الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016

ملاحظات عن الاستشراق

عمر  محمد
باحث في: Centre d’ÉtudesTurques, Ottomanes, Balkaniques et Centrasiatiques/ باريس، فرنسا
إن كتاب (الاستشراق) لـ(إدوارد سعيد) حوّل "الإستشراق" إلى "كلمة قذرة". (البرت حوراني)
حين يُدرَس الاستشراق كظاهرة معرفية أدّت إلى إعادة قراءة التاريخ الإسلامي، ومعرفة أجيال المستشرقين، والتثاقف الذي حدث داخل هذه المنظومة المعرفية، لا يمكن بأيّ حال موافقة (سعيد) في طروحاته، أو طروحات من استقبلوا (سعيد) – الذي حوّل الاستشراق إلى مؤامرة تهدف لنزع الإسلام من المسلمين – الذين عجزوا حتى عن مشاركة المستشرقين في أهمّ عمل للاستشراق، وهو (دائرة المعارف الإسلامية)، التي
لم يشترك بها من المسلمين سوى الترك. وعن ذلك يقول Gustave E. von Grunebaum: "فقط الترك من بين المسلمين نجحوا في التكيّف مع التدوين التاريخي الغربي"، في حين كان تلّقي المسلمين للاستشراق مرتبطاً فقط بالاستعمار، وإنّ الاستشراق ما هو إلا أداة بيد المستعمر لتدمير الإسلام والمسلمين. إن المواجهة الحقيقية مع الاستشراق ليست في اتهامه، بل في مراجعة ما كتبه الاستشراق علمياً، واستناداً إلى أدوات معرفية رصينة.
والذي لا يعرفه المسلمون أنّ المستشرقين أنفسهم كانوا يوجهون النقد لنتاجاتهم، وإنّ هناك قاعدة لدى المستشرقين، وهي "إنّ الاستشراق يتقدّم ويتطّور فقط من خلال النقد والتشكيك بما ينتجه المستشرقون، وليس من خلال الموافقة والتأييد".
يبدو الاستشراق، بوصفه مفهوماً لتطور الدراسات الغربية للشرق، ملتزماً بأن يكون (استشراقاً) يدرس الإسلام كهدف أولي له، كنمطٍ معرفيّ، وإهمال كلّ جوانب العالم الممتدّ من شرق أوربا الغربية حتى الصين - المجال الحقيقي للدراسات الاستشراقية القديمة -، ومع تطّور الأكاديميات ووصولها إلى أمريكا، وإلى الشرق ذاته، أصبح مصطلح (الاستشراق) بحاجة إلى إعادة نظر جادة، بعد خلّو المصطلح من قيمته التي وضعها به (إدوارد سعيد)، حين حدّد الإسلام كمقابل للغرب.
ويمكن النظر إلى مفهوم الاستشراق من جوانب عدة:
أولاً: البعد الجغرافي:
في متابعتي للدراسات الاستشراقية، والأكاديميات الغربية، التي تعتبر رائدة في (الاستشراق)، لا يظهر (الشرق) الذي طرحه (إدوارد سعيد)، هو المجال الوحيد للدراسات، بل يتعدّى الأمر إلى أبعد من ذلك بكثير، حتى ليبدو هذا (الشرق) مجرّد حقل ضمن عشرات الحقول، ولم يعد الشرق هو (الشرق الإسلامي) فقط، بل هناك شرق أوروبي لأوروبا نفسها، وشرق أمريكي لأمريكا، وشرق بريطانيّ لبريطانيا، وشرق روسيّ لروسيا، فما هو الشرق بالتحديد المقصود في الاستشراق "طلب الشرق"؟ 
ثانياً: البعد المعرفي: رغم تواجدي  الجديد في (فرنسا)، إلا أنني استطعت، وبعد القراءات النظرية السابقة عن المؤسسات الاستشراقية، أن أتداخل مع مستشرقين فرنسيين، وأكاديميات (استشراقية)،  يصعب كثيراً إطلاق هذا المصطلح عليها، يظهر "شرق إدوارد سعيد" بنسبة ضئيلة جداً في كتبها السنوية للدراسات والحقول المطروحة، ففي مؤسستي التي أعمل بها (EHESS)، وفي كتابها السنويّ، لا يظهر إلا عدد محدود جداً من الدراسات حول الإسلام، وشرق (إدوارد سعيد)، وأكاد أكون الوحيد الذي أدخل دراسة تاريخية إلى الكتاب السنوي القادم، باعتبار دراستي ستكون عن دولة عربية. وفي محادثات لي مع مؤرخين وباحثين أمريكيين وأوربيين حول مصطلح الاستشراق والشرق Orient, East, Middle East، وحول مصطلح Orientalist, Historian، لا يميل أكثرهم لاستخدام هذه المفاهيم للتعبير عن الدراسات التي تدرس العالم الشرقي (شرقيّ افتراضاً للمفهوم القديم)، بل يميلون إلى اعتبارها دراسات تاريخية وعلوماً إنسانية نابعة من المعرفة التاريخية ليس إلا. فالبروفيسور المؤرخ (Arthur Goldschmidt) يرفض أن يطلق عليه اسم (مستشرق)، ويفضّل أن يكون (مؤرخ)اً، كذلك يرفض (Andreas Ismail Mohr)- المستعرب (أو المختصّ بالدراسات العربية الإسلامية) - أن يوصف بالمستشرق، رغم أنه قد أكمل الضوابط والشروط والأدوات التي تجعله مستشرقاً، وفقاً للشروط القديمة، كأن يتقن العربية واللغات الشرقية، ويزور بلداناً شرقية. وقبلهم يقول (البرت حوراني) إنّ (إدوارد سعيد) قد حوّل كلمة "الاستشراق" إلى كلمة "قذرة"، فمن هو المستشرق في هذه الحالة؟ وما هو تخصص المستشرق؟ وهل لديه تخصص فعلاً؟ وهل كل من يدرس المشرق يعتبر مستشرقاً؟ ماذا عن الدراسات والعلوم الاجتماعية والنفسية التي تتناول دول العالم الممتد من شرق أوربا إلى الصين؟ أو بالأحرى من هم (الشرقيون)؟ في تحديد المستهدف يمكننا أن نجد طريقة مثلى للتعامل مع الاستشراق، أو تحديده اصطلاحياً، وإلا فإنّ التعامل مع الاستشراق، وفقاً لـ(إدوارد سعيد)، سيكون دائماً يؤدّي دور الشرّير مقابل الخيِّر المضطَهد، فالاستشراق لم يعد كما رآه (سعيد)، بل هو حقل معرفي، ورؤية تاريخية أخرى عن تاريخ العالم.
سألني أحد الباحثين الفرنسيين هذا السؤال، وهو سؤال ليس بجديد، وأضيف عليه: لماذا لم يهاجم (سعيد) الاستشراق الروسيّ؟ وصبّ كل غضبه على الاستشراق البريطاني، والفرنسي، والأمريكي!
يرتبط في مخيلة المشرق أنّ (ألمانيا) و(روسيا) هي قوى غير استعمارية، لذلك لا يمكن مهاجمتها، بينما دول أوروبا الأخرى دول استعمرت الشرق! هذا التلّقي لـ(إدوارد سعيد)، في الأوساط العربية، كان أزمة كبيرة للعقل العربي، فالمتلّقي العربي    – مثل (سعيد) تماماً – يعتقد أنّ الشرق هو العرب فقط، وأنّ العرب هم المسلمون فقط.
(سعيد) الذي ربط الاستشراق بالقضية الفلسطينية، وهو المصري الذي ولد في (القدس) عام 1935، لأنّ عائلته فضّلت (القدس) على (القاهرة). عائلته مسيحية بروتستانتية من (لبنان)، تلّقى تعليمه في (مصر)، ثم في (الولايات المتحدة)، ولم تكن له هويّة فلسطينية، بل كان مصريّاً ثم أمريكياً، وعائلته اعتادت على التصييف في (لبنان)، كما يبيّن هو ذلك في مذكراته: (Out of Place) (خارج المكان) – وقد عاش في كنف أب متسلّط وأمّ متساهلة. قضى بضعة أشهر في (فلسطين)، لذا فالقول بأنه فلسطيني أمر مثير للتساؤل! لكنه رغم ذلك اعتقد أنه فلسطيني، ووضع نفسه موضع المدافع عن القضيّة. وقد تربّى في بيئة ثريّة، في منزل اعتاد أن ينادي فيه على الخدم، ودراسته في (القاهرة) كانت في (VictoryCollege)، وهي سلسلة مدارس ثانوية بريطانية، كانت تعتبر النسخة الشرقية لـ(كلية ايتون) (Eton College)، التي تأسست عام 1440م.
المدرسة كانت تعطي أسماء أشهر المستشكفين و(الإمبرياليين) البريطانيين لأقسامها، مثل: (كيتشنر)، (كريمر)، (فوربشر)، وكان ممنوعاً التحدث بالعربية داخل المدرسة، لكنّ (سعيد) كان "متمرّداً" و"غريباً" في هذه المدرسة. كان (عمر الشريف)، واسمه الحقيقي (ميخائيل شلهوب)، أحد الذين اعتادوا على ضرب (سعيد) في المدرسة.
على أيّة حال، بمراجعة كل الذين اعتاد (سعيد) على مهاجمتهم في كتابه (الاستشراق)، نرى أنّ جهودهم العلمية فاقت التصورات، وأنّ نقدهم لأعمالهم كان أقوى حتى من نقد (سعيد) لهم.. كانت أعمالهم بمثابة الحجر المؤسّس للدراسات العربية والإسلامية في الغرب، ومعظمهم أسّسوا للمعرفة الشرقية، التي انتقلت فيما بعد إلى الشرق. ومنذ صعود المدرستين الأمريكية والبريطانية للاستشراق، وضمور المدرسة الألمانية، كان معظم المستشرقين البريطانيين والأمريكيين، ومنهم (هاملتون جب)، الرائد في دراسات الإسلام والحروب الصليبية، كان الكثير من هؤلاء المستشرقين ضدّ فكرة الاستعمار، وكانت آراؤهم السياسية معارضة لحكوماتهم، لكنهم كانوا يعيشون ضمن البيئة الطبيعية لدولهم، بيئة الديمقراطية، والكثير من المستشرقين الفرنسيين كانوا ماركسيين ويساريين، لكنهم حافظوا على نسق المعرفة الشرقية.

الاستشراق الذي لم يتحدث عنه (إدوارد سعيد) في (الاستشراق)
محاولة عرض الاستشراق على أنه خطاب متجانس يعبّر عن الاستعمار، كما أورده (إدوارد سعيد)، أدّى بالضرورة إلى إهمال الاسهامات الماركسية للاستشراق، فالاستشراق الروسي سبق وتمّت دراسته، لكن الاستشراق الفرنسي أهمل بطريقة ما.
وهنا أمثلة أهملها (إدوارد سعيد) في استشراقه :
في لقاء لي مع المستشرق الفرنسي (نيكولا فاتا)، المختصّ بالتاريخ العثماني، سألته - في معرض حديثنا عن الاستشراق وكتاب (إدوارد سعيد)، وكيفيّة تلقي المستشرقين الماركسيين في المشرق، وأنّ تلّقي المستشرق الماركسي كان أكثر حضوراً في المشرق من المستشرقين الآخرين - فسألته ما معنى أن يكون المستشرق ماركسيّاً؟ وهل كونه ماركسيّاً يعني أنه شيوعيّ؟ كانت إجابته تتعلق بالأجواء الديمقراطية في (فرنسا)، فقال: القضية كلها متعلّقة بالديمقراطية، وحرية الرأي، وهذا ما يجعل من (فرنسا) بلداً حرّاً، لأنّ المستشرق وغيره فيها يمارسون الديمقراطية بصورتها الطبيعية.

كلود كوهين 1909 – 1991
وصفه المؤرخ الأمريكي (ايرا لابيدوس) على أنه أعظم مؤرخ للشرق الأوسط في القرن العشرين.
حين كان (كوهين) بسنّ السادسة جعلته أمه يبكي، حين ربطت بينه وبين مصائب (لويس التاسع) في (مصر)، لكنه، استطاع مبكراً أنْ يتجاوز هذا الربط، وأنتج أحد أهمّ أعماله:
(La Syrie du Nord à l’époque des croisades et la principautéfranqued’Antioche) عام 1940.
كان (كوهين) صارماً وقوياً وحيادياً في تعامله مع التراث الإسلامي والمسيحي في الشرق الأدنى، في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. كان ماركسيّاً، وصارع لإظهار المنطقة التي درسها باعتبارها منطقة مستقلة ثابتة، بدلاً من عرضها على أنها كانت منطقة خضعت لأوربا سابقاً، وأعطى اهتماماً كبيراً للطوبوغرافيا والاقتصاد لشمال (سوريا)، وابتعد عن عرض التاريخ باعتباره قصة سردية. وحين حضر مؤتمر المستشرقين عام 1954، وبعد خطابه الذي أثار دهشة المستشرقين والحاضرين، قام (هاملتون جب) وصافحه بحرارة.
لقد سعى (كوهين) إلى ترجمة النصوص العربية القديمة، بدلاً من الاهتمام بالشعر، واعتبره مصدراً غير ذي أهمية في دراسة تاريخ الشرق. وكان هو الوحيد من بين عدد من المستشرقين، من الذين اهتموا بدراسة نصوص القرنين الثاني والثالث عشر.
نشر (مدخل إلى الحروب الصليبية الأولى) في مجلة أكسفورد: (الماضي والحاضر). ومن آثاره إعادة كتابة (المدخل إلى تاريخ الشرق الإسلامي) لـ(سوفاجيه)، كما أسهم بمواد في دائرة المعارف الإسلامية. ومن أشهر مؤلفاته، الكتاب المرجعي والفهرسي: مقدمة لتاريخ العالم الإسلامي في القرون الوسطى بين القرنين السابع والخامس عشر الميلاديين (بالفرنسية:
Introduction à l’histoire du monde musulmanmédiévalVIIe–XV siècle)  حيث يتتبّع جميع المراجع التي كتبها المستشرقون عن العرب والمسلمين في اللغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها، ويورد لوائح شاملة بكل الوثائق الأثرية والنقوش والمصكوكات المتعلّقة بتاريخ العرب والمسلمين، ويشرح كيفيّة العمل في هذا الميدان وأدواته.

المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون 1915 – 2004
مثل (كاهين)، جاء من عائلة يهودية. عائلته كانت شيوعيّة من الطبقة العاملة في (باريس)، وشارك في صباه بمظاهرات مؤيّدة لانتفاضة الريف المغربية عام 1925، ضدّ الإدارة الفرنسية. عمل كساعي بريد، وكان يقضي وقت فراغه في المكتبة، حيث تعرّف على مؤلفات (رينان)، وأصبح مهتماً بالفيلولوجيا واللغات السامية. وفي النهاية أصبح دارساً للغات السامية، والأمهرية في: (ÉcoleSpéciale des LanguesOrientalesVivante)، وقضى معظم وقت الحرب في (بيروت)، حيث اتصل بالكثير من الشيوعيين العرب. وفي عام 1955 أصبح أستاذاً للغة الأثيوبية القديمة في (ÉcolePratique des HautesÉtudes).
انتمى إلى (الحزب الشيوعي) عام 1937 حتى 1958. وكموالٍ للشيوعية، كان ملزماً بالجدال ضدّ كلّ الأدلّة التي تقول إنّ اليهود الروس لا يريدون الالتحاق بـ(إسرائيل)، "عبر الصهيونية تمّ اختراق العالم الاشتراكي"، هكذا كان يعتقد. وبينما كان اليهود يسقطون ضحايا تحت حكم (ستالين)، كان (رودنسون) يدافع عن حكم (ستالين)، ويقول إنّ هذه مجرد إشاعات ضدّ الشيوعية، وإنّ معاداة السامية شيء غير موجود.كان يتمنى أن يتمّ تحديث العالم العربي عبر الماركسية.
(رودنسون)، الذي درس مع (ماسنيون)، لا يشاركه الرأي بخصوص الروحانية الإسلامية، فقرّر التركيز على جانب من جوانب الثقافة المادية، فنشر سلسلة من المقالات حول الطبخ العربي في العصر الوسيط، ووصل إلى استنتاج أن ليس كلّ المسلمين كانوا روحانيين، وسواء كانوا روحانيين أم لا، كان يجب عليهم الأكل، ولهذا اهتم بدراسة تاريخ الطبخ العربي.
استشعر (رودنسون) وجود صلة بين الإسلام والشيوعية، فكتب سيرة ذاتية للنبـي (محمد)، في 1961، وقال عنها: "ربّما، بحالة لا شعورية، قارنت (محمد) بـ(ستالين)".  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق