الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016

حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته، وعزله (2 - 3)

سالم الحاج
إنّ الحق في مراقبة الحاكم، ومحاسبته، وعزله، هو أحد الحقوق الثابتة للأمة الإسلامية. وقد عرف ذلك بموجب الكتاب، والسنة، والإجماع، ودلّت عليه سيرة الخلفاء الراشدين، وأقوال العلماء المعتمدين. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ مصطلح (الرقابة) - بهذا المعنى - لم يستعمل في الفقه الإسلامي، والنظم السياسية الإسلامية، وإنما استعملت مصطلحات أخرى مقابلة، مثل: (الاحتساب)، أو (الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)، و(النصح)([1]). ونعرض فيما يلي الأدلة التي يمكن اعتمادها في التعريف بهذا الحق:
أولاً: الأدلة من القرآن الكريم:
أ- هناك آيات عديدة، في القرآن الكريم، يفهم منها وجوب هذا الحق، وأهمية ممارسته، ومن ذلك قوله تعالى: [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ](آل عمران/14)، وقوله تعالى: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ](التوبة/71)، وقوله: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ](آل عمران/110)، وقوله تعالى: [الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ](الحج:41)، وغيرها. "فهذه الآيات الكريمة تدل دلالة واضحة على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتي تتضمن رقابة الأمة على أعمال رئيس الدولة"([2]). ومن المعلوم أن هذا الواجب قد جاء عاماً يشمل كل معروف، وكل منكر، ويدخل فيه الجميع: حكاماً ومحكومين، فليس من موجب لإخراج الحكام من ذلك الأمر. قال الإمام النووي: "قال العلماء: لا يختصّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين. قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم"([3]). وهذا يبيّن أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، "حق مشترك بين الأمة، والسلطة، بل هو فرض عليهما جميعاً"([4]). يؤكد الإمام الغزالي هذا المعنى، إذ يرى أن القيام بهذا الواجب فرض على كل مسلم قادر عليه، وهو لا يحتاج إلى إذن السلطة: "فإن الآيات والأخبار التي أوردناها، تدلّ على أنّ كلّ من رأى منكراً، فسكت عليه، عصى، إذ يجبُ نهيه، أينما رآه، وكيفما رآه، على العموم. فالتخصيص بشرط التفويض من الحاكم، تحكّم لا أصل له"([5]).
فهذه الآيات الكريمة، وغيرها، تثبت فرضية هذا الأصل، الذي قال عنه الإمام (الغزالي):إنه "القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين"([6]). وهذا يعني أن مراقبة الأمة، بأفرادها وجماعاتها، هو ليس حقاً فحسب، بل هو من الواجبات المفروضة على الأمة الإسلامية([7]).
ب/ قوله تعالى: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ](المائدة/2). وهذه الآية الكريمة أصل مهم في حث المسلمين على الاشتراك في (الشأن العام)، والالتقاء والتعاون مع الآخرين في سبيل ذلك. ولا شك أن التعاون على البر والتقوى – بهذا الإطلاق – يشمل كل مجالات البر والتقوى، وهو ما يقودنا إلى الميدان السياسي مرة أخرى، بالضرورة، إذ يجب إقرار الحاكم ومعاونته في كل خير، ونهيه وردعه عن إتيان الظلم والمنكرات.
ج-قال تعالى: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ](المائدة 78-79). وقال تعالى: [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ](الأعراف/165). ففي الآية الأولى، علّل الله سبحانه استحقاق بني إسرائيل للعنة، بتركهم النهي عن المنكر. وفي الآية الثانية، رتّب النجاة على القيام بدفع المنكر، وعدم السكوت على الظلم([8]).
ويستفاد من الآيتين الكريمتين خطورة السكوت عن المنكر، سواء كانت منكرات السلطة، أم منكرات العامة، وضرورة التصدي لها، ومقاومة الانحراف. وهو ما يؤيد ضرورة مراقبة السلطة، ومحاسبتها على أخطائها، أولاً بأول.
ثانياً: الأدلة من السنة النبوية:
حفلت السنة النبوية بالكثير جداً من الآثار، التي تفيد بوجوب مراقبة الأمة لحكامها، وضرورة محاسبتهم على أخطائهم، وخطورة التهاون في هذا الشأن، خوفاً من تعرّض الأمة كلها لسخط الله وعذابه.. ومن ذلك:
أ- ثمة أحاديث كثيرة تؤكد على مبدأ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الذي جاء في القرآن الكريم. ومنها: قوله (صلى الله عليه وسلم): {لتأمرّن بالمعروف، ولتنهوّن عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم}([9]). وقوله (صلى الله عليه وسلم): {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان}([10])، وأحاديث أخرى كثيرة.
ب- وثمة أحاديث أخرى توجب النصيحة على المسلم، تجاه الجميع، حكاماً ومحكومين. ومن ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم): {الدين النصيحة، قلنا، لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم}([11]).
ج- وأحاديث أخرى حثّت على الوقوف في وجه السلطان الظالم، ولو كلّف ذلك النفس والمال. قال (صلى الله عليه وسلم): {أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر}([12])، {سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله}([13])، {كلا، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً}([14]).
وهذه الأحاديث يفهم منها أن مراقبة الحكّام، ومحاسبتهم، هو من حقوق الأمة، بل من واجباتها، التي لا يجوز التهاون فيها، وإلا كان التعرض للعذاب في الدنيا، قبل الآخرة.. ولعل في حديث (السفينة) المعروف([15])، ما يؤكد هذه المعاني، ويبيّن أن القيام بهذا الواجب هو الطريق إلى نجاة الجميع، وإلا فإن في التقاعس عنه، وإهماله، خطراً قد يؤدي بسفينة المجتمع إلى الدمار والخراب([16]).
ثالثاً: الإجماع:
 أجمع فقهاء المسلمين على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجب على الأمة([17])، ولم يشذ عن ذلك إلا الأصمّ، من المعتزلة، الذي أوقفه على وجود الإمام العادل، فإن وجد، وإلا فهو غير واجب. وكذلك الشيعة الإمامية، الذين ربطوا هذا الحق بوجود الأئمة المعصومين([18]).
 قال الإمام (النووي): "تطابق على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة"([19]). وإذا كان إجماع الأمة على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قائماً، فهو يعني إجماعهم على مشروعية (الرقابة) على الحكّام، ومشروعية محاسبتهم، لأن أعمالهم مشمولة بمبدأ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقد كان هذا الأمر واضحاً، شديد الوضوح، في سيرة الخلفاء الراشدين، فـ"سلطة الأمة في مراقبة الحكام، وتقويمهم، ليست محل جدل، فالنصوص التي جاءت بها قاطعة في دلالتها، وصراحتها، وخلفاء الرسول (صلى الله عليه وسلم)كانوا أول من عمل بها، وطبقها"([20]). "وكان الخلفاء الراشدون يعتبرون ذلك حقاً للأمة مصوناً، وعليهم حفظه لهم"([21]). وخطبة الخليفة الأول للمسلمين "تعتبرُ سابقةً دستورية مهمة في تقرير حق الأمة في مراقبة الحاكم، ومحاسبته، وتقويمه، إن أخطأ، ورفض طاعته في معصية الله ورسوله"([22]). وهو ما أكّده وسار عليه الخليفة الثاني للمسلمين (عمر بن الخطاب)، الذي أرسى مبدأ: (إذا رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموني)([23])، ورفعَ شعار: (لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها)([24]).وهو ما سار عليه أيضاً الخليفتان الراشدان من بعده: عثمان وعلي(رضي الله عنهما). وقد ضعفت تلك الروح -بشكل عام- بعد عهد الخلفاء الراشدين، إذ لم تجد تشجيعاً من الخلفاء، بل على العكس واجه بعضهم كلَّ كلمة، أو نقد، بالعنف والقسوة، "حتى أخمدوا في الناس روح الاهتمام بمسائل السياسة، بعد أن كان هذا، من قبل، جزءاً من الدين"([25]). ولكن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ظلّ باقياً يقوم بدوره في حياة المسلمين، وقد وجد تعبيره في (ديوان الحسبة)، وفي ممارسات علماء وجمهور المسلمين، في كل مراحل التاريخ الإسلامي. قال الإمام (الباقلاني)، بعد أن ذكر واجبات الإمام: "فهذا الذي يليه ويقام لأجله، فإن غلط في شيء منه، أو عدل به عن موضعه، كانت الأمة من ورائه لتقويمه، والأخذ له بواجبه"([26]).
* أساس حق الأمة في المراقبة
إذا ثبتت مشروعية ووجوب الرقابة على الحكام، من خلال آيات الكتاب الكريم، وأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وإجماع الأمة بعد ذلك، فإن البحث في أساس حق الأمة في المراقبة على الحكام، يعتمد على جملة أمور، هي:
أولاً: إذا كان الحكام هم وكلاء عن الأمة، في تولي مناصبهم، وفي أداء واجباتهم -كما مرّ معنا خلال البحث- فإن ما يترتب على ذلك، أن الوكيل يجب أن لا يخرج عن حدود وكالته، وأنّ لموكله أن يراقبه في تنفيذ واجباته، ويحاسبه على تقصيره فيها. فالأمة هي صاحبة السلطة في الأصل، ومن الواجب عليها - وليس ذلك حقاً لها فحسب – أن تراقب وكلاءها، وتحاسبهم، إذا قصروا، أو أساءوا "([27]).
ثانياً: إن الأمة هي المخاطبة أصلاً بتنفيذ أحكام الشريعة، وهي القوامة على هذا التنفيذ،"فخطاب التكليف القرآني موجه، في جملته، إلى الجماعة أو الأمة الإسلامية، لا إلى فرد معين من أفرادها"([28]). وقد وكلت الأمة (الحاكم أو الخليفة) للقيام بهذه الواجبات، وتنفيذ هذه الأحكام، لأن الأمة لا يمكن أن تباشر، جميعها، هذه الواجبات. كما أن هذه الإنابةَ لا تعفي الأمة من مسؤوليتها، وذلك "يوجب مراقبتها للقائمين عليها، وتوجيههم، ومحاسبتهم، لتخرج بذلك من عهدة هذه المسؤولية"([29]). فإذا ثبت تقصير الحاكم في هذا التنفيذ، فإن من حق الأمة، التي نصبته لتنفيذ ذلك، أن تحاسبه، بل ولها أن تعزله([30]).
ثالثاً: لقد أوجب الله سبحانه للأمة (حق التشاور)، واعتبره من بين الصفات الأساسية، التي يتميز بها كيان المسلمين  – كما مرّ معنا في البحث –. و(حق الشورى) هذا، الذي يتضمن بذل الرأي، والنصح، لأئمة المسلمين وعامتهم، هو أحد الأسس الركينة التي يقوم عليها، ويستند إليها، مفهوم (حق المراقبة) من الأمة لحكامها([31]). "ولو لم يكن حق الرقابة على تصرفات الإمام، ومساءلته، لما كان هناك وجه للشورى، التي التزم بها الإسلام في نظام الحكم، واعتبرها أساساً وأصلاً فيه"([32]) .
رابعاً: إن (عقد البيعة) بين الأمة والحاكم، والذي تقوم على أساسه شرعية الحكم، إنما يقوم على التزام متبادل من الطرفين: التزام من الحاكم بالعمل بشرع الله، وإقامة الحق والعدل، يقابله التزام من الأمة بالنصرة والطاعة في المعروف.. وهذا الالتزام المتقابل هو الذي يعطي الأمة الحق في (مراقبة الحكام)، لأن الأمة لا ينتهي عملها بانتخاب الحاكم، بل لا بد لها من مراقبته، ومحاسبته، إنْ أخلّ بواجباته والتزاماته تجاهها([33]).
خامساً: إن (الأمة)، وبموجب الأمر الإلهي: [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ](آل عمران/104)، وبموجب الولاية، التي رتّبها للمؤمنين - على أساس الإيمان- تجاه بعضهم البعض، وما يترتب على ذلك من واجبات: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ](التوبة/71)، مسؤولة عن أمر الحاكم بالمعروف، ونهيه عن المنكر. وقد تقدّم - فيما مضى - الحديث عن أن هذا الواجب يشمل الحكام، كما يشمل سائر المسلمين([34]). وعلى هذا، فإن (الأمة) لها الحق في مراقبة (الحكام)، ومحاسبتهم، والضرب على أيديهم، لأن ذلك من مقتضيات الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر([35]).
سادساً: إن (الحاكم)، في النظام السياسي الإسلامي، هو فرد كبقية الأفراد، "لا يكسبه الحكم فضل مزيّة على غيره، فكما يحاسب غيره، ويسأل، يحاسب هو، ويسأل. فنصوص الشريعة لا تفرق بين الرؤساء والمرؤوسين، في خضوعهم للحساب والعقاب"([36]). فالحاكم في النظام الإسلامي ليس معصوماً، بل إن (الأمة) هي المعصومة، بدليل حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم): {إن أمتي لا تجتمع على ضلالة}([37]). وهذا التكييف القانوني – الشرعي لمركز (الحاكم)، وتقرير مسؤوليته المدنية والجزائية، أسوة ببقية المسلمين، هو أحد الأسس المهمة كذلك، التي يقوم عليها (حق الأمة في مراقبة الحاكم، ومحاسبته)، لأنه ليس مصوناً عن الخطأ والنقد([38]).
* كيفية ممارسة الأمة للرقابة
أولاً: عن طريق الإنابة:
تبين لنا، مما سبق، أن حق الرقابة هو أحد الحقوق الشرعية الثابتة للأمة، بموجب الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين. وهو حق ثابت للأمة بمجموعها، يرقى إلى مستوى الوجوب والإلزام، بحيث تأثم الأمة، بمجموعها، إن قصرّت في أدائه، أو أهملته([39]). ولكن، هل يجوز للأمة أن تعهد بالقيام بهذا الواجب، وممارسة هذا الحق، إلى فئة خاصة، أو إلى هيئة منتخبة، تتولى هي مراقبة الحاكم، ومحاسبته، وعزله، إنْ اقتضى الأمر؟! هذا ما يؤكد على ضرورته، وأهميته، بعض الباحثين المعاصرين([40])، وذلك من منطلق أن الأمة – بمجموعها – يتعذر عليها القيام بهذه الواجبات، فلابد إذن من الإنابة فيها. والإنابة أمرٌ قد مضت به الشريعة، وأجمع على شرعيتها المسلمون([41]). ثم إن الإنابة في القيام بواجب مراقبة الحاكم، ومحاسبته، هو شأن "ينسجم مع الرأي القائل: إن واجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هو فرض كفاية، لا فرض عين، وأنه إذا قام به أمة، سقط الحرج عن الآخرين"([42]).
ولا شك أن انتخاب هيئة للرقابة، هو أمر يُعين على، ويسهّل، عملية رقابة الأمة لحكامها، كما أنه سيضع القواعد، والأسس القانونية، لعملية المحاسبة، والنصح، التي تقوم بها الأمة، وذلك عن طريق الدستور والقوانين المنظمة لعمل المجلس.. ومن هنا، فإن الالتجاء إلى وسيلة الرقابة المنظمة، عن طريق هيئة منتخبة، تنوب عن الأمة، هي خطوة، فضلاً عن كونها منّظمة، وبذلك نتفادى الارتجال، والعفوية، والفوضى، في عملية المراقبة، والمحاسبة، فإنها – من جهة أخرى – تكتسب قوتها، وشرعيتها، من حيث كونها جهة منتخبة شرعياً، من قبل الأمة، كما أنها جهة تملك حق استعمال (السلطة)، وهو الأمر الذي يكفله لها الدستور، والقوانين التي تنظم عمل المجلس([43]).
ثانياً: المراقبة الفردية:
اتضح لنا فيما سبق، أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هو واجبٌ فرضٌ على كل مسلم، فرضاً على الكفاية. قال (صلى الله عليه وسلم): {من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان}([44]). وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام في مسألة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو "يدلّ على أن كل إنسان محاسب ببذل وسعه، ومحاسب على قدر طاقته في تغيير المنكر وإزالته، وليس بعد الإنكار بالقلب درجة، فلا يعفى من الإنكار بالقلب"([45]). فكل مسلم بالغ عاقل يجب عليه القيام بهذا الواجب، بحسب علمه واستطاعته، فإن لم يستطع أن ينكر بيده، فعليه الإنكار بلسانه، فإن لم يستطع ذلك، فإن الإنكار بالقلب يبقى واجباً ملازماً لكل مسلم، لا يسقط عنه بحال من الأحوال، لأن الإنكار بالقلب مقدور عليه من قبل كل إنسان! وقد ورد عن السلف الصالح تشبيه الذي لا ينكر المنكر حتى بقلبه بـ (ميت الأحياء)([46])، لأن الإنكار بالقلب هو (أضعف الإيمان)، كما ورد في الحديث الشريف. والإنكار بالقلب، وإن كان موقفاً سلبياً، لكنه يدخل في الإنكار، وهو وسيلة من وسائل التغيير، بحسب الحديث الشريف. "وهيهات أن يمتدّ عُمْر منكرٍ من المنكرات في مجتمع ينطوي قلبه على إنكاره، وإنْ لم يتحرّك لسانه، أو تعمل يده، فإنّ امتداد الزمن كفيل بأن تتحرك الألسنة، وتعمل الأيدي"([47]). وقد رسم الإسلام للإنسان منهجاً عاماً في (الإيجابية)، والتصدي للشأن العام، وتحمّل المسؤولية، كما في حديث {سيد الشهداء حمزة..}([48])، وكما في قوله (صلى الله عليه وسلم): {كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته}([49]). فكل فرد مسلم، هو على ثغرة من ثغور الإسلام، ومن واجب الجميع أن يتحمّل مسؤوليته، ويؤدي واجبه كاملاً. فكل مسلم – مهما كان موضعه في المجتمع، وعلى حسب علمه، وقدرته – هو مسؤول، وعليه أن يتحمل هذه المسؤولية، لأنه محاسب عليها يوم القيامة([50]).
يقول الإمام (الغزالي)، في الإنكار على الأمراء والسلاطين: "والجائز من جملة ذلك، مع السلاطين، الرتبتان الأوليان، وهما: التعريف والوعظ، وأما المنع بالقهر فليس ذلك لآحاد الرعية مع السلطان، فإن ذلك يحرّك الفتنة، ويهيج الشر، ويكون ما يتولد منه من المحذور أكثر"([51]). فهو يرى أن أفراد الرعية لهم الحق في الإنكار على السلاطين والأمراء، ولكنه يؤكد أن يكون ذلك في حدود التعريف والوعظ (الإنكار القولي)، ولا يتعداه إلى (الإنكار باليد)، لأن فيه تهييجاً للفتنة، ومحاذيره أشد من فوائده([52]). وما يهمنا هنا هو إبراز دور (الرقابة الفردية)، ومشروعية ذلك، وقد قال (صلى الله عليه وسلم): {سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره، ونهاه، فقتله}([53]).
وفي الحديث إشادة بدور (الرقابة الفردية) وأهميتها، كما أن فيه بياناً لمشروعيتها.. وقد سبق قول الإمام النووي: "قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين"([54]). وقد أشار الإمام الغزالي في (الإحياء) إلى نكتة مهمة، فيما يتعلق بدور الأفراد في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حين قال: "إعلم أن الزجر إنما يكون عن المستقبل، والعقوبة تكون على الماضي، والدفع على الحاضر الراهن، وليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع، وهو إعدام المنكر، فما زاد على قدر الإعدام، فهو إما عقوبة على جريمة سابقة، أو زجر عن لاحق، وذلك إلى الولاة، لا إلى الرعية"([55]). فهو يحدد عمل (الأفراد)، في هذا المجال، بالحال والآني والمشاهد من المنكرات، وليس لهم تنفيذ العقوبة على جريمة وقعت في الماضي، أو الزجر عما يتوقع أن يحصل في المستقبل، لأن ذلك يفتح الباب واسعاً للفوضى الاجتماعية، كما أن فيه افتئاتاً على حقوق (السلطة العامة)، التي يدخل ذلك ضمن اختصاصاتها. "ولا بديل من قصر دور الآحاد على إزالة المنكرات الحاضرة، وتفويض الأمر من قبل ذلك، ومن بعده، إلى الدولة، إلا انفراط عقد السلطة، وضعف هيبة الدولة، وفتح الذريعة إلى عدوان بعض الفئات على بعض، بحجة العقوبة على منكرات سابقة، أو الزجر عن منكرات لاحقة، وفي ذلك من الفساد ما فيه"([56]). وهذا الفهم ينسجم مع ظاهر ومفهوم الحديث النبوي الشريف: {من رأى منكم منكراً، فليغيره...}، فربط بين رؤية المنكر، وبين الإقدام على تغييره([57]).
ثالثا: المراقبة الشعبية (الجماعية):
إذا كان صحيحاً أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجب على كل فرد مسلم -كما مرّ معنا- فإن ذلك لا ينفي أن يتم أداء هذا الواجب بشكل جماعي، بل إن الآيات القرآنية لتؤكد أهمية العمل الجماعي في هذا الشأن، كما في قوله تعالى: [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ](آل عمران: 104)، أو قوله تعالى: [الذِينَ إِنْ مَكّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ](الحج:41)، وقوله تعالى: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ](التوبة/71). وكذلك، فإنّ الأحاديث النبوية الشريفة، في هذا المعنى، تؤكد جماعية هذا العمل. قال (صلى الله عليه وسلم): {لتأمرّنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليسلطنّ الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم، فلا يستجاب لهم}([58]). وهذه الآيات والأحاديث تبيّن بوضوح أنّ القيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هو فريضة جماعية، وليس شأناً فردياً – في الأصل –. ومن ثمّ فإننا نرى أن التوجيه القرآني يدعو المسلمين إلى تكوين وإيجاد (أمة)، أو جماعة خاصة متميزة من بينهم، تقوم بأداء هذا الواجب. وهذا هو ما رجّحه الإمام (محمد عبده)، وتلميذه (رشيد رضا)، في تفسيره لقوله تعالى: [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ](آل عمران/ 104)([59]). فذِكْرُ لفظ (الأمة) في الآية الكريمة فيه دلالة "على أنّ هناك أوامر وواجبات كبيرة عامة، لا يستطيع القيام بها واحد بمفرده، كما أن هناك منكرات كبيرة عامة لا يستطيع تغييرها الإنسان وحده، بل لا بدّ من فئة، أو تجمّع، من أهل العزم، يتعاونون من أجل تحقيق هذا المعروف، أو تغيير هذا المنكر"([60]).
إنّ الجماعية المطلوبة في شأن (رقابة الأمة على الحكام)، فضلاً عن استنادها إلى ما سبق ذكره من الأدلة الشرعية، لتتأكد وتتعزز من منطلق قوله تعالى: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ](المائدة/2)، وهو ما دأب المسلمون على القيام به، فرادى وجماعات، منذ عهود الإسلام الأولى. ففي (صلح الحديبية)، ومع أنّ قائد المسلمين، وإمامهم، هو الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) نفسه، فإن المسلمين عارضوا (الصلح) معارضة جماعية، أو بتعبير آخر "معارضة إجماعية"([61])، ولم ينكر عليهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) معارضتهم هذه، بل كان يرشدهم برفق إلى أنه رسول الله، ولن يعصيه، وأنّ الله سبحانه لن يضيعه، وكان ذلك كلّه جزءاً من المنهج النبوي السديد في تربية المسلمين. وفي عهد الصديق (أبي بكر)، وكذلك في عهد الفاروق (عمر) (رضي الله عنهما)، حدثت وقائع يمكن اعتبارها من باب القيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما في معارضة الكثير من الصحابة – بادىء الأمر – لأبي بكر، في شأن مقاتلة المرتدين، أو في شأن جمع القرآن. أو كما في معارضة المسلمين – أو جَمْعٍ كبير منهم – لعمر(t)، في شأن عدم توزيع أراضي السواد. وفي خلافة (عثمانt) برزت المعارضة الجماعية، في الحادثة المعروفة بالفتنة الكبرى، والتي انتهت بمقتل الخليفة الثالث (عثمانt). ولا تهمنا تفصيلات الوقائع هنا، بقدر ما يهمنا التأكيد على تقبّل المسلمين لحركة المعارضة الجماعية هذه، وعدم إنكارهم اجتماع هؤلاء القوم على أمرهم – بغضّ النظر عن صوابهم أو خطأهم-.!! وفي عهد الإمام علي(t) قامت معارضة (طلحة والزبير وعائشة) في بداية الأمر، ثم ظهرت حركة (الخوارج) بعد ذلك، وكلّها أحداث قامت على مبدأ المعارضة الجماعية، وفي ذلك ما يشير إلى بداهة هذا الأمر عند المسلمين آنذاك!
ومن هذه الأحداث، وغيرها كثير، يتبيّن لنا أن المسلمين مارسوا عملية (الرقابة على السلطة الحاكمة)، أو فلنقل: مارسوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بصورتيه الفردية والجماعية، وسواء كانت المعارضة سلمية، أم مسلحة([62])!.
* صور للرقابة الشعبية
 إذاً، فإنّ (الرقابة الشعبية)، فضلاً عن استنادها إلى نصوص صريحة من القرآن والسنة، قد مورست عند المسلمين، عملياً، في تجربتهم التاريخية. ولكن السؤال هنا هو: هل يمكن تنظيم عملية (الرقابة الشعبية على السلطة)؟ وما أشكال ذلك التنظيم؟
لقد رأينا، في التاريخ الإسلامي، ظهور حركات مسلحة للمعارضة، كالخوارج مثلاً، كما رأينا ولادة أحزاب، أو تيارات سياسية- فكرية، كالشيعة مثلاً، أو المعتزلة، وإن كان ذلك لا يعني أنها لم تلجأ إلى العمل المسلح، أو العنيف. وهناك من يرى أن فكرة الأحزاب السياسية قد ظهرت عند المسلمين في وقت مبكر جداً، أي منذ حادثة (السقيفة)؛ عندما افترق جمهورالمسلمين إلى ثلاثة فرق، واضحة الاختلاف والبرامج السياسية، وهي: فريق الأنصار، وفريق المهاجرين، وفريق أهل بيت النبـي (صلى الله عليه وسلم)([63]). فهذه التجربة التاريخية الثرّة للمسلمين، فضلاً عما شهدته الحضارة الإسلامية، من ظهور نظام الطوائف والأصناف (وهي تشبه النقابات والجمعيات، التي عرفت في العصر الحديث)([64])، أو ظهور حركات العيارين والشطار، هي صور وانعكاسات وآثار لممارسة مثل هذا (الحق) في المجتمعات الإسلامية.
وإذا كان هناك ثمة خلاف معاصر، بين المسلمين، في شرعية وجود الأحزاب السياسية، من وجهة النظر الإسلامية، فإن الاتجاه الغالب بين المفكرين والباحثين الإسلاميين المعاصرين، يؤيد قيام الأحزاب في الدولة الإسلامية، ويرى أن فوائد ذلك هي أكبر بكثير من مساوئه([65])، و"أنّ ترك الجماهير هملاً في مواجهة حكم منظم، لن يؤول إلا إلى الاستبداد، وإفراغ مبادىء الحكم الإسلامي- كالشورى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والبيعة، وأهل الحل والعقد- وإفراغها من محتواها، وتركها شعارات فارغة، وقلاعاً خاوية"([66]). ومن ثمّ، فإن "تنظيم المجتمع الإسلامي في شكل تجمعات سياسية وثقافية واجتماعية، هو السبيل الأمثل، إنْ لم يكن الأوحد، لتقوية جانبه في مواجهة السلطة، إنْ جارتْ ... والسير به في اتجاه الاكتفاء الذاتي، وتقليل اعتماده على السلطة، حتى لا يرتهن لها، فتشمخ وتستبد"([67]). ذلك أننا "إذا أردنا أن يكون لفريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، معناها وقوتها وأثرها في عصرنا، فلا يكفي أنْ تظلّ فريضة محدودة الأثر، محدودة القدرة، ولا بد من تطوير صورتها، بحيث تقوم بها قوة تقْدِر على أن تأمر وتنهى، وتنذر وتحذر، وأن تقول عندما تؤمر بمعصية: لا سمع ولا طاعة، وأن تؤلّب القوى السياسية على السلطة، إذا طغتْ، فتسقطها، بغير العنف والدم"([68]).
 وهكذا، فإننا نستطيع القول: إنّ الأحزاب السياسية، وكذلك النقابات العماليّة، والمنظمات المهنية والجماهيرية، وبقيّة منظمات المجتمع المدني، بصورةٍ عامة، بما في ذلك مؤسسات الصحافة والإعلام، تستطيع أن تقوم – كأطر منظمة وجماعية – بدور رقابيّ كبير، على مؤسسات السلطة بشكل عام.. وهذا أمر يقرّه الشرع، وتحتّمه الضرورة، لأنّ من الواضح أنّ الجهود الجماعية، المنظمة بالطبع، هي أقدر بكثير من الجهود الفردية، على تحقيق الأهداف، وإحداث الأثر المطلوب، وكذلك في تنظيم عملية (المراقبة)، ودعمها، وتقويتها، وفي توجيه وترشيد (الرأي العام)، وحراسته، والحيلولة دون استغفال الشعوب، والاستخفاف بها.
رابعاً: المراقبة القانونية والقضائية:
والقضاء، أو الرقابة القضائية، هو من أهم الضمانات الفاعلة، في حفظ حريات الناس، وصيانة حقوقهم، ولذلك فقد عرفته البشرية منذ زمن بعيد، موغل في القدم . "ويعتبر القضاء حارسا للقانون، وضامناً لتنفيذه"([69])، وهي الجهة التي "يلجأ إليها الأفراد إذا عسفت الهيئات العامة بحقوقهم، أو صادرت حرياتهم، متجاوزة في ذلك على القانون"([70]). يقول (ابن قدامة): "القضاء من فروض الكفايات، لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجباً عليهم، كالجهاد، والإمامة"([71]).
ويرى بعض علماء القانون، أن الرقابة القضائية تشكّل ضمانة حقيقية لحقوق وحريات الأفراد، إذا ما قورنت بغيرها من أنواع الضمانات، ذلك أن "الرقابة البرلمانية، والرقابة الإدارية، لا تشكلان ضمانات أكيدة لحماية حقوق الأفراد، وحرياتهم العامة، تجاه السلطات العامة... لأن الأولى سياسية، يتحكم فيها حزب الأغلبية، وتخضع لأهوائه. والثانية تجعل الأفراد تحت رحمة الإدارة، إذ تقيم من الإدارة خصماً وحكماً، في وقت واحد"([72]). ومن هنا عدّ بعض الباحثين القانونيين الرقابة القضائية "أفضل صور الرقابة وأهمها وأقواها، من حيث المحافظة على مبدأ الشرعية في تطبيقه، الأمر الذي يؤدي إلى حماية الحقوق والحريات الفردية، وتصبح الدولة قانونية من الناحية النظرية والعملية"([73]).
وإذا كانت رقابة القضاء – في التجربة الإسلامية – تتم عن طريق فروع القضاء المختلفة، مثل ولاية القضاء، وولاية المظالم، وولاية الحسبة، وولاية الشرطة، وولاية المدينة، وغيرها، فإن (ولاية المظالم) يمكن اعتبارها "أكثر أنواع القضاء اختصاصاً برقابة المشروعية، لأنها تختص بالمسائل المتعلقة بأصحاب السلطة، فهذه الولاية تشبه (القضاء الإداري)، الذي يختص بالمسائل التي تكون الإدارة طرفاً فيها"([74]).
وإذا كان دور القضاء العادي، في الرقابة على أعمال السلطات العامة، يتضمن دوره في الرقابة على أعمال الإدارة (بما في ذلك رأس الدولة نفسه)، ورقابته على شرعية القوانين - أيْ: دستوريتها([75])- ثمّ رقابته على أعمال السلطة القضائية نفسها([76]). فإنّ رقابة (قضاء المظالم)، الذي كان الغرض الأساسي منه، هو إخضاع السلطات العامة للقانون الإسلامي، "وبسط سلطان القانون على كبار الولاة، ورجال الدولة، ممن قد يعجز القضاء عن إخضاعهم لحكم القانون"([77])، كانت أوسع من حيث الصلاحيات، والاختصاصات، وأقوى من حيث التأثير، وخاصة بالنسبة للحقوق والحريات السياسية. ذلك أن الاعتداء على (الحقوق السياسية) للرعية يتم في الغالب من جانب أصحاب السلطة والنفوذ، أيْ من السلطة التنفيذية، فكان دور هذا القضاء واضحاً في الأخذ على أيدي أصحاب النفوذ، والوقوف في وجه مظالمهم.. لقد كان (قضاء المظالم) وسيلة لحفظ الحقوق والحريات السياسية للمواطنين، في عصور الإسلام، وكان له أثر واضح في حفظ هذه الحقوق والحريات([78]).
أما (ولاية الحسبة)، وهي من حيث عرّفها (الماوردي) "أمرٌ بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهيٌ عن المنكر إذا أظهر فعله"([79])، فهي ولاية تختص بمراقبة النظام العام، وحسن سير أوامر الشارع، وتنفيذها.. وجوهر (نظام الحسبة) يقوم على فلسفة (الوقاية)، فهي رقابة وقائية، تعمل على منع الجرائم قبل وقوعها، ولا يقتصر أمر ذلك على الأفراد فحسب، فللمحتسب سلطة الاحتساب على الولاة، والقضاة، والأمراء أيضاً([80]).
ومن هنا نفهم أن القضاء في الإسلام، يشكل "الدعامة الرئيسية لحفظ الحقوق، وصيانة الحريات، لأن مهمته الكبرى تتجلى في وقف الظلم، ودرء الفساد، وقطع دابر التنازع والخصام، والفصل بين المتخاصمين، وحفظ الشرع، وأوامره"([81]).
وإذا كانت الحقوق السياسية - في الغالب - ذات علاقة متصلة بالسلطة الحاكمة (السلطة التنفيذية)، فإن هذا يقتضي التحاكم إلى طرف آخر، خارجها، "ولا يستطيع القيام بهذا الدور إلا السلطة القضائية"([82]). "وهكذا فإن القضاء، وقد أوكل إليه الله عز وجل إحقاق الحق، ودفع الظلم، والحكم بما أنزل الله، وتطبيق الشرع، لا يعرف فرقا بين الإدارة والأفراد، في أخذ الحق من الظالم، كائناً من كان، وردّه إلى المظلوم، أياً كان"([83]).
*النتائج المترتبة على حق المراقبة
لما كانت (المراقبة) حقاً للأمة، تقوم من خلاله بدور إيجابي، وفعال، في توجيه الحاكم ونصحه وتقويمه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما العمل إذا لم يستجب الإمام لنصح الأمة، وتمادى في باطله؟!.. إن الأمر الذي لا شك فيه، والذي هو موضع إجماع الأمة، هو أنّ من حق الأمة أن تقوم بعزل الخليفة، إذا قامت الأسباب الموجبة لذلك، "فعزل الخليفة – كما يقول باحث معاصر – "بسبب يوجبه، هو مبدأ ثابت في الشرع، بأدلة قوية جازمة، وأن الأمة هي التي تتولى ذلك، بما لها من ولاية عليه"([84]). ذلك أن "الجهة التي لها حقّ إنشاء العقد، لها حقّ فسخه، إذا وجدت الأسباب لذلك"([85]).
*الأسس التي يقوم عليها حق الأمة في عزل (الخليفة)
هناك مجموعة أسس شرعية يقوم عيها هذا الحق، نشير فيما يلي إلى أهمها([86]):
الأساس الأول: إن مسؤولية إقامة نظام الحكم الإسلامي تقع على عاتق الأمة جميعها - وقد تقدم الكلام في هذا فيما سبق-، ولكن الأمة تختار لهذه المسؤولية نائباً عنها ووكيلاً لها، "وقد أجمع علماء المسلمين على أن طريق ثبوت الخلافة هو الاختيار من الأمة"([87])، فإذا ثبت ذلك ترتّب عليه أن الأمة، التي تملك حقّ تعيين الخليفة، تملك حقّ عزله أيضاً، إن استوجب العزل، ذلك أن من له حق التعيين، له حق العزل، كما يقول الفقهاء([88]).
الأساس الثاني: لمّا كانت (الخلافة) عقداً بين الأمة والحاكم، يتم عن طريق (البيعة)، وتثبت بموجبه لكلِّ طرف حقوقٌ وواجبات، فإن الإخلال بشروط العقد يكون موجباً لفسخه، فإذا أخل (الإمام) بشروط العقد، فإن الأمة لها حق فسخه. وهذا ما صرّح به الإمام (الجويني)، إذ يقول: "فإن قيل: فمن يخلعه؟ قلنا: الخلع إلى من إليه العقد"([89]).
الأساس الثالث: مبدأ الطاعة في المعروف، وهو مبدأ سياسي مهم، في النظام الإسلامي، فقد أوجب الله سبحانه على المسلمين طاعة أولي الأمر، بقوله: [يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ](النساء/59)، وقد جاء التأكيد عليه في أحاديث كثيرة صحيحة([90]). وهذا المبدأ يتضمن في وجهه الآخر – كما هو واضح – مبدأ آخراً هو (عدم الطاعة في المعصية)، إذ {لا طاعة في معصية الله}([91])، و{إنما الطاعة في المعروف}([92]). قال الإمام النووي: "أجمع العلماء على وجوبها في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية. نَقَلَ الإجماعَ على هذا القاضي عياض، وآخرون"([93]).
الأساس الرابع: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو "القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين"، كما يقول الإمام (الغزالي)([94]). وهو من الواجبات التي أكد الله سبحانه وجوبها على المسلمين، في العديد من آيات القرآن، منها قوله تعالى: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ](آل عمران/110)، وقوله تعالى: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ] (التوبة/ 71).. إن حق الأمة في عزل الخليفة، إذا أحدث ما يستوجب ذلك، يصبح بدلالة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من الواجبات المفروضة على الأمة.

* موجبات (أسباب) عزل الخليفة
رأينا أن هناك إجماعاً بين الفقهاء على حقّ الأمة في (عزل) الخليفة، عند حدوث ما يستوجب ذلك([95])، إذ لا عَزْل إلا بسبب يوجبه، كما يقول (الإيجي)([96]). وينقل الإمام (الجويني) الإجماع على ذلك([97])، ولأن القول بغير ذلك "مدعاة للفوضى، وإثارة للفتن"([98])، "إذ إنّ عدم وضع ضوابط تكفل لرئيس الدولة الاستقرار، مما يؤدي إلى عدم تمكن رئيس الدولة من إدارة شؤون دولته، فيكون العزل عندها عائقاً عن الوصول إلى الغاية الأساسية من رئاسة الدولة"([99])، وذلك "سبب من أخطر أسباب هلاك الأمة نفسها، لأنها عندئذ تعيش حياة الأهواء، والنزوات، والفوضى، وضياع هيبة الدولة"([100]).
وهذا ما انتبه إليه قديماً (ابن عمرt)، عندما نصح الخليفة الراشد (عثمان بن عفانt)، أيام الفتنة، أن لا يستجيب لطلب الثائرين عليه بخلع نفسه، وعلّل ذلك بقوله: "فلا أرى أن تسنّ هذه السنة في الإسلام: كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه"([101]). وهو أيضاً ما أكّده الإمام (الجويني) بفصيح العبارة، في قوله: "إن في الذهاب إلى خلعه وانخلاعه بكل عثرة، رفض الإمامة، ونقضها، واستئصال فائدتها، ورفع عائدتها، وإسقاط الثقة بها"([102]).                                         
وإذ اتضح أن خلع الإمام، أو عزله، لا يكون إلا بسبب، فإن السؤال الآن هو: ما الأسباب التي بموجبها يتعرّض (الإمام) للمساءلة والعزل؟!
ذكر الإمام (الماوردي) ذلك بقوله: "والذي يتغيّر به حاله (أي: الإمام)، فيخرج به عن الإمامة، شيئان: أحدهما: جرح في عدالته، والثاني: نقص في بدنه"([103]). وهذا الاجمال الذي يبدأ به (الماوردي) كلامه في أسباب عزل الإمام، يجد مصداقاً له في كلام للإمام (علي بن أبي طالب)، إذ يقول: "وليس يجب إنكار إمامة من عقدت له الإمامة، إلا أن يجور في حكم، أو يبطل حداً، أو يضعف عن القيام بها"([104]). وهو ما يجد تفصيلاً له عند الإمام (الباقلاني)، إذ يقول: "إن قال قائل: ما الذي يوجب خلع الإمام عندكم؟ قيل له: يوجب ذلك أمور؛ منها: كفر بعد إيمان. ومنها: تركه إقامة الصلاة، والدعاء إلى ذلك. ومنها؛ عند كثير من الناس: فسقه، وظلمه، بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرّمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود... ومما يوجب خلع الإمام أيضاً: تطابق الجنون عليه... وكذلك القولُ فيه إذا صمّ، أو خرس، وكبر وهرم، أو عرض له أمر يقطع عن النظر في مصالح المسلمين، والنهوض بما نصب لأجله، أو عن بعضه، لأنه إنما أقيم لهذه الأمور، فإذا عطل وجب خلعه، ونصب غيره"([105]). وقد لخص (الإمام التفتازاني) هذه الأسباب، أدقّ تلخيص، في قوله: "ينحلّ عقد الإمامة، بما يزول به مقصود الإمامة"([106]). وهذا في الحقيقة ضابط دقيق، ينظر إلى الهدف والوظيفة، التي من أجلها وجد (الإمام)، "فكل ما من شأنه تعطيل رسالة الدولة، وأهدافها، والإخلال بنظامها، يؤدي إلى خلع رئيس الدولة، سواء تعلّق ذلك بشخصه، أم بدينه، أم بأسلوب حكمه ونهجه"([107]).
وأخطر هذه الأسباب، وألصقها بموضوعنا، هو ما تعلّق بالشق الأول: أي (الجرح في عدالته)، وهو ما يعرف باسم (الفسق). وهو على ضربين، كما يقول (الماوردي): "أحدهما ما تابع فيه الشهوة، والثاني ما تعلق فيه بشبهة"([108]). فالنوع الأول هو الفسق العملي، الذي يتعلق بأفعال الجوارح، أما الثاني فهو الفسق الاعتقادي، والذي قد يصل درجة الكفر.
 وإذا كنا قد رأينا إجماع العلماء على حق الأمة في عزل (الإمام)، إذا حدث منه ما يستوجب ذلك، فإن الإمام (النووي) ينقل (إجماعاً) من نوع آخر، حيث يقول: "وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، أما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل – وحكي عن المعتزلة أيضاً – فغلطٌ مِنْ قائله، مخالف للإجماع. وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه، ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه"([109]). ويقول الإمام (ابن تيمية): "المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة، وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم، كما دلّت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبـي (صلى الله عليه وسلم). لأن الفساد في القتال والفتنة، أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام الأدنى"([110]).
في حين نرى الإمام (القرطبـي) يقول: "الإمام إذا نصب، ثم فسَقَ، بعد انبرام العقد، فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته، ويُخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وحفظ أموال الأيتام والمجانين، والنظر في أمورهم، إلى غير ذلك، مما تقدم ذكره، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور، والنهوض بها، فلو جوزنا أن يكون فاسقاً أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله"([111]). وهذ منطق قوي، يستند إلى الهدف والوظيفة، التي من أجلها وجد منصب الإمام، كما ذكرنا عند إيراد قول (التفتازاني): "ينحل عقد الإمامة، بما يزول به مقصود الإمامة"([112]). فالإمام إنما ينصب لتحقيق أهداف وغايات مطلوبة، ولا يعقل أن يمارس خلافها، ويبقى مستمراً في منصبه ووظيفته([113]). وهذا ما يقرّه المنطق، وهو المعروفُ من الشريعة، وانظر إلى أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى: [لا ينال عهدي الظالمين](البقرة/124)، لترى إجماعهم على أن الظالم والفاسق لا يكون إماماً، "وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه، وشهادته، ولا تجبُ طاعته، ولا يُقبل خبره، ولا يُقدّم للصلاة؟"([114]). أمّا ما نقله الإمامان (النووي) و (ابن تيمية) عن إجماع أهل السنة على عدم انعزال السلطان بالفسق، فهو محمول على الاحتياط والحذر من الوقوع في الفتنة، وقطع الطريق على موجباتها، لا أنهم يرون الإمام الفاسق، أو الظالم، ليس مستحقاً للعزل، ذلك أنّ (لا ينعزل) لا تعني أنه غير مستحق للعزل.. يقول (ابن عابدين): "وقال في المسايرة: وإذا قلّدَ عدْلاً، ثم جارَ وفسقَ، فإنه لا ينعزل، ولكن يستحقُّ العزل، إنْ لم يستلزم فتنة"([115]). فالحذر من الوقوع في (الفتنة) هو المقصود! ولهذا نرى أن تعليل الإمام (النووي)، وكذلك (ابن تيمية)، بعد نقلهما للإجماع المذكور([116])، يركّز على النتائج والآثار المترتبة على (العزل)، وكيف أن "المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه"، وأن "الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم". وهكذا، وبعبارةِ باحثٍ معاصر، فإن "الأصل عند هؤلاء الفقهاء هو عزل رئيس الدولة بفسقه وظلمه، وهذا هو الإجماع الحق الذي لا يحيد عنه مسلم. وما خرج هؤلاء الفقهاء عن ذلك الإجماع، إلا بسبب تصوّرهم ما يمكن أن يلحق الأمة من أذى، إذا قرر أهل الحل والعقد فيها خلْعَ رئيس الدولة الفاسق والظالم"([117]). ومن هنا، فإننا نرى أن الكثير من الكتاب والباحثين المعاصرين، يميلون إلى تفهّم مواقف فقهائنا الأقدمين، والتماس الأعذار لهم، انطلاقاً من قراءة الواقع الذي كان يعيشه أولئك الفقهاء، وإعمالاً للنصوص التي وردت حول هذا الموضوع، وتوفيقاً بينها.. ففي ظلّ غياب مؤسساتٍ دستورية منتخبة، وتدهور (الشورى) الإسلامية، وتحولها إلى مؤسسات شكلية فارغة المحتوى، وفي ظلّ الخوفِ من تكرار التجارب الدموية، التي ملأت التاريخ الإسلامي، وحذار الفتنة، وعدم الاستقرار، مال الفقهاء، رويداً رويداً، إلى التشدّد في أحكام العزْل، وتحريمِ الخروجِ على الحاكم الجائر، بالرغم من أن التجربة الراشدية أسست لمبدأ (الأخذ على يد الحاكم)، وتقويمه بحدّ السيف، إنْ جارَ أو ظلم([118]). "فمنذ أن انتهت المحاولة الأولى لعزل الخليفة الراشدي الثالث، (عثمان بن عفان)، إلى صراع دموي مدمر، أشعل نار الفتنة، وقضى على أيّ أمل بقيام حكم شوري، أضحى الموت الطبيعي، أو المدبّر، هو المخرج الوحيد لاستبدال الخليفة. وأمستْ آليات استبدال الإمام، وموجباتُ خلْعه، حبراً على ورق"([119]). ولكن تجارب الشعوب، وتراكم الخبرات التاريخية، فتح الطريق أمام حلول لهذا المشكل، أسهل منالاً، وأقلّ كلفة، وأكثر تحقيقا للمقاصد الشرعية([120])، ومن ذلك ما يقترحه الكثير من هؤلاء الباحثين، من اللجوء إلى تشكيل هيئة دستورية عليا، تحت أيّ مسمّى كانت، كأن تكون (المحكمة العليا)، أو (المحكمة الدستورية)، أو (المجلس الأعلى)، أو (محكمة المظالم)، أو غير ذلك، تكون مختصّة بالنظر في المنازعات التي تنشأ بين رأس السلطة التنفيذية، وبين بقية السلطات (التشريعية أو القضائية)، ويتمّ ذلك عبر التوافق على دستور الدولة، والنصّ فيه على شروط الخليفة، وشروط انتخابه، وطرق الرقابة والمحاسبة، وآلياتُ إنهاءِ عقْد الخلافة، وغير ذلك، مما يسهم في حل الخلافات بطرق شرعية سلمية، متعارفٍ عليها بين جميع مكونات الأمة([121]).
ومن ضمن الحلول الأخرى، التي يطرحها نفر من الباحثين المعاصرين، اللجوء إلى تحديد مدّة الرئاسة، بحيث يعاد انتخاب رئيس الدولة، أو رأس السلطة التنفيذية، كل مدة معينة (كأن تكون أربع سنوات، أو أكثر)، وبهذا تتاح الفرصة "لإعادة تقييم أداء الرئيس، ومساعديه، في نهاية كل فترة رئاسية"([122])، وآنذاك تكون الأمة قد وجدت المخرج والسبيل إلى عزل الحاكم، في حالة فسقه، أو ظلمه، بهدوء، ودون إثارة للفتن، أو إسالة للدماء !.
ويذهب فريق آخر من الباحثين، إلى اقتراح اللجوء إلى أسلوب (العصيان المدني)، والامتناع عن إطاعة أوامر السلطة التنفيذية، استناداًً إلى الأصل الشرعي: (لا طاعة في معصية)([123]). ذلك أن "عدم الطاعة والنصرة للحاكم كلّية، في واقع أمرهما، إنما يمثلان الوجه السلبـي للخروج بالسيف على الحاكم، وهما مقدمة ضرورية لإسقاط هذا الحاكم، الذي تتابعت مخالفاته وانحرافاته عن الشرع، فهو بمثابة خروج سلمي"([124]). وهؤلاء يرون أن هذه المقاطعة الشاملة للحاكم، ومؤسساته، هي أمر جدير بحمل الحاكم الظالم على الإرعواء – على المدى الطويل –، والعودة عن مخالفاته وظلمه، أو أنها ستكون المقدمة الضرورية لغضبة شعبية، وثورة منظمة، تقوم بها جماهير الأمة، لعزل هذا الحاكم الظالم!.
وإذا كان لنا أن ندلي برأي في هذا الموضوع، فإننا نرى أن تحديد مدّة الرئاسة، هو مخرج واقعي وحاسم في مسألة (العزل)، على أن يثبّت ذلك في الدستور، مع تحديد آليات حلّ الخلاف بين السلطات الثلاث، وحدود سلطات كلّ منها، وشروط انتخاب الخليفة، وآليات إنهاء عقد الخلافة، وتحديد الجهة أو المؤسسة المخولّة بالنظر في أسباب وموجبات العزل، وغير ذلك. أما اللجوء إلى أسلوب العصيان المدني، فهو بمثابة آخر الدواء، إذ طالما كان في الإمكان اللجوء إلى الحل الدستوري المؤسساتي، فإن ذلك هو الأفضل والأسلم، فإن لم يكن من الأمر بدّ، واستبدّ رأس السلطة التنفيذية بالأمر، وامتنع عن الرضوخ لإرادة المؤسسة أو الهيئة المخولّة بالعزل، فإنّ ذلك يوجب اللجوء إلى أسلوب دعوة الشعب إلى العصيان المدني، والخروج عن طاعة ولي الأمر الظالم. على أن يكون هذا الحقّ، في الخروج وعدم الطاعة، مثبتاً في الدستور، بحدوده وآلياته، وتكون الأمة قد هيّأت لذلك مسبقاً، عن طريق إطلاق الحريات السياسية، وحريات التجمّع، وتكوين الجمعيات والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، وحريّة الصحافة والإعلام، لكي تكون الأمة قادرة على التحرك، بعيداً عن مؤسسات الحاكم، وبالضدّ منها - إنْ لزم الأمر-. وإلّا فإنّ الحديث عن (عصيان مدني) شامل، في ظلّ غياب وتكبيل الحريات السياسية، والعامة، وتغييب قوى الأمة الفاعلة، يعدّ ضرباً من الخيال([125]). وهيهات لأمة استمرأت الذل، وأشربته، أن تكون قادرة على الوقوف في وجه الحاكم الظالم، ومقاومة الطغيان!. أليس استخفاف الشعوب هو الطريق إلى الطغيان: [فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ](الزخرف:54) .
وبهذا العرض السريع لمبحث حق الأمة في الرقابة على الحاكم، نكون قد أتينا على الشقّ الثاني من حقوق الأمة السياسية، في النظام السياسي الإسلامي، ويبقى أن نبحث في الشقّ الثالث، والأخير، من هذه الحقوق، وهو (حقّ المعارضة).

الهوامش:




([1]) انظر: الكيلاني، القيود الورادة على سلطة الدولة، ص183.
([2]) الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص354. وانظر أيضاً: الكيلاني، القيود الواردة على سلطة الدولة، ص184. وانظر:المبارك، محمد، نظام الإسلام:الحكم والدولة، ص38-39.
([3]) النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي (ت 676هـ)، شرح النووي على مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392، ج2ص23.
([4]) أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص366. وانظر:مصطفى، د. نيفين عبدالخالق، المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي، ص123.
([5]) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد(ت505هـ)، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، ط، د.ت. م2 ص315.
([6]) المصدر السابق، ص306.
([7]) عمارة، د. محمد، الإسلام وحقوق الإنسان، ص82. يقول الإمام (ابن حزم):"اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بلا خلاف من أحد منهم، ثم اختلفوا في كيفيته" ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري(383-456هـ)، المحلى، دار الآفاق الجديدة، بيروت، د.ط، د.ت، ج4 ص170.
([8]) الغزالي، إحياء علوم الدين، مصدر سابق، م2 ص307.
([9]) سنن الترمذي، باب: ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم الحديث(2169)، ج4 ص468.              
([10]) رواه (مسلم) في صحيحه، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، ج1 ص69.
([11]) المصدر السابق، ج1 ص74، باب الدين النصيحة.
([12]) رواه أبو داود في السنن، كتاب الملاحم، ج4 ص124. وابن ماجة، كتاب الفتن،ج2 ص1329. والترمذي، باب: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، ج4 ص471.
([13]) رواه الحاكم في مستدركه، كتاب معرفة الصحابة، ج3 ص215، رقم الحديث(4884). وقال: صحيح الإسناد.
([14]) رواه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم، باب: الأمر والنهي، ج4 ص121 . ورواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، ج10 ص93.
([15]) رواه البخاري في صحيحه، باب: هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، ج2 ص882، رقم الحديث(2361).
([16])غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص37-38.
([17])الغزالي، إحياء علوم الدين، م2ص306.
([18]) انظر: الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص353-354. أيضا: حسنين، د. علي محمد، رقابة الأمة على الحكام، ص265.
([19])النووي، شرح النووي على مسلم، ج2 ص22.
([20])عودة، عبدالقادر، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص194.
([21])غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص381.
([22])المرجع السابق، ص382.
([23]) الطبري ، تاريخ، ج5 ص26.
([24]) أبو يوسف، القاضي يعقوب بن إبراهيم(113-182هـ)، الخراج، المطبعة السلفية، القاهرة، ط5، 1396، ص13.
([25])حسنين، د. علي محمد، رقابة الأمة على الحكام، ص334 .
([26]) الباقلاني، القاضي أبو بكر(  -403هـ)، التمهيد. نقلاً عن:إيبش، د. يوسف، قراءات في الفكر السياسي الإسلامي، دار أمواج، بيروت، د.ط، 2000، ص47.
([27]) البياتي، الدولة القانونية، ص368. وانظر:الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص349.
([28]) صافي، د. لؤي، العقيدة والسياسة، ص108.
([29]) الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص350.
([30]) البياتي، الدولة القانونية، ص369. وانظر كذلك: زيتون، د. منذر عرفات، الجريمة السياسية، ص70.
([31]) انظر: البياتي، الدولة القانونية، ص369.
([32]) مدكور، د. محمد سلام، معالم الدولة الإسلامية، مكتبة الفلاح، الكويت، ط1، 1983، ص290.
([33]) انظر: الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص350.
([34]) انظر ص29 من هذا الفصل.
([35]) الريس، النظريات السياسية الإسلامية، ص339.
([36]) البياتي، الدولة القانونية، ص369.
([37]) سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، رقم الحديث(3950)، ج2 ص1303. ورواه الترمذي، وأبو داود، بألفاظ قريبة من ذلك.
([38]) انظر: البياتي، الدولة القانونية، ص364.
([39])اختلف العلماء في صفة هذا الوجوب: هل هو فرض عين، كما قال بعض الفقهاء، أم هو فرض كفاية، كما ذهب جمهور الفقهاء. فالذين ذهبوا إلى أنه فرض عين، قالوا بوجوبه على كل مسلم، على قدر استطاعته، وشبهوه بفريضة الحج، فهي فرض عين، ولكن على المستطيع. أما جمهور الفقهاء، فقد ذهبوا إلى أنه فرض كفاية، بحيث يسقط الإثم عن الباقين، إذا قام به بعض الأمة .انظر: حسنين، د. علي محمد، رقابة الأمة على الحكام، ص268-269.
([40])انظر في ذلك:غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص386. المبارك، محمد، نظام الإسلام: الحكم والدولة، ص42-43. حسنين، د. علي محمد، رقابة الأمة على الحكام، ص272-288-337. عمارة، د. محمد، المعتزلة والثورة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1977، ص32. أيضاً:الكيلاني، القيود الواردة على سلطة الدولة في الإسلام، ص187.
([41])انظر في نظرية الإنابة عن الأمة في تنفيذ الواجبات الشرعية: البياتي، الدولة القانونية، ص241 فما بعد. أيضا: زيدان، مجموعة بحوث فقهية، ص92.
([42])غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص386. وانظر: حبيب، د. رفيق، الأمة والدولة، دار الشروق، القاهرة، ط1، 2001، ص212 فما بعد، حيث يرى أن عقد (الوكالة) وليس (النيابة) هو الذي يقوم بين الأمة وممثليها السياسيين، ذلك أن عقد الوكالة مشروط ومحدد المهام، والوكيل مفوض في أداء مهمة محددة . أما (النيابة) فهي نظرية غربية، وفيها صلاحيات أوسع، وفيها ينوب (النائب) عن الأمة، ويحل محلها، ويمارس حقوقها، وليس ذلك مطلوبا ولا وارداً في النظام الإسلامي.
([43]) انظر: الحلو، النظم السياسية والقانون الدستوري، ص758 وص764.
([44]) صحيح مسلم، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، ج1 ص69. سنن الترمذي، باب ما جاء في تغيير المنكر، رقم الحديث(2172)، ج4 ص469، وقال : حديث حسن صحيح .
([45]) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص387.
([46]) انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين، م2، ص311. "وقد سمع ابن مسعود رجلا يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر. فقال ابن مسعود: هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر . يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك، أما الإنكار باللسان واليد، فإنما يجب بحسب الطاقة" جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1408، ص321.
([47]) حسنين، د. علي محمد، رقابة الأمة على الحكام، ص541. وانظر: مصطفى، د. نيفين عبد الخالق، المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي، ص129.
([48]) رواه الحاكم في مستدركه.
([49]) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب قول الله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، رقم الحديث(6719)، ج6 ص2611. ورواه مسلم، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، رقم الحديث(1829)، ج3 ص1459.
([50]) انظر: حسنين، د. علي محمد، رقابة الأمة على الحكام، ص334-336.
([51]) الغزالي، إحياء علوم الدين، م2، ص343.
([52]) المطيري، الحرية أو الطوفان، ص71.
([53]) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصحح إسناده.
([54]) النووي، شرح النووي على مسلم، ج2 ص23.
([55]) الغزالي، إحياء علوم الدين، م2 ص331-332.
([56]) الصاوي، د. صلاح، منهجية التغيير بين النظرية والتطبيق، دار نهضة مصر، القاهرة، ط1، 1998، ص12.
([57]) سبق تخريج الحديث ص . وانظر: المرجع السابق، ص11.
([58]) أخرجه البزار في مسنده، ج1 ص293. والطبراني في الأوسط، ج2 ص99.
([59]) تفسير المنار، ج4 ص32 . وانظر: الحامد، أبو بلال عبدالله، الكلمة أقوى من الرصاصة، ، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط1، 2004، ص46. وانظر: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص445 . حيث يطلق الدكتور (غرايبة) على الرقابة الجماعية اسم (رقابة الرأي العام). انظر في ذلك أيضاً: الزين ، حسن، الإسلام والفكر السياسي المعاصر، دار الفكر الحديث للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1997، ص74.
([60]) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص274.
([61]) انظر: قميحة، المعارضة في الإسلام، ص178.
([62]) انظر: حسنين، د. علي محمد، رقابة الأمة على الحكام، ص331-332.
([63]) انظر: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص260. وانظر: الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ص250.
([64]) انظر: عاشور، ا.د سعيد عبدالفتاح وآخرين، دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية العربية، منشورات ذات السلاسل، الكويت، ط2، 1986، ص323-324 . وانظر: خليل، د. عماد الدين، مدخل إلى التاريخ الإسلامي، الدار العربية للعلوم، بيروت، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2005، ص229.
([65]) انظر: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص270. الغنوشي، الحريات العامة، ص290. معروف، د. نايف، الديمقراطية في ميزان العقل والشرع، ص275. أيضاً: القرضاوي، يوسف، من فقه الدولة في الإسلام، دار الشروق، د.م، د. ط، د.ت، ص149.
([66]) الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ص297.
([67]) المرجع السابق، ص298.
([68]) القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص149.
([69]) المرجع السابق، ص447.
([70]) البياتي، الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي، ص393.
([71]) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص447.
([72]) المرجع السابق، ص393-394.
([73]) المرجع السابق نفسه، 396.
([74]) المرجع السابق نفسه، ص445.
([75]) يملك القضاء الإسلامي – من حيث المبدأ – سلطة رفض أي قانون يخالف الكتاب والسنة، لأنه في ممارسته لوظيفة القضاء ملزم بالحكم بما أنزل الله، وبذلك يكون الإسلام قد سبق إلى تقرير نظرية شرعية القوانين، أو نظرية دستورية القوانين، التي هي نظرية حديثة النشأة. انظر: البياتي، الدولة القانونية، ص409.
([76]) باعتبار أن القضاء ممارسة بشرية قد يطرأ عليها الخطأ ومجانبة الصواب . ومن هنا كان المبدأ الإسلامي الذي عبر عنه الخليفة الراشد الثاني "ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت اليوم فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.." الماوردي، الأحكام السلطانية، ص120.
([77]) البياتي، الدولة القانونية، ص 415.
([78]) انظر: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص464. وانظر: البياتي، الدولة القانونية، ص420.
([79]) الماوردي، الأحكام السلطانية، ص362.
([80]) انظر: القرشي، ابن الإخوة محمد بن محمد بن أحمد الشافعي، معالم القربة في أحكام الحسبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1976. ص70-71، ص304 فما بعد، ص316.
([81]) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص474 .
([82]) المرجع السابق، ص471.
([83]) البياتي، الدولة القانونية، ص406.
([84]) المرجع السابق، ص380. وانظر:د. نيفين عبدالخالق، المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي، ص376.
([85]) الريس، النظريات السياسية الإسلامية، ص339.
([86]) انظر في ذلك: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص392-394. البياتي، الدولة القانونية، ص381.
([87]) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص392.
([88]) انظر: المرجع السابق، ص392.
([89]) الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم، ص61-62.
([90]) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص395.
([91]) صحيح مسلم، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله وتحريمها في المعصية، ج3 ص1469، رقم الحديث(1840). ورواه ابن حبان في صحيحه، باب طاعة الأئمة، ج10 ص429، رقم الحديث(4567).
([92]) صحيح البخاري، باب الطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ج6 ص2612، رقم الحديث(6726) . ورواه (مسلم)، وقد سبق تخريجه آنفا. ورواه (أبو داود) في سننه، باب في الطاعة، ج3 ص40، رقم الحديث(2625). والنسائي في السنن الكبرى، ج4 ص434، رقم الحديث(7828).
([93]) النووي، شرح النووي على مسلم، ج12 ص222 .
([94]) الغزالي، إحياء علوم الدين، م2 ص306.
([95]) الإمام عند أهل السنة -كما هو معلوم - غير معصوم، وبالتالي فإن طروء الخطأ والمعصية والكفر عليه هو أمر وارد، ومن هنا جاء الحديث عن حق الأمة في تولية الحاكم ونصحه ومراقبته وعزله، وهي مباحث لا نجدها عند الشيعة، الذين يعتقدون بعصمة الأئمة . وانظر في ذلك: مصطفى، د. نيفين عبدالخالق، المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي، ص412-413.
([96]) الإيجي: المواقف وشرحها للجرجاني ج8 ص353 (نقلاً عن: البياتي، الدولة القانونية، ص379)
([97]) الجويني، إمام الحرمين، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، (نقلاً عن:إيبش، د.يوسف، قراءات في الفكر السياسي الإسلامي، مصدر سابق، ص223).
([98]) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص400.
([99]) الكيلاني، القيود الواردة على سلطة الدولة، ص234.
([100]) أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص384.
([101]) ابن سعد، أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (168-230هـ)، الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، (د.ط)، (د.ت)، ج3ص66 .
([102]) الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم، ص53.
([103]) الماوردي، الأحكام السلطانية، ص32.
([104]) تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبدالجبار ج1 ص282 (نقلاً عن:عمارة، المعتزلة والثورة، ص34).
([105]) الباقلاني، القاضي أبوبكر(ت 403هـ)،التمهيد. (نقلاً عن:إيبش، د. يوسف، قراءات في الفكر السياسي الإسلامي، مصدر سابق، ص47– 48).
([106]) شرح مقاصد الطالبين في علم أصول الدين (نقلاً عن: أبوجيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص385).
([107]) أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص385.
([108]) الماوردي، الأحكام السلطانية، ص32.
([109]) النووي، شرح النووي على مسلم، ج2 ص229 .
([110])منهاج السنة النبوية ج2 ص87 (نقلاً عن: الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص373).
([111]))القرطبـي، الجامع لأحكام القرآن، ج1 ص271. انظر في عرض آراء الفقهاء المؤيدة لعزل الخليفة، والآراء التي تحرم عزله والخروج عليه: هيكل، الجهاد والقتال في السياسة الشرعية،،م1ص119 فما بعد. سعيد، د. صبحي عبده، شرعية السلطة والنظام في حكم الإسلام، دار النهضة العربية، مصر، (د.ط)، 1999، ص303-309.
([112]) انظر ص47 من هذا الفصل.
([113])يرد هذا عند الإمام الجويني في (الغياثي) أكثر من مرة، فنجده يقول في موضع "كل ما يناقض صفة مرعية في الإمامة ويتضمن انتفاءها، فهو مؤثر في الخلع والانخلاع، وهذا لامحالة معتبر الباب" ص51. ويقول: "فإن مقصود الإمامة القيام بالمهمات والنهوض بحفظ الحوزة، وضم النشر، وحفظ البلاد الدانية والنائية بالعين الكالئة، فإذا تحقق عسر ذلك، لم يكن الاتسام بنبر الإمام معنى" ص51. ويقول: "اقتران الفسق إذا تحقق يمنع عقد الإمامة، فطريانه يوجب انقطاعها، إذ السبب المانع من العقد عدم الثقة به، وامتناع ائتمانه على المسلمين، وإفضاء تقليده إلى نقيض مايطلب من نصب الأئمة. وهذا المعنى يتحقق في الدوام تحققه في الابتداء" ص53. وهكذا يتردد هذا المعنى عنده في مواضع كثيرة.
([114])أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص390. يقول(ابن خويز منداد):" وكل من كان ظالما لم يكن نبيا، ولا خليفة، ولا حاكما، ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته". القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج2 ص109.
([115])ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج4 ص264.
([116]) يقول الدكتور محمد رحيل غرايبة في كتابه (الحقوق والحريات السياسية في الشريعة الإسلامية): "ويبدو أن دعوى الإجماع فيها نظر، لأن كثيرا من الفقهاء خالفوا هذا الرأي، مثل: القرطبـي وغيره، بل هناك من علماء الشافعية أنفسهم من خالف هذا الرأي، مثل: البغدادي في أصول الدين، وقد خالفه أيضاً ابن حزم" ص402 . وهو ما يذهب إليه باحث معاصر آخر، هو الأستاذ سعدي أبو جيب في كتابه (دراسة في منهاج الإسلام السياسي) إذ يقول: "وأما دعوى الإجماع، فدعوى عريضة، لأنهم يدعون تارة إجماع أهل السنة، وتارة أخرى يدعون أن هذا الإجماع حصل من قبل الطبقة المتأخرة من التابعين، وليس في كل ذلك حجة، ذلك لأن الصحابة (رضي الله عنهم) كانوا يرون الخروج على رئيس الدولة إذا حاد عن الصراط السوي، وقد رأينا الفاروق (t ) يحمد الله تعالى، ويحمد من أبدى استعداده لتقويم حيدته عن الحق بالسيف، ولم يتذرع بحرمة الخروج عليه بالسيف، ولم يرشده إلى أن عليه أن يعظه بالكلمة الحسنة، وليس له وراء ذلك شيء" ص417 – 418 من الكتاب المذكور. وانظر أيضا: السنهوري، د. عبدالرزاق أحمد، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، ت: د. نادية عبدالرزاق السنهوري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط2، 1993، ص201-202.
([117]) أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص396. وانظر في ذلك: مدكور، معالم الدولة الإسلامية، ص301 . سعيد، د. صبحي عبده، شرعية السلطة والنظام في حكم الإسلام، ص306. النداف، الأخلاق السياسية للدولة الإسلامية، ص362. المطيري، الحرية أو الطوفان، ص163-164. هيكل، الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، م1 ص134-135. مصطفى، د. نيفين عبد الخالق، المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي ، ص372.
([118])انظر:الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ص182 فما بعد . الكيلاني، القيود الواردة على سلطة الدولة، ص283 فما بعد . الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص375-376. سعيد، د. صبحي عبده، شرعية السلطة والنظام في حكم الإسلام، ص303-309 . أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص406 فما بعد. أيضاً: الترابي، د. حسن، السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع، دار الساقي، بيروت، ط1، 2003، ص118-119 وص312 . أحمد، د. منظور الدين، النظريات السياسية الإسلامية في العصر الحديث، ص206. أيضا: المطيري، الحرية أو الطوفان، ص 124-125 ، وص 18.
([119]) صافي، لؤي، العقيدة والسياسة، ص 232-233.
([120]) يقول (د. عبدالرزاق السنهوري) في مؤلفه (فقه الخلافة) ص186: "إزاء عدم وجود إجابات واضحة على هذه الأسئلة في تاريخ الخلافة، لا بد لنا من الاستعانة بالمبادىء العامة في القانون العام المعاصر، التي لا تتعارض مع مبادئ الشريعة". ويدافع الدكتور (خالص جلبـي) عن (الخيار السلمي) في مواجهة الحكام، ويرى أن رفع السلاح واستعمال العنف هو (جرثومة) مرض، إن انطلقت اصابت الجميع، ولم ترحم أحداً. انظر : جلبـي، د. خالص، سيكولوجية العنف واستراتيجية الحل السلمي، دار الفكر، دمشق، ط1، 1998، ص35-37 .
([121]) انظر: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص404. البياتي، الدولة القانونية، ص385. الغنوشي، الحريات العامة، ص189. الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص376. طعيمة، الدولة والسلطة في الإسلام، ص111. سعيد، د. صبحي عبده، شرعية السلطة والنظام في حكم الإسلام، ص312. الكيلاني، القيود الواردة على سلطة الدولة، ص243 وص247. السنهوري، فقه الخلافة، ص185-186. المبارك، محمد، نظام الإسلام: الحكم والدولة، ص42-43.
([122]) صافي، لؤي، العقيدة والسياسة، ص233. وانظر: البياتي، الدولة القانونية، ص385. الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص377. السنهوري، فقه الخلافة، ص196. الترابي، السياسة والحكم، ص306-308.
([123]) انظر: فروان، الخروج على الحاكم الجائر، ص207-209. حسنين، د. علي محمد، رقابة الأمة على الحكام، ص551-553. سعيد، د. صبحي عبده، شرعية السلطة والنظام في حكم الإسلام، ص298-301، حيث يعتبر (العصيان) مرحلة لا بدّ منها قبل مرحلة إسقاط الحاكم الجائر بالسيف. أبو سليمان، د. عبدالحميد، العنف وإدارة الصراع السياسي، دار الفكر، دمشق، ط1، 2002، ص52-53 . بن حاج، الشيخ أبو عبد الفتاح علي، فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام، منشورات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، (د.م)، (د.ط)، (د.ت)، ص275-276 . الحامد، أبوبلال عبدالله، للإصلاح هدف ومنهاج، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط1، 2004، ص45/86.
([124]) حسنين، د. علي محمد، رقابة الأمة على الحكام، ص553.
([125]) انظر: الحامد، للإصلاح هدف ومنهاج، ص52-55. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق