الأحد، 4 يناير، 2015

تأملات في كتاب "الارتقاء في تلقي معاني القرآن"

أمين خالد دراوشة- الأردن*
مقدمة
تتوافقُ العقائد كلها، بأن الله هو ربّ الناس جميعاً، وهو يوجّه لهم التشريعات، ويوضح لهم عنايته ورعايته لهم، حتى يحسوا بالطمأنينة، وهم يعتنقون هذه العقائد. والقرآن الكريم دعوة للإنسان، كي يستنهض حواسه، ويفهم ويعقل مدركات الحياة، فيشعر بالوئام والجدية والمسؤولية بينه وبين مقوّمات حياته، وفي الوقت نفسهِ يحافظ على حياة الآخرين. لذا فإن قراءة القرآن الكريم الدائمة، تجعل صاحبها يتخذ لنفسه منهاجاً تربوياً من قراءته. فهو يتلقّى التربية القرآنية، ويرتقي بها، فيُصبح إنساناً مفيداً ونافعاً. والعلاقة التبادلية بين القرآن وقارئه، تبلغ مراحل متقدِّمة من الفهم النوراني، فيتجنّب الوقوع في الأخطاء المميتة، وطريقه تصبح واضحة المعالم ينيرها الهدي الرباني.
قسَّم الكاتب كتابه قسمين، وتناول في قسمه الأول ركائز العَلاقة بين مقوّمات حياة الإنسان، وبين القرآن
الكريم، الذي كلما ازداد الإنسان قراءة له، توطّدت تعاليمه في النفس، ومكّن قارئه من تخطّي القراءة الظاهرة للكتاب الكريم إلى تلقّي معانيه، وبالتالي يرتقي بسلوكه الإنساني بمقدار ارتقائه بتلقّي معاني القرآن. ويبلغ مرحلة لا يستطيع فيها الاستغناء عن قراءة القرآن، ويُصبح رفيقه الدائم الذي لا غنى عنه.
لقد اجتهد المؤلِّف في تناولِ تفاصيل وقائع الحياة اليومية، وبيَّن أثرَ القرآن في سلوكيات الإنسان، وتحدَّث عن المدى العميق الذي يفعله القرآن من تحوّلات كبرى ومفصلية في حياة الناس. وتطرّق إلى كيفية استنباط حدود الله، وحدود الناس في القرآن، وأسهب في شرح أثر القرآن على مفهوم اللـسان للكلمة، وكيف يوظّف نعمة اللسان في استخدام اللفظ الحسن. وكيف يتحوّل الإنسان إلى صاحب موقف من الحياة، بعد أن يملك الإنسان القدرة على ترويض النفس وتهذيبها.
أمّا القسمُ الثاني من الكتاب، فناقشَ فيه عبدالباقي يوسف، حاجة الإنسان إلى القرآن، وأهمية القراءة الدائمة له، لما لهذه القراءات من انعكاسٍ إيجابيّ على سلوكياته في حياته اليومية، لأن القرآن الكريم هو منهاج حياة يُضيء الدروب المظلمة، ويوصل إلى حياة الطمأنينة والسكينة. وفي الفصل الأخير من الكتاب، يتناول الكاتب فيه (مشكاة قراءة تدبرية  لسورة البقرة)، وهي أطول سور القرآن، حيث اجتهد (عبد الباقي) في شرح مكنونات آيات السورة وتفسيرها والكشف عنها.
الكتابُ يناقش علاقة الإنسان بربِّه، والتي هي علاقة الأرض بالسماء، السماء التي لا تحتاج الأرض، بينما الأرض لا يمكن لها إلاّ أن تبقى بحاجة السماء التي تمنحها مقوّمات الحياة والاستمراريّة. وسعى الإنسان إلى فهم الغيب من خلال إيمانه، واستقباله الرسل، الذين حملوا الرسالةَ الإلهية عبر التاريخ البشريّ، دين الله الذي يقدم للإنسانِ الكنوز التي لا تفنى، حتى يحسّ بالاستقرار والطمأنينة. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ](سورة يونس: 57).

نور السماء إلى ظلمة الأرض.. كتاب التحوّلات الكبرى
يتناولُ الكاتب في هذا الفصل ما يمتاز به القرآن من مقدرةٍ مُذهلة على إمكانية التجدُّد، وقدرته العجيبة على تجدُد قارئه أيضاً. فالقارئ للقرآن لا يقرأُ كتاباً متجدِّداً فقط، بل يشعر بطاقةِ التجدُّد تسري فيه، ومن هنا تكمُن مقدرة القرآن على تغيير النّاس بشكلٍ عميق. بحيث ينقلُ شخصاً ما من تاريخ عريق في الإلحاد إلى تاريخ عريق من الإيمان. فهو كتاب التحوّلات الكُبرى في حياةِ الإنسان الفرد، وسلسلة المنجزات البشريّة في كل جوانب الحياة.
 إن قراءةَ القرآن المستمرة تقدِّم للقارئ شيئاً جديداً في كُلِّ مرَّة، وتتدلّى مصابيح الأنوار أمامه مع كل قراءة، فيتعرّف على الله بما لم يتعرّفْ عليه من قبل، ويُصبح مقرباً إليه أكثر، وهذا الأمرُ ينشط في نفسهِ الطاقات الإنسانية. ولا شك أن الله جلَّ شأنه ما كان ليأمرنا بإعادة القراءة، لو لم تكن هناك فائدة مع كُلِّ قراءةٍ جديدة.
ويشرحُ الكاتب أهميّة البسملة، فالبسملة فاتحة خير، يحبذ الإنسان أن يفتتح بها كل أمر هو مُقبل عليه، فهي تهب البركة على نتائج ما يقوم به، كما أن ذكر الله يجنّب الشيطان، وتجعله يقوم بعمله على أحسن وجه.
ويوضِّح ما أغلق من معاني فاتحة الكتاب، ويقول: "تفتتح قراءتك لسور القرآن بفاتحة سوره، التي تكون لك معيناً لتلّقي ما ستقرأ من سور، حتى تبلغ ختمة القرآن"(الكتاب، ص25). والتي قال عنها الله إنها (السبع المثاني). فهي كنز من كنوز عرش الرحمن، وتتميّز سورة الفاتحة بأنها أكثر سور القرآن الكريم قراءة في الناس، فهي تقرأ مع كل ركعة في الصلاة، ويستعينُ بها الناس في مختلف مناسباتهم. وهي سورة مُتماسكة ومُترابطة ومُتكاملة، لا تقبل التجزئة، أولها رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة.
وينتقلُ المؤلِّف في الفصل الثاني للحديث عن (حدود الله.. حدود الناس.. في القرآن). ويتناول نزول القرآن في مكّة المكرمة، وهي البقعةُ الجغرافيةُ التي تحظى بمزايا جمّة أهّلتها لاستقبال كلم القرآن، وأن تكون قبلة الدنيا. فمكّة ليست قرية محليّة في عالمنا العربيّ، بل هي قريةٌ كونيّة، تملك كل مقوّمات التأثر والتأثير في العالم بمختلف شعوبه وألوانه.
ومفهوم مكّة القرية يختلفُ جذرياً عن المعنى المألوف للقرية، فهي أعلى درجة من مفهوم المدينة، وهي تشيرُ إلى مكان تجمّعي لكلِّ أبناء العالم. فهي لها خصوصيتها التي تجعلها تختلف عن باقي قرى العالم، فهي "ترمز إلى تبادلية العلاقة بين القرية والمدينة، بما في ذلك من تحولات مجتمعية وبيئية، وكذلك توازنية"(ص40).
وحدود الله هي حدود تحدِّد للإنسان طريق حياته، وهي ليست حدود تفصلك عن أذى الله، بل حدود تفصلك عن أذى نفسك وأذى الآخرين. فوجود الله هو الذي يحدّ من ارتكاب الجرائم، ووجوده هو الذي يجعل الغني يزكي.. فلا بُدَّ أن يكتشف الإنسان يوماً، أنه غير قادر على الاستمرار في الحياة دون إله ينير دربه.

خصائص العَلاقة بين الإرسال الإلهيّ والتلقّي البشريّ
يُناقش (عبد الباقي يوسف) في هذا الفصل خصائص الإرسال الإلهيّ من خلال ثلاثية هذه العَلاقة: بين الله كمُرسل، وبين الرسول كمبلِّغ، وبين الناس كمتلقّين.
ويقول: إن مزايا الخطابِ اللغويِّ، الذي هو تكريم من الله للإنسان بإعطائه العقل، ومن ثَمَّ وجّه خطابه لهذا العقل، الذي يملكُ نعمة اللسان الذي يتحدّث عنه. فقد كرّم الله بني آدم بنعمة العقل، لذلك يستطيع الإنسان أن يتقدّم خطواتٍ في درجاتِ السلوك والإنتاج الإنسانيّ. والعقل يستضيء بالدين، فالإنسان يسمُو بقدر ما يملك من دين وعقل.
وورد في القرآن آيات كثيرة، تبيِّن أهمية العقل، وتعمل على تعريفه، يقول تعالى: [قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ](سورة آل عمران، 118). ومن خلال آياتِ القرآن التي تعرف العقل، وتوضِّح أهميته، ندرك أن الإنسان يرتقي في درجات تلقّي معاني القرآن على قَدْر ما يتمكّن من توظيف طاقاته العقليّة بشكلٍ سليم. وبهذا يُصبح القرآن بالنسبة إليه كتاب التحوّلات الكُبرى في طريق حياته. يقول (الحسن بن علي) مُبرزاً أهمية العقل: "ما تـمّ دين رجل، حتى يتم عقله"(ص56) إذن العقل هو ممارسة وسلوك، وتصرّفات حكيمة ترجع بالفائدة على صاحبها، وعلى الناس الآخرين. فالعقل السليم يقود صاحبه إلى التمتع بحياة صحية وسليمة.
وتطرّق الكاتب إلى أهمية اللسان البالغة، فالإنسان هو لسانه، ويمثل ما يكونه. وقد ربط القرآن بين العقل وبين اللسان، وجعل مسؤولية اللسان كمسؤولية العقل. لذا تناول الكاتب مدى تأثير القرآن في بث مسؤولية اللسان عند القارئ المتدبر، فالإنسان يميز عن الكائنات الأُخرى بلسان بليغ، قد يرفعه إلى درجات سمو، أو يطيح به إلى أسفل الدرجات. ومن ضمن الموضوعات التي ركّز عليها المؤلف (المثل في القرآن)، وشبهه بالجسر الذي يتلقّى من خلاله قارئ القرآن كنوز المعنى القرآني، في هذا المنهج من مناهج التربية القرآنية للناس.
فالمثلُ عنصرٌ مهم، وهو أحد مقوّمات القرآن، لذلك فحضوره طاغٍ، ويتكرّر من سورةٍ إلى سورة، فهو يمثل أداةَ الوصل بين القرآن وبين القارئ. ويورد الكثير من الأمثال، التي تـمَّ توظيفُها في وقائع مختلفة. ويوضِّح الله جلّ شأنه الغاية من ضرب الأمثال في القرآن، وهي إحداث التحوّلات الكُبرى في حياة الإنسان وسلوكه، وهو يسمُو في تلقّيه للقرآن الكريم. يقول تعالى: [وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ](العنكبوت، 43).
وهذا الإنسان هو المقصدُ الذي من أجله نزل القرآن، وسائر الكتب السماوية. إن قراءة القرآن تشعرنا بمسؤوليةٍ ورهبة، إننا نحسُّ بعظمةِ الكلمة إرسالاً وتلقّياً. القراءةُ التي تجعلُنا نشعرُ بأهميتها في سبيل أن نعرف أنفسنا والآخرين، والعالم من حولنا، وبالتالي التقدّم خطواتٍ في معرفة الله جلّ شأنه.

قارئ القرآن وفقه الموقف
يتحدّث (عبدالباقي يوسف)، في هذا الفصل، عن قارئ القرآن الذي يستطيع أن يتخذ موقفاً من الحياة. ويقول: إن قارئ القرآن يسعى ليجعل لنفسهِ حضُوراً في الحياة. فأهمية أيّ إنسان وقيمته، تحدّد في الموقف الذي يقفه الإنسان من مجريات أحداثِ الحياة، ومن تفاصيل حياته اليوميّة الاجتماعيّة التي يُمارسها. فالموقف هو: "بصمة الإنسان، وهو خلوده، سواء أكان هذا الموقف سلبياً أم إيجابياً"(ص93).
فالإنسانُ يحتاجُ إلى موقفٍ يقفه من مجملِ مظاهر الحياة، وأن يُعرف بمواقفه، فهناك الكثيرُ من الأشخاص الذين ضحّوا بحياتهم من أجلِ موقفٍ اتخذوهُ في الحياة. وقد خلّد التاريخُ أسماءً كثيرة، وقفَ أصحابُها موقفاً واحداً إيجابياً، فذكّره التاريخ بالخير، وآخر اتخذ موقفاً سلبياً، فخلّدهُ التاريخ بذكرٍ قبيح.
فموقفُ الإنسان هو عقيدته، وكلُّ ثقله في الحياة. ويسهِبُ الكاتب في طرحِ الأمثلة عن مواقف صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، كأبي بكر، وعمر بن الخطاب، وأم سليم (وهي أم أنس بن مالك)، وغيرهم.

معالم الطريق ومنعرجات الفوضى
يُناقش الكاتب نظرة الإنسان العبثية إلى نفسه، لأنه يحسُّ بأنه كائن غامض في كوكب مجهول، جاء من مجهول، وينتظره مصير مجهول. ومن هنا يبدأ الإنسان بالتفكير، وينطلقُ ليقرّر ما الذي سيكونه في الحياة. فهل سيبقى في حالة ضياع، أم سيجد لنفسه غاياتٍ وقيماً يلتزمُ بها؟ ولا ريبَ أن العديدين سيقعُون في هاوية الفوضى والدمار، وآخرين سيكتشفون أن الحياة الحقّة تقترن بوجود الله في نفس الإنسان المفكّر والطيّب. ولذلك هو يقبل بشغفٍ على الأعمال الصالحة، لأنها ستسبقه إلى السماء، حيثما يحين أجله سيكون معها.
فالإنسانُ الذي استوعبَ وجود الله، وأنه ينظّم الكون ويديره، سينقذ نفسَه من الفوضى والظلمات، ويتحوّل المجهول إلى مدارج مُضيئة أمامه. فالإنسان كلما استوعب آيات الله، "اتسعت مداركه، وانفتح نضجه، ونظم حالة الفوضى في كوامنه، هذا التنظيم الذي يهب لحياته معنى، وبوجوده كإنسان قيمة غنية"(ص117-118).
فالإنسان بحاجةٍ لأن يكون مع تعاليم الله، وأن يتعلّم منه، من صلب علاقته بالإنسان، ومن صلب علاقته به جلّ شأنه، نحتاجُ أن نقترب أكثر من رحاب خالق الأكوان. ويُدرك الإنسان هنا ما يريد أن يكونه في الحياة، أن يكون ناضجاً مُستقيماً ذا أخلاقٍ حسنة، أو فاشلاً يسير دون هدى. وهذا الأمرُ يحتاجُ إلى الجهد، وتحمُّل المشاق والصبر والمثابرة والإصرار والإرادة، حتى تبلُغ هدفك الذي وضعته نصب عينيك.

التلقّي القرآني وترويض النفس
توطّد قراءة القرآن نفس القارئ على الصبر والحكمة، وتنتعش نفسه، ويرتاح سمعه، فكلُّ كلمةٍ يقرأها، أو يسمعها، تجعله أكثر توازناً، وأكثر هدوءاً. وبالتالي يُصبح في حياته خبيراً، فيتريَّث في اتخاذِ القرارات، وتكون لديه القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة. فالنفسُ تسير خلف توجهات صاحبها، وتنحني لأمره، فالنفس "تقفُ أمام صاحبها القوي بخشوع، ووقار، وتقدير، واعتزاز، وأمان. وتقفُ إزاء صاحبها الواهن بسخرية، واستهزاء، واشمئزاز، وخيبة، وقلق"(ص170).
والتوغّل بقراءة القرآن، تعلِّم الإنسان أن يسير بهديه، وكيف ينظرُ إلى أساسيات الحياة - ومجريات الأُمور في حياته - نظراتٍ قرآنيّة. ونلحظُ المسؤوليّة الكبيرة اتجاه ترويض النفس، التي يمكن أن تكون فاجرة فاسقة، وتضغط على صاحبها، أو تكون تقيّة ونقيّة، تعطيك زهور تقواها. والمسؤولية هنا تجعلُ الإنسان الحق، يبذُل كُلَّ جهدٍ ليوظّف شهوات نفسهِ التوظيفَ الصحيح.
فميزةُ القرآن أنَّه يُعطينا مكوّنات النفس ومزاياها وتركيبها، وميولها، ويدلُّ القرآن قارئه الفَطِن على الكيفية التي يقود فيها نفسَه، ويعلِّمه كيف يكون ملكاً عليها. وهذهِ هيَ لذةُ السيادة الحقيقة، فالقرآن يُشعرك بمعنى براعة السيادة. والله خلق الإنسان في الحياة، وخلق الحياة فيه، ودائماً يسعى إلى الجديد والتغيير، فالقرآن يحثّك على السعي الدائم إلى حدائق المعرفة، وكلّما فهمت آيات الله في الكون والخلق، اقتربت من الله واقترب الله منك. وليس هناك شعور بالرضا والطمأنينة يُضاهي شعور المؤمن، وهو مستكين في عمق إيمانه بأنه بين يدي الله.

حاجة الإنسان للقرآن، ومتعة العطاء
لما بلغت حاجة الإنسان ذروتها، أرسل الله إليه القرآن رحمة، ونورا يطيح بظلمة الإنسان والأرض. فالقرآن ينظّم للناس مقوّمات حياتهم، ويبيِّن لهم مسالك الخير، ودروب الشر، ويغرسُ في نفسيتهم قيم المحبة والتكافُل الاجتماعي، ويعلِّمهم ما لا يعلمون، ويهذّب القلوب، ويوطّد الروابط الإنسانيّة في نوازعهم. فالقرآن هو: "كتاب تشريعيّ، تنويريّ، فكريّ، تعبديّ، تأمليّ، معرفيّ، حقوقيّ، ربانيّ، إنسانيّ، وهو كتابُ الدنيا بامتياز، إلى جانب أنه كتاب الآخرة بامتياز، فهو يخاطب الناس الأحياء، وموجّه إلى الأحياء، ويتوارثه الأحياء، وينتفع به الأحياء"(ص141).
لقد أنار الله الأرض بنوره من خلال القرآن، والذي ترك أثره على جميع سكان العالم. ويظنّ الكاتبُ أنه ليست هناك بقعة جغرافيّة من الأرض لم تنتفع ولو بقبسٍ من نور القرآن. وهذا بلا شك فضلٌ من الله تعالى على الإنسان. فالقرآن يكمُن فيه علاج الروح، ويهب العلاجات الشافية للذين تعرَّضوا لاهتزازاتٍ نفسيّة حادّة، ووقعوا ضحيّة اليأس، فهو يبثّ فيهم الأمل في انبثاق حياة جديدة، فهناك طاقات في نفسِ الإنسان لا تفتحُ إلاّ عندما يكون صاحبها في قراءة تدبريّة للقرآن. ويكون من تأثير قراءة القرآن شعور الإنسان بمُتعة العطاء، ومساعدة الآخرين. ويتميّز الناس عبر التاريخ على قدر ما يقدّمون من عطاءاتٍ لبلدهم، والعطاء بكُلِّ تأكيد لا يشملُ لوناً واحداً، بل يشمل العطاء المعرفيّ، والفكريّ، والفنيّ، والطبـيّ، والأخلاقيّ، والماديّ.

قارئ القرآن ومهارة قوة الملاحظة
إن الشخص المواظِب على قراءة القرآن بعُمق وتدبّر، يكتسبُ مهاراتٍ عدّة، يستطيعُ أن يستخدمها في حياته المعيشية. فهو يتعلّم من قراءاته التأمليّة التفكيريّة قراءة لغات أُخرى، فهو يقدر على قراءة نبرات الصوت، ويميز إذا كانت تعبّر عن صدق أو رياء، ويقرأ لغة الجسد التي تدلّل على أعمال ومعان. كما يتمكّن القارئ الفَطِن من قراءة العيون، التي توحي بما في نفس الإنسان. وبحديث الكاتب عن العين وأهميتها تكتملُ ثلاثية التلقّي والتفاعُل لمعاني القرآن، بعد أن تحدث عن العقل المفكر، واللسان الذي ينطقُ بما يبثه إليه العقل. وهنا تأتي العينُ التي تقرأ كتاب الله، فيتلقّى العقل ما قرأت، ثم يبث بما يبلغه إلى اللسان، "وهذا اللسان يكون موجّهاً إلى الآخرين في عمليّة التداول المعرفيّ من جهة، والتطوّر الفكريّ والحضاريّ من جهةٍ أُخرى"(ص175). والعين المواظبة على قراءة القرآن تعشقُ النظر إلى كُلِّ موطن جمال، وتنفرُ من النظر إلى كل موطن قبح. وتجعلُ الإنسان يسلُك في حياته طريق الخير والصلاح، لا طريق الشر والخراب.

القرآن الكريم ومنهج الحياة
نجدُ عند قراءة القرآن، أنه يعبّر عن منهج حياة متكاملة، فهو يتعرّض لكُلِّ كبيرة وصغيرة تمسّ جوهر الحياة الإنسانيّة. فهو مفصل ويحلّل صلب علاقة الإنسان بالحياة، وعلاقته مع نفسه، ومع الآخرين، وعلاقته بالله. يقوم القرآن بتنظيمِ الحياة الإنسانية للناس، ويبيِّن لهم طرق توظيف طاقاتهم، ويوضِّح العَلاقة بين الرجل والمرأة، والتي تشكّل البنية الأساسية للمجتمع البشريّ. وقد كرّم القرآن المرأة في الكثير من الآيات، وبيَّن دورها الذي لا تستقيم الحياة بدونه. إن التلقّي القرآنيّ هو "عمليّة فضّ الغلاف عن لُبِّ الكلمة لبلوغ المعنى، هذا المعنى الذي تستخرج منه التدبّر الذي يصلُح لك شأنك"(ص211). ولذلك تراكَ مُواظباً على القراءةِ القرآنيّة، لأنك مع كُلِّ قراءةٍ جديدة تتلقّى معنىً جديداً، يُساعدك على تدبّر شؤون حياتك. بعكس القارئ الذي لا يصلُ إلى لُبِّ المعنى، الذي سيُصبح قليلَ القراءة، لأنه لا يقدر على النفاذ إلى باطن مبنى القرآن.

مشكاة قراءة تدبّريّة لسورة البقرة
يتناولُ الكاتبُ تحت هذا العنوان، كيفية قراءةِ سورة البقرة قراءةً تدبّريّة، فهي سورةُ منهج حياة جديدة، لمجتمع يستمدّ روح تجدّده من ثنايا هذه المقوّمات الجديدة، التي تشرعها هذه السورة العظيمة، وتؤسّس لها. فهي "تقلّب كُلّ الموازين والأعراف السائدة رأساً على عقب، وتسنّ لهذا المجتمع ما يميزه ويجعله متألّقاً ومتأهّلاً لنشر رسالة بلوغ الدين درجة الكمال، وإتمام نعمة الله على الإنسان"(ص213)، فهي ثورةٌ تنير ما أُغلق على البشر، حملها رجل وصفه الله أنه على خلق عظيم.
يبرّر الكاتب تناوله (سورة البقرة) بقراءةٍ تدبّريّة، تجلو ما تحتويه من لآلِئ، ولاتخاذها أنموذجاً للتلقّي القرآنيّ، بقوله: "إنها أكثر الآيات إسهاباً في التعرُّض لتفاصيل الحياة اليوميّة للناس، فهي تضعُ الإنسان الجديد أمام مرآة ذاته، وتجبره على النظر إلى مكنونات نفسه، وتتيح له النظر إلى آفاق الحياة الرحبة، ليعرف مدى نقاء هذا الإنسان، ومدى ما يملك من عذوبة وشفافية، فهي سورة تشريعيّة، وفقهيّة، ونفسيّة، تضع المحاذير: الحلال والحرام والنهي، وتوضّح حدود الله، لذلك لغتها مباشرة بحيث يفهمها أغلبيّة الناس، وبها آياتٌ لها أكثر من دلالة، وهي "تكشفُ غناها بتغيّر الزمان والمكان"(ص214)، وكذلك لمكانتها العظيمة في نفوس المسلمين، إذ قال الرسول الكريم: (من قرأ سورة البقرة، توج بها تاجاً في الجنة)(ص214). وكان الرسولُ (صلى الله عليه وسلم)، كُلّما أراد أن يشحذ هِمّة الصحابة، يُناديهم: (يا أصحاب سورة البقرة).

خاتمة
يخبرنا الكتاب في النهاية، أن الارتقاء في درجات معاني القرآن الكريم، يحتاج إلى تهيئة بدنيّة وروحيّة، ليستطيعَ الإنسانُ القارئ أن يتلقّى جواهِرَ معاني القرآن. وإن القرآن ثريٌّ بغاياتِ البشر ومصالحهم، ويُعطي كُلَّ ذي حاجة حاجته. ويجعلُك "تدرك أبعاد حقوقك في الحياة التي تعيش فيها، وتعلم معالم الواجبات التي عليك تأديتها، وهذا من شأنه أن يحقّق في نفسك شيئاً من التوازن"(ص293)، ويمنحك مزية التصالُح مع النفس، وبالتالي التصالُح مع العالَم والوئام معه، وتشعرُ أنك جزءٌ من العالم، وهذا العالـمُ يحملُ شيئاً منك.
إن كل قراءة جديدة هي اكتشاف جديد، وعلامة فارقة في محطات حياة الإنسان، وكما لا تشرق الشمس على الإنسان "مكررة مع صبيحة كل يوم، بل يستقبلُ يوماً جديداً، فكذلك الإنسان لا يعيد قراءة القرآن، مهما بلغ في ختمه، بل إنه مع كل بدء للقراءة، يشرع في قراءة جديدة، تمتاز بكُلِّ معطيات الجديد"(ص300). ومن بين ثنايا السطور يستخرج القارئون روح الحكمة، ويكون القرآن مبعث طمأنينة وسكينة لهم في الحياة الدنيا والآخرة.
الكتاب غاية في الأهمية، ويتضمّن معلوماتٍ ثمينة، وقد كان لاشتغال المؤلِّف في حقل الأدب (الرواية) دور كبير في تناول الموضوع بلغةٍ أدبيّة عذبة وسلسة، تشوّق القارئ لمتابعةِ القراءة حتى نهاية الكتاب، بل والجلوس بعد ذلك للتأمُّل في قدرة الله وحكمته جلّ شأنه. وفي ظلِّ الظروف السيئة المحيطة التي يعيشها الإنسان المسلم في هذا الوقت العصيب، يُصبح للكتاب قيمة استثنائية، لإشاعة الفكر البنّاء، وثقافة الحوار، ولكشف كنوز القرآن الكريم وجواهره، الذي هو منهاج حياة المسلم.

* ماجستير دراسات عربية، عضو اتحاد الكتاب الفلسطيني. صدر له:

الوادي أيضاً، مجموعة قصصية، عن اتحاد الكتاب الفلسطيني، 2001م. والحاجة إلى البحر، مجموعة قصصية، عن مركز أوغاريت الثقافي، 2007م. والأنا والآخر في الرواية الإسرائيلية، دراسات، مركز أوغاريت الثقافي، 2013م. الأنا والآخر في الرواية الفلسطينية، دراسات، تحت الطبع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق