الأحد، 4 يناير، 2015

مرافيء// هذا المرض العضال

د. يحيى عمر  ريشاوي
الفساد المستشري في جسد مؤسسات الحكومة (هنا)، والحكومة (هناك)، جعل من هذه الظاهرة السرطانية (ثقافة وسلوكا!) لدى الكثيرين. ليست الحكومة، ومن بيدهم مقاليد الحكم، أو الذين يتبؤون مناصب حكومية، فقط، مسؤولون عن تفشي هذا المرض الخبيث، بل كل من شارك، أو (سكت) عن تضخم هذه الآفة، يتحمل بقدر مشاركته، أو (سكوته)، جزءا من هذه المسؤولية الدينية والدنيوية .
الكثيرون منا لا يفكر إلا بالاتصال بزميل له في زمن الدراسة، أو جار في زمن الطفولة، أو شخص التقى به في مناسبة اجتماعية، كي يتوسط له، ويقدم معاملته على حساب غيره، بصورة صار الأصل في إجراءات
مؤسسات الدولة: المعرفة، والقرابة، والاتصالات التلفونية! استشراء هذه الظاهرة جعل من (الواسطات)، وتسريع المعاملات، أمرا عاديا إلى حد الغرابة، وحين يبدأ أي منا بإجراءات إدارية، في أية مؤسسة حكومية، فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه هو المعرفة والقرابة، لا الإجراءات القانونية والأصولية العادية .
الغريب في الأمر، وربما المضحك المبكي، في أحاديث الفساد الإداري والمالي، في هذا البلد، أن بعض الغارقين في مستنقع الفساد، يعتلون المنابر، وينافسونك في الحديث عن مخاطر الفساد، وكيفية القضاء عليه! بعض المسؤولين، ومن أوصلته المحسوبية والتملق، فحسب، إلى منصب رفيع، تراه يقدم المشاريع والطروحات، وربما يجرؤ على كتابة المقالات والدراسات في آليات مكافحة الفساد، والسبل الكفيلة في إيقاف هذه الظاهرة !
والأنكى من هذه وتلك، حين تسمع أن سياسيا، أو مسؤولا رفيع المستوى، قد أمر بتشكيل لجنة للبحث عن عوامل الفساد في مؤسسة معينة، وتقصي الحقائق، وتسليم المتهمين إلى العدالة، في حين أن المسبب الحقيقي لتفشي هذه الظاهرة في تلك المؤسسات، هو نفس هذا المسؤول (البطل!)، هو نفسه غارق إلى أخمص قدميه في الرشوة والمحسوبية والتجارة غير الشرعية، وغيرها من مظاهر الفساد المستشري في جسد هذه الأمة. وأنا أكتب هذه الكلمات، أتذكر البيت الشعري الذي كان والدي -رحمه الله- يردده دائما مع نفسه:

وراعي الشاة يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الرعاة لها ذئاب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق