الأربعاء، 2 سبتمبر، 2015

المراسلات بين سعيد الديوه جي وإسرائيل ولفنسون

د. سعد سعيد الديوه جي
يعرف معظم أهل الموصل خصوصاً، والعراقيين عموماً، المرحوم (سعيد الديوه جي)، الذي توفاه الله عام 2000م، والذي أوقف جل جهوده الثقافية في خدمة تاريخ وتراث مدينته الموصل خصوصاً، بالإضافة للتاريخ الإسلامي عموماً، ونشر وحقق أكثر من ثلاثين كتاباً، أشهرها: تاريخ الموصل في جزأين، وكتاب اليزيدية، حيث كان له نظرة خاصة في هذا الموضوع، وجوامع الموصل، وكل ما يتعلق بتاريخها الممتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام، بالإضافة لنشره عشرات الأبحاث والمقالات في أمهات المجلات العربية، والإسلامية، في مواضيع عديدة ومختلفة. ومن اهتمامات المرحوم (سعيد الديوه جي)، المراسلات مع مشاهير عصره من
الأدباء والمستشرقين، والالتقاء بهم من خلال الندوات والمؤتمرات، فقد عثرنا بين أوراقه على رسائل من علماء ومؤرخين في مختلف ضروب المعرفة، ومن شتى الانتماءات، فقد كان بينه وبين الشيخ (محمد طاهر الكوردي) - كاتب مصحف مكة – مراسلات، وهناك كتب لـ(الكوردي) مهداة بخط يده للمرحوم (سعيد الديوه جي).
وكان بينه لقاءات ومراسلات مع المرحوم (أنور المائي)، والذي أهداه (تاريخ بهدينان) بخط يده، ولا زال الكتاب موجوداً في مكتبتي الخاصة.
ومراسلاته كثيرة مع (عبدالحق فاضل)، صاحب ترجمة (ملحمة كلكامش)، والتي سماها (هو الذي رأى)، وأخرجها شعراً بديعاً، وكان من أصدقائه المقربين. وله مراسلات مع الدكتور (مصطفى جواد)، والدكتور (أحمد صالح العلي)، رئيس المجمع العلمي العراقي في الستينات، والدكتور والعالم الآثاري (بهنام أبو الصوف)، وهو عالم آثاري من الموصل، وله كلمة عميقة قال فيها: "بأن من يبيع آثاره، كمن يبيع شرفه". والشيخ (محمود الصواف)، وهو داعية إسلامي معروف، وكانت علاقتهما وطيدة. ومراسلاته مع (أحمد سوسة)، و(جلال الحنفي)، وغيرهم، لا زالت موجودة. ومن أشهر لقاءاته، لقاؤه مع المستشرق الفرنسي الشهير (جاك بيرك)، عام 1968 م، صاحب ترجمة القرآن الشهيرة، وقد اصطحبه معه لمرقد (الشيخ عادي)، في منطقة الشيخان، وكنت ملازما له في هذه الرحلة.
من خلال هذه القائمة، نلاحظ أن المرحوم (سعيد الديوه جي)، ورغم انحداره الديني الإسلامي القوي، واعتزازه به، فهو لم يكن متقوقعاً، ولا متعصباً، مطلقاً. وقد أكد على روح التسامح هذه في كتابه (بيت الحكمة)، الذي أعدنا طبعه، بعد مراجعته، عام 2014 م.
وإحدى مراسلاته الأهم، كانت مع المؤرخ اليهودي (إسرائيل ولفنسون) (ت 1980 م)، الذي عاش بين (مصر) و(فلسطين)، وكانت له نظرته الخاصة عن اليهودية، بحكم المحيط العربي الذي عاش فيه، وانحداره الديني، ودراساته المبكرة للتوراة والتلمود.
ولد (إسرائيل ولفنسون) عام 1899 م، من عائلة أشكنازية، حيث هاجر إلى (فلسطين) مع عائلته من (روسيا البيضاء)، عام 1908 م، تحت تأثير دعوة الحاخام (الياهو شلوموز المان)(1712 - 1797 م)، والذي بشر بظهور المسيح المنتظر عام 5600 م بالتقويم العبري، والمصادف لعام 1840 م. ورغم عدم ظهورالمسيح المزعوم، فقد كان والده من فئة المتدينين، والذين سكنوا في فلسطين، والذين يسمون بالفيروشيم، لأنهم آثروا العزلة حتى ظهور المسيح. اتجه (إسرائيل ولفنسون) لدراسة العلاقة التاريخية بين اليهود والعرب، وفي شبابه كتب مؤلفه: (تاريخ اللغات السامية)، عام 1929 م، والذي تعرض للنقد الشديد، بسبب اعتماداته التوراتية، التي غلبت على اعتماداته العلمية. وكان قبلها قد كتب (نوابغ يهود مصر)، عام 1927 م، ثم نال الدكتوراه من (جامعة القاهرة)، عن رسالته الموسومة (تاريخ اليهود في بلاد العرب)، وكانت بإشراف الدكتور (طه حسين)، حيث يدور لغط تاريخي عميق حول علاقته بيهود مصر آنذاك.
في عام 1936 م حصل على الدكتوراه من (جامعة يوهان فولفانج جوته)، في (ألمانيا)، على رسالته: (كعب الأحبار، وأثره في كتب الحديث والقصص الإسلامية)، ثم عاد وعمل أستاذاً للغات السامية بكلية دار العلوم العليا. وكان رأيه أن (كعب الأحبار) ظل يهودياً من المهد إلى اللحد، وقد تشبع بالعقلية اليهودية، فقد كان بعد إسلامه كأنه لم يترك دين أجداده، لأنه كان ينظر للإسلام بالعين اليهودية. وهي - كما نعلم- مسألة خلافية داخل التيارات الإسلامية، ولكننا لا نعتقد بأنه كان محقاً، إلا بمقدار تعصبه لجذوره اليهودية! وأنه كان يريد تأكيد نظريته بأن الإسلام قد انبثق من اليهودية، كالمسيحية !
في عام 1941 استقر في (القدس)، وعمل موجهاً لتدريس اللغة العربية بين مهاجري اليهود، لأنه كان يشعر بأنه لا يمكن فصل الثقافة العبرية اليهودية عن الثقافة العربية، خصوصا من الناحية التاريخية.
وعلى طريقة المستشرق (أوجست ميللر)، الذي أطلق على نفسه لقب: إمرؤ القيس بن النعمان، فقد أعطى لنفسه لقب (أبو ذؤيب)، وكان يذيل به تواقيعه، حيث أن كلمة (ولف) تعني (الذئب).
عمل (أبو ذؤيب) في خدمة الشؤون الثقافية لإمارة شرق الأردن، والتي كان على رأسها (عبدالله بن الحسين)، ويبدو أنه كان على صلة به، فقد كان الأمير مولعاً بالصيد، وكل ما يتعلق بتراثه. ومن خلال مطالعة الرسالة الجوابية التي

أرسلها (أبو ذؤيب) للمرحوم (الديوه جي)، والمرفقة صورتها مع المقال، والتي يشكره فيها على عثوره على نسخة من كتاب (المصايد والمطارد)، لـ(أبي الفتح محمود كشاجم)، في مكتبة (المدرسة الحسنية) في (الموصل)، يتأكد بأنه كانت هناك مراسلات قبلها حول الموضوع، وأن الأمير نفسه كان مهتماً به. إن صعوبة المراسلات آنذاك، والاستنساخ، لم يمنع عشاق البحث العلمي، ورواده، من الاهتمام بمسائل البحث العلمي. والصورة المنشورة هي الرسالة الجوابية الأخيرة من (إسرائيل ولفنسون) للمرحوم (الديوه جي)، حيث يبين السياق على وجود رسائل قبلها، والتي عبر فيها (أبو ذؤيب)، بكل احترام وأدب، عن الجهود التي بذلها المرحوم (الديوه جي) في إيصال بعض النصوص من المخطوط أعلاه، في زمن كانت المراسلات فيه صعبة ومعقدة، ناهيك عن الوضع السياسي المضطرب آنذاك.

هذا جانب من الروح العلمية، الذي يجب أن يسود بين الأوساط المثقفة، بعيداً عن روح التعصب للمذهب، والدين، وأشياء أخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق