الأربعاء، 2 سبتمبر، 2015

تركيا.. العمق الاستراتيجي.. والمخاطر الفكرية والاقتصادية داخل مكوناتها

هفال عارف برواري
أولاً/ الاستراتيجية:
لكي نعلم ما يجري اليوم، فعلينا التعرّف على دور (تركيا) على الخارطة العالمية، ودور المنظر للسياسة الخارجية التركية (داود أوغلو)، ونظرته لما بعد تأسيس النظام العالمي الجديد، حيث تقوم كل دولة لمضاعفة جهودها، ليكون لها حضور في هذا العالم الجديد.. ورؤية - (كيسنجر تركيا) - كما يسميه البعض-، تتمثل في أن تكون (تركيا) قوة مركزية مؤثرة. وقبل الخوض في هذه الفكرة والاستراتيجية، علينا معرفة المراحل التي مرّت بها دولة (تركيا)، وأهميتها في التوازن العالمي:
1- كان لـ(تركيا) الدور البارز عندما كانت تسمى بـ(دولة المواجهة)، عندما كانت تؤدي دور المواجهة ضد الكتلة الشيوعية.
2- لاحتواء التوسُّع الشيوعي، والوقوف أمام محاولات الاتحاد السوفيتي، الرامية للامتداد جنوباً، إبّان الحرب الباردة.
3- إنها عضو بارز في حلف الناتو.
4- تحولت بعد الحرب الباردة إلى جسر بين الشرق والغرب - أي جسر أوروبا نحو آسيا والشرق الأوسط، ونافذة شعوب الشرق ووسط آسيا على أوروبا.
5- جاء (أحمد داود أوغلو) ليرسم رؤية (تركيا) المستقبلية، في كتابه المشهور والملفت (العمق الاستراتيجي: مكانة تركيا في السياسة الدولية).
 حيث يقول: إن (تركيا) أكبر من أن تكون دولة مواجهة، أو جسراً ونافذة. (تركيا) "دولة مركزية تقع في الوسط - من البلقان والقوقاز ووسط آسيا والمشرق العربي، مركزية ليس بالمعنى الجغرافي فقط، بل بالمعنى التاريخي والثقافي والقومي،، فتشمل الروابط القومية والثقافة الدينية والميراث العثماني"، والعمل على توثيق العلاقات بهذه الدوائر، (مع) عدم التخلي عن علاقاتها التقليدية، وسياستها الخارجية التقليدية، مع الغرب! وتعمل على توازن دورها كبلاد عابرة للطاقة بين المنتجين والمستهلكين. وعندما تتحرك (تركيا) حسب هذه الرؤية، فإنها ستتحول الى دولة محورية، ولاعباً رئيساً على المسرح العالمي! فهي رؤية تجمع بين الواقعية السياسية، والتأصيل الآيديولوجي.
وقد جاءت هذه الرؤية، بعد تراكمات تاريخية مع أوروبا. فبالرغم من قيام الجمهورية بكل شيء في سبيل الدخول في الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من دخولها في حلف الناتو، ومجلس أوروبا، وفي السوق الأوروبية المشتركة، لكن النخبة التركية - بكل أطيافها- يأست من دخولها في الاتحاد الأوروبي:
1- بسبب البعد الديني والثقافي، فأوروبا تعتبر نادياً مسيحيّاً.
2- التاريخ العثماني المرعب لهم، وكيف بلغوا يوماً أبواب (فيينا).
3- الثقل الديموغرافي التركي الكبير، والخوف من نسبتهم الكبيرة، التي قد تسيطر على أوروبا.
4- ضعف دور (تركيا)، بعد الحرب الباردة، عندما أمن الغرب من (الاتحاد السوفيتي)، وأراد الغرب أن تكون (تركيا) مجرد جسر ثقافي واقتصادي بين أوروبا وآسيا.
5- بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبح الأمر ملحاً للتواصل مع الدول المستقلة عنها، والتي لها ارتباطات ثقافية وإثنية، كجورجيا وأذربيجان، بل أصبح العامل الاقتصادي ملحاً جداً، كإمداد أنابيب الغاز والنفط بينها، وكذلك انحسار نفوذ روسيا في دول البلقان. ونشاطات (تركيا) الاقتصادية مع بلغاريا ورومانيا إلى البوسنة، ورغم التنافس الحاد بينها وبين إيران، فإنه على الصعيد الاقتصادي تجري شراكات وارتباطات اقتصادية، لا يمكن لهما الاستغناء عن بعضهما البعض.
ثانياً/ أهمية الموقع:
موقع (تركيا)، لكي تصبح أرضها ممراً، لمرور خط الغاز الطبيعي نحو أوروبا، من أذربيجان وآسيا الوسطى، وكذلك العراق وإيران، عبر أراضيها، عبر خط (جيهان - باكو)، وكبديل عن الخط الروسي، الممتد عبر جورجيا، أي بمعنى خط أنابيب (باكو - تفليس – جيهان)، لنقل بترول أذربيجان، وبترول آسيا الوسطى، وخاصة كازخستان - عبر جورجيا إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط..
وقد يكون لها خيارات أخرى، كجعل روسيا شريكاً لها في مشروع أنابيب نابوكو، الهادف لنقل الغاز الطبيعي عبر بحر قزوين من تركمنستان ( صاحب رابع أكبر احتياطي للغاز في العالم) إلى أذربيجان، ومنها إلى خط أنابيب ناباكو، الذي سيصل بدوره إلى وسط أوروبا
وتأتي أهمية بحر قزوين كونها تقع في منطقة مستقرة، وتمتلك ٤٪ من احتياط النفط العالمي و٥٪ للغاز.
ومن هنا يأتي أهمية استقرار العلاقات التركية الأرمنية، لكي تكون ممرات الغاز والنفط من مناطقها، بديلاً عن الممر الموجود في جورجيا. أما معضلة أرمينيا، فابتعادها عن النفوذ الروسي، يصب في مصلحة أمريكا أيضاً. وعلاقة أرمينيا بـتركيا تخلص أرمينيا من حصار ثلاثي، يشمل تركيا وجورجيا وأذربيجان، واقتصار انفتاحها على روسيا شمالاً فقط. وبالتالي، فبوابة (تركيا) تصب في مصلحتها، فهي بوابتها الوحيدة للانفتاح الاقتصادين لكن شريطة أن تقوم أرمينيا بغلق ملفها عن الإبادة، مقابل سكوت (تركيا) عن الاحتلال الأرمني لإقليم (ناغورنو كارباخ) الأذربيجاني عام 1992م.
موقعها الاستراتيجي يخترق الممر البحري والملاحي للبحر الأسود وبحر قزوين وبحر المتوسط، كذلك ممراتها الحدودية تعمل على تواصل الدول مع بعضها البعض، شرقاً وغرباً. كل هذا يتطلب منها أن تقوم بإعادة توجيه بوصلتها الفكرية، كي تنسجم مع عمقها التاريخي والحضاري.
وهناك أيضاً رؤية إقليمية لـ(سادات لاتشينار)، وتتمثل في قدرة المنطقة على التكامل، وسدِّ احتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية، وتوسيع قنوات الاتصال والحوار، لبناء (ذهنية إقليمية مشتركة). ولكن على الرغم من كل ذلك، قد لا تتحقق هذه الرؤى أمام الطوفان القادم، الذي يريد أن يحرق الأخضر واليابس، وعلى ركامه تبنى أقاليم ومستوطنات، لا تغني ولا تسمن من جوع، ويكون كل ما خُطط له من رؤى ومشاريع لا يتم الوصول إلى جُلّه!
ولكي يتم هذا المشروع، فقد ظهر على الساحة التركية أكثر شخصية كاريزمية، تأثرت بها شرائح واسعة من الشعب التركي، بكل أطيافه وألوانه. فمشروع (داود أوغلو)، كمهندس ومخطط لرؤية مستقبلية، كان يلزمه شخصية قوية تحرّك الشعوب نحو مركزية الدولة، وجعلها دولة محورية، فكان هذه الشخصية هو (رجب طيب أردوغان). فمن هو أردوغان؟
ثالثاً/ الشخصية القياديّة:
(أوردوغان) هو مؤسس (حزب العدالة والتنمية)، صعد صعوداً ملفتاً، لكن أظن أن الواقع الحالي سيؤدي به إلى الهبوط الاضطراري!
 سيرته باختصار:
1- بدأ يعرف بـ(خطيب المنابر)، واتسم خطابه بقوة التعبير، والارتجالية في الكلام، مع الجرأة في المواقف، كما تميّز بالحماسة الفائقة، والعاطفة الإيمانية الجيّاشة.
2- جمع، منذ صغره، بين الالتزام الديني ولعبة كرة القدم، لذلك كان يسمى بـ(الشيخ بينكنباور)، كتشبيه له. وتميز بطاقة حركية هائلة.
3- قام بثورة عمرانية، في كافة المجالات، في (اسطنبول). فقد استلم بلدية اسطنبول وعليها ديون تقدر بـ(4) مليار دولار، وخرج من البلدية ليصفر الديون، ويجعل لها فائضاً مالياً، وأصبح فيما بعد يلقب بـ(محطّم صنم أتاتورك) في (تركيا).
4- حوّل (تركيا) من رجل أوروبا المريض، إلى رجل العالم المتعافي.
5- مؤسس (تركيا) الجديدة الثالثة، لا العثمانية، ولا الأتاتوركية، وتمكّن أن يجمع بين إيجابياتهما معاً.
6- تأثر بأستاذه (نجم الدين أربكان)، الذي منحه فرصة الصعود في (حزب الرفاه)، لكي يصل إلى بلدية اسطنبول عام 1994- 1998م. وقد حل في تلك المدة مشكلات اسطنبول الكبرى حينها، من: الكهرباء، ومياه الشرب، ومياه الصرف الصحي، وأصبح نصير الفقراء والمحتاجين، وقام بتوفير السكن، وفرص العمل، لشرائح كبيرة، وساعده في ذلك شهادته في كلية الإدارة، وخبرته في السياسة، والإدارة، وتجربته التنظيمية مع حزب الرفاه. وكان سر نجاحه الاقتصادي، مع كل هذه الخبرة، والعمل المتواصل، خلفيته الدينية، والبعيدة عن الفساد الخلقي والمادي.
7- عانى مرارات وأزمات قاتلة، من قبل حراس الدولة الأتاتوركية، وتم سجنه بسبب ذلك.
8- حدث انعطاف تاريخي في حياته، إذ قام برسم رؤية جديدة، من خلال تأسيس (حزب العدالة والتنمية)، عندما تم حل (حزب الرفاه)، تاركاً نهج أستاذه وقائده الملهم. وكان يدعو حزبه بأنه (حزب أوروبي محافظ)، وانتقد فكرة استغلال الدين في السياسة. وقال: "نحن حزب محافظ، ديموقراطي، لا يرتكز على أسس دينية، ولا عرقية، ومتحرر من المقاربات الآيدولوجية". وقال: "لا لإمبراطوريّةٍ تركية، لكن دعوة إلى الاحترام المتبادل، والبناء على أسس المصالح الاقتصادية، والسياسية، المشتركة، وممارسة التجارة معاً". وقام ببناء استراتيجيته عن طريق (كلمة السر)، كما قال هو عنها، وتتمثل في:
- إدارة الإنسان.
- إدارة المعلومات.
- إدارة الأموال.
- قص أظافر دولة التنظيم السري، أو الدولة العميقة، المتمثلة بالمؤسسة العسكرية العريقة في (تركيا)، ومنظمتها السرية (منظمة الأرغنيكون)، ولُقِّبَ حينها بـ(الفتى الشجاع).
- خطط لدخول الاتحاد الأوروبي، وكان من مستلزمات الدخول: التوافق مع معايير (كوبنهاكن)، ومن ضمنها: إبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة، وعن التدخل في القضاء، وأجرى في ذلك تعديلات عديدة، ألغي من خلالها هيمنة المؤسسة العسكرية على بنية مجلس الأمن القومي، وتحديد صلاحيات رئيس الأركان، وقام بتحويل أعضاء (مجلس الأمن القومي) من أكثرية عسكرية، إلى أكثرية مدنية، وأقلية عسكرية، مما أدى إلى تحويل (لجنة الأمن القومي) من صفتها في الهيمنة، إلى صفة استشارية فقط. وأعطى تعريفاً جديداً رائعاً للعلمانية، وهو: "حياد الدولة تجاه مختلف العقائد الدينية والقناعات الفلسفية".
9- منذ وصول حزبه إلى السلطة، بادر إلى تقديم رؤية أكثر شمولية، في التعاطي مع الأوضاع القائمة. وبادر إلى حل أكبر مشكلة في (تركيا)، وهي المشكلة الكوردية. ففي عام 2005م خطب (أوردوغان)، قائلاً: "إن الحل السياسي أصبح ضرورة ملحة بالنسبة للمسألة الكوردية، وعلى الدولة أن تعتذر عن ما اقترفته في السابق من أخطاء في حق الكورد". وشدّد على "أن الهوية الكوردية يجب أن تخرج من النطاق الضيق للحسابات الأمنية، وتعامل على أساس أنها إضافة نوعية للتنوع والتعددية، التي يتميز بها المجتمع التركي، وهي - الورقة الرابحة - المتوافرة أمام من يريدون الحفاظ على السلم الاجتماعي، والتعددية القومية، داخل البلد". وبهذه الخطوة كان عليه أن يقوم بإضعاف النهج الأمني في التعامل مع القضية، وقد استطاع فعل ذلك.
10- بادر إلى وضع (خارطة طريق) للمصالحة، لحلّ القضية الكوردية، مخاطباً الحزبين المعارضين: الحزب الجمهوريّ، والحزب القومي التركي: "تعالوا، ولا تبقوا أنفسكم خارج هذه العمليّة، فقد حان الوقت لحلّ جذري لهذه المشكلة، وسنتخذ خطواتٍ مهما كان الثمن". وقد استفاد (أردوغان) من خلفيته الدينية، وتاريخ دولته، للاندفاع نحو الأمام. وقد تأثر بالشاعر التركيّ (محمد عاكف إرسوي)، وخاصة شعره، عندما كان يقول:
الدين شهامة..الدين غيرة.. إن الإسلام الحقيقي هو أكبر قوة في العالم..
إننا في حالة تلاوة القرآن، نتعلّم دروس الشهامة والإيمان والحماس..
11- كما تأثر بأستاذه (نجم الدين أربكان)، الذي يمثل الأب الروحي للإسلام السياسي في (تركيا). لكنه انحرف عن مسار أستاذه، فيما بعد. وقد استفاد أيضاً من فكرة الاسلام الاجتماعي، التي بلورها الشيخ (بديع الزمان النورسي). كما استفاد كذلك من تجربة الداعية التركي (فتح الله كولن)، صاحب المدرسة المنبثقة من الإسلام الاجتماعي للمدرسة النورسية، لكن تم تجديدها بمدرسته، التي تعتمد على (الميراث العثماني - الميراث العلماني- اقتصاد السوق - الديمقراطية)، والمنسجمة مع الغرب. كما اعتمد رؤية (فتح الله كولن)، التي ترى أن المجال الحيوي لـ(تركيا) ليست الدول العربية وإيران، بل هي القوقاز، وجمهوريات آسيا الوسطى، والبلقان، التي فيها أقليات تركية، فلا بد لـ(تركيا) أن تتقوى في مناطق نفوذها. ولجماعة (فتح الله كولن) نفوذ عميق في الدولة التركيّة، حتى أن جماعته سمّيت بـ(الدولة الموازية)، وكان لها دور في كشف مخططات تنظيم الأرغنيكون العسكري، الرامية للانقلاب على حزب العدالة منذ البداية. لكنها الآن تكنّ العداوة لحزب العدالة.
12- وأخيراً كان (أردوغان) يردِّد دائماً - قبل الثورات العربية – مقولة إن معركتنا الأخيرة هي معركة الدستور. وكان يقول حينها: "ليس خيالاً أن يكون القرن الحادي والعشرون قرن (تركيا)، لكن هذا لا يتحقّق إلاّ بتحديث (تركيا)، من خلال التعديلات الدستورية التي تليق بـ(تركيا)". ولكن قامت الثورات العربية، وانجرفت (تركيا) نحو مطبات سياسية، قد تعصف بكل ما بناه..
رابعاً/ النظام الرئاسي:
هناك سؤال يطرح نفسه حول (تركيا)، وهو: لماذا يتم تضخيم تغيير الدستور، والتخويف منه، بحجة تحويل النظام في (تركيا) إلى نظامٍ رئاسي؟
أليس تغيير الدستور مطلباً واقعيّاً؟! فهذا الدستور قد تـم تحريفه من قبل الجنرالات العسكرية، بعد الانقلاب المشؤوم على كلّ الشعب التركي، إذ لم تتمكن الأقليات من الدخول في البرلمان، إلاّ بعد حصولها على نسبة (10%). فالعامل الفاصل والعائق أمام هذا التحدي الكبير، هو تغييره، وهو الحلمُ الذي يراود مخيلة الناهضين بـ(تركيا)، إذ يراهنون على تغيير ذلك الدستور القمعي، الذي وضعه الانقلابيّون العسكريّون عام 1982م، والذي يعد أكثر انقلاب دموي، وكان بدعم أمريكي، بعد خسارة أمريكا لحليفتها إيران عام 1979م.
والعسكر التركي، بقيادة جنرالاته، قام بدوره في إدخال الدولة في صراعات وأزمات واغتيالات، انتهت بالسيطرة على البرلمان بنسبة (90%)، وبذلك تمكّن من تغيير الدستور عام 1982م، الذي كان دستوراً جائراً.
والتساؤل الذي يطرح نفسه: ترى هل توجد دولة قوية، منتجة، ولها نفوذ قوي، ولا تمتلك نظاماً رئاسيّاً؟! فمن المعلوم أن كل دولة منتجةٍ، لها وزن إقليمي متنامٍ، وتتطلع للنهوض، لا بد أن تمتلك المركزية في القرار. فـ(تركيا)، كدولة كبيرة مترامية الأطراف، مختلفة الأعراق والإثنيات، بحاجة إلى نظامٍ رئاسيّ، ودستور جديد، للبلاد. ذلك أن الدستور الموروث، والمكتوب بنزعة (كماليّة)، لا يتناسب مع موقع (تركيا) الجديد، وصعود نفوذها إقليمياً ودولياً، ولا مع سياستها الداخلية الجديدة، وخصوصاً نحو الأقليّات.
والمعروف كذلك أن كل دولة متنفذة، لها نظام رئاسي، مثل النظام الأمريكي، كأكثر النماذج التي يقتدى بها في الشرق، وحتى فرنسا لها نظام رئاسي، وكذلك النظام الروسي. بل حتى النهوض الصيني ينتهج المركزيّة في القيادة، وحتى النظام الإيراني يعتمد على نظام ولاية الفقيه، الذي يعتمدُ بدوره على المركزية في القرار، بجوار رئيسٍ ذي صلاحيّاتٍ واسِعة، توازي نفوذها الاستراتيجي، وتوسعها، لكنها لا تخرجُ عن مركزية ولاية الفقيه! لذلك فكل دولة كبيرة، وذات نفوذ إقليمي، ومتطلعة للنهوض، ولها مشاريع اقتصادية تتجاوز حدودها نحو العالمية، لا بد أن تمتلك نظاماً رئاسياً. وإلاّ فالنظامُ البرلمانيّ في حقيقته يعتمدُ على الآخر، ولا يتجاوز مشاكله الداخلية، ويدور في فلك من هم يرسمون أجندته السياسية والاقتصادية من دول كبرى تمتلك المركزية في القرار! أمّا الدول الأوروبية، فيتم التحكم في مصائرها عن طريق مجلس الاتحاد الأوروبي، والبرلمان الأوروبي، ومركزية الاتحاد الأوروبي، الذي يرسم الخطوط العريضة لسياسة أوروبا.
خامساً/ الصراع من بوابة الاقتصاد:
في مطلع القرن التاسع عشر، بينما كانت الإمبراطورية العثمانية تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة، كان (يهود الدونمة) يسيطرون على الشؤون المالية، وإدارة الديون في الدولة، بفضل علاقاتهم واتصالاتهم بأوساط المال العالمية. وكان هؤلاء أنفسهم، ضمن أهم الشخصيات التي أدارت الحملة الداخليّة ضد السلطان العثماني، والخلافة، باسم القومية التركية، ومن بين أبرز هؤلاء: (إيمانويل قاراصو)، أحد مؤسسي (جمعية الاتحاد والترقي) عام 1889م، التي أسهمت بشكل مباشر في انهيار الإمبراطورية العثمانية. و(شمسي أفندي)، و(اسمه الأصلي: شمعون زوي)، والذي كان منّظراً للقومية التركية، والعلمانية، وصاحب ومدير وأستاذ المدرسة التي درس فيها الزعيم التركي (مصطفى كمال أتاتورك)، أثناء طفولته، في مدينة (سالونيك). و(مؤنس تكين ألب)، الذي كان يبدو (تركيا) قومياً مسلماً، واسمه الحقيقي (مويس كوهين)، وكان مقرباً جداً من أتاتورك، وأحد أطبائه، وفي الوقت نفسهِ كان ثرياً جداً، وكانت له علاقات ممتازة مع المؤسسات المالية الدولية.
في عهد الجمهورية الأتاتوركية:
بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، سيطر يهود الدونمة على الاقتصاد التركي، فمثل هؤلاء كانت لهم الكلمة الأبرز في تحديد مسار الاقتصاد العثماني، وهم الذين تولوا المراكز المهمّة والحساسة في النظام الاقتصادي والمالي لـ(تركيا)، بعد إنهاء الخلافة، وإعلان الجمهورية. ولم يكن لهم دور بارز في تقوية نمو الاقتصاد في (تركيا) لغاية السبعينيّات، وكان لهم الدور الرئيس في تعزيز العلمانية في (تركيا)، وبناء الدولة الحديثة.
فترة السبعينيات:
عندما شعرت القوى العلمانية، المهيمنة على الاقتصاد التركي، باحتمال ظهور قوى أخرى قد تؤثر في مصالحها، قررت فوراً تشكيل إطار رسمي منظم يحمي مصالحها الاقتصادية، ويحافظ على مكانة سياسية، وتأثير قوي، في نظام الدولة. وفعلاً تأسست جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك (توسياد)، عام 1971م، في (إسطنبول)، ويبلغ عدد أعضائها حاليا (545) شخصاً، هم الأكثر ثراءً على الإطلاق في (تركيا)، ويمتلكون (1300) شركة، يعملُ فيها نحو (500 ) ألف شخص، وحجم تعاملها أو نشاطها الذي يتركز على الدول الغربية بشكل خاص، يصل إلى (70) مليار دولار، وتتحكّم في (47%) من القيمة الاقتصادية التي تنتجها (تركيا). ولا زالت هذه الجمعية أبرز قوة اقتصادية علمانية مؤثرة على الحكومات التركية المتعاقبة، ولها تأثير لا يستهان به أبداً على القرار السياسي والتوجّه الاقتصادي لـ(تركيا).
نهاية الثمانينيات:
في بداية التسعينيات، وتحديداً عام 1990م ظهرت جمعية رجال الأعمال الصناعيين، التي أسّسها (نجم الدين أربكان)، وسميت بجمعية (موصياد)، وعدد أعضائها (2600) شخصاً، وهم يمتلكون (800) شركة، لها فروع كثيرة، يعمل فيها ما يقرب من مليوني شخص، وقد قاموا باستثمار أموال المغتربين الترك، خاصة أولئك الموجودين في ألمانيا. وتعملُ هذهِ الشركات وفقاً لنظام المشاركة في الربح والخسارة، والمرابحة، بدلاً من نظام الفوائد التقليدي الربوي، وقاموا بجذب المستثمرين العرب والمسلمين، وأحدثوا نهضة اقتصادية تنافس (جمعية التوسياد)، وحتى أسماؤها كانت تدل على انتمائها، مثل: مؤسسة (البركة تورك)، ومؤسسة (فيصل للتمويل)، ومؤسسة (كويت تورك). وسرعان ما انضمت إليها مؤسسات أخرى، برؤوس أموال تركية أناضولية. لكنها بعد ذلك تعرضت إلى القمع، والتجميد لأرصدتها، من قبل المؤسسة العسكرية، لكنها لا زالت تمتلك قوة اقتصادية لا يُستهان بها.
بدايات الألفية الثالثة:
والأسلوب الجديد الذي كان قد انتهجته حكومة أردوغان، في إدارة الجانب الاقتصادي للصراع بين القوى العلمانية و(الإسلامية)، هو توجهها لكسر احتكار الجهات الغربية واليهودية لهذه الأموال الساخنة، عن طريق جذب أموال عربية وإسلامية لتستثمر في (تركيا).
تأثير المشاريع العملاقة على سياسة واستقرار (تركيا):
أمّا عن (مشروع كاب) العملاق، في جنوب شرق الأناضول، والدعم الإسرائيلي له، مع شراء عقارات وآلاف الدونمات من قبل يهود أتراك، والذي يتألف من (22) سداً، و(19) محطة للطاقة الكهربائية، ومشروعات أخرى متنوعة في قطاعات الزراعة والصناعة والمواصلات والري والاتصالات، وهو من حيث المساحة أضخم مشروع في العالم، ويشمل ثماني محافظات، وعند إتمامه تقارب مساحة الزراعة المروية من خلاله (8.5) مليون هكتار، أي نحو (19%) من مساحة الأراضي المروية في (تركيا). كما أنه سيوفر لنحو (106) مليون شخص فرص عمل جديدة، في هذه المناطق ذات الأكثرية الكورديّة. والجدير بالذكر أن مشروع الكاب تـم تصميمه بأيدي خبراء إسرائيليين، نذكر منهم خبير الري (شارون لوزوروف)، والمهندس (يوشع كالي). أمّا المشروع التركي الثاني، فهو مشروع (سد أورفة)، وهو أيضاً كان بمساعدة مالية من إسرائيل. ويستطيع (سد أورفة)، بعد إتمامه، أن يحبس مياه دجلة والفرات لمدة (600) يوم، مما يعني تجفيف مياه النهرين تماماً، والتي يُراد لها أن تكون البقرة الحلوب لمستقبل إسرائيل!! وأن تكون سلة غذائية لها، وتغذيتها بالماء العذب، عدا الآبار النفطية، والاحتياطات الغازية، الموجودة في ساحل البحر البحر المتوسط، والتي تأمل أن تكون بيد إسرائيل، ما ينبأ لبداية وقوع حروب، ستكون أقسى بكثير من الحروب العسكريّة.
استثمار شركات عالمية عملاقة، وتأثيرها على المدى البعيد:
علينا أن لا ننسى أن شركة (توفاش) التركية لصناعة السيارات، هو مشروع مشترك بين شركة (رينو) الفرنسية، وصندوق التقاعد الخاص بالجيش التركي، حيث أن صناعتهما معاً تشكّل أكثر من (40%) من إنتاج السيارات سنوياً في (تركيا)! أمّا شركة (فورد) التركية، والتي يعمل فيها (10) آلاف فرد، فهي ذات تقنية عالية وتأثير مباشر على السوق التركية. كل هذه الشركات، وغيرها، عندما تبحث عن رؤسائها، ستجدهم هم من يديرون العالم، وأكثرهم من اليهود. ومعنى ذلك أن أي نية لهم بسحب شركاتهم بأي حجة كانت، تعني تعطيل الإنتاج، وبالتالي تعطيل الإصدار، وهبوط مريع للعملة النقدية، وملايين العوائل ستُصبح بلا عمل!!
إفرازات مساوئ الثورات العربية:
بعد الثورات العربية، وتشتيت الدول العربية، فالصراع الحقيقي في (تركيا) هو العودة بـ(تركيا) إلى مربع البداية، كما كانت في السابق، أي على شكل حرب تشنها قوة اقتصادية هائلة، علمانية التوجه، يهودية الأهداف، تريد أن تعود (تركيا) لتكون الحديقة الخلفية لمخابراتها، وأجندتها الاقتصادية والسياسية، ضد مجتمع تركي إسلامي، عاش مرحلة ضياع الهوية، بين مستقبل مرتبط بالغرب المسيحي واليهودي، وماضٍ مرتبط بالشرق المسلم!!
سادساً/ تأثير الآيدولوجيات اليسارية على حركات الفكر القومي الكورديّ والتركي في (تركيا):
يقول (غوستان لوبون)، مؤسس علم النفس الجماهيري: "إن الجماهير هي عبارة عن قوة غير عاقلة، تعمل كوحش بألف رأس"، فالذي يستطيع أن يروض هذا الوحش، يستطيع أن يفعل ما يشاء، لأن الجماهير هي قوة غير عاقلة!! فنسبة أهل الوعي - غالباً- قليلة جداً، أمام القوة الجبارة المتوحشة غير العاقلة، المتمثلة بالشعوب!! والحكمةُ تقتضي ترويض هذا الوحش، واستمالته، إما نحو التقدم، أو الانزلاق به نحو الهاوية!! لذلك لم يكن من المؤمل أن يقود الدولة التركية - المكونة من أكبر قوميتين، وهما: الكورديّة، والتركية، المؤمنة بفطرتها - آيدولوجيات يسارية متطرفة، متجذرة في المجتمع التركي، منذ عهد الجهورية الأتاتوركية، التي كانت تعادي الدين، والقيم الأخلاقيّة، وفي مقدمتها تفتيت الأُسرة.

وعليه، فإن التركيبة التركية معقّدة، فمن جذور يسارية، تكوّنت منذ تأسيس الجمهورية التركية، وتعمقت في المجتمع، إلى تطلعات قومية، للعودة بقوّة إلى الطورانية التركية، إلى صحوة عارمة للفكر الإسلامي، تريد أن تعيد أمجاد الإمبراطورية العثمانية، التي كانت سيّدة العالم خلال قرون عديدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق