الأحد، 4 يناير، 2015

حداثة الطرح القرآني في كتاب "الارتقاء في تلقي معاني القرآن"

غادة حلايقة- الأردن
صدر هذا الكتاب عن مجلة (الحوار) الإسلامية الثقافية الكوردية التي تصدر باللغة العربية عن مكتب الإعلام في الاتحاد الإسلامي الكوردستاني في أربيل – عاصمة إقليم كوردستان العراق، لمؤلفه الروائي السوري (عبد الباقي يوسف). وقد جاء هذا الكتاب  في (300) صفحة من الشرح في تقديم كتاب الله، ومدارج الارتقاء في تلقي معانيه، ثم انقسم الكتاب إلى قسمين، لكل فسم فروعه المتصلة به، أما قسمه الأول فقد جاء تحت عنوان (نور السماء إلى ظلمة الأرض)، ومنه تفرّعت
الفروع الآتية:
الفصل الأول: كتاب التحولات الكبرى.
الفصل الثانـي: حدود الله .. حدود الناس .. في القرآن.
الفصل الثالث: خصائص العلاقة بين الإرسال  الإلهي والتلقي البشري.
الفصل الرابع: قارئ القرآن وفقه الموقـف.
الفصل الخامس: معالم الطريق ومنعرجات الفوضى.
الفصل السادس: التلقي القرآني وترويض النفس.
ثم جاء القسم الثاني من الكتاب متخذاً عنوان (فضل القرآن على الإنسان).
وتفرّعت بعد كلمة الاستهلال الفروع الآتية:
الفصل الأول: حاجة الإنسان إلى القرآن.
الفصل الثاني: ارتقاء قارئ القرآن في درجات متعة العطاء.
الفصل الثالث: قارئ القرآن ومهارة قوة الملاحظـة.
الفصل الرابع: القرآن الكريم ومنهج الحياة.
الفصل الخامس: مشكاة قراءة تدبرية لسورة البقرة.
ثم خاتمة الكتاب.
لعل المتأمل لهذا الفهرس التشويقي أول ما ينتابه هو أن يمسك بالكتاب ولا يدعه قبل أن يكمل قراءته، والحقيقة فإن هذا لم يكن كافياً، حيث يجد القارئ نفسه مندفعاً إلى إعادة القراءة، بل وعدم وضع هذا الكتاب بين الكتب المفروغ من قراءتها، لأنك كلما أخذت منه شيئاً ودونته في دفترك للرجوع إليه، اكتشفت شيئاً جديداً، وهكذا ترى هذا الكتاب يمتلك جاذبية أنه يتحوّل بالنسبة إليك إلى كتاب يومي، تستمتع بقراءته، والحصول على جواهر ثمينة من ثنايا صفحاته.

القدرة على تناول الموضوعات وآفاق تحليلها بلغة أدبية متفرّدة:
بادئ ذي بدء، أول ما يشد انتباهنا لهذا الكتاب القيم هو قدرته على تناول موضوعات القرآن الكريم بطريقة عصرية تختلف اختلافاً كلياً عن كل كتب التفاسير التي اعتدنا عليها، مما يجعلنا نقرأ الكتاب بكل شغف وبكل طمأنينة وراحة بال، كما يضعنا في حالة تساؤل: لماذا لم يتناول المفسرون القدامى قضية التفسير بمنظور المؤلف عبد الباقي يوسف؟
اشتهر الأديب في مجال الرواية، فكان له فيها صولات وجولات، حتى انعكس تأثيرها على تفسيره ههنا؟ وقد استطاع الكاتب إضفاء قيمة أدبية ولغة شائقة وأسلوب متكامل، وبلغة سلسة حلقت بنا عالياً فوق السحاب.
بدأ الكاتب مؤلفه بالحديث عن منزلة القرآن الكريم، وخصائصه في مجال القراءة، ثم قام بتفسير البسملة، فسورة الفاتحة، ثم أتبعها بتفسير سورة البقرة تفسيراً عصرياً موافقاً لمقتضيات العصر ومستجداته الحديثة، فشرح مدلولات السورة التي تعد أطول سورة في القرآن الكريم، فكان الكاتب دقيق الوصف حين وصفها بأنها: "سورة منهج حياة جديدة، لمجتمع يستمد تجدده من ثنايا هذه المقومات الجديدة، التي تشرعها وتنصها وتؤسس لها هذه السورة. إنها تقلب كل الموازين والأعراف السائدة رأساً على عقب، وتسن لهذا المجتمع ما يميزه ويجعله متألقاً ومتأهلاً لنشر رسالة بلوغ الدين درجة الكمال وإتمام نعمة الله على الإنسان. إنها ثورة استنارية جديدة، لقد وقع اختياري على هذه السورة الكريمة، لاتخاذها نموذجاً للتلقي القرآني..."(1).
يقول الأديب الروائي عن سورة البقرة بأنها: "تُعنى بالتفاصيل، والشرح المستفيض،  وهي تضع أسس وقواعد بناء أمة جديدة، سوف تشرق على العالم، وتأخذ على عاتقها مسؤولية تصحيح المسار البشري. وآية ثم آية تتدرج بالإنسان، حتى تسن له الشرائع والقوانين والنواميس، التي هي فضل من الله عليه، ورفعة لمنزلته كإنسان حظي بتكريم إلهي وعناية إلهية. القراءة التدبرية لهذه السورة، تجعل الإنسان يقف أمام ما يتمتع به من خصال و مزايا، حيث ترسخ هذه السورة لديه معالم السلوك الإنساني الذي يتمتع به الإنسان"(2).
وقد تعرضنا لقول الكاتب هذا، كون هذا القسم من أهم الأقسام في الكتاب، بل في الكتاب جله.

ثروة حديثة في حقل الفكر القرآني:
لقد ظهرت في عصرنا الحاضر حركات مجرمة مثل "داعش" و"القاعدة"، حيث استطاعت تلك الحركات المجرمة أن تشوه الإسلام، مما انعكس أثرها سلباً على المسلمين في جميع أنحاء العالم، وجعلهم يبتعدون عن الإسلام؛ لهذا فالكتاب يجعلك تشعر بالتفاؤل والأمل ويفتح لك آفاقاً جديدة للتوبة وإعادة النظر في الحياة، ويكاد الترهيب يكون معدوماً، فلم يقع الكاتب بهذا المستنقع كما وقع فيه الذي سبقوه من المفسرين الأجلاء.
لعلي لا أغالي إن قلت بأن هذا الكتاب الثمين يُشكل منعطفاً تحولياً هاماً في مسار الفكر الإسلامي، وهو الكتاب الذي يبث الأمل ويقول صحيح الإسلام وسمحه، فلا تملك أن تقول: أجل هذا هو إسلامنا الحق.
لقد تميز كتاب "الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن" بقدرته على التغير والتغيير، ولا بد لي من الاعتراف بتغيير حياتي أنا شخصياً فكان له كمفعول السحر في نفسي.
يقول شيخنا وأديبنا في كتابه: "إن الارتقاء في درجات معاني القرآن الكريم، يحتاج إلى تهيئة بدنية وروحية، ليستطيع الإنسان القارئ أن يتلقى جواهر معاني القرآن. وإن القرآن ثري بغايات ومصالح البشر، ويعطي لكل ذي حاجة حاجته، ويجعلك تُدرك أبعاد حقوقك في الحياة التي تعيش فيها، وتعلم معالم الواجبات التي عليك تأديتها، وهذا من شأنه أن يحقق في نفسك شيئاً من التوازن"(3).
لقد كشف لنا الكتاب عن فن قراءة القرآن، وتدبر معانيه في ظل هذا العصر المجنون الذي أبتلي بحركات إرهابية تدعي الإسلام، وتشوهه بذات الوقت، أسأل العلي القدير أن يكون هذا الكتاب شفاء ودواء لكل داء والله من وراء القصد.

عبارات أعجبتني من هذا الكتاب النفيس كان لها الأثر الكبير في نفسي:
- "إن القرآن الكريم يهب فرصاً ذهبية لقارئه المواظب المتدبر، كي يتلقاه على أوجه عديدة، حتى يمنحه كنوزه ولآلئه الثمينة، التي لا يمنحها إلاّ لأولئك الذين تعلقت أفئدتهم بأنوار القرآن الكريم، فيقرؤه قراءات استثنائية استنارية متقدمة، يستخرجون من نفحاتها المباركة أنوار سمو المعاني الإلهية، التي تتجلى لهم بين ثنايا السطور، إنهم يتجاوزون القراءة الظاهرية اللفظية، يغورون، ويستجلون نفائس لألئ المعاني الثمينة، يستخرجون روح الحكمة من ثنايا السطور، فيكون ذلك مبعث سكينة لهم في الدنيا والآخرة"(4).
- "كلما يزداد الإنسان إيماناً بالله، فإنه يزداد توازناً في الحياة"(5).
- "يمتلك القرآن الكريم مقدرة هائلة على إمكانية التجدد، وهو لا يكتفي بذلك، بل يتجاوزه ليجدد قارئه كذلك، عندئذ لا يكتفي القارئ بأنه يقرأ كتاباً متجدداً فحسب، بل يشعر بأنه يتجدد مع كل قراءة جديدة لهذا الكتاب. ولذلك فإن القرآن يمتلك المقدرة على تغيير الناس بشكل نافذ، بحيث ينقل شخصاً ما من تاريخ عريق في الإلحاد، إلى تاريخ عريق من الإيمان، من إنسان سلبي يقف على تاريخ من الجور، إلى إنسان يشرق بنور إيجابيات الفطرة الإنسانية"(6).
- "إن ما يميز قراءة القرآن، أن كل قراءة تقدّم للقارئ علماً جديداً لم يكن يعلمه، كل قراءة تقدم إليه شعوراً جديداً لم يكن يشعره، كل قراءة تقدم له متعة قراءة جديدة لم يكن يدركها، تضيف إلى نفسه لمسات جمالية جديدة، لم تكن لديه من قبل. إن كل قراءة تجعله يشعر باتزان، وهو يتأمل مجريات الحياة، ولذلك نرى المريض يلجا إلى قراءة القرآن، ويشعر بأنه يتداوى به، والذي تصيبه مصيبة كبرى يلجأ إلى قراءة القرآن، فيجد متنفساً عن نفسه، والذي يبتغي ذكر ربه في السراء والضراء، يلجأ إلى القرآن فيشعر قلبه بطمأنينة ذكر الله. هذه الأنوار، التي يكتسبها الإنسان من صلب قراءته القرآن، لا تنتهي عند فراغه من القراءة، بل ينتفع بها في وقائع حياته اليومية، سواء مع نفسه، أو مع الآخرين، أو مع مقومات حياته"(7).
- "يجد قارئ القرآن منهج حياة متكاملة في القرآن، الذي يتعرض لكل كبيرة وصغيرة، تمس مقومات الحياة البشرية. إنه كتاب تحليلي مفصل عن صلب علاقة الإنسان بالحياة، علاقته بنفسه، علاقته بالآخرين، علاقته بالله يفضي التلقي القرآني بقارئه المتدبّر إلى منزلة أن يعيش حياة قرآنية مميزة، تتحوّل فيها مقومات الحياة إلى آيات قرآنية أمام ناظرَيه تزيده حكمة، ونضجاً، وتوازناً، وصبراً، وامتلاءً بالحياة .يغدو في مراتب متقدّمة من تذوّق المعنى القرآني، وبناء علاقة قويمة مع قرآنية الحياة"(8).
- "إنه كتاب مبارك أنزله الله لك كي تكتشف مكنونات نفسك، تستطلع أسرار ما تخفيه النفس، يعلّمك بأن المعرفة الكبرى والمجدية الأولى تبدأ من معرفتك لنفسك، وكلما عرفت نفسك جيداً، عرفت ربك جيداً، وكلما عرفت ربك جيداً، عرفت الإنسان جيداً، وكلما عرفت الإنسان جيداً، عرفت الطبيعة جيداً، وكلما عرفت الطبيعة جيداً، استنارت نفسك بنور الإنسان، لتستمتع بممارسة مزايا إنسانيتك"(9).
هذه هي بعض النفحات للأديب البارع عبد الباقي يوسف، والذي أتحفنا بعشرات النفحات مثلها، ومما لا شك فيه أن الكتاب سيثري المكتبة العربية والكوردية الإسلامية بهذا المؤلف العصري النفيس، وسيبقى علامة مشرقة من علامات الفكر الإسلامي الصحيح.
 -------------
هوامش:
1- الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن الكريم، عبد الباقي يوسف، مجلة الحوار، العراق، 2014م، ص 213-214.
2- المصدر نفسه، ص243.
3- المصدر نفسه، ص293.
4- المصدر نفسه، ص10.
5- المصدر نفسه، ص13.
6- المصدر نفسه، ص16.
7- المصدر نفسه، ص80.
8- المصدر نفسه، ص190.

9- المصدر نفسه، ص293.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق