الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016

التربية والتعليم والإصلاح؛ وعقبة الأعراف الاجتماعية السلبية

أ. د. علي عبد داود الزكي
هناك اهتمام كبير بمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي من قبل العديد من دول العالم المتقدمة، أو المتطلعة للحصول على التكنلوجيا المتقدمة، لغرض تطوير الإمكانات الصناعية والتكنلوجية، والعمل باستراتيجية تنموية وفقاً لإمكاناتها، ولتنويع اقتصادها، وتطوير الصناعة فيها، ورفع مستوى المجتمع الثقافي. ومما لا شك فيه أن الإدارة لمؤسسات التعليم لها دور عظيم في نجاح المؤسسة وتطويرها والقيام بدورها التكاملي مع باقي مؤسسات البلد. لذا يجب أن تهتم الدولة بمستوى التعليم العالي، وتخصص نسبة كبيرة من ميزانية الدولة له، وتحسّن إدارته. كما يجب أن تكون هناك عناية كبيرة في اختيار إدارات شجاعة وكفوءة ومخلصة ونزيهة، بعيداً عن التحاصص الحزبي والطائفي والعرقي. فإن سوء اختيار الإدارة سيؤدي حتماً إلى مشاكل كبيرة، منها التبديد غير الرشيد للأموال والطاقات،
والتراجع الكبير في مستوى التعليم.
إن عملية الإصلاح لمؤسسات التعليم العالي ترتكز إلى عدة ركائز، أهمها: إعادة النظر بالقوانين والتعليمات الخاصة بالتعليم العالي، وتعديلها بما ينسجم مع معطيات العصر واحتياجات وإمكانات البلد المادية والبشرية، وإصلاح الهيكل التنظيمي والإداري للمؤسسات التعليمية، وتطوير ومتابعة الهيئة التدريسية، وحثّها باستمرار لرفع إمكانياتها العلمية والثقافية والتعليمية، وتفهم الطلبة وظروفهم وواقعهم الاجتماعي، والتعامل الإيجابي المرن مع ما تفرضه البيئة الاجتماعية والمؤسسات الدينية والثقافة المجتمعية والقبائلية والمناطقية والأعراف، وما ترسمه من ملامح التعامل والتعاطي الثقافي والعلمي والتربوي في البلاد، لتكوين قيم ثقافية ومجتمعية متماسكة وصالحة. إن عدم الاهتمام باختيار الإدارات لمؤسسات الدولة العراقية، ومنها التعليم العالي، بشكل صحيح، أدى إلى وصول من لا يتمتع بالأمانة والمصداقية والقدرة والكفاءة إلى أعلى المناصب في الدولة، حيث يلاحظ تمسكهم الكبير بمواقعهم دون الاهتمام لمصلحة المجتمع وتطوير الخدمات والمخرجات بشكل جدي. كما عملوا على تسخير إمكانات المؤسسة التعليمية لمصلحتهم الشخصية، والعمل على حصولهم على أعلى المكاسب، دون الاهتمام لضعف ما يقدمونه للتعليم العالي والمجتمع.
ويمكن تلخيص أهم مشاكل سوء الإدارة في مؤسسات التعليم العالي العراقي، لما بعد سقوط الصنم، في النقاط التالية:
1.    عجز أغلب الإدارات عن إجراء تغييرات إيجابية، فيها رؤى إصلاحية وتطويرية، لأنها تنظر إلى دورها على أنه محدد فقط بتسيير الأمور الإدارية، ونيل المكاسب، وعدم الاهتمام بالشأن العلمي والتربوي.
2.      عدم وجود مواصفات واضحة ومحددة لاختيار القيادات بأمانة وشفافية.
3.    اعتماد المحسوبية والعلاقات والمصالح الشخصية في اختيار إدارات التعليم، والذي نتج عنه وصول شخصيات غير كفوءة، موالية لمن رشحها ودعم وصولها للمنصب، دون الاهتمام بالصالح العام.
4.    عملت الإدارات دوماً على اعتماد دكتاتورية فرض القرار، لوجود ضعف مؤسساتي كبير في لجان القرار والمجالس (الأقسام والكليات والجامعات) تجاه المسؤول. حيث إن هذه اللجان أو المجالس تعمل باتخاذ القرارات بما يرضي المسؤول غالباً، وتخضع لقرار المسؤول، ولا تمتلك الشجاعة الجماعية لتتحمل مسؤولية اتخاذ قرار سليم مخالف لرؤية المسؤول. لذا يجب أن تكون هناك تشريعات مناسبة بهذا الخصوص، وأن يحسن اختيار هذه المجالس واللجان، لكي تأخذ دورها القيادي الجماعي المتضامن بعيداً عن المجاملة واللامبالاة، ولكي تكون داعمة للإصلاح والعمل الجاد الإيجابي، وليست مسيرة بلا إرادة لقرارات المسؤول.
5.      عدم قدرة أغلب الإدارات على تشخيص الكثير من المعوقات والمشاكل الفعلية.
6.    عدم احترام أغلب الإدارات لمكاسب ومنجزات الإدارات السابقة، لعدم وجود رؤية منهجية واستراتيجية مثبتة كخطة عمل. لذا، فإن أيّ إدارة جديدة لا تعمل على استكمال ما أنجزته الإدارات السابقة، بل هي غالباً ما تعمل على محو وإلغاء كل الإنجازات السابقة، والبدء برؤية جديدة واستراتيجية جديدة، مما يعني أن كل الرؤى محكومة بقرارات آنية، وتتغير مع تغير الإدارة، أو تتغير مع تغير الإدارات العليا، مما يتسبب بخسائر كبيرة.
7.    النظرة للمنصب كمكسب مادي ومعنوي فقط، وعدم الاهتمام بالبناء والتطوير لترك أثر إيجابي في خدمة المؤسسة التعليمية والنهوض بها.
8.    تتجنب الإدارات المبادرات العملية التي تحتاج إلى جهود كبيرة ومثابرة ومتابعة، وممكن أن تعمل على تطوير وتسهيل العمل. لأن هكذا مبادرات غالباً ما يرافقها مشاكل متعبة، لذا فإن أغلب الإداريين يعتمدون الأسلوب السلبـي باحترام كسل وكلاسيكية الموظفين العاملين معهم، وعدم القيام بهكذا أعمال تطويرية وتنظيمية شجاعة. حيث إن الموظفين يعتبرون أي شيء جديد خارج إطار ما تعودوا على عمله، وكأنه تجاوز على حقوقهم، وخصوصاً ونحن في عصر ديمقراطي انتقالي غير واضح المعالم، حيث صعوبة التمييز بين الحق الديمقراطي والفوضى.
9.    عدم وجود فهم لدور الإداري، وعدم وضوح الصلاحيات والمسؤوليات، حيث هناك جهل كبير في الحقوق والواجبات وحدود المسؤوليات، وأغلب العاملين جاهلون بحقوقهم وواجباتهم، وما تفرضه عليهم القوانين والتعليمات، حيث يتم التعاطي بالكثير من الأمور بشكل اجتهادي لا يستند إلى أيّ تعليمات وضوابط قانونية صحيحة، وهذا ما يؤسّس لشيوع ثقافة الفوضى واللانظام وعدم احترام القيم المؤسساتية.
إذاً، يتوجب العمل لتطوير الهيكل التنظيمي للمؤسسات الأكاديمية وإكسابها ما يكفي من المرونة لتتجاوز الأزمات والإشكاليات، ولتتوافق في عملها مع الأهداف المرجوة.
إن نمو الحراك الشعبـي الكبير للإصلاح، خلال العامين السابقين، أدى إلى ظهور رفض مجتمعي كبير لما موجود، وتطلع لإصلاح كل مؤسسات البلد، بالضغط على الحكومة لغرض الإسراع بالإصلاح. بالتأكيد فإنّ أي إصلاح يجب أن يستند إلى النزاهة والتكنوقراط، وهذا مؤشر إلى وجوب الرجوع إلى مؤسسة التعليم العالي لغرض المساهمة في وضع سياسة واستراتيجية تنموية للنهوض بالبلد، وعلى مختلف الأصعدة. وهناك طموح كبير في أن يكون الغد أفضل بالتعاضد والتآزر ووقف السوء ودحر الإرهاب والوقوف على أرضية قوية لبناء صحيح يستند إلى الأمانة والعلمية والقيم الأخلاقية والتربوية الصالحة التي لا تخرج عن قيم ومعتقدات المجتمع، ولكن تصوّبها بالاتجاه الصحيح الموحد، لغرض إنجاح عملية التنمية وتطوير البلد وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات والارتقاء بالمستوى الثقافي الاقتصادي والاجتماعي للإنسان العراقي.
*    *    *
غالباً ما تتعرّض الهيئة التدريسية، وإدارات المؤسسات التربوية، والتعليمية، لضغوط شديدة، لغرض فرض تقييم غير صحيح للطلبة، أو لبعضهم. إن هذه الضغوط سائدة في العراق منذ عدة عقود، ونتج عنها تقبّل كبير لمفهوم المحسوبية والواسطة، في مختلف الأوساط الوظيفية. إن عدم احترام عتبة النجاح (درجة النجاح)، بسبب التأثيرات والضغوط المختلفة، كان له الأثر السلبـي العظيم في تدهور المؤسسات التربوية والتعليمية في البلد. كما أصبح من لا يتقبل هذا الأمر وكأنه منبوذ ضمن وسط عمله، يغرّد خارج السرب بقيم سامية لا يتقبلها المجتمع إلا كقيم وشعارات كتب فقط. إن هذه الظاهرة  السلبية بحاجة إلى علاج فعال وناجع ضمن مؤسسات التربية والتعليم. إن التدريسيين في أحيان كثيرة، وبسبب ضعف تطبيق القانون، وضعف الأجهزة الأمنية، أصبحوا عرضة للتهديد، ويتم إرهابهم لغرض الرضوخ لهذا الأمر، والسبل كثيرة ومتنوعة في هذا الشأن. أحياناً تكون الضغوطات عشائرية، أو اجتماعية، وأحياناً حزبية، وأحياناً من مسؤولين في المؤسسة التعليمية نفسها، وكأنهم لا يعرفون ماذا يعني قيم تربوية، وماذا تعني أمانة، ونزاهة؟!
إن السياسي والبرلماني، وحتى الإداري، الذي جاء وفقاً للمحاصصة السياسية، يعمل على كسب الأصوات، وكسب رأي الجمهور، حتى ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامة للمجتمع، وهنا يحصل توافق ما بين ثقافة المجتمع السلبية بهذا الخصوص، مع  قصور الرؤية للسياسي، والإداري، الانتهازي، الذي يسعى للبقاء في منصبه، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن وانهيار قيمه وبنائه الصحيح. أذكر هنا عبارة لـ(تشرشل) أثناء (الحرب العالمية الثانية)، عندما كان (الألمان) يقصفون (لندن) بشدة: ((قابله مجموعة من المواطنين البريطانيين بالقول: لقد تهدّمت البلد، فسألهم: ما وضع القضاء والتعليم..؟ فقالوا: ما زال القضاء والتعليم بخير، فقال لهم: إذن البلد بخير، فلا تخافوا)). فالتعليم، إذاً، يعتبر ركيزة أساسية في خير البلد ونهوضه وصموده، لذا يجب الاهتمام بالتعليم ومنع انهياره.
إن الضغوطات كبيرة ومستمرة، ولا يمكن أن تنقطع ما لم يتم علاجها جذريا. فهل نرسل أبناءنا للتعلّم، أم للحصول على الشهادة فقط؟! فكيف سيتم البناء بمن تخرّج وهو لا يستحق النجاح؟
إذاً يجب أن يكون هناك علاج حقيقي لجميع الظواهر السلبية التي تعمل على تدمير التعليم في البلد، ويجب رفع شعار (غشَّكَ مَنْ أرضاكَ بالباطل)، كشعار إصلاحٍ وطني في مؤسسات التربية والتعليم. إن الغاية الأساسية للدراسة هي التعلم وليس النجاح، فما فائدة نجاح مزّيف، ورقي، بلا علم وبلا معرفة، ودون الحصول على ما يكفي من الخبرة العملية. يجب تقديس قيم النزاهة والأمانة، وجعلها قيماً أخلاقية واجتماعية عليا، لغرض معالجة هذا الداء المستشري بشكل كبير في المجتمع.
 بالتأكيد أيّ مجتمع يعمل على أن يحقّق أبناؤه نجاحاً مزّيفاً، ويمهّد لعبورهم بالغشّ والزيف والكذب للحصول على وثيقة وشهادة، سيكون على حافة الانهيار. وإن من يحصل على نجاح دون استحقاق، فإن عمله بهذه الشهادة، وحصوله على الأموال من خلالها، سوف يكون محرماً شرعاً.. فمن يهتم لهذا الأمر؟! للأسف، المؤسسات الدينية لم تعط هذا الأمر ما يستحق من العناية والتوجيه، لبيان خطره على المجتمع وبنائه ومستقبله. نتعجب أشد العجب عندما نرى قيادات دينية وعشائرية واجتماعية وحزبية وحكومية تعمل باستخدام نفوذها لغرض الضغط بهذه النقطة، لأجل تحقيق مصالح شخصية خاطئة (فليس من مصلحة من لا يستحق النجاح أن ينجح) ونرى أن هذه القيادات لا ترى أيّ خلل في طلبها، بل بالعكس تماماً، لأنه ينسجم بشكل كبير مع ثقافة المجتمع السلبية. هنا يجب التركيز على إصلاح هذه النقطة، على مستوى التعليم، في كل من وزارتي التربية والتعليم العالي، وأن يتمّ ترويج ونشر ثقافة تقديس النزاهة والأمانة، وتحريم النجاح دون استحقاق، والقضاء على ما هو متعارف عليه بـ(الواسطة)، واعتبارها عاراً اجتماعياً لكل من يتعامل بها. كما يجب أن يكون ضمن مناهج ومفردات وزارة التربية مفردات تعريفية عن حقوق وواجبات الطالب، وأخلاقيات التعامل مع منتسبـي المؤسسة التعليمية، وأن يكون الطالب متنبهاً لما قد يسبّبه أيّ خرْق لهذه الأخلاقيات.
خلل تربوي: مجتمع يقدّس الكذب
إن من أسوء عيوب التعامل الاجتماعي والمؤسساتي في البلد، هو شيوع الكذب الموثق، والكذب في التعامل، في جميع مؤسسات الدولة.. حيث نرى الكثير من أبناء المجتمع، عندما يكون لديهم تقصير في العمل الرسمي، أو تغيب عنه، عادة ما يقدمون طلباً رسمياً لا يدونون فيه الحقيقة وأسباب التقصير أو التغيب، وإنما يدونون ما يخالف الحقيقة؛ من أعذار كاذبة، لكي يمرّروا طلبهم، ويحصلوا على ما يريدون. وكثيراً ما نلاحظ أن بعض المسؤولين والإداريين يقومون بإعادة الطلبات أو المعاملات التي لا تنسجم مع التعليمات والقوانين النافذة، ويذكرون أحياناً كثيرة ما يجب أن يكتب فيها، حتى لو كان كذباً، لكي يتمّ تمريرها. وهذا يعني، بشكل أو بآخر، كتابة طلبات فيها كذب وتزييف للحقائق، لكي تكون موافقة للقانون والتعليمات، لكي يتمّ تمريرها. لذا يجب الانتباه إلى أنه يجب أن يكون التشريع والقانون سمحاً ومرناً، بحيث يسهّل أمور المواطن، دون أن يضطرّه للكذب، وتوثيق كذبه بالأوراق والمعاملات الرسمية. طبعاً هكذا أمور غير موجودة في العالم المتحضّر حيث يعتبر (الكذب عاراً اجتماعياً)، وأساس التربية لديهم الصدق، وتعليم أطفالهم اعتماد الصدق، مهما كانت الظروف.. بينما في مدارسنا القول غير الفعل، والطالب يتأثر بالفعل أكثر من القول. المواطن الذي لا يوثّق أعذاراً وادعاءات كاذبة في الكثير من طلباته ومعاملاته الرسمية، سوف لا يستطيع إنجازها واستكمالها. فمثلاً طلبة الدراسات العليا في جامعاتنا، عندما يحتاجون إلى تمديد دراسي، يضطرون أن يقدموا طلبات بهذا الخصوص، ويدونوا فيها أسباب طلب التمديد، والكثير من هذه الأسباب غير صحيح، وكاذب، وبعلم المشرف وإدارة القسم. كما أن بعض الطلبة يقدم على استخدام علاقاته ومعارفه في الحصول على إجازات مرضية موثقة ومصدقة من مؤسسات حكومية تابعة لوزارة الصحة، لغرض الحصول على إجازة أو تأجيل امتحان. كما يلاحظ شيوع ظاهرة التأجيل للامتحانات من قبل الطلبة، بحجة المرض، حيث يقدم الطالب طلباً للذهاب للطبيب، لغرض الحصول على إجازة مرضية، لكي يتمكن من تأجيل الامتحان، ونعرف أن أغلب الطلبة لا يعانون من أزمة صحية، وإنما غاياتهم تأجيل الامتحان فقط، بأسلوب تحايلي، وهم يقرّون بذلك. طبعاً هناك أمثلة كبيرة وهائلة جداً، في مختلف مؤسسات البلد، الحكومية وغير الحكومية، التي يظهر فيها تقديس الكذب اجتماعياً، ولتصبح المقولة (في الصدق النجاة) مقولة غير مقبولة إلا كشعار يعلّق في الغرف للزينة والتباهي، ويكتب في الواجهات، وفي صفحات وبوستات الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي.
 يجب أن توضع هذه النقاط أمام المشرّع الذي يضع التعليمات والقوانين، لغرض معالجة هذه النقطة، لكي لا ينشأ مجتمع يتعلم الكذب في المؤسسات التربوية، وبعد ذلك نطلب منه أن يكون أميناً وصادقاً في تعامله وعمله.
التربية والتعليم العالي العراقي: ظواهر سلبية بحاجة لعلاج
تربّت أجيال عديدة من الطلبة، في مؤسسات وزارتي التربية والتعليم العالي، على الحصول على مكاسب معنوية، ومكاسب لا يستحقونها في التقييم والدرجة، مقابل تقديم الهدايا، أو إقامة الولائم، وفي بعض الأحيان: تقديم الرشى والمبالغ المالية، متجاوزين القوانين والتعليمات، وغير محترمين للقيم التربوية والأخلاقية الصحيحة السليمة. حيث إن تقديم الطلبة للهدايا والرشى، وإقامة الولائم، يجعلهم في حالة من الغرور والتفاخر والتباهي أمام باقي زملائهم الطلبة، الذين لا يستطيعون أن يقدموا أو يفعلوا مثلهم، وهذه مسألة - للأسف - البعض يأخذها على أنها سهلة وبسيطة، أو أنها مقبولة وكأنها عرف اجتماعي سارٍ ومقبول ولا اعتراض عليه في مؤسسات التربية والتعليم العالي. يلاحظ في الدراسة الجامعية شيوع هكذا ثقافة أيضاً، رغم وجود تعليمات وزارية تمنعها. تتفشى هذه الظاهرة السلبية عند طلبة الدراسات العليا بشكل كبير جداً؛ حيث يحرج الطلبة، أو يفرض عليهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، إقامة الولائم، وتقديم الهدايا، قبل أو بعد إجراء مناقشة رسائلهم أو أطاريحهم. وأحياناً - وبشكل مخجل جداً- يتم وضع المأكولات، والعصائر، والمكسّرات، أمام لجنة المناقشة علناً، أثناء إجراء المناقشة. رغم وجود التعليمات الوزارية الصريحة، التي – للأسف - أغلب الجامعات والكليات لا تلتزم بها. لا بل أحياناً كثيرة الأساتذة المناقشين لرسائل وأطاريح طلبة الدراسات العليا، وبعضهم من الإداريين في مؤسسة التعليم العالي، وللأسف الشديد، يتقبلون الهدايا، ولا يجدون ضيراً في تقبل دعوات الطلبة لحضور الولائم، التي قد تكون داخل أو خارج الجامعة. كما يلاحظ في كثير من الجامعات، خصوصاً في جامعات المحافظات، إضافة لما تمّ ذكره من تقديم هدايا وولائم، يقوم طالب الدراسات العليا بالتكفّل - على حسابه الخاص، بشكل كامل -، بالحجز في الفنادق القريبة من الجامعة للأساتذة المناقشين لرسالته أو أطروحته، والقادمين من محافظات أخرى، للإقامة يوماً أو يومين، كما يتكّفل بنقلهم من محافظاتهم إلى الجامعة، ذهاباً وإياباً. هذه الظواهر السلبية، وغيرها، غالباً ما تثقل كاهل طلبة الدراسات العليا، وخصوصاً غير الموظفين منهم.
لذا يجب أن يتمّ تفعيل قوانين وتعليمات وزارة التعليم العالي، ومتابعة تنفيذها بشكل جدي، فإن تراكم هكذا صغائر فيها سوء وفساد ممكن أن يؤدي إلى فساد أكبر وأعظم. هناك تطلع كبير للإصلاح المؤسساتي والاجتماعي في بلدنا العزيز، وهذا بالتأكيد لا يمكن إنجازه بسهولة، ولكن يجب تحديد نقاط الخلل والاعتماد على القوة الإدارية النزيهة والشجاعة، والترويج لثقافة وطنية صالحة، تدعم من قبل المؤسسات الدينية والمجتمعية، وأن يكون هذا الدعم مبرمجاً وفق رؤية إصلاحية تربوية فكرية شاملة، لغرض النهوض بثقافة المجتمع  ليكون في مصاف المجتمعات الراقية في العالم، وتحقيق التطور والنهوض الاقتصادي والتنموي في البلد.
والآن، فإن هدف ما ذكرناه سابقاً هو الإصلاح.. وننتظر تشابك الرؤى في فضاء الحوار الهادف، لأجل خير أمة العراق..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق