الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016

توريث المهنة وأثره في تدوين كتب الطب العربي

د. نبيل فتحي حسين
تُعد الكتب التي ألّفها الأطباء لأبنائهم من أقدم ما يطالعنا من مؤلفات طبية أنجزت في النصف الثاني من القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي، وهي تدلّ على أنّ أحد دوافع التأليف الطبـي المبكّر كان السعي لتوريث مهنة الطب للأبناء. وربما كان ذلك تقليداً لعرف قديم درج عليه الأطباء اليونانيون، الذين لم يكونوا يعلّمون الطب للغرباء، وإنما يعلّمونه أبناءهم([1])، وإن كان الطبيب الشهير (بُقراط) (Hippocratus) خرق هذا العرف عندما "علم الغرباء الطب، وجعلهم شبيهاً بالأولاد. لما خاف عن الطب أن يفنى من العالم. كما ذكر ذلك في كتاب عهده إلى الأطباء الغرباء، الذين علمهم الصَّنْعة"([2]).
وربما تكون المبادرة الأولى في سياق تأليف الأطباء كتباً لأبنائهم قد أنجزت في (واسط)، عندما قام (تياذوق) (ت نحو سنة 90هـ/708م)، وهو طبيب والي العراق (الحجاج بن يوسف الثقفي) (ت 95هـ/713م)([3])، توفي بـ(واسط)([4])، بتأليف كنَّاشٍ كبير لابنه([5])، وإن كنّا لا نعرف شيئاً عن ابنٍ لـ(تياذوق) برع في الطب لاحقاً. أما (الكنَّاش) و(كنَّاشة) فكلمة آرامية تطلق على "بحث أو مقالة في الطب والعلاجات، حيث يرد ذكر أعضاء الجسم الإنساني باستمرار، وطرائق العناية به، وشفائه حين يمرض"([6]).
وبقي السعي إلى توريث مهنة الطب للأبناء أحد دوافع التأليف الطبـي في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، حيث ألف الطبيب الشهير (أبو جِبْريل بُخْتِيشُوع بن جُورْجِس بن بُخْتِيشُوع) (كان حيّاً قبل سنة 247هـ/861م)، كتاب (التَّذكِرة) لابنه (جبرائيل)([7])، وإنْ كنّا لا نعرف أين ألّف كتابه هذا، فهو مارس نشاطه بادئ الأمر في (جنديسابور)([8])، قبل أن يُستدعى إلى (بغداد)، حيث مارس نشاطه فيها، وفي (سامراء) أيضاً، يدل على ذلك إشارة (النديم) (ت 380هـ/990م) إلى أنه "خدم الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل"([9]).
ويظهر أنّ تقليد توريث مهنة الطب للأبناء ظلّت له تأثيراته على الكتابة في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي أيضاً - على الرغم من قلّة شواهدنا – كما يظهر أنه سرعان ما انتشر في الأوساط الطبية التي اشتغل فيها مسلمون ونصارى وصابئة، فقد ألّف (أبو زيد حُنين بن إسحاق العبادي)  (ت 260هـ/873م)، المترجم والطبيب الشهير، الذي مارس نشاطه في (بغداد)([10])، كتاب (العين على طريق المسألة والجواب)([11]). ووفقاً لمؤرخ الطبّ العربي الشهير (ابن أبي أصيبعة) (ت 668هـ/ 1269م)، فقد ألّفه لولديه (داوود) و(إسحاق)([12])، وهو كتاب يقع في ثلاث مقالات([13])، ويتضمن مائتين وتسع مسائل([14]). ويظهر من الإشارات التي قُدمت حول منهج تأليف الكتاب، وطبيعة موضوعه، وعدد المسائل التي تناولها، أنه يمثّل مرحلة متقدمة على الكتابين السابقين، اللذين ألّفهما في القرنين السابقين كلٌ من: تياذوق وبُخْتِيشُوع بن جُورْجِس، فهو كتاب متخصص في العين تحديداً، يقوم منهجه على السؤال والجواب، يتضمن مسائل كثيرة، خاصة بالعين طبعاً، ولم يقدّمه مؤلّفه لأحد أبنائه لكي يرثه في الصنعة، وإنما لابنيه معاً، وكأن (حُنين) يريد أن يجعل من العمل في ميدان الطب نشاطاً أسرياً خاصاً بعائلته.
أما كتاب (الذخيرة)([15])، الذي يصفه (القفطي) (ت 646هـ/1248م) بأنه "كنّاش عربي جيد"([16])، كما يوصف بأنه "كتاب نادر في الطب"([17])، والذي يقول (ابن أبي أصيبعة) إنّ (أبا الحسن ثابت بن قُرَّة الحَرَّانِيّ الصابئ) (ت 288هـ/900م)، الرياضي المعروف الذي عاش في بغداد([18])، ألّفه لولده (سنان)([19])، فهناك من يشكك في نسبته لـ(ثابت)، إذ يقول (أبو علي المحسن بن إبراهيم الصابئ) (ت 401هـ/1010م): "وسألت أبا الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة عن هذه الرسالة ]يقصد رسالة عربية منسوبة لثابت في شرح مذهب الصابئة[ والكنّاش، فقال ليس ذلك لثابت، ولا وجدتُه في كتبه، ولا دساتيره"([20]). ويذكر (القفطي) و(ابن أبي أصيبعة) كتاباً لـ(ثابت) إلى ابنه (سنان) في الحثّ على تعلّم الطب والحكمة([21]).
ولم يقتصر هذا العرف في التأليف على العراق، مركز الثقافة والعلم آنذاك، وإنما انتقل إلى أماكن أخرى، فقد كتب (محمد بن أحمد بن سعيد التميمي المقدسي) (كان حيّاً سنة 370هـ/980م)، الطبيب المقدسي الذي مارس نشاطه في (مصر)([22])، رسالة "إلى ابنه علي بن محمد في صنعة الترياق الفاروق، والتنبيه على ما يغلظ فيه من أدويته، ونعت أشجاره الصحيحة، وأوقات جمعها، وكيفية عجنه، وذكر منافعه وتجربته"([23]). وهي رسالة يدلّ عنوانها على أنّ الغرض منها كان توريث المعرفة بالأدوية، لا بالأمراض وكيفية علاجها.

الهوامش:



([1]) إسحاق بن حنين، تاريخ الأطباء والفلاسفة، ملحق بكتاب، أبو داوود سليمان بن حسان المعروف بابن جلجل، طبقات الأطباء والحكماء، تحقيق، فؤاد سيد (ط2، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985)، ص153؛ أبو الوفاء المبشر بن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، حققه وقدّم له وعلق عليه، الدكتور عبدالرحمن بدوي (ط2، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980)، ص44-45.
([2]) إسحاق بن حنين، المصدر السابق، ص154.
([3]) أبو الفرج محمد بن إسحاق النديم، كتاب الفهرست، قابله على أصوله وعلق عليه وقدم له، الدكتور أيمن فؤاد سيد (لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2009)، م2، ج1، ص317؛ موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم المعروف بابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح وتحقيق، الدكتور نزار رضا (بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، د.ت)، ص179.
([4]) ابن أبي أصيبعة، المصدر السابق، ص181.
([5]) المصدر والمكان نفسهما.
([6]) رينهارت دوزي، تكملة المعاجم العربية، ترجمة، الدكتور محمد سليم النعيمي، مراجعة، جمال الخياط (بغداد: دار الحرية للطباعة، 1978-2000)، ج9، ص153.
([7]) النديم، المصدر السابق، م2، ج1، ص298؛ جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي، تاريخ الحكماء، تحقيق، يوليوس ليبرت (لايبزك، 1903)، ص101؛ ابن أبي أصيبعة، المصدر السابق، ص187.
([8]) القفطي، المصدر السابق، ص101.
([9]) المصدر السابق، م2، ج1، ص298.
([10]) أبو الفرج غريغوريوس بن أهرون المعروف بابن العبري، تاريخ مختصر الدول، وقف على طبعه ووضع حواشيه، الأب أنطون صلحاني اليسوعي (ط4، بيروت: دار المشرق، 2007)، ص144. يقول البيهقي عن حنين: "وكان بغدادي المولد، وقد نشأ بالشام وتعلم بها". ظهير الدين أبي الحسن علي بن زيد، تتمة صوان الحكمة أو تاريخ حكماء الإسلام، حققه ونشره، محمد كرد علي (باريس: دار بيبليون، 2007)، ص16؛ وكذلك: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري، نزهة الأرواح وروضة الأفراح، تحقيق، الدكتور عبدالكريم أبو شويرب (ط1، ليبيا: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، 1988)، ص291.
([11]) النديم، المصدر السابق، م2، ج1، ص291؛ ابن أبي أصيبعة، المصدر السابق، ص272.
([12]) المصدر السابق، ص272.
([13]) النديم، المصدر السابق، م2، ج1، ص291؛ ابن أبي أصيبعة، المصدر السابق، ص272.
([14]) ابن أبي أصيبعة، المصدر السابق، ص272.
([15]) البيهقي، المصدر السابق، ص21؛ القفطي، المصدر السابق، ص120؛ ابن أبي أصيبعة، المصدر السابق، ص299؛ الشهرزوري، المصدر السابق، ص293.
([16]) المصدر السابق، ص120.
([17]) البيهقي، المصدر السابق، ص21؛ الشهرزوري، المصدر السابق، ص293.
([18]) القفطي، المصدر السابق، ص115.
([19]) المصدر السابق، ص299.
([20]) القفطي، المصدر السابق، ص120.
([21]) القفطي، المصدر السابق، ص117؛ ابن أبي أصيبعة، المصدر السابق، ص299.
([22]) ابن أبي أصيبعة، المصدر السابق، ص546، ص547.
([23]) المصدر نفسه، ص548.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق