الخميس، 3 سبتمبر، 2015

الجذور التاريخية للباطنية الحديثة في إيران

د. فَرست مرعي
لقد ظهرت العديد من حركات الغلو الباطنية في المشرق الإسلامي، في أواخر القرن الثامن عشر، وبلغت قمة غلوها في منتصف القرن التاسع عشر.
ظهرت هذه الحركات في إيران، عندما حكمتها سلالات تركمانية عديدة، كانت تنتمي في عقيدتها للمذهب الشيعي. كان همها الأكبر استنزاف خيرات البلد من أجل أطماعها وبقائها في السلطة، فضلاً عن تلقيها الدعم الغربي، لذا سمحت بطيب خاطر للتغلغل الروسي والبريطاني في شؤون إيران للوقوف بوجه الدولة
العثمانية، حتى وصل الأمر بالشاه الصفوي عباس الأول (1588-1629م) إلى تمني زوال المساجد والجوامع في الدولة العثمانية، ومن أجل ذلك فقد سمح للعديد من إرساليات التنصير الغربية، بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي، للعمل داخل إيران، ابتداءً من بداية القرن السابع عشر، وهذا ما ألقى بظلاله في ظهور العديد من الشخصيات الباطنية التي تحمل أفكاراً مخالفة لعقائد الإسلام، وقامت بتأسيس وهندسة الكثير من الحركات، والتي كانت لها جذور تاريخية في البيئة الإيرانية، من قبيل الحركات: الخرمية، والبهافريدية، والأستاذسيسية، والبابكية، والمازيارية، والمقنعية، وغيرها. ومن هذه الحركات:
أولا: الشيخية
لم تنقطع مؤامرات الحركات الباطنية على العقيدة والفكر الإسلامي في التاريخ حتى الوقت الحاضر، وفي بداية القرن التاسع عشرالميلادي تم تجديدها على يد شيخ فاسد العقيدة، غامض الفكرة والأسلوب، يثير حوله جواً من
التقديس الكاذب، وهو الشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي (1753- 1826م)، والذي أسس طريقة في مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، سميت فيما بعد بـ (الشيخية).
والشيخية يقولون: إن الحقيقة المحمدية تجلت في الأنبياء قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) تجليا ضعيفا، ثم تجلت تجليا أقوى في محمد والأئمة الاثني عشر، ثم اختفت زهاء ألف سنة (260 – 1260هـ/874-1844م)، وتجلت فيما بعد في الشيخ أحمد الإحسائي، الذي هو الركن الرابع، وفيما بعد في الشيخ (كاظم الرشتي ت1843م)، ثم تجلت في (محمد كريم خان الكرماني ت1870م)، هذا التجلي أو الظهور هو أعظم التجليات لله والأئمة.
والركن الرابع، من الشيخ الإحسائي إلى ما بعده، هم شيء واحد، يختلفون في الصورة، ويتحدون في الحقيقة، التي هي الله، ظهر بينهم أو حل في أجسامهم (=على غرار تجسيد النصارى للمسيح).
ويعتقدون أن (محمداً) رسول الله، وأن الأئمة الاثني عشر هم أئمة الهدى، ومعنى الرسالة والإمامة عندهم أن الله تجلى في هذه الصورة، فمنهم رسول، ومنهم إمام. ويعتقدون أن اللاحقين هم أفضل من السابقين. وبناء على ذلك، فـ(الشيخ أحمد الإحسائي) - في رأي أصحابه- أعظم من جميع الأنبياء والمرسلين. ويعتقد هؤلاء أيضا بالرجعة، ويفسرونها بأن الله، بعد أن غاب عن صور الأئمة، رجع وتجلى تجليا أقوى في الركن الرابع، الذي هو(الشيخ أحمد الإحسائي)، ومن يأتي بعده.
الشيخ أحمد الإحسائي من الشيعة الحلولية، الذين يقدسون (علياً)، على غرار الشيعة النصيرية (العلوية)، وأدلته الفلسفية مستقاة من مذهب الصوفي الشيعي الإيراني (الميرداماد)، المتوفى سنة 1631م، والفيلسوف الإيراني الباطني المشهور (ملا صدرا الشيرازي)، المتوفى سنة 1640م.
وترشح كتاباتهم بأنهم يعتقدون في (علي بن أبي طالب)، على نحو ما يعتقده فلاسفة الأفلاطونية المحدثة في العقل الأول، بل أدهى وأمر.
أما اعتقادهم في يوم القيامة، فهو اعتقاد باطل، مخالف لنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وإجماع الأمة، فقد أقروا بوجود جنتين وجهنمين، إحداهما في هذه الدار العاجلة (الدنيا)، والأخرى اللاحقة (=القيامة)، وأن الجنة هي الولاية والاعتراف بالقائم، ولا فرق. أما يوم الحشر، فإن الخلق لن يعودوا إلى الله، وفق تعاليم الإسلام، وإنما إلى المشيئة الأولى، وأن البعث ( =النشور) لا يكون في الأجسام المشهودة، بل في أجسام لطيفة كثيفة (= هورقليائية)، هي أجسام بين عالم الكثافة وعالم الجنة الروحاني. وبعبارة أخرى، فإن فكرة (الإحسائي) حول مسألتي المعاد والمعراج الجسماني، تعد بدعة في العقيدة الإسلامية، فقد كرر أن جسم الإنسان مكون من أجزاء متباينة مستمدة من الطبائع الأربعة (= الماء والتراب والهواء والنار)، والأجسام التسعة السماوية (=الشمس والقمر والكواكب السبع)؛ والجسم الذي يقوم في يوم القيامة لا يتكون إلا من الأجزاء السماوية، وأما الطبائع الأربعة، فإنها تعود إلى الأرض بمجرد الوفاة. وعلى هذا، فإن معراج النبـي محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى السماء كان روحاني بالجسم الهورقليائي، لا جسماني.
وقد استخدم الشيخ (الإحسائي) جميع وسائل الباطنية، من: تأويل، وحلول، وتناسخ، وتقديس للأنبياء والأئمة، فالإمام مخلوق من نور الله، وأنه صاحب المشيئة في العالم، لأنه نفس الله! ولم يتورع (الإحسائي) عن الاستناد على روايات كاذبة، وأحاديث ضعيفة، منسوبة إلى أئمة الشيعة الاثني عشرية، في تمرير أساطيره وخرافاته، التي بلغت أكثر من مائة رسالة وكتاب، بين أتباعه، الذين حاولوا دون جدوى توضيح آراء أستاذهم والدفاع عنها.
وقد طرح الشيخ أحمد الإحسائي نظرية (الكشف)، المشابهة لنظريات بعض الصوفية، ومفادها : "أن الإنسان إذا صفت نفسه، وتخلصت من أكدار الدنيا، يستطيع أن يتصل بأحد الأئمة من أهل البيت، عن طريق الكشف والأحلام، فيوحي له الأئمة بالعلم الغزير، وتكشف له الحجب. وادعى أنه حصل على العلم بهذه الطريقة (الكشفية)، وقال: إنه رأى في منامه ذات ليلة الإمام (الحسن بن علي) فأجابه عن مسائل كانت غامضة، ثم وضع فمه الشريف على فمه، وأخذ يمج فيه من ريقه، وإنه علمه بيتا من الشعر، كلما قرأه قبل النوم، رأى في منامه أحد الأئمة، وأتيحت له فرصة التعلم منه".
وقد فتح (الإحسائي) بابا واسعا للتطرف والغلو، وراح يبث أفكارا غريبة، كالقول بأن المعصومين الأربعة عشر، أي النبـي محمد (صلى الله عليه وسلم) وفاطمة والأئمة الاثني عشر، هم علة تكوين العالم، وسبب وجوده، وهم الذين يخلقون ويرزقون، ويحيون ويميتون. ومع إنه كان يقر بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، والمحيي والمميت، في الحقيقة، إلا أنه كان يقول:" بأن الله العزيز قد تكرم عن مباشرة الأمور بنفسه، وأوكلها إلى المعصومين الأربعة عشر، حيث جعلهم أسبابا ووسائط لأفعاله ، فهم مظاهر لأفعال الله، ومحال لمشيئته".
خلفت هذه الآراء الأسطورية، والروايات الضعيفة، ردود فعل عنيفة داخل الأوساط الدينية في كربلاء، حيث رد عليه العديد من علماء الشيعة الاثني عشرية، وعدّوه منحرفا عن مذهبهم، ومغاليا في الإسلام، بل وصل الأمر بهم إلى نعته بالكافر، على حد تعبير عالم قزوين (ملا محمد تقي غاني)، فضلا عن علماء آخرين، أمثال: السيد (محمد مهدي الكاظمي)، و (الشيخ محمد مهدي الخالصي)، مما أدى إلى هروبه من كربلاء قاصداً المنورة المنورة، حيث مات فيها.
وبخصوص علماء الشيعة المعاصرين، فهم يعدونهم من أتباعهم، فعندما سئل الشيخ (علي الكوراني): ما هي عقائد المذهب الإحقاقي؟ وهل هم خارجون عن مذهب الشيعة الاثنا عشرية؟ أجاب: "لا يصح التعبير بالمذهب الإحقاقي، حيث لم يدع الشيخ الإحقاقي (قدس سره) أنه صاحب مذهب، ولا أجداده، ولا أتباعه، بل مذهبهم التشيع لأهل البيت الطاهرين، وهم إمامية إثنا عشرية، يسمونهم: الشيخية، أي أتباع مدرسة المرحوم الشيخ (أحمد الإحسائي) (قدس سره). وفرقهم عن غيرهم من الإمامية، أنهم يقولون بمقامات لأهل البيت المعصومين (صلوات الله عليهم)، ويناقشهم في بعضها بقية العلماء، ويتهمهم بعضهم بالغلو. ولا خلاف بين الشيعة في ثبوت المقامات للأئمة عليهم السلام. فالخلاف بين الشيخيين وغيرهم صغروي، والأمر تابع لدليله، وما يثبته لهم الكتاب والسنة. كما يوجد لبعض علمائنا إشكالات على المرحوم الشيخ أحمد الإحسائي، وعلى الإحقاقيين، ويرون أن لهم شطحات تضر بعقيدة التوحيد. والموقف الصحيح أنه يجب أن تبقى هذا المباحث العلمية بين العلماء، وأن لا يخوض المؤمن فيما لا يعلم، ولا يرتكب تكفير أحد بما لا يعرف، ويحرص على وحدة المؤمنين، وترسيخ الأخوة بينهم، خاصة في وقتنا الذي وقعت فيه مشكلات بعد وفاة المرحوم الشيخ عبد الرسول الإحقاقي (قدس الله نفسه)".
وما تجدر الإشارة إليه هو أن الفكرة الباطنية، نظرا لما يحيط بها من غموض وإبهام، ولما في طرق تأديتها وتعاليمها من رموز وإشارات، قد يتعذر وجود شخصين متفقين فيها، وهذا ما جعل (كاظم الرشتي) يخالف أستاذه (أحمد الإحسائي) في كثير من مبادئه، ويؤسس له طريقة جديدة، عرفت بـ(الطريقة الكشفية). وهذا بعينه أيضا هو الذي حدا بالميرزا (علي بن محمد الشيرازي) أن يؤسس، بعد مدة، دينا جديدا (=الدين البابي)، رغم اتصاله الشديد بأستاذه (كاظم الرشتي).
وكانت الشيخية، في حياة السيد، متفقة على زعامته ومرجعيته، ولكن بعد وفاته انقسمت إلى فرقتين: فرقة تبعت (الحاج محمد كريم خان الكرماني)، المتوفى سنة 1870م، وعرفوا فيما بعد بـ(الركنية)، وفرقة تبعت (الميرزا حسن طوهر الحائري)، ثم (آل الاسكوئي)، من بعده، وعرفوا بـ(الكشفية).
وهكذا برزت إلى الوجود مدرستان: مدرسة تبريز، والمسماة بشيخية تبريز، ومشيخة كرمان، ووقع نزاع بينهما.
وزعيم الشيخية التبريزية الآن (عبد الله عبد الرسول الإحقاقي)، وموطنه الكويت، وزعيم الشيخية الكرمانية الآن: (الحاج عبد الرضا خان الإبراهيمي)، وموطنه مدينة كرمان، في إيران، ولهم مركز واسع في العراق، في البصرة، وأكثرهم في منطقتي: (التنومة)، و(المُدَيْنة). وينوب عن الزعيم الخان: (السيد علي الموسوي)، وقد بثت هذه الطائفة بعض الآراء والأفكار، التي أدت إلى حدوث النزاع بينهم وبين الطرف الآخر. وقد ذكروا عدة فروق بينهم وبين الشيعة الأصولية، تزيد على ثلاثين فرقاً، إلا أنّها في الحقيقة مسائل جزئية، لا يمكن جعلها من الخصائص المكونة للفرقة الشيخية. وأهم المسائل التي طرحت، وهي محل الخلاف بين الطرفين، أربع: المعاد الجسماني، والغلو، والتفويض، والمعراج (الركن الرابع). فإن هذه المسائل هي أهم نقاط الخلاف بين الشيخية وغيرهم.
وقد أدت الأفكار التي طرحها الشيخية إلى حصول نزاع شديد بينهم وبين خصومهم، واتخاذ بعض المواقف من قبل ما تبنوه من آراء وأفكار. وعموماً، فإن من يرجع إلى الأفكار التي طرحها الجانبان (الكرمانية والتبريزية)، يجدها تحتوي على أمور غريبة، لا تمت إلى الدين الإسلامي بصلة؛ حيث جعلوا الفروع من الأصول، بل وأضافوا إلى الأصول أشياء لم يقم عليها دليل قرآني، أو روائي، كمسألة الركن الرابع، والتي جعلوها من أصول الدين، ومن لم يؤمن بها، أو لم يعرفها، فهو لم يعرف التوحيد ولا النبوة ولا الإمامة.

ثانياً: الركنية
أمّا الركنية، فتتلخص عقيدتهم في التالي:
 يعتقدون أنّ الدين قائم على أربعة أركان:
1-معرفة الله.
2-معرفة الرسول.
3-معرفة الإمام .
4-معرفة الفقيه الجامع للشرائط، الذي يقوم مقام الإمام في زمن الغيبة.
وتجسد الركن الرابع في الشيخ أحمد الأحسائي، ثم في السيد كاظم الرشتي، ثم في الحاج كريم خان نفسه. ولهذا سميت هذه الطائفة بالركنية.
قال صاحب الذريعة في تصانيف الشيعة: "ولمّا شدّد عليهم الأصحاب (=علماء الشيعة الاثنى عشرية) النكير بعدم ما يسمّى الركن الرابع في الإسلام، ألّف (محمد كريم خان الكرماني) رسالة عام 1279 هـ/1862م، أثبت فيها أنّ الركن الرابع هم رواة الأئمة والعلماء جميعاً، ولا تختص الركنية بشخص معين" .
ومن الناحية العملية أصبح الركن الرابع منصباً تتوارثه سلالة الكرماني حتّى اليوم، باعتبارهم المصداق الحقيقي لهذا الركن.
وكان مقر زعامتهم مدينة (كرمان) بإيران، حيث يتواجد أحفاد الكرماني، والأكثرية من أتباعه. ولما قتل مرشدهم عام 1980م في إيران، انتقل مقر الزعامة إلى مدينة (البصرة) بالعراق، أهم معقل لهم بعد (كرمان). وقد توفي زعيمهم الحالي (علي الموسوي) في 15/1/2015م، في مدينة البصرة. وقد رجّح (عامر الفائز)، عضو البرلمان العراقي عن الطائفة الشيخية، من خلال (كتلة المواطن)، أن "يخلف المرجع الديني (زين العابدين الإبراهيمي الكرماني الموسوي) في زعامة الطائفة دينياً في العالم، مؤكداً أن "نجل الراحل الموسوي، (السيد عبد العال الموسوي)، سيكون ممثلاً عن المرجع الديني وزعيم الطائفة في العراق، والراعي لها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.
والركنية أكثر أتباعاً من منافسيهم: الكشفية، ويتمركز وجودهم في مدينة كرمان، ومناطق أخرى من إيران، ثم مدينة البصرة، حيث يتجاوز عددهم ربع المليون نسمة، ولهم تواجد لا بأس به في الكويت.
ويمكن التعرف على أفكارهم من خلال كتبهم، مثل: (رجوم الشياطين)، و(كشف المراد في علم المعاد)، و(هداية الأطفال)، و(هداية الصبيان)، و(إرشاد العوام)، و(الفطرة السليمة)، و(الفلسفية)، للشيخ أبو القاسم الكرماني.       
ثالثاً: الكشفية
بموت الشيخ (أحمد الإحسائي) قبل الموعد الذي حدده لظهور الإمام بعشرين عاماً، وبالتحديد عام 1243هـ/ 1826م، تسلم زعامة مدرسته السيد (كاظم الرشتي)، الذي أوصاه أستاذه بالخلافة الدينية، والتأهب والترقب لظهور الإمام المهدي.
ومن خلال الأفكار الأسطورية، التي عرضها الإحسائي في طروحاته المبكرة، حول الأصول لدى الاثني عشرية، أضاف إلى (التوحيد والعدل والنبوة والإمامة) ركناً آخر (=الركن الرابع)، الذي تمثل في جعل المعصومين الأربعة عشر: النبـي محمد (ص)، وابنته فاطمة، وابن عمه: علي بن أبي طالب، والأئمة الأحد عشر من ذريته، شركاء لله في خلقه ورزقه وإحيائه وإماتته!
أما الحركة الكشفية، فهي تطور طبيعي للشيخية على يد (كاظم الرشتي)، وقد كتب (الرشتي) مجموعة كتب ورسائل، مثل: (دلائل المتحيرين)، دافع فيها عن عقيدة الإحسائي، وحاول شرح غموضها، وعندما هاج الناس عليه، وأرادوا قتله في يوم التروية (8 ذي الحجة سنة 1248هـ/1832م)، ارتقى المنبر بعد صلاة الظهر في صحن ضريح (علي بن أبي طالب)، في النجف، وتبرأ على ملأ من الأشهاد، من مقالة أستاذه الشيخ (أحمد الإحسائي)، بخصوص البعث الروحاني يوم القيامة، بقوله: "أيها الناس إن رسول الله (ص) عرج بجسمه إلى السماء، بل بثيابه ونعله، وإن الخلق يحشرون بأبدانهم وأجسادهم الدنيوية المرئية المحسوسة في الدنيا...". غير أنه التزم بمقالة أستاذه الإحسائي حول الركن الرابع، جاء فيها: "إن الامام علياً، وأخاه رسول الله، وأولاده المعصومين، وزوجته فاطمة عليهم السلام، أمناء الله، وأبواب رحمته، ومقاليد مغفرته، ومفاتيح جنته. هم مفاتيح الغيب، هم السر بلا ريب، هم محال المشيئة، هم سنن الإرادة. والعجب منكم تصدقون القول في حق عيسى بن مريم (ع)، وتقولون: عيسى روح الله، وإذا قلت لكم: إن الإمام علياً نفس الله، تضطربون وتمجونه، فما الإمام علي وأولاده الأئمة المعصومون إلا- علل فاعلية- عالمون بالأشياء كلها...".
وكان السيد (كاظم الرشتي) قد بين طريقة أستاذه في قوله : "وكان يدأب في التدريس، وتلقين الناس، وبث الدعوة إلى طريقته الروحانية، التي ترمي في النظر إلى الأشياء، إلى ما لم يكن مألوفا يومئذ من الشذوذ عن الظاهر والتمسك بالباطن، ونحو ذلك، مما حمل كثيراً من القوم على استغراب تلك الطريقة". وقال أيضاً: "إن تحصيله، وانشراح صدره، على هذه الصورة، إنما هو من بعض أنواع الإلهامات والنفث في الروع، أو من مثل الكشف والإشراق، ونحو ذلك من العنايات الخاصة، مما هو خارج عن مألوف عادات البشر". وذكر (الرشتي) بأن أستاذه لم يدرس عند أحدٍ قط، وليس له شيخ أو أستاذ معروف، مع أنه حصل أكثر العلوم العقلية والنقلية، وله في أكثرها آراء وأنظار.
ولكن علماء الشيعة الإمامية، لا سيما الفرقة الأصولية؛ ما لبثوا أن ردوا عليه أيضا، وعدوه من الغلاة .
ومن جانب آخر، فإن (كاظم الرشتي) نفسه اتبع طريقة أستاذه (الإحسائي) في اللجوء إلى الرؤى وخداع الناس بها، وجمعهم حوله عن طريقها، ولتنفيذ خطته المرسومة، المتفق عليها مع أستاذه (الإحسائي) في التبشير بالمهدي وقرب ظهوره، ووجوب الإيمان به، فانه كان يسرد العديد من الأكاذيب على شكل رؤى، وكان يردد في مجالسه بأن الشريعة الإسلامية وأصول الآداب هي غذاء الروح، لذلك يجب أن تكون الشرائع متنوعة؛ وعلى ذلك يجب نسخ الشرائع العتيقة (=القديمة).
والطائفة الكشفية يعتقدون أنّ الشيعة ينقسمون إلى قسمين: كاملي العقيدة، وناقصي العقيدة. والمعني بكاملي العقيدة هم الكشفية أنفسهم، ومن يعتقد بعقيدتهم في أهل البيت (رضوان الله عليهم). وأمّا ناقصي العقيدة، فهم معظم الشيعة الإمامية. وتتلخص عقيدتهم في أهل البيت (رضوان الله عليهم) بأمرين:
الأوّل: الاعتقاد أنّ علم الإمام حضوري، وليس حصولي، يعني أن يعلم بما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، بإرادة الله تعالى، بحيث تكون جميع هذه المعلومات حاضرة في ذهنه دائماً، كمن يشاهد بالعيان .
الثاني: الاعتقاد بأنّ دم الإمام، وجميع فضلاته، طاهرة.
وعلى أساس هذا التقسيم للشيعة، أصدر علماء الكشفية أحكاماً فقهية خاصّة، منها:
أنّه لا يجوز لمن كان كامل العقيدة أنّ يقلّد مرجعاً ناقص العقيدة، أو يصلّي خلف إمام ناقص العقيدة، أي من كان يعتقد بطهارة دم الإمام، وأنّ علمه حضوري، لا يجوز له أن يقلّد أو يصلّي خلف من لا يرى ذلك. فكمال العقيدة بهذا المعنى شرط في مرجع التقليد وإمام الجماعة.
ويعتقد أنّ تسميتهم بالكشفية لادّعاء علمائهم أنّ خفايا بعض الأُمور تُكشف إليهم ببركات الأئمة المعصومين.
ومن المعروف أن السيد (كاظم الرشتي) كان قد عين أحد تلاميذه، وهو الذي تنطبق عليه الصفات التي كان يرددها في كل درس بقوله:" إن الموعود يعيش بين هؤلاء القوم، وإن ميعاد ظهوره قد قرب، فهيئوا الطريق إليه، وطهروا أنفسكم حتى تروا جماله، ولا يظهر لكم جماله إلا بعد أن أفارق هذا العالم...".
عندما مات (كاظم الرشتي) عام 1259هـ/ 1843م، كان كل شيء مهيأ، حسب الخطة الموضوعة، كي يعلن (الميرزا علي محمد الشيرازي) ظهوره. ففي سنة 1260هـ/ الموافق 23 مايس 1844م، أي بعد مرور سنة واحدة على وفاته، ادعى أنه الباب إلى الإمام المنتظر المستور، ويعني ذلك أن الناس عن طريقه يتصلون بالغائب صاحب الزمان، ويأخذون منه أوامره ونواهيه، وكان كثيرا ما يستشهد بالحديث الموضوع: أنا مدينة العلم وعليّ بابها (= يعني نفسه).

رابعاً: البابية
تنسب البابية إلى (علي بن محمد رضا الشيرازي)، الذي ولد في مدينة (شيراز) سنة 1819م. توفي والده وهو لم يبلغ سن الفطام، فكفله خاله (علي الشيرازي)، وكان من تجار (شيراز) المشهورين. ولما بلغ السادسة من عمره، عهد به
خاله إلى أحد الشيوخ، بغية تعليمه، ولكن (علي الشيرازي) كان غير راغب في الدراسة، ومع ذلك فانه تعلم من اللغة العربية شيئا، مع النحو الفارسي، غير أنه برع في الخط براعة مدهشة. ولما وجد خاله أن ابن أخته بعيد عن تقبل الدروس العلمية، أرسله إلى مدينة (بوشهر)، الواقعة على ساحل الخليج العربي، بغية الإشراف على متجره، لا سيما وأن التجارة كانت راكدة في تلك الأيام. وكان بعض التجار في تلك الحقبة يدرسون العلوم الدينية والرياضيات، لذلك انخرط السيد (علي محمد) في دراسة الرياضيات، التي لم تكن تتعلق بفهم الأرقام وأصول الحسابات، وإنما كانت دراستها فلسفية، وتدخل ضمن مفهوم تسخير روحانيات الكواكب. وكان السيد (علي محمد) قد درس الفلسفة والعلوم الباطنية، وسهر عليها.
وفي سن الثانية عشرة من عمره تزوج من الآنسة (سرية)، ورزق منها ولداً سماه (أحمد)، توفي عام 1843م، قبل إعلان دعوة بابيته.
ومما لا شك فيه أن (البابية) قد استفادت إلى درجة ملحوظة (بصورة غير مباشرة) من التراث الباطني، الذي خلفته الفرق الأخرى من التصوف والتشيع الغالي، وخاصة: تراث الحلاج المقتول سنة 309هـ (= صاحب مذهب حلول الله في المخلوق)، والشلمغاني الشيعي المقتول عام 322هـ بتهمة الحلول أيضاً، ومحيي الدين ابن عربي، المتوفى سنة 638هـ، صاحب فكرة (= وحدة الوجود- ووحدة الأديان)، والسهروردي المقتول عام 587هـ؛ فضلا عن تراث الإحسائي والكشفي بصورة مباشرة.
من هو الباب؟
سميت هذه الحركة المغالية بهذا الاسم، نسبة إلى زعيمها (علي محمد رضا الشيرازي)، الذي كان تلميذاً لزعيم الحركة الكشفية: (كاظم الرشتي). وقد لقنه هذا الأخير مبادئ الغلو الباطنية، وأقنعه بأنه (المهدي المنتظر)، الذي سيظـهر بعد وفاته عام 1843م. وبالفعل، وبعد مرور ألف سنة هجرية على الغيبة المزعومة لـ(محمد بن الحسن العسكري)، الذي تصادف (1260هـ) الموافقة لسنة (1844م)، أي بعد مرور سنة على وفاة (كاظم الرشتي). ولم يكذب (علي محمد رضا) النبؤة، فقد أعلن نفسه في البداية (مهديا)، سنة (1844م)، في مدينة شيراز الإيرانية، بحضور الملا حسين البشروئي، في ليلة أملى فيها كتابه (قيوم الأسماء). الأمر الذي دفع بـ(محمد كريم خان الكرماني)، أحد زعماء الشيخية والكشفية، إلى أن يتخذ موقفاً متشددً من دعوته، لأنه كان يعتبر نفسه (الباب).
وعلى أية حال، فإنه في البداية عدّ نفسه الباب إلى الإمام الغائب(=المنتظر)، ومعنى ذلك أنه المصدر الوحيد والطريق إلى العلوم الإلهية وعالم الغيب، حيث انتقلت إليه هذه المعرفة من الإمام (المنتظر)، وسمى نفسه (الباب). ومن هنا جاءت تسمية حركته بالـ (بابية). وقد تدرج الباب في ادعاءاته، حيث انتقل إلى درجة أعلى، حين ادعى بأنه القائم الموعود (= المهدي المنتظر)، سنة 1849م، لأن روح (المهدي) حلت فيه. ثم قفز درجة أعلى، حين قال بأنه نبـي، وأن الله قد أرسله إلى العالم، وأنه أفضل من محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأن شريعته نسخت شريعة محمد (صلى الله عليه وسلم)، بل أن كتابه (البيان) أفضل من القرآن. وأخيرا، زعم بأنه أحد ظهورات الإله، لأن الله قد حل فيه. وبهذا لم يختلف زعيم البابية في أسلوبه عن أسلوب غلاة الباطنية الذين سبقوه. بل إنه سار على نهج العديد منهم، الذين زعموا الانتساب إلى آل البيت زوراً.
وفيما يتعلق بمواقفه، فإنها ليست من بنات أفكاره. وآراؤه ومعتقداته تدل دلالة واضحة على أنه كان متصلا بالصوفيين الحلوليين وأصحاب وحدة الوجود، الذين كانوا قريبين فكريا منذ القديم من مفاهيم الشيعة وفكرة المهدية، التي استعانوا بها في صياغة طائفة من الأوهام والأساطير حول أقطابهم وأوليائهم.
لم يكن (الميرزا علي محمد) جادا في تحصيل العلوم والمعارف، وإنما كان يستسلم بسهولة إلى دراسة الجانب الخرافي من تلك المعارف، كتسخير روحانيات الكواكب.
إن هذه الدراسات قد أثرت في عقله تأثيرا بالغاً، وظهرت عليه علامات الجنون والشذوذ العقلي، وهو (أي: الباب) عندما كان في مدينة (بوشهر)، الواقعة على ساحل الخليج العربي، كان يصعد إلى سطح الدار مكشوف الرأس، ويبقى ساعات طويلة، من وقت الظهيرة إلى المغرب، مستقبلا قرص الشمس، متحملا حرارتها الشديدة، وكان يكرر هذه العملية يوميا، وكان بجانب ذلك كله يحب العزلة والانفراد.
وفي أيام دراسته عند شيخه (كاظم الرشتي) في كربلاء، انقطع فجأة، مع نفر من أقرانه، إلى الرياضة المعروفة عند المرتاضين بـ(الأربعينية)، في مسجد السهلة، الواقع ما بين الكوفة والنجف، على أمل اللقاء بالمهدي المنتظر. وبعد إتمامها خرج وهو في وضع غير عادي من شرود الذهن والانذهال، وصار يتكلم مع نفسه، لذا عده تلاميذ (كاظم الرشتي) تصرفه هذا خروجا على الإسلام.
وكانت دعوة الباب سرية، في بادئ الأمر، وكانت محصورة بين تلامذة الرشتي، الذين كانوا على ما يظهر يعلمون بها مقدما، إذ إن (الرشتي)، الذي أخبر تلامذته بصفاته قد بيّن للأقربين منهم أنهم يجب أن يؤمنوا به حال إعلانه لدعوته. والدليل على ذلك أن الميرزا (الملا حسين البشروئي)، الذي كان أقرب التلاميذ إلى (كاظم الرشتي)، هو أول من آمن به عندما أسر إليه (الميرزا علي) بادعائه البابية؛ ثم تبعه الشيخيون الآخرون، من تلاميذ الرشتي، واعترفوا به بأنه هو (الركن الرابع) لهم، بعد (كاظم الرشتي). كما اجتمع حوله ثمانية عشر شخصاً من كبار تلامذة الرشتي، الذي سماهم (حروف حي)، لأن حرفي: (ح)، و(ي) يعادل الثمانية عشر من العدد، بحساب الحروف الأبجدية.
إن تلاميذ (الباب) الثمانية عشر، بإضافة (الباب) عليهم، يكونون تسعة عشر، عرفوا بـ(حروف الحي)، وهم الذين أرسلهم الباب إلى جهات مختلفة، في إيران، ومناطق آسيا الوسطى، لنشر أخبار مجيئه و ظهوره.
ومن هذه الاسماء المشهورة:
(الملا حسين البشروئي، أول من آمن بالباب، الملقب (باب الأبواب). محمد علي البار فروشي الملقب (القدوس).
فاطمة زرين تاج (قرة العين) الملقبة بـ(الطاهرة). الملا علي البسطامي. الميرزا يحي (صبح الأزل). الميرزا حسين علي نوري (البهاء). محمد باقر بشروئي. الملا خدا بخشقجاني. الملا حسن الباجستاني. السيد حسين اليزدي،كاتب الباب. الملا محمد روضة خان اليزدي. سعيد الهندي. الملا محمود الخوئي. الملا جليل الأورومي. الملا أحمد أبدال الماراقيـي. الملا باقر التبريزي. الملا يوسف الأردبيلي. الملا هادي القزويني. الملا محمد علي القزويني).
وكان (ملا حسين البشروئي) أول من آمن بـالباب، فقد رأى هذا الباب أن يرتحل داعيته الأول عن (شيراز)، ويضرب في الأرض مبشرا بالدعوة الجديدة. وسافر زملاؤه إلى بقية المدن الإيرانية، وكان (الباب) أثناء توديع دعاته، يأمرهم بتسجيل أسماء كل من يدخل في دعوته. وقد انتشرت الدعوة (البابية) في صفوف الشيخيين في إيران انتشارا كبيرا، لأنهم كانوا يترقبون ظهور (صاحب الزمان) بمناسبة قرب انتهاء ألف سنة على غيبته.
وعندما حلت سنة 1260هـ/1844م صاروا متلهفين لسماع النبأ العظيم، الذي كان قد بشر به زعيماهم: الشيخ (أحمد الأحسائي)، والسيد (كاظم الرشتي). فلما وصلهم نبأ ظهور (الباب علي محمد الشيرازي)، تهافت الكثير منهم عليه؛ وكان لنظرية (الأحسائي) في (الجسم الهورقليائي)، دور كبير في تقبل الشيخيين لفكرة حلول الإمام المهدي في (الباب).
وقد رفض علماء الشيعة في العراق وإيران دعوى (الباب) في المهدوية، ورأوا في فكرة نسخ الدين الإسلامي، التي جاء بها، نوعاً من الهرطقة والكفر بالإسلام. وأصدر الشيخ (محمد تقي البرغاني) فتوى بتكفير البابيين، كما ألقت الحكومة الإيرانية القبض على (الباب)، وأعدمته في (تبريز)، في 9 تموز من عام1850، ولكن حركته استمرت بصورة سرية، وتطورت فيما بعد إلى (الحركة البهائية)، التي أعلنت خروجها من الدين الإسلامي.
وكان هناك بالطبع جناح من (الشيخية) أنفسهم رفض الدعوة البابية، وفكرة نسخ الدين الإسلامي، وحارب (البابيين) بشدة، وكان هذا الجناح بقيادة (الميرزا محمد حسن جوهر) المتوفى سنة 1261هـ/1845م)، الذي كان يتخذ من (كربلاء) مقرا له، وكذلك الجد الأعلى للشيخ (الميرزا حسن الإحقاقي)، الذي توفي مؤخرا، وهو (الميرزا محمد باقر)، المتوفى سنة 1301هـ / 1883م)، وقد قام هذا الجناح المعتدل بالانفتاح على المدرسة الأصولية (الاجتهادية) الشيعية الاثنا عشرية، ورفض الطريقة (الكشفية)، ولكنه ظل محافظا على ولائه للشيخ (أحمد الإحسائي)، واسم (الشيخية)، وانغلق على نفسه داخل الشيعة الإمامية، ولم ينخرط في الحركة العامة، حيث ظل يحتفظ بمرجع ديني خاص، وامتاز بنظام توريث المنصب القيادي الديني شخصيا، وبصورة عمودية، بدءا من الشيخ (محمد باقر الاسكوئي الإحقاقي)، الذي ورّث المنصب لابنه (الشيخ موسى الاسكوئي)، الذي ورّثه إلى ابنه (الشيخ علي)، الذي كان يقيم في الكويت (توفي سنة 1964م)، والذي أوصى بها إلى ابنه العلماني الدكتور (جعفر رائد)، ولكنه رفض المنصب، لأنه كان قد خلع الزي الديني، وكفر بالنظريات الشيخية؛ وانخرط في السلك الدبلوماسي الإيراني، وأصبح سفيرا للشاه (محمد رضا بهلوي) في (المملكة العربية السعودية)، ثم توفي في (لندن) سنة 1993، فانتقلت المرجعية الدينية للشيخية إلى أخي الشيخ علي: (الشيخ الميرزا حسن)، الذي توفي، وورّثها بدوره إلى ابنه (الميرزا عبد الرسول الاسكوئي الإحقاقي)، الذي أصبح الآن زعيم الشيخية، ويتخذ من (الكويت) مقرا دائما له، منذ عدة سنوات.
لقد وجدت آراء (علي بن محمد الشيرازي/ الباب) تربة خصبة لها في إيران القاجارية، في منتصف القرن التاسع عشر، لأسباب عديدة، منها:
1.   كان نظام الحكم في إيران في القرن التاسع عشر، نظاما كسرويا استبداديا طاغيا، فالشاه هو الحاكم المطلق الذي لا يرد قوله، الأمر الذي أوقع الشعب الإيراني في مهلكة عظيمة.
2.   أن غالبية سكان إيران الشيعة يعيشون منذ صغرهم تحت ركام من الإيحاءات المستمرة بشأن ظهور المهدي، صاحب الزمان، الذي يملأ الارض عدلا، ينقذهم مما هم فيه من فساد السياسة والإدارة والعيش، وهذه الفكرة من صلب عقيدتهم أخذت عليهم مشاعرهم، فهم على ذلك كانوا يترقبون المهدي المزعوم في لهف وشوق.
3.   لقد استقرت في عقول كثير من الإيرانيين، الذين كانت الروح المجوسية الزرادشتية تجري في عروقهم، فكرة مجيء نبـي من العجم، في آخر الزمان، ينسخ شريعة الإسلام.
4.   كان الجهل بأحكام الدين، وحقائق الإسلام، سائدا، ليس في إيران وحدها، بل في العالم الإسلامي كله. ومن الطبيعي أن يدفع هذا الجهل صاحبه إلى اتباع أي فكرة، دون مناقشة عقلية، أو رجوع إلى نص صحيح. إن هذا الجهل نفسه هو الذي أدى إلى وضع (اثني عشر ألف حديث) في (المهدي)، والتي ينص كثير منها على أن المهدي ينسخ شريعة الإسلام. إن مثل هذه الأحاديث الشيعية المختلقة(=الموضوعة) هي التي أفسدت عقول الإيرانيين، وجعلتهم يتبعون الملاحدة والمفسدين من دعاة المهدي.
5.   سوء سلوك رجال الدين الشيعة في إيران في ذلك الوقت، فأكثرهم كانوا جاهلين بحقائق الإسلام، يعيشون بين كتب خرافية لا ترد باطلا، ولا تقهر فسادا، ولا تفتح عيون صاحبها على جوهر الإسلام. وكانوا أشبه ما يكونون برجال الكنيسة في الحرص على مطامع الدنيا، واستغلال الدين للحصول على مباهج الحياة. فالشيخ (أحمد الإحسائي) كان قد باع أحد أبواب الجنة لولي العهد القاجاري (الشاهزادة محمد علي ميرزا ابن الشاه فتح علي القاجاري)، لقاء مبلغ ألف تومان إيراني، على حساب فقراء إيران!. فضلاً عن ذلك أن (نظام الدولة سليمان خان الأفشاري)، القائد العام للقوات الإيرانية القاجارية، كان ينثر الأموال نثراً على أقدام السيد (كاظم الرشتي)، لقاء أن يعطيه السيد باباً من أبواب الجنة، نظير ما فعله سلفه (الإحسائي).
6.   أن (الميرزا علي محمد) لقن جيدا كيف يمشي في ادعاءاته بخطوات ماكرة. فقد علم أن منطقة (خراسان)، الواقعة شرق إيران، هي الموطن الصالح لحركته، فـ(خراسان) منذ أقدم الأزمنة، كانت بيئة صالحة للفرق الباطنية والملحدة والإباحية. وكانت مصدر غالبية الحركات والانتفاضات ضد الخلافة الإسلامية الأموية والعباسية.
7.   دعم روسيا وبريطانيا لهذه الحركة. فروسيا كانت لها أطماع في العديد من الأقاليم الإيرانية: كالقوقاز، وآذربيجان، وتركمنستان، وأوزبكستان، وغيرها. لذلك أرادت زعزعة الوضع السياسي والديني في إيران، عن طريق دعم الحركات الباطنية.

أما بشأن (بريطانيا)، فهي كانت مصدر كل الدسائس والمؤامرات طيلة تاريخها ضد الإسلام والمسلمين، فهي الخبيرة بإدارة المؤامرات، وتنفيذ الخطط، لإيقاد نار الفتنة بين المسلمين، وبمساعدة الحركات الهدامة، حقدا على القرآن الكريم، الذي كان الجدار الوحيد أمام بقاء مصالحها الحيوية في البلاد الإسلامية. كما لا يمكن نسيان استعمارها لشبه القارة الهندية، التي كانت تضم قبل الاستقلال كلاً من: الهند، والباكستان، وبنغلاديش، التي تضم ثلث مسلمي العالم. لذا كانت تحاول بشتى السبل دق أسفين بين الطوائف الإسلامية، بقصد إضعاف المسلمين، وتعزيز هيمنتها على الطرق والمسارات التي توصلها بالهند (= درة التاج البريطاني)، بما في ذلك البلدان المطلة على الخليج العربي.

هناك 4 تعليقات:

  1. كس اختك وعرضك الجايف أنتم اولاد زنا ولوطيين الشيخ احمد الأحسائي عظمه اجلاء علماء المذهب اما علماء الأصول فحسده

    ردحذف
  2. كس اختك وعرضك الجايف أنتم اولاد زنا ولوطيين الشيخ احمد الأحسائي عظمه اجلاء علماء المذهب اما علماء الأصول فحسده

    ردحذف
  3. مادري منين جايب هل معلومات لكن اسمحلي اكولك انك لاتقل شأن عن اصحاب الاسرائيليات ان لم تكن احد مؤسسيها ...

    وللعلم ايها الاحمق ان المذهب الشيعي الشيخي كان ومايزال يعاني من السياسات للحكومات الايرانية وكذلك التهجمات من قبل الفرق الشيعية الاخرى لاسباب كثيرة يطول شرحها

    ردحذف
  4. هذا الكلام كله كذب وافتراء وبهتات يا اخي كن منصفا ولا تبخس الناس اشيائهم

    ردحذف