الزمنية التي أسس عليها (ميكيافيللي) نصه، وهو يقترح مدخلا لفهم نص ميكيافيللي، وهو تاريخية النص الميكيافيللي من خلال السياق الإيطالي بإشكالاته، أو إخفاقاته، أو أحلامه.  فقد كان (ميكيافيللي) مفكرا قوميا، يطمح إلى معالجة الأزمة السياسية الإيطالية، المتمثلة في شرذمتها السياسية، بتوحيدها في إطار قومي واحد. وهذا الحلم كان مسكونا في وعي (ميكيافيللي). ومن هنا اعتقد (ميكيافيللي) أن إيجاد هذه الدولة الموحدة القومية يحتاج إلى حاكم قوي، ولهذا قدم نصائح له في (الأمير)، لتحقيق الدولة القومية الموحدة القوية. فالاستبداد الذي دعا إليه (ميكيافيللي) في (الأمير) كان مشروطا، ومؤقتا، حتى تتحقق الدولة القومية. أما في كتابه (أحاديث على المقالات العشر الأولى في تاريخ تيتوليفي)، فهو ينظر إلى هذه الدولة بعد أن تتحقق، فتكون جمهورية تمتثل لقيم الحرية لا الاستبداد.
 ------------
الهوامش:
(1) عماد فوزي الشعيبـي، إعادة اعتبار للميكيافيلية في السياسة، الحياة، العدد: 12769.
(2) ميكافيللي، مطارحات، تعريب: خيري حماد، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ص21.

(3) د. الطيب بوعزة، نقد الليبرالية، مركز البحوث و الدراسات، مجلة البيان، 2009، ص35.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق