الأحد، 4 يناير، 2015

مقامات موصلية/ نظرة سفسطائية في اللغة العربية بين الدش و(الدش) داشة

معن عبد القادر آل زكريا
تقول المقامة:
من أقدار تكوين اللغة العربية (لغة الضاد)، ذلك الصوت المميز والمعروفة به والمتمثل بحرف (الضاد) والحروف الحلقية (الحاء والخاء) ، فاللغة العربية تمتلك حروفاً متقاربة الشبه في الكتابة كما في اللفظ، فإذا ما تبادلت أدوار مواقعها، قد يحصل تغيير في المعاني طولاً وعرضاً، جملة وتفصيلاً، كذا فمن نتائج تغاير القراءة بالتحريك للأحرف ذاتها إصابتها بانقلاب في المراد المقصود من معاني الأسماء رأساً على عَقِب. وقد تعطي أحياناً معانٍ معكوسة أو مُـتضادة في أحيانٍ أُخر، تلك التي لم يقصدها الكاتب، وهو ما نطلق
عليه بالطباق الموجب التام.
تقول المقامة، يقول الأولون: يُعدُ اسم الجمع لغرفة (غُرَف) وحركتها بالسكون على الآخر، يمكن أن تقرأ (غَرَفَ) بالفتحة على الآخر، وهي بمعنى فعل ماض. كما أن صفة الشخص الذكر البالغ (رَجُل)، قد تقرأ (رِجْل) بمعنى فخذ وساق وقدم الإنسان. و(البرّ) بفتحة الباء، بمعنى: اليابسة، قد يعني (البرّ) بكسر الباء، وهو: عمل الخير والإحسان. وهكذا لا يسعنا المقام في هذه العُجالة من تدبيج عشرات بل مئات الأمثلة في هذا الخصوص، ناهيك عن كتابة (معاً) بمعنى سوية بشكل (معن) اسم علم، ومثاله في ذاكرتنا: معن ابن زائدة الشيباني (سكون العين في الوسط في اسم معن)، الأمير العربي المشهور بكرمه.
وهناك ميزة أُخرى في اللغة العربية، قد تنأى فيها، قليلاً أو كثيراً، صفة أو تركيباً، عن غيرها من اللغات الحيّة. فلو دققنا في تشريح بعض التراكيب والمصطلحات، نجد أنها تتألف من أكثر من مقطع (مقطعين أو أكثر). ففي قراءة المقاطع مجتمعة بلفظٍ واحدٍ يتولّد عندنا معنى يختلف عن المعاني متقطعةً، ويتيسّر ذلك في اللغة الإنكليزية، كما في لفظ (Sunday)، التي تتألف من مقطعين (Sun) و(Day) . فكلمة (حديد) مؤلفة من (حد) و(يد)، و(برميل) مؤلفة من (برّ) و(ميل)، ولا ندري هل أنها جاءت على وفق عشوائية الصدفة، أم عن سابقة قصد..! وإذا أردنا المزيد في ذلك، فسنصرف ذهننا إلى (دينار)، التي تشكلت وفق مقطعين، هما: (دين) و(نار)، بعد أن أدغمت النونين الآخرية في الأولى، والأولية في الثانية. كما تحتل مشكلة النقطة (التي لا وجود لتأثيرها في لغات أخرى) فوق أحرف: الراء والزاي والحاء والخاء والحاء والجيم والسين والشين والياء والباء. أقول تحتلّ مشكلة ليست بالهيّنة، وما أدراك ما قسوة المشكلة، وهي تتمثلُ في (النقطتين والثلاث نقاط)، التي كثيراً ما أثارت إحراجاتٍ في الكتابة، كما في القراءة، الأمر الذي يجعلُ الحذر في الخطّ، وفي الطباعة، وفي التصحيح، أمراً لازماً، بل موجباً، كي لا ينزلق الكاتب، دون أن يدري، والقارئ الاعتيادي، حسن النية، إلى الوقوع في إشكالات المعاني (اللامقصودة). وكثيراً ما تتردّد مثل تلك الإشكالات في مناقشة أطاريح ورسائل طلاب الدراسات العليا أمام الملأ، وبحضور الجمهور.
وقد يصعب التفريق، إذا ما وقع المحذور في موضع النقطة بين (حدود) و (جدود) و(خدود). ولأن (جليل) اسم مغاير لـ(خليل)، الذي يختلف عن (حليل)، وأنّ (خليلة) هي صفة طباق لـ(حليلة)، فالأمر سوف يشق كثيراً إذا ما توغلنا أبعد في المتشابهات، كما في (فيل) و(قبلَ) و(قيلَ) و(قُتِلَ). وقد تتكرّر الحالة في (خَبَر) و(خُبز) و(خَيْر)، وبين (بوم) و(يوم) و(نوم)، وبين (نصّ) و(بصّ) و(بضّ)، وبين (ساحر) و(سامر) و(سافر) و(ساخر). وتبدو الصعوبة أكبر، إذا كانت الكلمة لا تتحمّل التغيير في تراكيب حُروفها وأعدادها وهيئاتها، بل تبقى كما هي، بل تحتمل التغيير في القراءة، التي تغير من المعنى، لا كما تعودناه في حالة الجناس التام [وجوهٌ يومئذ ناضرةٌ إلى ربها ناظرة]. ففي كلمة (بريق)، إذا كُسرت الباء في الحالة الأولى، فتكون الباء حرف جر، و(ريق) لعاب فم الرجل اسم مجرور، أما بالفتحة، فيصبح (بريق) بمعنى لمعان. والحال ذاتها بين (بِخيل)، بالكسرة أولها، و(خيل) جمع تكسير لحصان، و(بخيل) بالفتحة أولها، هذه التي تعني شحيح.
وإذا ما أساء الكاتب (أي كاتب) في خط (رسم) الكلمة بخطٍ رديء، غير مميز بدقة بين الفاء والغين الوسطية، أو فيما إذا كان القارئ متعثراً في القراءة، أو كانت قد وضعت النقاط بعيدة عن موضعها الدقيق، فالأمر يومئذ سيؤدّي بمجمله إلى حصول تفاوت في المعاني، لا بل إلى خلافات حادّة قد تطيح بالمعنى الأصلي، وكثيراً ما سبّبتْ إشكالاتٍ عويصةٍ في الرسائل، كما في مقالات صحافية، أو عرائض على مستوى تظلم واسترحام تقدم إلى المسؤولين، وقد قيل في ذلك سوالف و قصص، فيها ما أبكى، وفيها ما أضحك..!!
تبقى مسألة البوادئ (Prefixes) واللواحق (Suffixes)، حيث يقتصر الاستخدام في اللغة العربية على البوادئ دون اللواحق، باعتبار هناك لغات أخريات يشاركن اللغة العربية بهذه الصفات. فاستخدام البادئة قبل الاسم أو الفعل أو الصفة يعطي معنى معكوساً، كما في (اللا معقول) و(اللا أدرية) و(غير فعال) و(عدم الدقة) و(لا مسؤول). ففي الإنكليزية تقوم البادئة مثل (Anti) و(Par) و(Pre) بعكس المعنى، وتعطي معنىً مضاداً، كما في الأولى، أو تعني معنىً جديداً، كما في الثانية، وقد تعني (قبل)، كما في الثالثة. أمّا اللاحقة Suffix فهو مقطع يضاف إلى آخر اللفظة بغية تغيير معناها، أو تشكيل لفظة جديدة، مثل (…ment) أو  (…less). وهذه الأخيرة لا يوجد لها استخدام في اللغة العربية على أي نحو كان.
وكأنّي بالنُحاة عصيّ عليهم إيجاد ألفاظ بذاتها تعطي معانٍ مضادة دون نفيها بـ(لا) و(غير) و(دون)...إلخ، لكن أن نضع البادئة النكرة المضاف قبل الاسم بصفة معنى (ضدّوي)، فكأننا لم نجد معنى مفرد يقوم بواجبه وحده، فذاك أمرٌ نريد به فتوى من أولي الأمر في آداب اللغة وقواعدها، ليدلوننا على (أنثى الطاووس) و(أنثى البلبل) و(أنثى الخفاش)، ولماذا يكتبُ بيض النمل هكذا (بيظ). أما اسم أنثى الحمار، فلا يعرفه سوى المتخصصون في اللغة العربية، من أهل الخاصة، وهو (أتان)، مع العلم أننا وجدنا لـ(أتان) ذكر في الكتاب المقدس عند المسيحيين، أثناء إيراد ذكر قصة التاجر الصالح الذي ركب أتاناً، وذهب في سبيل المتاجرة...إلخ، ذلك الاسم الذي لو استخدمناه لسخرت منا العامة والقراء على حدّ سواء..!! ولقالوا بل لتقولوا: إذن ما اسم (ذكر البطة)، أو (ذكر الأوزة)؟!! ثم هم سوف لن يوفروا سؤالاً شيطانياً آخر، يريدون به التفكه لا غير، ولقالوا: إذن ما اسم (أبو بريص) الحقيقي، قبل أن يولد له المحروس (بريص)؟!!
ولأن المسلسلات التلفزيونية العربية، ونخُصّ بالذكر منها (المصرية والسورية)، قد أخذت من وقت المتفرج العربي مساحة كبيرة، وعلى وجه الخصوص فترة السهرة، فإن اللفظ العامي من اللهجات إياها قد أثّر في قوة السمع عند المتلقي العربي، ذلك الذي يدين بلهجات أخريات (عراقية وخليجية)، بسبب حكم التعود على التفرج والإنصات، فصارت القاف تلفظ (كالهمزة الأولية) أينما وردت، ومثالها قولهم (بقدرة قادر) لتصبح (بإدرة آدر)، وتصير (قوي) (أوي)، و(قوام) (أوام)، وقاسي (آسي)، والقمر (أمر)، ما عدا حالة واحدة تراهم يحجمون عن إقلابها، وهي اسم العاصمة المصرية (القاهرة)، فلم تأخذ قافها شيئاً آخر، لأنهم لو فعلوا لوقعوا في إحراجاتٍ كثيرةٍ، فامتنعت عنهم امتناعها عن فتح أبوابها للغزاة.
أما الدجاجة (الدياية)، وجاي (ياي)، فعلم أمر قلب جيمها (ياءً) عند أساطين الفلوكلور من إخوتنا الخليجيين، الذين عسى أن يفتوننا بها يوماً. ولقد سمعت قصة حوار، مضى عليه أربعة عقود من الزمن، جرى بين شخصين أحدهما يماني. فقد سأل أحدُهُم شخصاً يمانياً مداعباً: أتشرب حشيشاً؟! فأجابه اليماني: (أوقاتاً).. أو (قاتاً)!!
وقد ينقلبُ حرف الجيم إلى (كاف معطشة)، ليغدو الجمهور (كمهوراً)، والجيش (كيشاً). أما الذال التي تنقلب إلى (زاي)، فهي طامّة كبرى، من حيث أننا قد ألقينا القبض على القائلين بها عشرات المرات، في مؤتمرات علمية واقتصادية وأدبية، على حدٍّ سواء . فهم عندما يريدون القول عن فلان كونه ذكياً، يقولون: فلان (شخصية زكية)، و(شخص زكي). ولأن (زكي) اسم العلم غير (ذكي) الأخرى، المقصود بها الصفة الخاصة بالذكاء (ذكي)، فهنا يكون المطب الكبير في تفاوت المعاني عن المقصود، وهو أمر لم يفد معه النصح ولا الإرشاد، من حيث أنّ العادة قد ضربت بجذورها في الأعماق، وغدت بمرور الزمن صفة لاصقة، نمت وترعرعت بحكم التنشئة وتأثير البيئة الاجتماعية، وطغيان لهجة العامّي من الكلام في كافة مناحي الحياة. ويقع دور الإصلاح على عاتق معلمي المدارس الابتدائية في تلكُمُ الأمصار، فهي أمانة لغوية، وأمانة علمية.
 أما الطامّة الكبرى الأُخرى، فهي الاستفسار عمّن يقع في هذا المطبّ اللغوي الفجّ (في نظرنا)..؟! نقول: هم طابورٌ طويلٌ من جماعة (هكزا) هكذا، و(نزن) نظن، إذ يقف على رأس أولئك أساتذة كبار، ومُؤرخون، وفلاسفة، و سياسيون، ويقع في أعلى درجةٍ من السلّم: أمين عام جامعة الدول العربية العتيدة والطويلة العريضة، بشحمه ولحمه وطوله وعرضه... ومُغنيّة الأمة العربية، بكل هيبتها وقلافتها: كوكب الشرق أم كلثوم...!
يبقى العتب مرفوعاً (منصوباً) فوق أعناق الطبقة المثقفة والمتعلمة في المجتمع، ونخُصّ بالذكر منهم طبقات وشرائح الأدباء والكُتّاب والأطباء والمحامين وأساتذة الجامعات، والعاملين في حقول السياسة والاقتصاد، من مسؤولين وغيرهم، سواءٌ جاء ظهورهم في محاضرات، أو في ندوات تلفزيونية، أو في مُـقابلات إذاعية، أو في مُؤتمرات، أو في سواها، ونُحدّد على وجه الخصوص المصريين، فهم يبقى عتبنا عليهم شديداً، إذ يجدُرُ بهم أن يراعوا اللغة الصحيحة في أحاديثهم، وفي حواراتهم.
من سياق التداعيات، التي بينتُها بين طيّات أعتاب هذا المقال، تذكرتُ وأنا أدبجّه حكاية (الحلاق الثرثار)، التي كنا قرأناها في الابتدائية، وفصلٌ مهم منها هو ذاك الذي أخذ فيه الحلاق يتحدّث مع الزبون إبّان فترة الحرب العالمية الثانية، ثم صار عصبياً، وهو يشير، والموسى بين أصابعه، إلى رأس الزبون، الذي صار أشبه بخارطة العالم: هنا طوكيو.. هنا انتصر اليابان.. وهنا خسر الطليان...!! وكأني توقفتُ عند اسم الجمع للإيطاليين (الطليان)، وتذكرتُ كيف أننا مازلنا نطلقه، في مدينتنا الشمالية العزيزة والمشهورة بزراعة الشمزي (الرقي)، على صغار النعجة، تلك التي صارت بقُدرة قادر (مدام) أنثى الخروف، فهُو (طلي) وجمعُهُ (طليان)...!! 
وقبل أن أنتهي من الضحكة الواسعة المجلجلة، التي استلقيتُ بسببها على قفاي، تذكرتُ أحد الظرفاء من أصدقائي حسني النية، الذي ضرب لي يوماً هاتفاً، بعد منتصف الليل، فأفزعني، وأفزع أهل بيتي، دون أن يلقي عليّ تحيات، ودون مقدمات. ساعة رفعت سماعة الهاتف، صرخ في وجهي مرة واحدة: أرجوك... أرجوك، عندي ضيوف أعزاء على قلبـي، فدخلت أنا وزوجتي وعيالي وإياهم في نقاش وسجال، وقع بيننا على إثرها خلاف شديد، سبّب لنا حرجاً ومرجاً... فصرنا بين حيصَ بيصَ، أسعفني وأنقذني وأجبني على سؤالي... وأرحني أراحك الله في الدنيا وفي الآخرة، وأدخل في قلبك السرور والحبور، وأسكنك ما بين الخورنق والسدير: هل هناك أوجه شبه، أو تشابه، أو تماثل، أو جناس، أو طباق، في اللفظ، أو في المعنى القاموسي، بحيث لا يخالف (المنجد)، ولا شرع الكلام، ما بين الـدْشْ... والدشداشة؟!!!
الحقيقة، أن مهاتفة الصديق الظريف ثقيل الظل أزعجتني، فصرتُ من شدة غيضي لا أدري ماذا أفعل. فقلت في نفسي: فلأعاقبنه عقاباً شديداً من جنس العمل نفسه، ولأداوينه بالداء ذاته... فصرتُ بارداً جداً، وأبرد من (ط...) السقّا، فرديتُ عليه بكل هدوء وسكينة:
اسمع يا أخَّ العرب!! (بالمناسبة فإن أخّ المشددة تأتي هنا على وزن أخّ...) إنّ هناك لما أردت معانٍ ثلاث: (فالدش) يُراد به الهوائي المعمول على شكل صحن، أو طبق، يُوضع في أعلى سطح المنزل، لأغراض استقبال البث الفضائي. و(دش) الثانية، فهي فعل أمر مبني على السكون، يعني بلغة أهل الخليج: (ادخل)..!! أمّا (الدش) الثالثة، فهي نصف (القصيرة)، وبـ(ردن) واحدة، ولو أكملتها (بالداش)، لصار ثوباً أبيض متعدّد الاستخدامات.. وقد سمعنا من أخوتنا اللبنانيين يقولون: نيـّال من لو مرقد معزتو بلبنان...
وأنا أقول: نيال (هنيئاً له) من لو (له) مرقد، إغفاءة ظهرية، قرب دار صوفيا لورين في بلد (الطْـلْ) (يـانْ) ...!

واللبيبُ بالإشارةِ (يافْ) (هاموووو)..!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق