الأحد، 4 يناير، 2015

قامة عراقية

د. وليد الصراف
كان اسمه (يوسف).. وكان أجمل أخوته من الخطاطين.. وإذا ارتبتم، فانظروا إلى كتاباته في مساجد (الموصل)، وأرهفوا سمعكم إلى المحاضرات التي يلقيها على طلابه في الخط العربي، وتصفحوا بل اقرؤوا المجلات التي نشرت ما قاله.
كان اسمه (يوسف).. لذا راودته الدولارات عن نفسه فاستعصم، وقدت الإغراءات قميصه، فقال: معاذ الله، إنه الخط العربي.. 
كان اسمه (يوسف).. وكانت أمواج (دجلة) تجري في شرايينه، وبيوتات (الموصل) المطلة على (دجلة)
تطل من عينيه، وأعشاب ضفتيها تنبت في ذاكرته، وكان الحجر الآشوري يكتب وصيته، قبل أن ينقرض، ويدسها في شقوق يديه، وكان الأحفاد القادمون يودعون أسماءهم أصابعه، قبل أن تعلم بها آباؤهم وأمهاتهم، وكنا نحن الموصليين نعرفه.. كنا ننظر إلى لوحة من لوحاته للحظة، فنرى (نينوى) منذ خلقت حتى هذه اللحظة، في هذه اللحظة.
كان اسمه (يوسف)، وكان يعرف أن الطريق وعر طويل، وأن الإغراءات تقيم مفترقاتها فيه، والطمع ينصب مزالقه عبره، ولكنه لم يحد، حتى أدرك الغاية.. لم يصطحب في فلكه بواقاً ولا زماراً، ولم يلق حبلاً أمام جمع من الناس، ويقول لهم: هذه أفعى تسعى.. لم يدّع أنه كبير في زمن ادعت فيه حتى الضفدعة أنها بعير.. كان كبيراً فعلاً، والكبير فعلاً يكون مشغولاً بالمعنى عن اللفظ، وبالعمل الذي تسعى إليه الألقاب عن الألقاب. وكم هو مفرح أن نطلق لقباً، فيقع على صاحبه وقوعاً، وينطبق عليه انطباقاً، حتى لنكاد نسمع بآذاننا رنة الانطباق. وكم هو معيب أن ننادي أحداً باسم ليس اسمه، وصفة ليست صفته، فيكذب البصر الكلمة، وتشتم العين اللسان، ويصبح المنادى أضحوكة، سيتفق اللسان والعين عليها فيما بعد.
 كان اسمه (يوسف).. وكان أكبر أخوته من الخطاطين، ولكن أخوته لم يلقوه في جب الإهمال، ولم يأتوا بقميصه وعليه حبر كذب.. على العكس إنهم يحتفون به على امتداد (العراق)، وإني لأكاد أراه جالساً مجلسه هذا في أمكنة غير هذا المكان، وأزمنة غير هذا الزمان، بالتواضع ذاته، وبالمهابة ذاتها. وعدا الخط العربي، فهو خبير آثار يعرف عمر الحجر الذي بين يديه، والعصر الذي أقبل منه، ويميط عنه لثاماً يعجز الأكاديميون المختصون عن إماطته، وهو باحث من طراز نادر، علّم نفسه دون أن ينخرط في دراسة أكاديمية، مقيماً البرهان على أن الجامعة هي التي تنخرط في مدرسة الموهبة، إذا وعت الموهبة نفسها، وطوّرت من نفسها.
وبعد، فإنّ معلم الابتدائية (يوسف)، تحول إلى معلم لكبار الخطاطين، وكبار الآثاريين. وتحول الصف الذي يلقي درسه فيه، إلى صف ستختلف إليه أجيال من الباحثين عن الفن الأصيل، وتعدت كلماته التي كانت حبيسة سور مدرسة في (الموصل)، أسواراً وحجباً لتشيع في الوطن العربي، وتوجد حيث يوجد خط عربي.
كان اسمه (يوسف).. وإنه، و(ذنون)، جزء من اسمه، سينجو من حوت النسيان، الذي غيب جوفه الكثير ممن حسبوا مبدعين، بل ممن هم مبدعون فعلاً..
كان اسمه (يوسف).. وكان علماً من أعلام (العراق)، وسيبقى علماً من أعلام (العراق).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق