الجمعة، 8 أبريل، 2016

عبق الكلمات/ فقه الطيبات

عبد الباقي يوسف
لقد جعل الله تعالى للناس الـ {طَيِّبَاتِ} كي يتطيبوا ويتمتعوا بها، و{طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ} كثيرة، تشمل سائر أشكال ما يحقق الطيب للإنسان، سواء في المأكل، أو المشرب، أو المنظر، أو الجِماع. يقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ، وَلاَ تَعْتَدُواْ، إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} المائدة/87.
فلا يجوز لك أن تحرم نفسك من هذه الطيبات، حتى لو اعتقدتَ أنك تفعل ذلك من باب الزهد، أو التفرغ للعبادة. فعليك أن تأخذ ما أباحه الله لك، نظير أن تعطي ما فرضه الله عليك، ولعلّ الاعتدال لا يكمن إلاّ في التساوي بين الأخذ والعطاء. فإن لم تأخذ حقك، لعلّ ذلك يؤدّي بك كي لا تعطي الحق المتوجب عليك، سواء حق الله، أو حق الناس، فإن لم تعط لنفسك حقها عليك، يتعذر عليك أن تعطي
حق الله، وثمّ حقّ الناس.
فالاعتداء هنا يجوز أن يكون اعتداء الإنسان على نفسه، بأن يحرمها حقها. فلم يجعل الله الـ {طَيِّبَاتِ} حتى ينظر إليها الإنسان بحسرة، ويحرم نفسه منها، بل عليه أن يعمل ليحصل عليها، ويتمتع بها، وكذلك يسهم في إنتاجها. فإن حرم نفسه منها، لن يكون له أن يسهم في إنتاجها، كونه يراها معيقة للعبادة، ومن ذاك المنظور حرّمها على نفسه، ولذلك يمكن له ألاّ يسهم أيضاً في إنتاجها.
يقول الله: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} المائدة/88.
فحتى الاستجابة لأمر الله بالتمتع {مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} يكون من التقوى، لأنك تتقي بالطيب من الخبيث، وبالحلال، من الحرام. فهذا الحلال رزقك الله به، وكأنك عندما تحرم نفسك منه، تردّه على الله، فتقول له بأنك لا تريد هذا الحلال، لأنك لا تأكله، وقد رزقك الله به. فجاء الأمر حاسماً: {وَكُلُواْ}، أي: عليك أن تطيع الأمر، ما دام الطيب قد رزقك به الله، وأنك تشتهيه، وأن صحتك تتقبله، وهو طيّب ونافع ويمدّك بالطاقة. ثمّ لعلّ هذا الطيّب يزيدك طيباً، ولعل امتناعك عن التطيّب بالطيب، يؤدي إلى تحجيم الطيب الذي أنت فيه. فاعلم أن مجرّد طاعة الله في أمره، هو من الطيب، فالطيّب هو الذي يطيع الله. فالرفض هو من المعصية، ما دمتَ تشتهيه، وتبغيه، وقد أتاحه الله لك، بيد أنك تحرم نفسك منه، ثم تحرم عيالك منه. فهو رزق رزقك الله به، ودعاك إلى الانتفاع به. فقد أمرك الله بألاّ تجعل نفسك في كبت، لأن عاقبة الكبت غير محمودة. فإن رغبت في امرأتك، ترى أن الله أمرها نظير ذلك أن تستجيب لك، وأنها لا تملك حق الامتناع، لأنها بذلك ستجعلك تمضي الليلة مكبوتاً، قامعاً رغبتك، وفي تلك الليلة ذاتها ستكون حليلتك عرضة للعنة الملائكة حتى الصباح، كما في الحديث. وفي رواية: "حتى تراجع وتضع يدها في يده"، لأنها عصت الله، وحرمت زوجها من طيّب أحله الله له. ثم إن عيالك يبتغون ما طاب من طعام، وما لذ من شراب، وقد جعلك مسؤولاً عليهم، وأودع بيدك رزقهم كي تنفقه، فليس لك أن تمسك عليهم نعمة الله، كما ليس لك أن تمسك عن نفسك نعمة الله. ولذلك يُستَحسن لسيدة البيت أن تُحسن طهي الطعام، وتتفنن فيه، حتى يكون شهياً، وهي بذلك تُقدّر النعمة، وتُحسن طهيها، وتقديمه على أطباق شهية، وهذا بمثابة شكر منها لله الذي رزقها بهذا الطعام، والشكر يكون بحسن الاستخدام، وحَسن التقديم، والعناية الفائقة. فمهما كان الطعام طيباً في أصله، يمكن لسوء الطهي، أن يفسد هذا الطعام، فيفقد الشهية إليه، كونه قد احترق، أو لم ينضج بعد، أو به زيادة، أو نقص في بعض المنكّهات، أو الأملاح. فدخولها إلى مطبخها لإعداد الطعام لعائلتها، وبذل الجهد في ذلك، يكون لها من باب الجهاد، فهذا هو جهادها في سبيل عائلتها. فالجهاد ما يجهد به الإنسان في سبيل طاعة الله، ولذلك فإن مطبخ سيدة البيت يتحوّل إلى مسجدها، لأن ما تقوم به في هذا المطبخ، إنما هو شكل من أشكال الصلاة، فتقدّم مائدة الطعام الشهية إلى عائلتها، وقد أحسنت إعدادها، وهي تقول لهم: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً}.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق