11‏/08‏/2012

أنا لا أكــــذب أبــــداً

مروان الكوردي
كانت الساعة تشير إلى الخامسة فجراً، عندما جاءت أمي الحنونة بخشخشة شبشبها نحو أريكتي المتواضعة صائحة في أذني:
_ "استيقظ يابني، الوقت متأخر، سوف تشرق الشمس، أليس من المفروض أن تذهب وتسحب مصيدتك السمكية في بركة ماء ((النيردوش))؟". ...
و بسرعة قمت من نومي، ولملمت شملي وناديت أخي الصغير ((سامي)) الذي يصغرني بست سنوات، و أخذته معي... 
كانت البركة الوسخة الزرقاء اللون، والتي تعج بأعواد الخيزران والصفائح التنكية والأوساخ المتراكمة، صغيرة، وتقع أسفل تل النهر، وتقدر مجمل مساحتها طولا وعرضا مئة و خمسون متراً، وقد تناثرت في داخلها هياكل القطط الميتة، وجلود الأبقار المسلوخة، والصفائح الفارغة، وأعقاب الأكواب الزجاجية، إلى جانب أسماك كبيرة، وتتكون في كل صيف نتيجة انقطاع مياه النهر عن الحفرة، وتجمع المياه المنسابة إليها، ومعها الأسماك والمخلوقات المائية التي لا تصل الأيادي الشريرة إليها..
الآن البركة رجراجة بالأسماك، وبما أن الوضع ليس مناسباً للصيد، لذا يتحتم على الصيادين القليلين اصطيادها بالقلاب(المصيدة السلكية البرونزية فقط)...
لكن، هناك ولدان ماهران ومغامران، وضعا مصيدتهما الخيطية الطويلة في طرفي البركة و بمجازفة كبيرة جداً، و هما أنا .. المتعطش إلى الأسماك وأكلها.. و ابن عمي ((فواز)).
و كنا نمشي بسرعة في ذلك الوقت، قبل أن تشرق الشمس، معتقدين ان السرطان سوف يأكل الأسماك مع شروق الشمس، ومررنا بجانب دار ((فواز))، وقال ((سامي)) بقلبه قبل لسانه:
و ماذا بـ((فواز)).. ألا تناديه أيضاً؟ الأجدر أن نأخذه معنا أيضا، لأن مصيدته أيضا هناك، 
لكن بإشارة نفي قاطعة، حذرته من غبائه مرة أخرى و تدخله في ما لايعنيه.. واستمرينا في المشي السريع، ووصلنا إلى المصيدة، كان الجو مازال باردا قليلاً، ومن هنا وهناك نسمع زقزقة الطيور على أعواد الخيزران، هناك أسماك صغيرة تلعب بالقرب من ماء النبع الصغير أسفل الحافة الحرجة المسلطة على ماء البركة، و تفوح من المنطقة رائحة نتنة..
ها هي مصيدتي تتحرك القطع الفلينية على رأسها ببطء، ما يشير إلى أن الأسماك حتما عالقة بين حلقاتها، وبحذر شديد، تسللت إلى داخل الماء الوسخ، بحذاء متين من النوع الذي يلبسه الجنود في المعارك، ورفعت المصيدة، لكن خاب ظني إذ لم يكن هناك سوى سمكتان صغيرتان بحجم ملعقة الطعام!!! يا للخسارة، يوم كامل وأمل كبير، وحلم جميل بوجبة فريدة من نوعها، إذا بي اندهش من سمكتين صغيرتين، وفي الطرف المقابل، كانت قطع الفلين تبرز وتختفي في مصيدة ((فواز)).
يا إلهي ماذا أفعل؟.
خطرت ببالي فكرة شيطانية.. شيطانية حقاً.
و بعد دقائق، كنا في الطريق عائدين إلى البيت وجعبتنا مثقلة بستة أسماك كبيرة واحدة من نوع ((جري)) ذات الشوارب المتينة القوية والفم الواسع، ذلك الذي ندعي أنه ليس له أشواك،
و أسعدنا والدنا بذلك، وأسرعت بعد ان وضعت جعبتي في البيت، نحو بيت ((فواز)) وذهبت معه مرة اخرى إلى البركة، لأخبره بين دقيقة وأخرى، أني وجدت مصيدته تنسحب نحو أسفل المياه ثم تظهر مرة ثانية، أعتقد أن هناك أسماك كبيرة وكثيرة عالقة بخيوطها..
وما إن وصلنا إلى المكان إلا واندهش ((فواز)) بناتج فريسته، فرح جدا بنصيبه، لقد كانت الفريسة عبارة عن أربعة أسماك كبيرة تزن كل واحدة منها ربع كيلوغرام.
مرت الساعات، ونحن في البيت نستمتع بتقليب الأسماك في الطاسة الواسعة على النار، داخل الزيت المقلي، لكن فجأة وصل إلى مسامعنا بكاء، بكاء ابن عمي العزيز الحنون يثور ويبكي ويقول: أريد أسماكي الآن. لقد سرقتموها مني..
وأنا بدوري اندهشت من غرابة جنونه، كيف لي أن أسرق الأسماك، إنها لا تساوي شيئا، وأقسمت و بحضور جميع إخواني وأبوي و((فواز)) وأمه، أقسمت بأني لا دخل لي بمسألة أسماكه، وأني لا أعرف شيئا عما يدعيه ((فواز)). 
بعد دقيقة خرج ((فواز)) ودخل مرة أخرى وأطل علينا بمفاجئته الكبرى.. ((سامي)) الصغير، وأشار إليه ان يتكلم بالحقيقة، قال ((سامي)) في صدق تام:
_ "صدقوني، انا لا اكذب، قال لي أخي( سوف أسحب مصيدة ((فواز))، و إياك أن تقلها لأحد، خاصة له، إن من حقنا أن نسرق منه، لأن ذاك كان مكاننا أول الأمر، وكان من المفروض أن نضع مصيدتنا في المكان الذي وضعها هو فيه).. واقتنعت بكلامه.." 
استمر يتحدث بسرعة.. و خشية من مجيء ((فواز))، سحبنا مصيدته بنعومة، وإذا بها ثقيلة جداً و مليئة بالأسماك الكبيرة الرائعة، و بكل مهارة، كمن مارس ذلك مئات المرات،تم فك الأزرار عن ست أسماك من بين أجمل الأسماك وأعدنا المصيدة إلى مكانها كما لو أننا لم نمسسها بتاتاً، و صعدنا تل النهر..
وصدقوني، أنا لا أكذب أبداً.."
وركضت من بين الجميع مفضوحا، إلى الخارج، والخجل يسيطر على أركان وجهي، وقد فقدت لذة الاستمتاع بالسمك المقلي، و مازال كلام ((سامي)) الصغير يطن في ذاكرتي وهو يقول:
أنا لا أكذب أبداً.
أنا لا أكذب أبداً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق