الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016

من وحي الطفولة

علاء الدين حسن
في دُورِنا، وتحت سقوف منازلنا، أبشارٌ غضَّة، وأجنحةٌ كثيرة، وفي أغصان دَوحِنا أعوادٌ طريَّة، وبراعِم ناشئة؛ أولئك هم الأطفال، ثمراتُ القلوب، وقِطع الأكباد، أطفالُنا عجزٌ تحت قُدرتنا، ومسكنةٌ تتفيَّأُ قوَّتنا، وهم مستقبلٌ مرهونٌ بحاضرنا، وحياةٌ تتشكّل بتربيتنا، وهُمْ بعد ذلك كلِّه: بعضُ الحاضر، وكلُّ المستقبل.
الطّفولة.. مرحلة بريئة مِن عمر الإنسان، مرحلة توحي بالجمال، وترمز إلى عالم متكامل مِن النَّقاء، والأطفال هم مرآة مجتمعاتهم، وكيفما يكن الأطفال تكن الأمم.. إنَّهم بهجة الحياة وزينتها.. الطُّفولة براءة روح.. الطُّفولة نقاء قلب.. والأطفال غراس الحياة، وقطـوف الأمل، وقرَّة عين الإنسان، وزهـور الأمَّة،
وبراعم الغد المشرق.. الأطفال تذكار الصّبا، ووديعة الله المقدَّسة، وهديَّة السَّماء..
والطّفولة بسـتان يأوي إليه الكبار؛ فيغسِلوا همومهم في نقاوة أطفالهم، ويجتلوا جمال الحياة في بَسَـمات صبيانهم.. أفصحُ تعبيرٍ يستمطِر الحنان: تأتأةُ طفل. وأبلغُ نداءٍ يستجيشُ الحبّ: لثغةُ صغير..
إنَّهم ربيع وزهر، وأكاليل ياسمين، قصَّة الأمل الّذي لا ينتهي. يقول الله عزَّ وَجلَّ: {المالُ وَالبَنونَ زِينةُ الحَياةِ الدُّنيَا}. الكَهف: 46. وفي الحديث الشَّـريف، يقول رسـول الله (صلّى الله عليهِ وَسلّم): ((أكرِموا أَولادَكم، وَأحسِنوا أدبَهم)).
وقد قِيل في الأطفال عبر التَّاريخ الكثير، مـمَّا يعبِّر عن شفافية نفوسهم، ففي أمثال الهند: (بيت بدون طفل كالقبر). وفي إسـبانيا يقولون: (أسمى حبّ هو حبُّ الأطفال). وفي التُّراث العربي؛ نجد قول الشَّاعر (حطّان بن المعلّى):
وَإنَّما أَولادُنـا بينَنا، أَكبـا ... دُنا تَـمشِي علَى الأَرضِ
لَو هبَّتِ الرِّيحُ علَى بَعضِهم ... لامْتنعَت عَيني عنِ الغمضِ
وفي العصر الحديث، ازداد الاهتمام بالأطفال، وكان (جان جاك روسو) واحداً مِن أهمِّ روَّاد هذا الاهتمام، ومِن أشهر أقواله في الطِّفل: "ما مِن شكّ أنَّه يجب أن لا يعمل إلاّ ما يريد..". أمَّا التَّشكيليُّ العالميُّ (بابلو بيكاسو)، فيقول: "لقد قضيت خمسين عاماً مِن عمري؛ لأتعلّم الرَّسم كالأطفال". وقال (فولتير): (الأطفال.. إنَّهم حقّاً أغنية الحياة). وقالت (بام براون): "إنَّ هذه الأيدي الصَّغيرة الرَّقيقة تمسك بقلوبنا إلى الأبد".
ومِن أجمل ما قيل في الطُّفولة، ما قاله الشَّاعر السُّوريّ (بدويُّ الجبل) في قصيدة شفيفة جاء في بعض أبياتها:
وَيَا رَبِّ! مِن أَجلِ الطُّفولة وَحدَها ... أفِضْ بَركاتِ السّـلم شَرقاً وَمَغرِبا
وَصِنْ ضحكةَ الأطفالِ يَا رَبِّ، إنَّها ... إذَا غرَّدتْ فِي موحشِ الرَّملِ أعْشَبا
ويقول الشَّاعر (سـليمان العيسى): "كلُّ واحد منَّا يحمل في أعماقه طفلاً يُحبُّ أن يغنِّي، ويقفز، ويمرح".
ورغم كثرة ما أنتَجَتْه المدنيَّةُ الحديثة مِن مفاهيم، إلاّ أنَّ ثمَّةَ أنماطاً سلوكيَّة خاطئة كثيرة لا تزال تُمارَس بحقِّ الطِّفـل.. فكم بين جُدران البيوت، وأسوار المدارس، مِن طفولةٍ مُنتَهَكة، وبراءةٍ مُغتالة، يتعرَّضُ الأطفال في صورها للضَّغط النَّفسي، والعنف البدني، والتَّعذيب الجسدي.. ترى ذا الأربعة أعوام، أو الخمسة أعوام، يُقلِّب عينين ماؤهما الطّهْر، وبريقُهما البراءة، يُقلِّبُها في أبيه القادم إليه، ويخفِقُ فؤادُه الغضُّ لمرأى أبيه، مُنتظراً منه ضمَّةً أو قُبلة، فإذا لَسْعُ النَّار يفجَرُه، أو الضَّرب العنيف يتلقّفُه، وسلاحُ الطِّفل – ويا لسلاحه - أنَّاتٌ متقطِّعة، وزَفَراتٌ مُتحشرِجة، وقد غابَ المُعين والنَّاصر.
ومِن صور الإساءة المنتشرة: الصِّياحُ والصُّراخُ في وجه الطِّفل، وتهديده وتخويفه، وكثرةُ مُعاتبته وتعنيفُه..

- وبعد: إنَّ خطأ الأطفال مغفـور، وذنبهم معفوٌّ عنه، فالله عزَّ وَجلَّ قد رفع عنهم قلم التَّكليف، فلنرفع نحن عنهم أسـاليب التَّعنيف، ولنا في هدي النَّبـيِّ - صلى الله عليه وسلم- قدوةٌ وأُسوة؛ عن (أنس) - رضيَ الله عَنه – قال: خدمتُ النَّبـيَّ - صلّى الله عليهِ وَسلّم - عشر سنين، فما قال لي أُفٍّ، ولا لِـمَ صنعتَ، ولا ألا صنعتَ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق