الأربعاء، 2 سبتمبر، 2015

عبق الكلمات/ كيمياء الصداقة

عبد الباقـي يوسف
الصداقة مِن الصِدق، فعندما يتصادق شخصان يعني ذلك أن كل واحد منهما يَصدق صاحبه، ويتبادلان بينهما الأحاديث الخاصة، وهذا يعني أن الأمر يخص المشاعر الإنسانية والعاطفة، فأحدهما يُصارح الآخر بما يجري معه في وقائع حياته، وهذا مِن شأنه أن يجعل من الصداقة أكثر ثباتاً، سواء أكانت بين رجلين، أو بين امرأتين. لكنه إن أصبح بين رجل وامرأة، فالعاطفة هنا تشتعل بينهما مع لحظات الصدق، ومعلوم أن المرأة ضعيفة أمام الرجل، والرجل ضعيف أمام المرأة، كون هناك شهوة تربط بينهما، وهذا العنصر مفقود بالنسبة للصداقة بين الرجل والرجل، أو بين المرأة والمرأة.
فالصداقة هي حالة شديدة الخصوصية، وشديدة المصارحة، بحيث يُصبح صديقك جزءاً منك، وتُصبح جزءاً منه، وفي الأفراح والأتراح تراك تلجأ إليه، لشعورك أنه يُشاركك حالتك، وبذلك فهو يبتهج معك في الأفراح، ويُخفف عنك في الأتراح، ولذلك تُطلعه على سرّك، فهو أمين سرّك، وأنت أمين سرّه. ثم إن الصداقة تُبنى على أساسيات، مثل تبادل مشاعر الارتياح، وتبادل المحبة. فلا يمكن لك أن تُصادق شخصاً دون أن تحبه، ودون أن تتلمّس حبه لك، ودون أن ترتاح إلى مجالسته.
فمع الأيام، وتكرار المصارحة في علاقة الصداقة بين الرجل والمرأة، تتحوّل إلى عاطفة، ثم تؤدّي إلى علاقة جسدية بينهما، فتستمر في ظاهرها الصداقي، موازاة مع باطنها الجسدي. فاستمرار علاقة الصداقة بين الرجل والمرأة، هو خلاف لطبيعة الذكورة، وطبيعة الأنوثة. وفي ذروة بلوغهما العفاف، لا بد لمشاعر عاطفية ما، أن تتحرّك في موقف ضعف ما، حتى لو أخفيا هذه المشاعر عن بعضهما البعض، لاعتبارات معيّنة، لكن حتى تأخذ الطبيعة الأنثوية مجراها الطبيعي، وتأخذ الطبيعة الذكورية مجراها الطبيعي. فالرجل هنا يكتم مشاعره الحقيقية تجاهها، وهي كذلك تكتم مشاعرها تجاهه، لكن هذا لا يعني أنهما لا يعيشان تلك المشاعر الخفية تجاه بعضهما، ولذلك فإن المرجعية الربانية تحسم هذه المسألة، فيأمر الله بغض البصر: {قُل} يا محمّد {لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} النور 30 {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} النور 31. والله أعلم بفطرة الإنسان.
ومعلوم أن الصداقة بين الرجل والمرأة لا تتوقف عند عدم غض أحدهما بصره عن الآخر، بل عدم غض سمعه، وصوته، وأسراره عن الآخر. وقد بيّن الله (جل جلاله) أن نظرة الرجل للمرأة، تختلف عن نظرة الرجل للرجل، ونظرة المرأة للرجل، تختلف عن نظرتها للمرأة، ومن هنا جاء الأمر بالغض، ومن ذلك يكون النهي عن الصداقة بين الرجل والمرأة، لأن مقوّمات هذه الصداقة تؤدّي إلى انتهاك لحرمات الله وحدوده بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه.
ولعل لكل حالة مفرزاتها نظير ذلك، فعندما تتخذ المرأة المتزوّجة صديقاً، وتكون في ذات الوقت على علاقة مضطربة بزوجها، فإن ذلك يكون عاملاً إضافياً للميل بعاطفتها إليه. وكذلك إذا اتخذ الرجل المتزوّج صديقة، ويكون في الآن ذاته على علاقة مضطربة مع زوجته، فإن ذلك من شأنه أن يكون عاملاً إضافياً شطر تفعيل عواطفه تجاهها. ذلك أن أحدهما - والحال هذه - يشعر بأنه يفرّغ شحنات نفسه للآخر، وهذا يكون بمثابة ردّ الفعل على واقع العلاقة الزوجية المتوترة.
واعلم أن ذلك لا يقتصر على عمر بعينه، أو مرحلة زمنية بعينها، بل يشمل سائر الأعمار، وجميع المراحل الزمنية، ومختلف المستويات الاجتماعية. فيمكن أن ترى جدّة، لها أحفاد، وقد حافظت على عفافها حتى تلك المرحلة من عمرها، إلاّ أن ظرفاً ما أدى إلى نشوب علاقة استلطاف بينها وبين رجل، ثم إلى الصداقة، ثم تطوّرت العلاقة، مع تعدد اللقاءات والمصارحات، والأحاديث الخاصة، في حالة ضعف وخلوة، إلى الوقوع في براثن الفاحشة.

وفي زماننا غدت العلاقة بين الرجال والنساء في متناول اليد، حتى لو كان أحدهما بعيداً عن الآخر. بل يمكن للعلاقة أن تبدأ دون أن يرى أحدهما الآخر رأي العين قط، وذلك من خلال وسائل التواصل الحديثة. وهذا يُتيح لهما الخلوة الحسّية مع بعضهما البعض، حيث يفضي أحدهما للآخر، ويفضفض له عن مكنونات نفسه. والخلوة الحسّية لا تقل شأناً عن الخلوة الجسدية، حيث يمكن أن تستدرجهما هذه الخلوة الحسية إلى الخلوة الجسدية، فتتحول خلوة الصوت بالصوت، وخلوة الصورة بالصورة، إلى خلوة الجسد بالجسد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق