الجمعة، 8 أبريل، 2016

أزمة الذات في رواية (الرجع البعيد) لـ(فؤاد التكرلي)

أثير محسن الهاشمي
يبدو أن الانطواء الذاتي تحت عملية الإقصاء (مقتصدة كانت أم لا)، يولّد حالة من ضعف الإحساس بــ (الأنا)، والخطوة الأولى التي يتبناها الكاتب هو أن يأسر المتلقي، وعملية أسر المتلقي أن تجعله يحسّ بذاته، وعملية الإحساس بالذات هي عملية رجعية، فالقارئ أو المتلقي يرجع إلى أناه، لإدراك المضمون الإيحائي الذي يدلّ على المعنى.
في رواية (الرجع البعيد)، نرى أن الكاتب (فؤاد التكرلي) يسمح لأن تكون (الأنا) الصوت الخفي تحت محيط الدراما الجماعية. وروح الدراما الجماعية جاءت عبر إيحاءات مركبة تركيباً عضوياً، لأن كل نصّ يــُحكى على لسان شخصية من الشخصيات الموجودة داخل الرواية، وهذا ما أعطى صفة التركيب العضوي
للنصوص.
إن أكثر الكتـّاب يعمدون إلى جعل الرواية ذات شفرات درامية تنحلّ تدريجياً، إلا أن (فؤاد التكرلي) في روايته (الرجع البعيد) يستعمل، عكس ذلك، الشفرات الدرامية متشابكة بروحية أصواتها الجماعية، مع اختفاء البطل الراوية (الذات)، وهذا ما يعطي نتيجة عكسية، تمنح لأن يكون هناك تقاربات نصية انزياحية، بإطار مختلف عن باقي الروايات الأخرى، سواء الروايات لغيره من الكتاب، أو في رواياته، وحتى في قصصه القصيرة.. في قصصه القصيرة - مثلاً - نرى الذات قائمة بشكل رئيس، عكس ما نراه في رواية (الرجع البعيد). يقول في قصته (غثيان): "لم يسألني أحد عن اسمي، رغم أنني كنتُ موجوداً بالنسبة إليهم جميعاً، موجوداً بقوة غير محتملة". (ينظر: قصاصون من العراق، دراسة ومختارات: سليم عبد القادر، ص 99، بغداد، 1977).
في قصته هذه يجعل الكاتب (فؤاد التكرلي) من الذات رؤية تعبيرية واضحة، إلا أنه في (الرجع البعيد) يشكّل عمله الدرامي على روحية الأصوات الجماعية، ويتجسّد ذلك باستعماله لأسلوب القناع. فكلّ نصّ من نصوص الرواية جاء على لسان إحدى الشخصيات، وحتى المحاكاة عبر الذات كانت ضعيفة، فالتكثيف الجماعي المعبّر، وغياب الذات - في أكثر الأحيان - يمنهج  لانحلال درامي عكسي، تتثاءب فيه المعطيات الذاتية لدى المتلقي، في ظلّ إبرازٍ واضح لهيئة المكان/ الزمان معاً، مع أن ضمير المتكلم (الأنا) هي طريقة تسمح للكاتب أن يشغل حيزاً في مجرى الأحداث، أي أنه واحد من شخوص النصّ، ويسمح له بأن يعرف عن الشخصيات ما تعرفه أيضاً عن نفسها. ومعنى هذا أن هناك حقيقة ثابتة عن سلوك وهوية الأشخاص، تنتقل بينهم هم أنفسهم (ينظر: التجريب في القصة والرواية، سليمان البكري، ص 67، بغداد، 2002).
فحينئذ تمتزج هوية الشخصيات مع بعضها، لتوليد حالة من الحدث، يبدأ وينمو، يتفرع ويتشعب، ليصل إلى شكله الأخير، تاركاً وراءه العديد من الصور والإيحاءات والتجليات المتعددة، وبأصوات متعددة:
·          نقطة البداية ـــــ (الذات مغلقة) ــــــ (الجماعة مفتوحة) ـــ هو، هي، هم.
·          الآخر(جلياً) ـــــــ الـــ مابين (شائكاً) ـــــــــ الزمان ــ المكان ـــــ الــــ ما بين (ممتزجاً)
يقول في بعض مقاطع روايته: "كانت الضجة تأتي من غرفة العجائز، أمها وأخت زوجها، إنهما في معارك لسانية دائمة من أجل لاشيء. تبدّى لها ظلّ ابنتها في مدخل السلم، مقبلة نحوها، طويلة، ممتلئة، هتفت:
-          مديحة عيني، شعلي الضوء". ص 8.
هنا النصّ كان نصاً توليدياً، إذ إن الذات اختفت وراء الوصف، الذي يقدمه الكاتب عبر لسان إحدى شخصياته في كل نصّ، ومن بينها النص الذي يحتوي على هذا المقطع. وبذلك يقدم الكاتب اشتغالات دائرية لعملية نظام (الوصف + الحوار).
إن التقلبات والتواردات الجماعية تظهر عبر عنصر الحوار، فتعطي صفات دلالية تكرس لفكرة النص.
تحتوي الرواية على نصوص مرتبطة بالحوار، وهذا الحوار يرتبط بالنصّ الوصفي، عبر لغة حكائية عالية المستوى، تستخرج الصور النثرية إلى أعلى مستوياتها الفنية. ولهذا نرى أن الإيعاز الوصفي أشبه ما يكون بسياقات كلامية ذات سيناريو درامي، فيتشكّل النصّ الروائي الوصفي بتجليات سيكولوجية، تتمخّض لإنتاج فرصة الاستمرارية في التشكيل القرائي لدى المتلقي. يقول:
"كانت عيون الموقد المشتعلة تبعث حرارة مزعجة، وقدور الطعام، والدهن المحمي في الطاوة الكبيرة، تهمهم، وتتهامس..." ص13.
يقدّم الكاتب نصّه الوصفي بطريقة ارتباطية، تكمن ما بين لحظات التأمل، وما بين لحظات الصمت والهمهمة أو الهسهسة لصوت الطبخ، مازجاً ذلك النصّ الوصفيّ باللهجة الشعبية، التي يستعملها في إنتاج (الحوار) المتبادل ما بين الشخصيات المتعددة.
والوصف الذي يفتتح به الكاتب كل مقطع حواري، هو ما أسميناه سابقا بـ(السيناريو الدرامي).
إن الكاتب يتخذ من المدخل الوصفي صياغة واقعية، ومرآة إيحائية، تجسّد عبرها نقل الواقع الموجود داخل النص، مع إبعاد تام للمحتويات العشوائية.
إن هذه المداخل الوصفية المتنوعة، والتي عن طرقها يــُفتتح الحوار، ربما تعوّض للمتلقي عن أزمة الذات الموجودة في الرواية.
كذلك ما نراه من تجليات واضحة في المردود اللغوي، الذي يطرحه الكاتب في تشكيل الحوار عبر لهجة شعبية، تعبّر عن الواقع الذي تجسّده الرواية. وهذا ما يعطي تعويضاً آخر لعملية أزمة الذات، وراء المدخل الوصفي/ الحواري.
إن الحوار الذي يبني الكاتب روايته عليه، ينشئ تبادلاً مؤثراً في التأثير والتأثر بين النصوص المختلفة في داخل الرواية.
 فالحوار من الآليات المهمة التي يقوم عليها بناء النص الأدبي، فهو حامل للمواصفات الشخصية، ويمكن التعرف من خلاله على حالة التكوين الفكري والاجتماعي والنفسي للشخصيات المتحاورة، باعتباره عنصراً دافعاً بالحدث إلى التصاعد بحيوية بالغة في معاينة الحدث كرؤية بصرية (ينظر: الدراما والتطبيق، عبد علي حسن، ص 126، بغداد، 2008).
إن ما ينمّي النصّ الروائي عند الكاتب هو عملية الاعتناء المتكامل في بناء الرواية عن طريق الشكل والمضمون معاً.
إن عملية الاعتناء بالنص عملية تكاملية، تبدأ من توارد الأحداث واجتماعها في وحدة موضوعية. على الرغم من تشابك الأحداث، إلا أن التسلسل في الحوار، وتشابك الشخصيات فيما بينها، والاسترداد الشكلي لعناصر مهمة منها، وتجلي عناصر أخرى محلها، كل ذلك، وغيره، يشكّل انزياحاً واضحاً في النصوص، وبالتالي يكمّل من عملية البناء الدرامي للرواية. يقول:
-          "قالت العمة:
-          اقعدي بمكانك أحسن، ذاهبة وراجعة! همّه هسه يأتون في العطلة.
-          منو ؟
-          شنو منو؟ منيرة وأمها غير؟ قابل تريدين أم عدنان وأطفالها ؟
لا.. هاي أم عدنان منو يريدها، صارلها كم سنة ما أحد شايفها، ملتهية تحبل وتلد.." ص 22.
هنا يرتبط الحدث الدرامي بالحوار المستعمل عبر آلية القناع، والتي يتخذ منها الكاتب مدركاً كاملاً لبث الشخصية، فالروح المتجسدة في كل شخصية حوارية من إحساس وصدق وردة فعل، تعكس حالة الصياغة الصحيحة والحبكة المتوازنة في خلق الشخصيات، وثقافة كل شخصية، بصدق وثبات، وكأن المتكلم هو بالفعل صاحب هذه الشخصية، وهذا ما يضيف صفة التكامل في البناء الدرامي.
التركيب الذاتي
يبدو أن المرتكز الرئيس في عملية البناء الدرامي لرواية (الرجع البعيد) يعتمد على فاعلية قائمة وممنهجة إيجابياً في شكلها ومضمونها، لغتها وحبكتها، شخصياتها وثقافاتها المتنوعة، حوارها ووحدة موضوعها.. إلخ.
تتنوع هذه الفاعلية بحسب شخوص الرواية، فتأتي (الأنا) بكونها (فاعلة) تتغير، تختبئ، ثم تظهر بحذر. يقول مثلاً :
((كانوا في الأيوان، يتحدثون ويشربون الشاي، ويتحدثون، وكنت على سريري، أستمع إليهم. خمّنت أنهم سيأتون لرؤيتي هنا، كنت أفضّل أن ألبث مستمعاً إليهم دون أن أشاهدهم، ولكن رؤيتها – كما أعلم – كانت تسرني، ولهذا بقيت منتظراً أن ينتهوا من أحاديثهم كي يأتوا إليّ)) ص27
يبرز الكاتب في هذا المقطع الذات على لسان إحدى شخصياته مثل كل نص ؛ لأن نصوصه مبنية على أصوات متعددة، كما قلنا سابقا، وكان الحوار في المقطع أعلاه يــُحكى على لسان إحدى شخصياته، وبلغة ذاتية: (كنتُ)، (كانوا)، وهذا الإبراز الذي ظهر في النص الثاني من الرواية، وتلاه ثلاثة نصوص من مجموع ثلاثة عشر نصاً، لا تستوفي ظهوراً كاملاً للذات، وبذلك تكون أزمة الذات واضحة أكثر من بروزها.
يبدو أن الواقع الاجتماعي إذا ما نظر إليه القاص بعين فنية، فإنه سيكتشف فيه مرتكزات عدة، تساعد على إيصال تلك الرؤية بعيداً عن الغموض، قريباً من الوضوح. فلهذا كلما كانت المرتكزات محددة و مكثفة، فإنها تعطي الحرية للفنان في تقديم رؤاه الفكرية/ الفنية بصورة متجانسة. (ينظر: مقتربات النص - مقاربة نصوصية في قصص (فؤاد التكرلي)، محمد جبير، ص 57/ بغداد 1989).
 إن الواقعية الاجتماعية، المتمثلة بــ (شخوص الرواية) وأحداثها، تعتبر مرتكزاً اساسياً مكثفاً في صناعة الحدث الدرامي، وهذا ما أسهم في إبراز مزيّة الرؤى الفنية والفكرية معاً، بالإضافة إلى حالة المزج ما بين (اختفاء الذات/ بروزها/ بروز الجماعة) يدلل على حالة الاختيارية التعددية في وصف أحداث الرواية وشموليتها. كما أن عكس الواقع الذي يعيشه الكاتب، عبر لغة روائية متعددة الأصوات، ترجح إلى صناعة أسلوبية جديدة للمتلقي، عبر اتحاد العناصر مع بعضها، سواء في الشكل أو المضمون، ومثال على ذلك: المزج الحاصل بين اللغة الفصحى، يقابلها: (لهجة محلية) ارتسمت بطابع الأناقة، وجاءت تعبيراً للبيئة التي يعيشها الكاتب.
إن أزمة الذات في هذه الرواية كانت انعكاسا لنقل الواقع الاجتماعي عبر تجارب الكاتب في نقل الواقع المعاش بشمولية في الأحداث والرؤى، إذ حاول الكاتب أخذ عينات مختلفة من المجتمع، مما يضيف إحساساً صادقاً لرسم الواقع عبر لوحة (الجماعة)، وهذا ما حصل.
إن عنصر (الجماعة)، المتمّثل بشخوص الرواية، يمثلون واقعاً حقيقياً متنوعاً، متناولاً في الآن ذاته فروقهم الفردية المختلفة بشكل واضح وجلي. وهذا ما أنشأ مقاربة نصية كان الرابط الرئيس فيها هو (الحوار)، كما قلنا مسبقاً. كذلك كان للتشابك والالتحام الدرامي في الرواية، دوراً مساعداً في توليد الصور الإيحائية والحكائية والفنية والوصفية وإبرازها عبر هيمنة واضحة.
كل ذلك جعل حدوث أزمة ذاتية في النصوص، وبالتالي اختفت شخصية الكاتب وراء شخوص الرواية، وهذا ما دلت عليه (ضمائر الجماعة المتعددة)، والتي كان يستعملها الكاتب بتكثيف: (كانوا – كان – كانت – وغيرها)، والنص رقم واحد كان نموذجاً لذلك، فكانت الذات غائبة فيه تماماً، والأفعال التي استخرجناها كانت أفعالاً تخلو منها (الذات).
وإليك النموذج:   
 (نموذج يبين بعض الأفعال الواردة التي تدل على أزمة الذات)
الفعل
الصيغ التي ورد فيها
عدد المرات
سار
سارتا – سار – سارت – يسير
5
أخذ
أخذتا – أخذت
3
كلم
كلمت – تتكلم – تكلمت – كلمته – كلمتها – كلمتها
7
كان
كانت – كان – كانتا – أكانت
25
رأى
رأت – رأته – تراه – رأتها – تر
16
سمع
سمعت – سمعتها – تستمع -
13
عاد
عاد – عادت – أعاد
5
هتف
هتفت
4
خرج
خرجت
3
التفت
التفتت
3
أدار
أدارت –استدارت
3
قطع
تقطعان – قاطع – قاطعتها
3
مسح
تمسح – مسحت
3
فهم
تفهم – يفهم
3
دخل
دخلت
2
تبع
تبعت – تبع
2
اعتدل
اعتدل – اعتدلت
2
سأل
سألت – سألتها
2











ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق