الجمعة، 8 أبريل، 2016

مشروعية الحرب في الإسلام (2 - 2)


سالم الحاج
المناقشة والترجيح
قد رأينا فيما سبق أن أدلة القائلين بأن علة القتال هي الكفر، تنحصر في عدد من الآيات، بالإضافة إلى الحديث المعروف: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله..."، وعلى ذلك فإن مناقشة ما قيل حول تلك الآيات والحديث، ستوضح لنا أبعاد الموضوع، وستتيح لنا فرصة الترجيح:

مناقشة الآيات
أولاً/ قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتو الزكاة فخلو سبيلهم} التوبة/5.
عرفت هذه الآية بـ(آية السيف)، وذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنها نسخت كل ما قبلها من الآيات ()[1](، والذين لا يقولون بالنسخ منهم يذهبون إلى أنها رسمت صورة العلاقة بين المسلمين وغيرهم في مراحلها الأخيرة([2]).. و"عندما يمر القارئ بنصوص القرآن المتضمنة للمراحل المذكورة، يجد كثيراً من المفسرين والمؤرخين وغيرهم من العلماء، ينصون على نسخ المراحل كلها بنصوص المرحلة الأخيرة التي يطلقون عليها (آية السيف). ومعنى هذا أنه يجب على المسلمين أن يقاتلوا كفار الأرض كلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وهم صاغرون، لأن هذه هي المرحلة الأخيرة، وقد نسخت ما قبلها من المراحل، والمنسوخ لا يجوز العمل به. ولكن رجّح المحققون عدم النسخ لأي مرحلة من المراحل الجهادية، وهو الظاهر"([3]).
يقول صاحب (التفسير المنير): إن "قوله تعالى {فاقتلوا المشركين} عام في كل مشرك، وفي كل من كفر بالله، كما ذكر (ابن العربي)، ولكن السنّة خصت منه المرأة والصبي والراهب، وخصّ من القتل المثلة، للنهي عنها في السنة، وعن قتل الصبر بالنبل ونحوه.."، "وخصّت الآية أيضاً بأهل الكتاب بإقرارهم على الجزية، فيخيّرون بين الإسلام أو الجزية أو القتل"([4]).  
ويقول (الفخر الرازي) في تفسيره لهذه الآية: "وذلك أمر بقتلهم على الإطلاق، في أيّ وقت، وأيّ مكان"([5]).
ولأنه يذهب إلى عدم نسخها لآيات القتال الأخرى، يقول – في محاولة للتوفيق بينها وبين آيات القتال التي سبقتها - : "فإن قيل: هبْ أنه لا نسخ في الآية، ولكن ما السبب في أن الله تعالى أمر أولاً بقتال من يقاتل، ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم، سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا؟ قلنا: لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين، فكان الصلاح استعمال الرفق واللين والمجاملة، فلما قوي الإسلام، وكثر الجمع، وأقام من أقام منهم على الشرك، بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حالاً بعد حال، حصل اليأس من إسلامهم، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق"([6]).
وهذا النوع من التوفيق بين هذه الآيات كثير الشيوع، حتى عند الكتاب المحدثين([7]).. وهو يرجّح أن هذا الأمر (آية السيف) خاص بمشركي العرب.
ويرد أصحاب الاتجاه الثاني (القائلين بأن سبب الجهاد هو الحرابة) بأن هذه الآية لا ينبغي أن تفهم على إطلاقها، لأنها تعارض الآيات الأخرى المحكمة، مثل قوله تعالى: {لا إكراه في الدين}، وغيرها. وعلى ذلك فإن ملابسات وظروف نزول هذه الآيات، تبيّن أن المراد بهذا الأمر هم مشركو العرب، الذين حاربوا المسلمين، ونصبوا لهم العداء، وأخرجوهم من ديارهم، ونقضوا عهودهم.. فجاءت الآية الكريمة تأمر المسلمين برّد عهود الكافرين، وإمهالهم مدة أربعة أشهر، ثم يخيّرون بعدها بين القتال، أو التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة!
وحول الإشكال الذي تثيره الآية الكريمة في تخييرها للمشركين بين الإسلام أو القتل – وهو ما يناقض الآيات الأخرى، كقوله تعالى: {لا إكراه في الدين}، ويناقض ما نعلمه من أن الدين إنما يكون عن طريق الإقناع والاقتناع – تلخصت الإجابات في الاتجاهات الثلاثة التالية([8]):
1-               إن دعوة الناس إلى الإسلام عن طواعية ودون إلزام، إنما كانت في صدر الإسلام، أيْ قبل مشروعية الجهاد القتالي، ثم إن هذا الحكم نسخ فيما بعد بآية السيف هذه، وبحديث "أمرت أن أقاتل الناس...".
وهذا رأي ضعيف يعتمد على ظاهر الآية والحديث، وهو مناقض – كما قلنا – للآيات الأخرى، ولروح الإسلام التي ترفض التقليد في الدين، والإكراه على الإيمان.
2-               ذهب أكثر الفقهاء والمفسرين إلى أن هذا الحكم لم ينسخ، وأن الآيات التي تدلّ على الدعوة إلى الإسلام دون إكراه، محكمة... ثم إن أصحاب هذا الرأي انقسموا إلى فريقين:
الفريق الأول: يرى أن (الناس) هنا هم: الوثنيون، ومن في حكمهم من الملاحدة. وأما من عداهم فهم المعنيون بقوله تعالى {لا إكراه في الدين}، وقوله {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين...}، وبالآيات الكثيرة الدالة على الأمر بالدعوة دون إكراه. (مغني المحتاج 4/223، كشاف القناع 3/40، بداية المجتهد 1/271).
أما الفريق الثاني، فقالوا: إن الدعوة لا يجوز أن تقترن بأيّ إكراه، لا في حقّ الوثنيين، ولا في حقّ غيرهم.. والأمر بقتل المشركين في قوله تعالى {فاقتلوا المشركين}، إنما هو لوصف الحرابة فيهم، لا بسبب كفرهم.. وبه قال الإمام (مالك)، وأصحابه، و(الأوزاعي)، وجمع كبير من الفقهاء. (أحكام القرآن لابن العربي 2/889، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/76، بداية المجتهد 1/271)([9]).
ولكن هذا الفريق – كما نقل لنا الدكتور (البوطي) آراءهم – لم يرفع الإشكال الحاصل من ربط الآية أو تخييرها للمشركين بين (القتل) أو (التوبة والإسلام)... وإنما يرتفع هذا الإشكال إذا قلنا: إنه حكم خاص بمشركي العرب – وهم أهل الحجاز، وما جاورها، عند أكثر المحققين – نتيجة لمحاربتهم ونقضهم العهود..([10]).
وهكذا يتضح أن قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين}، ليس دليلاً على صحة دعوى ذلك الرأي القائل بأن سبب القتال هو الكفر.. وهذا ما يتضح ويتأكد أكثر عند النظر إلى أسباب النزول، والواقع الذي جاءت هذه الآيات لمعالجته من جهة، وبعد الالتفات إلى سياق الآيات قبلها، وبعدها، من جهة أخرى.. الأمر الذي يجعلنا نقطع بأن هذا المعنى الظاهري الذي يفهم لأول وهلة من الآية الكريمة، ليس هو المقصود:
فسياق الآيات قبلها – وخاصة الآية (3) – يشير إلى أن (قتل المشركين) ليس هدفاً لذاته، بل إن الله سبحانه ليتوجه إلى هؤلاء الكافرين – وفي مقام الشدّة هذا – بالنصح والترغيب والترهيب: أن توبوا إلى الله، فهو خير لكم، لأنكم إن توليتم لن تعجزونه سبحانه.. وليس هذا أسلوب من أزمع على إبادة الكافرين بسبب كفرهم، بل هو أسلوب من يرغب في هدايتهم، ويرجوها، ويزّينها لهم.. وهو الأمر الذي يؤكد أن (الإيمان) أمر اختياري، لا إكراه فيه!
وكذلك تأتي الآيات التالية لـ(آية السيف) هذه، لتؤكد - بما لا يدع مجالاً للشك - أن سبب القتال ليس هو الكفر، بل الحرابة.. فقوله تعالى في الآية التالية مباشرة: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره} التوبة/6، يدلنا أنه لو كان سبب القتال هو الكفر، لما كان لهذا الطلب من داع، ولكان التناقض بين الآيتين واضحاً. "إن تلبسهم بالكفر – لو صح ما فهمه الشافعية، ومن معهم – وثيقة إجرام تلاحقهم، ولا تنفكّ عنهم. وإن جاز إمهالهم حتى يسمعوا كلام الله، بأمل هدايتهم؛ فليس ثمّة أيّ مبرر لاصطحابهم مكرّمين، تحت درع من الحماية لهم، ليعودوا من حيث جاءوا، كما كانوا، مشركين جاحدين.. إذاً، فلماذا هذه الرعاية والحماية لهم، بهذا الأمر الإلهي المبين؟ السبب في ذلك: اختفاء الحرابة منهم.."([11]).
ثم يأتي قوله تعالى – في الآية التالية - : {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} التوبة/7.. وفي هذا دلالة صريحة أيضاً، على أن الكفر ليس هو سبب القتال.. إذ لو كان الأمر كذلك، لما جاز عقد المعاهدات مع المشركين، فضلاً عن الأمر بالاستقامة لهم ما استقاموا لنا!
ويتأكد ذلك في الآيات التالية: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة} التوبة/ 8. إذ لو كان الكفر - بحدّ ذاته - هو المانع من قيام العهود بين المسلمين والمشركين، "لما ورد شيء من هذا الكلام قط.. إذ سيّان بعد الكفر، الذي هو علة القتال والقطيعة (أيْ: حسب هذا الرأي) أن يكونوا أمناء على العهد، أو مضيعين له، وخائنين له"([12]).
وأخيراً، نذكر النكتة التي أشار إليها الإمام (الرازي) في تفسير قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك..}، حيث قال: إن الله سبحانه ذكر هذه الآية بعد (آية السيف)، لأنه لما كانت (آية السيف) تلقي في الروع أن الحجة قد قامت على المشركين، وأن ما ذكره الرسول (صلى الله عليه وسلم) قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كاف في إزاحة عذرهم وشبهاتهم، وذلك يقتضي أن لا يلتفت إلى المشركين، فيما لو طلبوا الحجة والدليل، بل يُطالبَون: إما بالإسلام، وإما بالقتل.. فجاءت هذه الآية إزالة لهذه الشبهة([13]).
ونذهب بكلام الإمام (الرازي) إلى نهاياته، فنضيف إليه: إن الشبهة الأقوى التي ينبغي أن تزال بهذه الآية، والآيات التي تليها، هو أن لا ينصرف الذهن إلى أن الأمر بـ(قتل المشركين) قد جاء نتيجة لمعنى الكفر عندهم، وإنما لدفع حرابتهم وعدوانهم، إذ إن (كفرهم) له أساليبه الخاصة في العلاج، تلك هي: الدعوة والبيان: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه..}. وهذا ما ذهب إليه صاحب (المنار) بقوله: "وإذ كان تبليغ الدعوة هو الواجب الأول والأهمّ المقصود من الرسالة – وإنما كان وجوب القتال لحمايتها، والحرية في تبليغها، والعمل بما تتضمنه، ومنع أهلها وصيانتهم من الفتنة والاضطهاد لأجلها – وجب التبليغ قبله، وكفّ القتال عمن يظهر الرغبة في سماع كلام الله، للعلم بمضمونها، والوقوف على ما نهى وأمر" م10، ص177.
ثانياً: قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عند يد وهم صاغرون} التوبة/29.
قال الذين ذهبوا إلى أن (الكفر) هو السبب الباعث لقتال الكفار: إن هذا دليل واضح على صدق دعواهم، حيث أمر الله سبحانه فيها بقتال أهل الكتاب، حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.. وقالوا: إن قبول (الجزية) من أهل الكتاب، جاء تخصيصاً بعد الأمر العام في (آية السيف)، احتراماً لأهل الكتاب، وتمييزاً لهم عن غيرهم من المشركين.
ولكن التدبر في الآية يهدي إلى أن هذا المعنى غير مسلّم لهم، إذ لو كان (الكفر) هو سبب قتالهم، لما جاز قبول الجزية منهم، إذ إن دفعهم (الجزية) لن يزيل عنهم صفة (الكفر) هذه.. وهذا واضح! "إذن فما المشكلة التي أنهاها نظام الجزية، حتى انتهى، بسبب ذلك، القتال؟ إنها مشكلة واحدة، هي مشكلة الحرابة"([14]).
هذا أولاً، ثم إن الآية أمرت بالقتال لا بالقتل، والفرق بين الصيغتين واضح.. فالمقاتلة "مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين".. "فأنت تقول: قتلت فلاناً، إذا بدأته بالقتل. وتقول: قاتلته، إذا قاومت سعيه إلى قتلك بقتل مثله، أو سابقته إلى ذلك، كي لا ينال منك غرة"([15]).
فقد أُمر المسلمون، إذاً، بمقاتلتهم، لأن هؤلاء مقاتلون لهم ابتداءً. والمتابع للسيرة النبوية يتضح له بجلاء أن المسلمين لم يبدأوا اليهود، أو غيرهم، بقتال.. ولكن اليهود، وقد أعماهم الحقد والتعصب، لم يطيقوا على المسلمين صبراً، فانخرطوا في التآمر عليهم، ثم نقضوا عهودهم، وبدأوا في الاشتراك فعلياً في الكيد بالمسلمين.. وهذا كله ثابت في السيرة، لا نعلم له خلافاً..
وبذلك يتضح أن الواقع التاريخي الذي جاءت هذه الآية لمخاطبته، ومعالجته، يؤكد نفس المعنى الذي ذهبنا إليه، وهو أن الذي أُمر به المسلمون إنما هو رد العدوان وإنهاء الحرابة، ولم يؤمروا بقتل المشركين، أو غيرهم، بسبب كفرهم..

ثالثاً: قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} البقرة/ 192-193.. وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله} الأنفال/39.
ذهب أغلب المفسرين إلى أن (الفتنة) هنا هي الشرك أو الكفر، وإن (الانتهاء) المطلوب هو الانتهاء عن الكفر.. فقد ذهب (ابن عباس) إلى أن معنى الآية: فإن انتهوا عن القتال. وذهب (الحسن) إلى أن المعنى: فإن انتهوا عن الشرك، لأنه لا غفران لهم إلا إذا انتهوا عن الشرك: {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} النساء/248([16]).. وهكذا فسرها الإمام (ابن كثير) في تفسيره: "أيْ: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، فإن الله يغفر ذنوبهم"، و"إن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين، فكفّوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين"([17]).
ولا تشذّ أغلب كتب التفسير الحديثة عن هذا الاتجاه، فهذا صاحب (التفسير المنير) يقول: "إن معنى هذه الآيات هو أن تقصدوا "بقتالهم أن تزول الفتنة والكفر، وأنواع الإيذاء والضرر التي تلحق بالمسلمين بوجودهم في مكة"، "فإن انتهوا عما كانوا عليه، وكفّوا عن قتالكم، ورجعوا عن الكفر، وأسلموا، وسالموا، فلا تعتدوا عليهم، إلا على من ظلم واعتدى، فيكون قتاله تأديباً له، وإصلاحاً لشأنه"([18]).
وعلى هذا، فإن هذا الفريق من المفسرين يفسّر (الفتنة) و(الانتهاء) المذكورين في الآية، بأنه الكفر، والانتهاء عنه، دون التفات إلى سياق الآيات نفسها، أو اهتمام بمصادمة هذا المعنى لذلك الأصل القرآني {لا إكراه في الدين}.. إن سياق الآيات، في (سورة الأنفال) مثلاً، يدور حول مكر الذين كفروا بالرسول (صلى الله عليه وسلم)، وبالمؤمنين، وتكذيبهم بالآيات، وإنفاقهم للأموال، للصد عن سبيل الله، أيْ باختصار: فتنة المؤمنين عن دينهم.. فجاءت هذه الآيات تحثّ الكافرين على الانتهاء عن فتنتهم هذه: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين}، وإذ لم ينتهوا، فإن الطلب يتوجّه إلى المسلمين بمقاتلة هؤلاء المشركين، المصرين على إجرامهم وفتنتهم وقتالهم للمؤمنين: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}، أيْ: حتى لا تبقى الفتنة في الدين.. وهكذا، وبدلاً من أن تؤخذ هذه الآيات لتأكيد حرية التدين، وإبراز مبدأ {لا إكراه في الدين}، جعلها هذا الفريق دليلاً معاكساً على إجبار الكافرين للدخول في الإسلام!([19]).
ويذهب صاحب (تفسير المنار)، في لفتة ذكية، وانتباه إلى سياق الآيات، ومعرفة بطبيعة الواقع الذي جاءت هذه الآيات لمعالجته، إلى تفسير (الانتهاء) بالمعنيين معاً، أيْ "فإن] انتهوا[ عن القتال، فكفّوا عنهم، أو عن الكفر، فإن الله يقبل منهم"([20]).. وهي لفتة تغنينا عن التكلّف لتغليب أحد المعنيين.. وبذلك يكون معنى الآيات: قاتلوا هؤلاء الكفار المحاربين لكم، حتى لا تبقى الفتنة في الدين، أي حتى "لا تكون لهم قوة يفتنونكم بها" ]ويكون الدين لله[، "أيْ يكون دين كل شخص خالصاً لله، لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن لصدّه عنه، ولا يؤذى فيه، ولا يحتاج فيه إلى الدهان والمداراه"([21]).
والحقيقة إن المفسرين الذين ذهبوا إلى الاستشهاد بهذه الآيات، كدليل على قولهم بأن القتال إنما شرع بسبب الكفر، وأن المطلوب من هؤلاء الكافرين هو الانتهاء عن كفرهم، والدخول في الإسلام، وإلا فإن مصيرهم القتل. أقول إن هؤلاء المفسرين إنما ذهبوا إلى المعنى المعاكس تماماً!.. فهذه الآيات من أبلغ آيات الكتاب الكريم في الدفاع عن حرية التدين، ومنع الإكراه فيه.. وقد جرّها هؤلاء، الذين كبر عليهم "أن يكون الإذن بالقتال مشروطاً باعتداء المشركين، ولأجل أمْن المؤمنين في الدين"([22]) وأرادوه مطلوباً لذاته، جرّوها جرّاً إلى معنى فيه معارضة واضحة للآيات المحكمات التي تؤكد أن ]لا إكراه في الدين[، وأن الدعوة إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة..
 
مناقشة الأحاديث
سبق أن بيّنا أن أهم حديث يحتج به الفريق القائل: إن الكفر هو سبب القتال، هو الحديث الذي رواه (الشيخان) عن (ابن عمر).. أما الحديث الآخر، فليس لهم فيه حجة تصمد أمام المناقشة من باب أولى:
 والحديث، كما رواه (أبو داود)، و(الترمذي)، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم" أي صغارهم.
فالحديث يعالج الحالة الواقعية التي كان يعايشها المسلمون، حيث كانت الحرب بين المشركين والمسلمين هي الحالة الدائمة والأمر الطبيعي.. ومن ثمّ، فإنه من الطبيعي أن نحمل الحديث على معنى: اقتلوا أئمة المشركين ورؤوسهم. وإلا فإن الأحاديث الصريحة الصحيحة قد وردت عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) تنهى عن قتل غير المقاتلين من النساء والأطفال والشيوخ المسنين.. وتأتي كلمة (الشيخ) في هذه الأحاديث مقيّدة بصفة (الكبير)، أو (الفاني)، للدلالة على أنه ليس من أهل القتال.. ومن ذلك الحديث الذي رواه (أبو داود): (ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة).. (وانظر الأحاديث الأخرى التي أوردناها فيما سبق). فتقييد كلمة (الشيخ) هنا بـ(الفاني)، يدل على أنها عند إطلاقها، إنما تعني المحاربين ورؤوس الشرك بالدرجة الأولى.. ثم "إن التقابل الذي نراه بين هذين الفريقين – ولا ثالث لهما في الحديث – يوضح أن المراد بالشيوخ كل من عدا الصغار، فدخل فيهم حتى الشباب تبعاً"([23]).
أما حديث (ابن عمر) (رضي الله عنهما)، ونصّه: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (رواه الشيخان).
فقد ذكرنا، عند تفسير الآية (5) من سورة (التوبة)، أن العلماء اختلفت آراؤهم حول المعنى الظاهري الذي يفهم منها، فذهب البعض إلى أن هذه الآية قررت الحالة النهائية للعلاقة مع المشركين، أيْ أن يعمل فيهم السيف حتى يسلموا. وذهب آخرون إلى أن ]لا إكراه في الدين[، وأن الآية إنما تخص المشركين العرب وحدهم. وغيرهم ذهب إلى أن الدعوة – سواء بالنسبة لمشركي العرب، أم غيرهم – هي واحدة، وإن طريقها الإقناع والإيمان، ولا يجوز الإكراه عليها، وأن المقصود من قوله تعالى ]فاقتلوا المشركين[ إنما هو لوصف الحرابة فيهم، لا بسبب كفرهم..
وهذا الكلام يصلح أن يكون مدخلاً لمناقشة هذا الحديث.. إذ إن ظاهره يثير المشكلة نفسها: مشكلة الإكراه في الدين!
ومن جهة أخرى، فإن اللفظ المستعمل هنا جاء على صيغة (أقاتل)، وقد حكى (البيهقي) عن الإمام (الشافعي) قوله: ليس القتال من القتل بسبيل، وقد يحلّ قتال الرجل، ولا يحلّ قتله([24]). فالمقاتلة غير القتل، "وقد أطنب (ابن دقيق العيد) في (شرح العمدة) في الإنكار على من استدل بهذا الحديث على ذلك (أيْ: على قتل تارك الصلاة) وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل، لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين على ذلك" (فتح الباري 1/58). فإذا كان الاستدلال على قتل تارك الصلاة بهذا الحديث باطلاً – كما يقول (ابن حجر)، وغيره – لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عبّر في حقّه بكلمة المقاتلة لا القتل، فكيف يصحّ الاستدلال بهذا الحديث ذاته، على قتل من أبى الدخول في الإسلام، مع أن تارك الصلاة عمداً يتحمّل عهدة التكليف بمقتضى كونه مسلماً، كما يتحمّل عهدة الإذعان لعقوبات الحدود. أما غير المسلم، فلا يتحمّل عهدة شيء من ذلك؟!([25]).
ثمّ إن هذا الحديث (وكذلك آية السيف) يطرح إشكالاً آخر، عالجه الفقهاء، واختلفوا فيه كذلك، وهو: هل يجوز أخذ الجزية من (المشركين) و(الوثنيين)، من العرب أو غيرهم، على اعتبار أن (آية الجزية) خصصت أهل الكتاب من عموم قوله تعالى ]فاقتلوا المشركين[، وجاءت السنة النبوية لتستثني (المجوس)، قياساً لهم على أهل الكتاب؟! بالطبع إن ظاهر الآية (والحديث) يدلان على عدم جواز ذلك، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية والظاهرية والشيعة الإمامية.
وذهب آخرون إلى جواز عقد الذمة لجميع أصناف غير المسلمين، إلا عبدة الأوثان من العرب، وحجتهم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، في حين أجاز عقد الذمة للمجوس مثلاً، فدلّ على جواز عقد الذمة لغير مشركي العرب. وهذا قول الحنفية..
وذهب (الأوزاعي)، و(مالك)، وظاهر مذهب الزيدية، إلى جواز عقد الذمة لجميع أصناف غير المسلمين، لا فرق بين وثني عربي وغيره.. وحجتهم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أخذ الجزية من المجوس، فدلّ ذلك على جواز عقد الذمة لجميع أصناف غير المسلمين([26]).
ورجّح الدكتور (عبدالكريم زيدان) القول الثالث من هذه الأقوال.. ولتأييد رأيه بيّن أن (آية الجزية) نزلت بعد (آية السيف)، فلما نزلت كان (نصارى نجران) أول من دفع الجزية – قبل وفاته (صلى الله عليه وسلم) – كما أخذها (عليه الصلاة والسلام) من المجوس، وهم ليسوا أهل كتاب.. وفي هذا دليل على جواز أخذها من غيرهم من المشركين، "وإنمالم يأخذها من مشركي العرب، لأنهم أسلموا قبل نزول آية الجزية([27]).. وأشار الدكتور (زيدان)، لتأييد ما ذهب إليه، إلى نكتة أخرى، وهي: إن كفر مشركي العرب لم يكن بأغلظ من كفر المجوس، بل على العكس، فإن العرب كانت على بقايا دين إبراهيم (عليه السلام)، ولا يستحلّون ما يستحلّه المجوس من نكاح الأمهات والبنات، وكانوا يقرّون بتوحيد الربوبية، بخلاف المجوس.. فكيف تعقد الذمة لأولئك، ولا تعقد لهؤلاء؟!([28]).
وأما حديث "أمرت أن أقاتل الناس..." – يقول الدكتور (زيدان) - : فقد قال البعض بأن المراد هنا: المشركون من غير أهل الكتاب، أو أن المراد به: أهل الكتاب (شرح القسطلاني على صحيح البخاري ج1، ص106).. وقال آخرون: يجوز حمل الحديث على أنه كان قبل نزول آية الجزية، أو أن يحمل على مشركي العرب فقط (حاشية السندي على متن النسائي ج5، ص15). فجمع هذه الاحتمالات في مدلول الحديث، لا يبقي حجة للمستدلين به على عدم جواز عقد الذمة لغير أهل الكتاب([29]).
وهكذا نرى أن الحديث ليس حجة لمن ذهب إلى أن السبب الباعث على القتال هو الكفر، هذا فضلاً عن أن الحديث (معلول)، بما ينزل به عن درجة الصحة: قال الشيخ (محمد رشيد رضا) في تفسيره: "إن في إسناده من الغرابة ما استغرب معه بعض نقاد الحديث تصحيح الشيخين له، مع امتناع الإمام أحمد عن إيراده في مسنده، على سعته وإحاطته بأمثال هذه الأحاديث. وقد صرّح قوم من العلماء باستبعاد صحته، كما قال (الحافظ) في شرحه من (الفتح)، وهو مخالف لحديث (أبي هريرة)، الذي خرّجه الجماعة كلهم، وقال بعضهم بتواتره"([30]).الواقع التاريخي
لن نستطرد في مناقشة الواقع التاريخي، إذ إن تفصيل ذلك يحتاج إلى بحث مستقل – كما أشرنا إلى ذلك – وسنكتفي بإيراد شبهة قوية، ذكرها الدكتور (عبد الكريم زيدان) في كتابه (مجموعة بحوث فقهية)، مؤداها أن أعمال الخلفاء الراشدين، وحركة الفتح الإسلامي، تؤيد الرأي القائل بأنه ليس للكافرين إلا السيف أو القتل.. حيث يقول: "إنهم فتحوا البلاد المجاورة، وأبطلوا أنظمتها الباطلة، ونفذوا فيها القانون الإسلامي، وأدخلوها في سلطان الدولة الإسلامية، وصارت جزءاً منها، ولم ينكر عليهم أحد مطلقاً، فيكون هذا النهج مجمعاً عليه من قبل الجميع، وهو أعظم إجماع قام على مسألة شرعية" ص57.
وهذا الكلام فيه نظر. والذي لا شك فيه أن إعلان الحرب من قبل المسلمين على الفرس والروم، إنما كان بسبب الخوف منهم، فقد كانوا مصدر تهديد دائم.. حتى أن الخوف من الغزو الرومي كان يشغل بال المسلمين، ويقلق نومهم، سنوات عديدة.. وقد جاءت (غزوة مؤتة) في حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) رداً على تحرشات واعتداءات الروم، وتجميعهم للجيوش، استعداداً لغزو الجزيرة.. وكذلك الفرس، الذين لم يكتف ملكهم بتمزيق رسالة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقتل رسوله، بل أرسل إلى عامله على (اليمن)، يطالبه بإحضار النبي (صلى الله عليه وسلم) أسيراً إليه، وهذا بالطبع يعني غزو (المدينة)، وإعلان الحرب على المسلمين. وهكذا رأينا كيف "انتشرت جيوش المسلمين شرقاً وغرباً ضد امبراطوريات أكبر وأقوى، ولكنها توقفت عن عبور البحر إلى (الحبشة)، الأضعف والأقرب"([31])، لأنها كانت مسالمة، ولم تبدأ المسلمين بعدوان. ولهذا كانت دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) للمسلمين، في حديثه المعروف: "اتركوا الأحباش ما تركوكم"! ولو كان الأمر غير ردّ العدوان والحرابة، لما كان لاستثناء (الحبشة) من موجب.
وأما ما يُستشهد به في هذا المجال عادة، وأعني كلمة (ربعي بن عامر) المعروفة: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة... إلخ"، فإنه يجب فهم هذا القول بما لا يتعارض مع الآيات القرآنية، ومع الغرض من إرسال الرسل وإنزال الكتب (التبليغ وإقامة الحجة). وإلا فإن ظاهر معناه يوحي بأن هدف خروجهم هو: إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده!.. وبالطبع فإن هذا هدف كلي لدعوة الإسلام، وليس القصد من ذلك مقاتلة الناس لإخراجهم من الكفر إلى الإيمان! وهذا واضح، لأن إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، بهذا المعنى، ليس مشروعاً، ولا مطلوباً.. ولم ينقل لنا التاريخ أن المسلمين أجبروا الناس على الإسلام بعد فتح بلدانهم.. وبالتالي، فإن هذه المقولة – على افتراض صحتها – لا تشكل دليلاً على دعوى أن الفتوحات الإسلامية إنما قامت لنشر الإسلام، وفرض الجزية على غير المسلمين!..
أما من أراد تفسيراً لتوغل المسلمين فيما وراء أرض العراق وبلاد الشام، إلى أقاصي الهند شرقاً، والمحيط الأطلسي غرباً.. فلعلنا نجد في كلمة الإمام (محمد عبده)، وتلميذه (رشيد رضا) – بالاضافة إلى ما ذكرناه آنفاً – تفسيراً لذلك.. حيث يقول: "وما كان بعد ذلك من الفتوحات الإسلامية اقتضته طبيعة الملك، ولم يكن كله موافقاً لأحكام الدين، فإن من طبيعة الكون أن يبسط القوي يده على جاره الضعيف، ولم نعرف أمة قوية أرحم في فتوحاتها بالضعفاء من المسلمين"([32]).
خاتمة
وهكذا، وبعد مناقشة أدلة الفريق القائل بأن السبب الباعث على القتال هو الكفر، وأن على المسلمين أن يحملوا السيف، ويقاتلوا الآخرين، لتخييرهم بين الإسلام أو السيف أو الجزية، تبيّن لنا أن الصواب هو في جانب الفريق الثاني (وهم جمهور الفقهاء، الذين ذهبوا إلى أن الحرابة هي السبب الباعث على القتال).. ويتأكد هذا الاتجاه أكثر لما رأيناه من أن الأخذ بظاهر الآيات والأحاديث التي استند إليها الفريق الأول، يصطدم اصطداماً مباشراً بما هو معلوم من الدين بالضرورة، من أن الدعوة إلى الإيمان، إنما تكون عن طريق الاختيار والاقتناع، وأنه ]لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي..[، مع ملاحظة أن نفس قاعدة التخيير بين الإسلام أو الجزية أو القتل (التي كان المسلمون يتبعونها في حروبهم مع أعدائهم، قبل البدء بقتالهم)، تدلّ دلالة واضحة على أن الكفر ليس هو السبب الباعث على القتال، إذ لو كان الأمر كذلك، لما كان ثمة معنى لإقرارهم على كفرهم، وقبول الجزية منهم، وهذا من الوضوح بمكان!
ثم إننا، من جهة أخرى، نجد أن الله سبحانه قد أكّد - في كثير من الآيات القرآنية - حقيقة أساسية مهمة، وهي: إن الاختلاف والتعدد والتمايز مطلب كوني، وإرادة إلهية نافذة، ومن ثمّ فمحاولة إزالة هذا التعدد والتمايز والاختلاف هو حرث في بحر: ]ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين[ هود/118، ]ولوشاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم[ المائدة/48.. إن التمايز والاختلاف والتعدد هي صفات ثابتة ودائمة للكائنات، وهي الصيغة المقابلة والمؤكّدة لوحدانية الله تعالى، فهو وحده الفرد الصمدّ!.. ولهذا يذهب (محمد جلال كشك) إلى أن الإسلام إنما شرع (الجهاد) "لحماية هذا التعدد، وحماية حرية الاختيار. ومن ثمّ يجب أن يتصدى المسلمون لكل دعوة شمولية، تريد أن تفرض نظاماً واحداً، أو فكراً واحداً، أو عقيدة واحدة، على الناس، سواء داخل المجتمع الإسلامي، أو على نطاق الجنس البشري.."([33]). وقد رأينا كيف استخرج صاحب (المنار) – استناداً إلى قوله تعالى: ]وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة..[ – قاعدة: أن الغاية من القتال في الإسلام هي تأمين حرية الدين، ومنع فتون أحد واضطهاده لإرجاعه عن دينه([34]).. وهو تخريج قوي تؤيده الآيات العديدة حول حرية الدعوة!.
 ولا بدّ قبل أن نختم هذا البحث، من الإشارة إلى ما ذكره الأستاذ الدكتور (يوسف القرضاوي) في كتابه (أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة)، حيث ذكر تحت فقرة (فكر واقعي): "ومن الجدل الذي لا ضرورة له، ولا جدوى من ورائه اليوم: ما يثار بين الحين والحين حول طبيعة الجهاد العسكري (القتال) في الإسلام: هل هو جهاد (هجومي) لنشر الإسلام في العالم، أو هو (دفاعي) عن عقيدة الإسلام وحرماته وأرضه؟"([35]).
فهو يرى أن مثل هذه الأبحاث تدخل ضمن خانة الجدل غير المنتج، وغير ذي الفائدة العملية، ويعلل رأيه هذا بأسباب ثلاثة، هي:
1- إن هناك، في كثير من البلاد الإسلامية جهاداً عينياً، لم نقم بواجبنا تجاهها، ولم نؤد الذي علينا نحوها.. فكيف نترك ونهمل هذا الجهاد الدفاعي المفروض علينا، لنتحدث عن جهاد هجومي نظري لا طائل ورائه؟
2- إن المقصود من هذا الجهاد الهجومي – عند القائلين به – هو إزاحة الأنظمة الطاغوتية، لكي لا تشكل حاجزاً، وتمنع تبليغ دعوة الله.. وهذا الحاجز لا وجود له اليوم.. ونحن  – مع ذلك – أشد الناس تقصيراً في الاستفادة من الوسائل الإعلامية الهائلة، التي وفرتها الحضارة الحديثة في التبليغ والدعوة.. فكيف نهمل ونقصّر فيما هو واجب اليوم، وما هو في مقدورنا واستطاعتنا، لنتحدث عن جهاد هجومي لإزاحة الأنظمة الطاغوتية التي لا تسمح بنشر الدعوة؟!
3إننا عالة على غيرنا في القوة العسكرية.. والذين نريد أن نجاهدهم جهاداً هجومياً، هم الذين يصنعون السلاح ويزودوننا به.. ولولاهم لكنا عزلاً لا نقدر على شيء! فما معنى أن نتحدث عن الهجوم لإخضاع العالم لرسالتنا، ونحن لا نملك من السلاح إلا ما ملكوه لنا، وسمحوا ببيعه إيانا؟
وهذه أسباب واقعية ومنطقية جداً.. تبيّن – في الحقيقة – مدى بعد تلك الآراء التي تتحدث عن (الجهاد الهجومي)، و(دار الإسلام، ودار الحرب)، عن تفهّم الواقع، واستيعاب معطياته! فضلاً عن مصادمتها للأدلة الشرعية، كما رأينا. ولكنّا مع ذلك لا نوافق الدكتور (القرضاوي) على ما ذهب إليه من أن طرح مثل هذه الآراء هو من باب الجدل والمراء غير المنتج.. فليس الموضوع  – كما نرى – ترفاً فكرياً، بل هو مما يساهم في تكوين العقلية المسلمة اليوم، ويعين على وضوح الرؤية، ويؤثر في طريقة التفكير والنظر، ويحدد الأساليب والوسائل التي ينبغي أن تتبعها الحركات والأنظمة الإسلامية، كما يبلور استراتيجياتها وخطط عملها الدعوية والسياسية.. ولذلك فإننا نعجب أن توضع مثل هذه الأبحاث في خانة الجدل الذي لا ضرورة له، ونرى – على العكس- ضرورة التصدي لمثل هذه الأفكار، التي تستند إلى تراث فقهي وفكري كبير، لا بد من تقويمه، وتجديد النظر فيه..

الهوامش

([1]) انظر: التفسير المنير – د. وهبة الزحيلي، ج2، ص184، ص178؛ تفسير المنار، م10، ص166-168.
([2]) التفسير المنير – الزحيلي، ج2، ص184، مجموعة بحوث فقهية – عبدالكريم زيدان، ص61.
([3] ) الجهاد في سبيل الله – د. القادري، ج1، ص188.
([4] ) التفسير المنير – الزحيلي، ج10، ص111.
([5] ) التفسير الكبير – الفخر الرازي، م8، ج15، ص225.
([6] ) التفسير الكبير – الرازي، م، ج5، ص128؛ وكذلك تفسير ابن كثير، م2، ص393.
([7] ) انظر مثلا: الإسلام – سعيد حوى، ص404؛ الجهاد – محمد نعيم ياسين، ص54؛ التفسير المنير، ج10، ص61.
([8] ) انظر: الجهاد في الإسلام – البوطي، ص53-54.
([9]) وانظر: أحكام الذميين – د. عبد الكريم زيدان، ص26-27، وتفسير المنار، م2، 209. وانظر كذلك: تفسير ابن كثير: حيث يفسر  {واقتلوهم}، عند كلامه عن قوله تعالى في سورة البقرة/ 191: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم}، يقول: "أي لتكون همتكم منبعثة على قتالهم، كما همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادكم التي أخرجوكم منها، قصاصاً".
([10] ) تفسير المنار، م11، ص124-125.
([11] ) الجهاد في الإسلام – البوطي، ص99.
([12]) الجهاد في الإسلام – البوطي، ص100-101، ويشير الدكتور البوطي إلى أنه لم يجد من أثبت أو قال بأن هذه الآيات سابقة في النزول على (آية السيف)، حتى يصح الادعاء بأنها منسوخة بها.
([13] ) التفسير الكبير – الفخر الرازي، م8، ج15، ص226-227.
([14] ) الجهاد في الإسلام – البوطي، ص101.
([15] ) الجهاد في الإسلام – البوطي، ص60، ص101.
([16] ) التفسير المنير، د. وهبة الزحيلي، ج2، ص180.
([17] ) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، م1، ص283.
([18] ) التفسير المنير، د. وهبة الزحيلي، ج2، ص180.
([19] ) تفسير المنار، رشيد رضا، م1، ص141.
([20] ) تفسير المنار، م2، ص211.
([21] ) تفسير المنار، م2، ص211.
([22] ) تفسير المنار، م2، ص210.
([23] ) الجهاد في الإسلام، البوطي، ص104.
([24] ) الجهاد في الإسلام، البوطي، ص60.
([25] ) الجهاد في الإسلام، البوطي، ص61.
([26] ) أحكام الذميين، د. عبدالكريم زيدان، ص26-27.
([27] ) تفسير المنار، م10، ص280.
([28] ) أحكام الذميين، عبدالكريم زيدان، ص28-29.
([29]) أحكام الذميين، عبدالكريم زيدان، ص29-30، ويشير في الهامش إلى (زاد المعاد ج2، 224).
([30] ) تفسير المنار، م10، ص281.
([31] ) مجلة التضامن/ العدد (51) 31/3/1984. (مقال محمد جلال كشك).
([32] ) تفسير المنار، م2، ص216.
([33] ) مجلة التضامن، مقال لمحمد جلال كشك/ العدد (51) 31/3/1984.
 ([34] )تفسير المنار، م10، ص141.
([35]) أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، د. يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، ط2، 1991، ص100-102.

المصادر والمراجع
1.    تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المعرفة، لبنان، الطبعة الثانية.
2.    تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1992.
3.    التفسير الكبير، الفخر الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة.
4.    تفسير روح المعاني، الآلوسي، دار الفكر، بيروت، 1987.
5.    التفسير المنير، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1991.
6.    الجهاد في الإسلام: كيف نفهمه؟ وكيف نمارسه؟، د. محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1993.
7.    الجهاد ميادينه وأساليبه، د. محمد نعيم ياسين، مكتبة الزهراء، القاهرة، 1990.
8.    مدخل إلى القرآن الكريم، د. محمد عبدالله دراز، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1989.
9.    الإسلام، سعيد حوى، دار الكتب العلمية، لبنان، ط2، 1979.
10. الجهاد في سبيل الله، د. عبدالله بن أحمد القادري، دار المنارة، جدة، الطبعة الثانية، 1992.
11. فقه السنة، السيد سابق، دار الفكر، بيروت، الطبعة الرابعة، 1983.
12.غاية المراد في قضايا الجهاد، علي بن الحاج، منشورات الجبهة الإسلامية للانقاذ، الجزائر، الطبعة الأولى، 1994.
13.  مجموعة بحوث فقهية، د. عبدالكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، مكتبة القدس، الطبعة الثانية، 1976.
14. أحكام الذميين والمستأمنين في الإسلام، د. عبدالكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، مكتبة القدس، الطبعة الثانية، 1976.
15.   نظام الحكم في الإسلام، تقي الدين النبهاني، سلسلة منشورات الراية.
16. السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ابن تيمية، مكتبة المعارف، بغداد، الطبعة الخامسة، 1990.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق