الجمعة، 8 أبريل، 2016

من جاهد نفسه ظلماً، فهو على ظلم غيرها أقدر

فاتن محمد
مجاهدة النفس مصطلح سمعناه كثيراً، وتُحُدِّثَ به كثيراً، وإليك بعض الشائع مما يقال في مجاهدة النفس: "قال (...) في كتاب (...) في تعريف المجاهدة بأنها مصدر: جاهد يجاهد جهاداً ومجاهدة، وهو مأخوذ من مادة (ج هـ د)، التي تدل على المشقة...
أمَّا المجاهدة للنفس اصطلاحاً فقد عرَّفها (...) في كتاب (...) بأنها: محاربة النفس الأمَّارة بالسوء، بتحميلها ما يشقّ عليها، بما هو مطلوب في الشرع. وقال (...): حمل النفس على المشاق البدنية، ومخالفة الهوى. وقيل... إلخ". ومثل هذا كثير. لكن لو رجعنا إلى الجهاد، لرأينا أنه حقاً مأخوذ من مادة (ج هـ د)، التي تدل على المشقة.
- ففي الإسلام، الجهاد فقط يكون في سبيل الله، وهو ما نسمّيه: إخلاص النية. قال تعالى: [الذين آمنوا يقاتلون في سبيل اللّه، والذي كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً]، وفي الحديث: (جاء رجل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل لِيُرَى مَكَاُنُه، فمن في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله).
ثانياً: يكون الجهاد بشيء: كالنفس، المال، الوقت... قال تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. وأيضاً: النفس، وما تحمله من طاقتين: مادية بالجسد، وفكرية بالتفكير وإعمال العقل. والطاقة الفكرية متعبة للنفس، وتصرف من الطاقة والجهد، وتستنفذ أكثر بكثير مما تستنفذه الطاقة الجسدية، وأنفع. لذلك قال النبـي:) فضلُ العَالِم على العَابِدِ، كَفَضْلِي على أدْناكم)، وفي الحديث الآخر: (وَإِن فَضْلَ العالمِ على العَابِدِ، كَفضل القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكَوَاكِب)، وكذلك القرآن: قال تعالى: [فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا].
النفع في الجهاد، وهو عائد للنفس، كما في صريح القرآن: [وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ].
والجهاد يكون ضد شيء: (الكفار، المنافقين، الجهل، ...)، وهناك من أدخل النفس في الأمور الواجب مجاهدتها، واستند الأغلبية في حديثهم عن مجاهدة النفس إلى حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وهل هناك جهاد أعظم من جهاد الكفار؟ قال: نعم، جهاد النفس). وإليك درجة الحديث، كما أخبر عنه العلماء:
- (ضعيف)/ البيهقي.
- (لا أصل له(/ ابن تيمية ) (11/197).
- ضعّفه (العراقي) في تخريج (الإحياء).
- قال الحافظ (ابن حجر)، في (تسديد القوس): هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام (إبراهيم بن أبي عبلة(. (كشف الخفاء للعجلوني).
- (مُنْكر/ الألباني/السلسلة الضعيفة 2460).
- (ضعيف): ذكره (الفتني) في (تذكرة الموضوعات).
- قال (السيوطي): لا أعرفه مرفوعاً.
- (غريب جداً)، (الزيلعي/ تخريج الكشاف 2/395).
- (قيل: لا أصل له، أو بأصله موضوع)، (علي القاري الحنفي/ الأسرار المرفوعة).
- قال: الشيخ (ابن عثيمين) عند ذكره في (الشرح الممتع): ولكنه حديث ضعيف، غير صحيح. (وقال في إحدى فتاواه: ضعيف جداً، أو موضوع). (مجموع فتاوى ابن عثيمين 498/27).
- (قال شيخ الإسلام (ابن تيمية)، في (مجموع الفتاوى): لا أصل له، ولم يروه أحد من أهل المعرفة).. (انتهى)
وهذا يدل على أن هذا الحديث غير قابل لأن يكون دليلاً على مجاهدة النفس.
ثم إن الجهاد يكون ضد عدو وشيء سلبـي، كما ذكرنا قبل قليل: الكفار، المنافقين... والنفس الإنسانية مكرّمة عند الله عز وجل. وهنا ينبغي التفريق بين الجهاد بالنفس، أيْ: بذلها في سبيل الله، كما ذكرنا من قبل: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله}، وهو يختلف عن مجاهدتها.
إن المجاهدة للنفس تكون بحملها وإكراهها على فعل الخير، وهو يختلف عن منهج الدعوة في القرآن، الذي يبتعد كل البعد عن معنى الإجبار والإكراه في الدين، فقد جاءت الآية واضحة في قوله تعالى: [لا إكراه في الدين]، فهي عامة، تشمل النفس، وغيرها.
النفس الإنسانية تميل بطبيعتها للكسل والتراخي والخمول - وهذا حسب قول علماء النفس-، ولكنها تميل أيضاً للاستمتاع، بل إن المتعة هي المحفز الأساسي للنفس الإنسانية، بل إن وقود العمل للنفس الإنسانية هو المتعة، واللاعبون في أيّ من الألعاب، نجدهم يبذلون أحياناً من الجهد ما يعجزون هم أنفسهم عن بذله في أوقات أخرى، ويستميتون ولكن في سبيل ما يستمتعون به. وهناك فروض عين تجب على كل مسلم، وفي هذه يجب على الإنسان أن يفهم فقط مفهومها، والطريقة الصحيحة لأدائها ومعانيها والهدف منها، عندها يستطيع أن يؤديها بكل متعة، بل ويَعُدُّ البعد عنها  - حينذاك - حرماناً له، أكثر منه إزالة واجب من على كاهله . ففي الفرائض مثلاً من الطاقة التي يحصل عليها الإنسان ما يريحه ويعينه في الحياة، فالفروض وضعت لتساعد الإنسان في مسيرة الحياة. ولذلك ورد في الحديث أن النبـي: (كان إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة)، أي: التجأ إلى الصلاة، لماذا؟! لما كان يجد بها من الراحة النفسية. وكذلك الصيام، يقول الدكتور (أحمد عمارة): "يحوي الصيام من الطاقة الإيجابية ما يستطيع كفاية الإنسان - إن صام شهر رمضان- أن تستمد معه الطاقة لنهاية العام. بل أنا عندما أكون مشغولاً جداً، وأعلم أن أوقات الفراغ في نهاري ستكون قليلة، أصومُ، لأمتلك الطاقة التي تعينني في ذلك اليوم...".
 وعلى هذا تجري كل فروض العين. أما فروض الكفاية، فهي تشمل كل نواحي الحياة، ما دامت في سبيل الله. وهنا يختار الإنسان المجال الذي يحبّه، ويستمتع به، ويجاهد فيه. وهكذا يصبح مشغولاً بما يهواه. وهنا نجد معنى حديث النبـي: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). فالأمر الفاصل أن يكون الهوى تابعاً للدين، ولم يقل: أن يحارب هواه، أو أن يجاهده. وإذا انشغل الإنسان بالأمور النافعة التي يهواها، سيضيق الوقت المتبقي للتفكير في المعاصي.

وأخيراً أقول: إن المعلوم في (الجهاد)، أنه ينتهي إما بقتل العدو، أو دخوله في الإسلام.. فلينتبه من يحارب نفسه، أن تموت تلك النفس التي يجاهدها، وأن لا تكون نتيجة هذا الجهاد الرجوع إلى الدين، فيموت الإحساس لدى الإنسان، وحينها فقط لا نستبعد من قتل البعض للأبرياء، دون أن يرفّ لهم جفن، فمن قتل نفسه ظلماً، هل كثير منه أن يقتل غيرها؟!!..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق