الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016

التصوف السياسي (الحلولي): من (الحلاّج) إلى (غولن)

د. سنان أحمد
ينتشر الإلحاد يوماً بعد يوم كانتشار النار في الهشيم، خصوصاً في المجتمعات غير الإسلامية، وذلك لضعف عقائدها وتصوراتها عن معنى الخالق والمخلوق، وللغرور الذي أصاب البشر باعتقادهم أنهم أسياد الكون. وأما في الإسلام، فإن الباب أمام الإلحاد يكاد يكون موصداً، نظراً لوضوح النص القرآني بشأن التوحيد الذي لا يقبل التأويلات الفاسدة، مما دفع الساعين إلى نشر الإلحاد بين المسلمين إلى سلوك طرق ملتوية، بدأوها بنشر أفكار الحلول والاتحاد ووحدة الوجود تحت غطاءِ أنّها من التصوف، وهو ادعاء باطل.
والحقيقة أن بذر عقيدة الإلحاد بين المسلمين كان هدفاً سياسياً من أهداف الحركة الباطنية - الإسماعيلية، التي حاولت تقويض الفكر الإسلامي الواضح بكافة السبل، وهي في الأصل حركة شعوبية خالصة، أصلها كراهية العرب والمسلمين وتقويض ملكهم. وهي الوليد اللاشرعي لحركات الغلو والزندقة، بعد أن فشلت مساعيها في مقارعة الفكر الإسلامي، فحاولت إرجاع أديان فارس القديمة، كالمانوية والمزدكية والمجوسية، والتي توجد قواسم مشتركة بينها، كتقديس النار، وثنوية النور والظلام، والإباحية، وصولاً إلى الإلحاد، والمشاعية.
وكان التأويل القسري الباطني للقرآن من أول الأبواب نحو غاية الإلحاد، التي اتخذت وسائل عديدة. والتأويل القسري يعتمد على مبدأ أنّ لكلّ ظاهر باطناً، وأنّ العمل بالباطن هو للخاصة، والعمل بالظاهر للعامة! علماً أنّ مصطلحي (العامة والخاصة) من المصطلحات الدخيلة على الفكر الإسلامي، فالإيمان بالله، والتصديق، ليس من الأمور الخاصة، وهو يناسب البشر ككل، دون تمييز بينهم.
يقول (ابن الجوزي) عن (الإسماعيلية) إنهم لما عجزوا عن صرف الناس عن القرآن والسنة، صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها: فمعنى (الغسل) تجديد العهد على من فعل ذلك، ومعنى (الزنا) إلقاء نطفة العلم الباطن في نفس لم يسبق معه عقد العهد، و(الصوم) الإمساك عن كشف السر... إلخ. وكانت هذه المفاهيم تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، وبالاعتماد على عقلية المخاطبين بهذا المنطق الأعوج، وكان للدعاة حق الاجتهاد بالتأويل، فإذا وجدوا قوماً يتبرّمون من (الزكاة)، قالوا بأنّ الزكاة تعني بثّ العلوم لمن يتزكّى لها، وأمّا (الحج) عندهم فهو لقاء الإمام الإسماعيلي، وتمام الحجّ مشاهدة الإمام... إلخ.
ثم ادعوا ألوهية أئمتهم، كما قال (ابن خلدون)، وقالوا: "إنّ كمال الإمام لا يكون لغيره، فإذا مات انتقلت روحه إلى إمام آخر، ليكون فيه ذلك الكمال".
وهذه التأويلات لم تكن اعتباطية، وكانت مرسومة بدقة وذكاء، وتصبّ في غاية عليا، هي تهيئة العقول لتقبّل الأفكار الثنوية، ومن ثم تقبّل الإلحاد بالله الواحد الأحد. وإنّ كان الإلحاد هنا لا يعني إنكار فكرة الخالق المتفرّد، ولكن تقديمها بشكل لا يختلف عن الإنكار المباشر، ونسف فكرة أنّ (الله خالق كل شيء)، وهو المتفرّد بكل شيء، وليس كمثله شيء من خلقه.
 على هذا النسق تمّ زرع الأفكار التي مهدت لانتشار الإلحاد، وهي أفكار الحلول والاتحاد ووحدة الوجود. حيث يعني الحلول والاتحاد استغراق المخلوق بالخالق، أو حلول الروح، وتنقلّها بين أجساد مختلفة. وهي من الأفكار الواضحة في المجوسية والهندوسية والبوذية، والمبهمة في المسيحية، من خلال عقيدة التثليث. حيث الإله يظهر بشكل إنسان، والأخير هو ابن الإله، الذي ضحّى به من أجل البشر!
وأمّا وحدة الوجود، فهي ترسيخ لفكرة: لا وجود في الحقيقة إلا للإله، وكلّ شيء ما عداه يعدّ مظهراً من مظاهره، وليس مخلوقاً مِن قِبَلِهِ، وكلّ ما في الوجود من جماد وحيوان وإنسان ونبات يشكّل وجوداً مبهماً لشيء واحد.
وعليه، فالحلول والاتحاد ووحدة الوجود من أخطر ما أدخلته الباطنية والغلاة في سعيهم لتدمير فكرة الخالق والمخلوق، وإلغاء الفوارق بين الله - جلّ شأنه - كخالق، والإنسان كمخلوق، أو أنّ الله روحٌ والعالم جسم لهذه الروح، وخلط الخير بالشر، والكفر بالإيمان، كمفاهيم مختلفة لمظهر واحد، وبالتالي طمس قدرة الله المطلقة، ليصبح كائناً بصفات مبهمة.
وكان من أبرع من صاغ هذه الأفكار، تحت ستار التصوف الحلولي (السياسي) هو (الحلاّج) (ت 309 هـ)، والذي أثبتت إسماعليته وانتماءه للقرامطة كل الدراسات الجادة التي تناولت سيرته بعيداً عن العواطف، فقال بأنّ معنى (لا إله إلا الله) كلمة شغل بها العامة لئلا يختلطوا بأهل التوحيد. ثم زعم أنه من يوحّد الله فقد أشرك، وقد تناولنا الموضوع بالتفصيل في كتابنا المعنون (أسطورة الحلاّج - قراءة في التصوف السياسي)، وقد اخترنا هذا المصطلح لكي لا يعتقد القارئ بأننا نهاجم التصوف ككلّ، وعن تعصب، وإنما لاقتران هذه الممارسات بغايات سياسية تحت غطاء عقائدي، كما ذكرنا آنفاً.
لقد كان (الحلاّج) بارعاً في خلط المفاهيم، حيث قال: "من فرّق بين الكفر والإيمان فقد كفر، ومن لم يفرّق بين الكافر والمؤمن فقد كفر. وإنّ الكفر والإيمان ليفترقان من حيث الاسم، وفي الحقيقة لا فرق بينهما".
ففي مسألة العقيدة يتهم بالكفر من يفرّق بين الكفر والإيمان، وهي مسألة في غاية الإبهام والغموض. وفي مسألة التطبيق، يبدو الأمر معكوساً تماماً، وكل ذلك يصبّ في بلبلة الأفكار، والاقتراب بها نحو المبهمات، فتنمو أفكار الشك والريبة، ويكون المرء أقرب للإلحاد منه للإيمان.
إنّ خلاصة العقيدة في الإسلام تعني التسليم لله، والإيمان به إيماناً مطلقاً، وعدم تجاوز فكر المخلوق - أياً كان - على قدرة الخالق، الذي [ليس كمثله شيء]. وإن أيّ ارتباط بالخالق بوشائج خارج العبادة والتفكير والتأمل والذكر، أمر يرفضه التوحيد الخالص. فالله تعالى قريب من كلّ عباده بشكل لا ندركه، وهذا من عظمته [ونحن أقرب إليه من حبل الوريد]، وهذه المسألة تنفي الاتحاد والحلول التي ادّعاها أقطاب التصوف الحلولي، فالله قريب من كل عباده بطريقة لا ندركها. وهنا تبرز أفكار الحلول والاتحاد كأفكار سوداوية تحطّ من قدرة الخالق المطلقة، وتلغي انفرادية المخلوق وخصوصيته، ولذلك فشلت حركة (الحلاج)، وما شابهها من حركات، داخل الوسط الإسلامي، رغم كل المحاولات التي جرت - ولا تزال- لإحيائها.
لقد دخلت هذه الأفكار إلى المسيحية، فجعلت من ما يسمّى بـ(علم اللاهوت) مجرّد تخبطات وأوهام تستند إليها المسيحية في معتقداتها. ولذلك يجب أن يتوقف مفكرونا عن استخدام هذا المصطلح المبهم، واستبداله بـ(علم الإلهيات)، وعدم ربطه بما يسمّى بـ(الناسوت)، فهذه كلها مصطلحات دخيلة لا وجود لها في الفكر الإسلامي الأصيل.
وعلى هذا النسق حاول (الحلاّج)، و(الشلمغاني)، و(ذو النون المصري)، و(يحيى بن حبش السهرودي)، ومن سار على نهجهم، جعل (التصوف الحلولي) ديناً منشقاً عن الإسلام، هدفه البعيد الإلحاد، ونسف الدين، ومرّت على الكثير من المفكرين والمتصوفة على أنها شطحات ليس إلا، وهي تفسيرات متهافتة وساذجة، تركت جراحاً بليغة في الفكر الإسلامي، ولا يزال يردّدها كثير من المسلمين إلى أيامنا هذه، عن جهل بفكرة التوحيد الأصلية.
فها هو (جلال الدين الرومي) (ت 1267 م) يسير في هذا الطريق، ويبرّر أفعال (الحلاج)، وأقواله، بقوله: "إن قلب الصوفي هو موضع إرادة الله"، وهو افتراض لا معنى له، يقترب من الشرك بالله أكثر من اقترابه من الإيمان والتسليم له، وفيه من العاطفة اللاواقعية الشيء الكثير، وربما نتج عن الطريقة التي أعدم فيها (الحلاج)، فكثيراً ما يكتسب الذين يُصْلبون تعاطفاً وسمعة لا يستحقّونها، لمجرد العاطفة، وهناك من يقف خلف أفكارهم، ويستغل الحدث لترسيخ مظلومية كاذبة.
يقول (الحلاج):
لي حبيب حبُّه وسْطَ الحشا ... لو يشأْ يمشي على خدي مشا
روحه روحي وروحي روحه ... إنْ يشأْ شئتُ، وإنْ شئتُ يشا    
والكفر واضح في هذه الأفكار وضوح شمس الظهيرة، وليست مجرد شطحات، حيث هذه الكلمات مطاطية. وجعل (الرومي) من (الحلاج)، ومن أقطاب الصوفية الحلولية، أشخاصاً معصومين، وهو تأثير واضح من تأثيرات الباطنية، حيث لم يدرك كثير من المتصوفة المرامي الإسماعيلية الباطنية من وراء نشر تلك الأفكار، التي غطّتها بغطاء التشيع لآل البيت، فتأثر (ابن عربي) (ت 638 هـ) بـ(الحلاج) واضح جداً، ولذلك ظهر علينا بفكره الفاطمي، وذهب (جلال الدين الرومي) لأبعد من ذلك، عندما اعتبر نفسه مهدياً، واعتبر أنّ الله يظهر في سيف (علي) مخلوطاً بأفكار الاتحاد والحلول، فيقول عن الله "في كل نفس يظهر ذلك الصديق في ثوب جديد، فشيخاً تراه، وشاباً تراه أخرى، ذلك الجميل فتّان القلوب، قد ظهر بصورة سيف في كفّ (علي)، وأصبح البتّار في زمانه، لا بل هو الذي ظهر في صورة إنسان، وصاح: أنا الحق"!
وحتى الإمام الغزالي (ت 505 هـ)، ورغم تأليفه لكتاب (فضائح الباطنية)، الذي فنّد فيه كل مزاعم الإسماعيلية، إلا أنه لم يتنبه للدافع السياسي للحلاّج، ومن سار على نهجه، واعتبر أفكاره شطحات. وكذلك الإمام عبدالقادر الكيلاني (ت 561 هـ) الذي قال: "لو عاصرت الحلاّج لأخذت بيده"، وكان على اعتقاد خاطئ كبير في هذا المجال.
 وكما أشرنا فإنّ هذه الأفكار كانت مدسوسة على الفكر الإسلامي عن تعمد وقصد، وليست شطحات عن حسن نية، بل غايتها القصوى نسف التوحيد، وبذر أفكار الإلحاد، من خلال تنظيمات تدعي أنها إسلامية، أو تمثل تيارات إسلامية معينة، والقضاء على الكيان الإسلامي ككل.

*    *    *
بين (الحلاّج) و(غولن)
هذه الدراسة ما هي إلا محاولة للربط بين شخصيتين تماثلت تصرفاتهما، من خلال امتلاكهما لمواهب الظهور بوجه ديني - صوفي بادٍ للعيان، والآخر سياسي باطني: الأول لا غبار عليه في الظاهر عند معظم المسلمين، والثاني ليس من السهل تلّمسه إلا بالقراءة المتأنية والعميقة لسيرتهما، رغم الفارق الزمني الهائل بينهما. وكذلك فهي من بنات الأفكار التي أخذت مكانها في واقعنا الإسلامي بعد أحداث انقلاب 15 تموز في (تركيا)، وما تركه، وما سيتركه، على مجمل التاريخ، في ثناياه العالمية والإسلامية والتركية.
فالغطاء الديني للحركات السياسية أمر موجود على مدار تاريخنا الإسلامي، وبأشكال مختلفة. وقد كان أحدها إدخال أفكار غريبة عن الدين، مثل أفكار التصوف الحلولي، أيْ الإيمان بالحلول والاتحاد بالله، ووحدة الوجود (أيْ: لا وجود حقيقي إلا لله)، وما تنبعث من تأويلات غريبة عن جوهر الدين الإسلامي، وهي من أهمّ الأبواب لتحقيق مآرب سياسية باطنية من قبل حركات منظّمة بدقّة وبسّرية بالغة، ولعلّ أشهرها الحركة الإسماعيلية الباطنية، وجناحها العسكري (القرامطة)، الذين نجحوا في تأسيس دولتهم في شمال أفريقيا، ثم في (مصر) عام 297 هـ، وقاموا بغزو (مكة المكرمة) عام 317 هـ، وقتل الحجيج، وتدنيس الحرم، ثم سرقة (الحجر الأسود)، بعد كسره، وبقائه لمدة 22 عاماً، قبل أن يعيدوه لمكانه! ولذلك نؤثر أن يسمى هذا الاتجاه من التصوف بالتصوف الحلولي - الباطني (السياسي)، وهو غير تصوف الزهد القائم على القرآن والسنة.
لقد أثبتت الدراسات المعمقة أنّ (الحلاّج) (ت 309 هـ)، والذي يعتبره الكثيرون من متصوفتنا وأرباب الفكر شهيد التصوف الأول، ما هو إلا واحد من أكبر دعاة التصوف السياسي، ومنظّريه، والذي انطلت باطنيته على جوهر مراميه السياسية، وذلك بهدم الدين من داخله، وباسمه، ويتغاضون عن مقولته الشهيرة: (أنا الحق)، وقوله للشيخ جنيد البغدادي، عند سماعه للقرآن: "أستطيع القول مثله". إنّ عدم النظرة بشمولية لأي شخصية متعددة الجوانب، يقود لتكريس النظرة العاطفية عنها، خصوصاً إذا كانت نهايتها كنهاية (الحلاّج)، حيث جلد، ثم صلب، وقطّعت أطرافه، ثم تختلط العاطفة بالغموض، فتخرج هذه الشخصيات التي تقف وراءها تنظيمات سرية دعائية منظمة إلى أقصى حد. فـ(الحلاّج) الذي لبس خرقة التصوف، كان يمشي في الأسواق، ويصيح بأصوات عالية بجمل مبهمة تدلّ على أنه مجذوب لله، ثمّ يسقط على الأرض، فيلتفّ حوله العامة حائرين مندهشين، فتغلب هذه الصورة المثيرة على كلّ ما خلفها من مآرب أخرى.
وكان (الحلاّج) يحرص على عمل الخوارق والمعجزات أمام العامة، وهي في حقيقتها حيل وألاعيب مدبرة، فلا يستطيع أيّ بشر إتيان الخوارق والمعجزات إلا الأنبياء، وبإذن ربهم، ولكن العامة يصدّقون، والمفكرون يبرّرون كل شيء، بالاستناد للعواطف ولا غير.
و(الحلاّج) أقام كعبة صغيرة في بيته، وأشاع بين أتباعه بأنه يمكن الاستغناء عن الذهاب لمكة، وتجنب عناء السفر، مع أنه ذهب أربع مرات لمكة، مع المئات من أتباعه، في رحلات دعوية لمذهبه الباطني، ناهيك عن تطوافه في إيران وخراسان والهند، واتصاله بمانوية الهند، ومن بقي على المجوسية من الهنود. وبعد أنّ ركّز وجوده العقائدي، أخذ يبث الأفكار الغريبة، من خلال أشعار غزلية رقيقة، وهي أفكار الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، كما ذكرنا آنفاً. ثمّ تدّرج نحو مرتبة أعلى، بجعل إبليس سيّد الموّحدين، وفرعون في أعلى مراتب الفتّوة. فيقول في (كتاب الطواسين) بأنه ما كان في السماء موحّد مثل إبليس، وهو أمر مخالف لكلّ الآيات القرآنية في هذا المجال مخالفة صريحة. فسيّد الموحّدين هو (محمّد) (صلى الله عليه وسلم)، وأما إبليس - وكما هو معلوم - فقد توعّده رب العالمين بجهنّم، هو وأتباعه، لأنه لم يسجد استكباراً بادعائه بأنه خلق من النار، والنار أسمى من الطين، فكيف يعذّبُ اللهُ سيّد الموحّدين، وقد جعله رمزاً للشر والآثام.
فدعوة (الحلاّج) باطنيّة، أصلها الرجوع للمجوسية، وهي الهدف الأسمى للحركة الشعوبية، التي لبست ثوب الإسماعيلية، بنصرة تيار معيّن من آل البيت.
وفي دراسة معمّقة لتحركات (الحلاّج) ثبت أنه كان على صلة بزعماء القرامطة الكبار في سعيهم لضرب الخلافة العباسية، وقد قال عنه (ابن النديم) (ت 385 هـ) في (الفهرست): "كان الحلاج محتالاً مشعبذاً يتعاطى مذاهب الصوفية، ويظهر مذاهب الشيعة للملوك، ومذاهب الصوفية للعامة، وأنه يروم قلب الدول".
والحقيقة أنّ هذه الشخصية غامضة، تظهر التصوف، ومراميها سياسية.
وفي الوقت نفسه كان عبقرياً، لاستطاعته الربط بين متغيرات وغايات متباينة تحت غطاء ديني، وبشكل غاية في الإثارة.
والملاحظ المدقق لحركة السيد (فتح الله غولن)، وشخصيته، يرى فيها سمات دعوية سرية قريبة من سمات (الحلاج)، وحركته، كما أثبتت ذلك الدراسات الشاملة، وليست الدراسة العاطفية السطحية.
فالشيخ يدّعي أنه يمثل حركة (النورسي)، وأفكاره، علماً أنّ المدقّق لحركة النورسي لا يرى فيها ذلك مطلقاً، سوى بعض الاستعارات الفكرية الإسلامية العامة، التي تنطبق على مجمل الفكر الإسلامي. فهو قد استخدم حركة الشيخ (النورسي)، وأفكاره، وشهرته، لاستدراج العامة، كما استدرج (الحلاّج) العامة بلبسه خرقة التصوف، وادعائه أنه يمثّل خط الشيخ (جنيد البغدادي).
ففي محاضراته الصوفية، التي يصاحبها العويل والبكاء والانفعال، عند ذكر بعض المعجزات والخوارق، أو حبّ الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وصحابته، يشابه ما ذكرناه عن (الحلاج)، حيث يثير جمهوره بشكل عجيب، ثم يدّعي في أحد دروسه، وخلال انفعاله، بأنه يشعر بأن ركبتيه تلامسان ركبتيّ رسول الله، ثم يقول للحاضرين والدموع تنهمر من عينيه، وبانفعال من الوجد: "أغمضوا عيونكم، وقدّموا ركبكم، فستحسّون أنها تلامس ركبة الرسول (صلى الله عليه وسلم). بالله أنا دخيلكم، تجاوزوا المسافات، فالنجاة فيه"، وهنا يعلو الصياح والانفعال في المسجد، ولا تسمع إلا أصوات النحيب والبكاء!
وفي وعظ ديني آخر يبلغ ذروة الانفعال مع مريديه، عندما يروي لهم قصة صحابي لا يشعر بفقدان ساقه في المعركة إلا مساءاً قبل أن ينام، فيزداد الهرج والمرج، وتعلو أصوات النحيب.
إنّ هذا الوجه الانفعالي يغوص داخل النفوس البسيطة، ويفعل فعله السحري لديهم، فالعامة ينجذبون لكل عجيب وغريب، حتى لو كان من الخيال، وهي أسس الأساطير وانتشار الخرافات.
أما في مجال التأويلات الفاسدة، فهنالك الكثير: فيقول، مثلاً، بشأن الآية [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولانشرك به شيئا] 64 آل عمران، بأنّ (أهل الكتاب)، في الآية، ليسوا اليهود والنصارى، بل هم المثقفون، والذين يعرفون القراءة والكتابة، لأنه ليس من الضروري أن يؤمن اليهود والنصارى بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، ورسالته. ويقول: "فالقرآن لا يقول لهم أنا أدعوكم للإسلام، ولا يقول اتركوا ما تؤمنون به". وهو انحراف مفتعل عن حقيقة التوحيد والاقتراب نحو فكرة وحدة الأديان، والتي عزّزها عند لقاء البابا السابق، وقال له بنص العبارة: "نحن في خدمتكم"، وفي هذا الكلام خلط متعمد بين رسالة الإسلام، من حيث هو دعوة عامة للناس كافة، وبين ترك حرية الاختيار: [فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر].. ولكن محبيّه يفسّرون الأمر بمسألة (حوار الأديان)، والذي لم يكن يوماً إلا حوار طرشان!
وعليه، فمهما حرص الإنسان على كتمان بواطنه، فلا بد أن تظهر في ساعات اللاوعي والانفعال بواطن ما يخفي، فموقفه مائع جداً من مشاكل المسلمين، وملفت للنظر، كوصفه لرحلة (سفينة مرمرة) بأنه تمرّد، وبكائه في درس الوعظ على أطفال إسرائيل، عندما ضرب العراق عام 1991 م إسرائيل ببضعة صورايخ، لم تكسر إلا بعض الشبابيك والأبواب، بينما لم يحرّك ساكناً، ولا ذرف دمعة واحدة، على أطفال (غزة)، عندما قتلوا بالمئات، وبالقنابل الفسفورية، عام 2008م.
وفي مشهد آخر يوصي أتباعه بعدم وصف المحتجّين، الذين قلبوا السيارات وأحرقوها عام 2013 في (ميدان تقسيم)، في (إسطنبول)، بالمخرّبين، فهؤلاء سيكونون أبطالاً مثل (خالد بن الوليد) في يوم من الأيام! ولا ندري ما هو وجه المقاربة؟! إنّ كون الشيخ واجهة لمؤسسة سرية ضخمة أمر له ما يبرّره، فهو قد صعد بعد انقلاب 1980 صعوداً غير طبيعي، ليصبح صاحب أكبر مؤسسة تعليمية، من مدارس وجامعات وصحف وقنوات تلفزيونية، وقبلها كان يعرف نفسه بين الشباب كداعية إسلامي على خطى (النورسي)!
علماً أنّ القوى الإسلامية قد عانت الأمرّين من هذا الانقلاب العسكري، وقبل ذهابه إلى منتجعه الرائع عام 1997 في الولايات المتحدة، قال بأنه مستعد للتنازل عن كل ما يملكه للمؤسسة العسكرية!
وفي مشهد آخر معروض على (اليوتيوب)، يعبّر عن سريّة منظمته بالقول "إنني أتكلم بسريّة، وهو يصرّ عليها"، ثمّ يطلب من أتباعه الحرص عليها، والعمل على السيطرة على الأماكن الحساسة في الدولة، وفي العمق، ومصادرة مصادر القوة. ثم يقول: "ولذلك فنحن نعرف المخاطر والتهديدات التي تواجهنا، ويجب العودة للوراء عند الشعور بذلك، دون ترك أيّ أثر". وهذا الكلام ليس عرضياً، ولا يصدر إلا من منّظر لمسألة عميقة، وتنظيم عال في الدقة، كالتنظيم الباطني الإسماعيلي، والذي قال عنه المؤرخ (برنارد لويس)، ذي الميول الصهيونية، بأنّ (الماسونية) أخذت تعاليمها منها. وفي مكان آخر يقول بأننا نعيش في عصر الفراعنة، ولذلك يجب السيطرة على النظام في تركيا، وتغيير الدستور، وأن ما يحدث ما هو إلا تصفية الحساب مع العالم بأجمعه، مما يدل على عالمية تنظيمه، ومن يقف وراءه.
وموقفه من الحل السلمي المعارض للمسألة الكوردية معروف، ودعوته لما يسمى بالإسلام التركي، والإسلام الاجتماعي، تارة أخرى، دعوات لا تتوافق مع نزعته الصوفية المملوءة بكاءاً ونحيباً وانفعالاً.
وفي معرض إبعاد الشبهات السياسية عنه وعن حركته، يقول ما معناه: لو أنّ جبريل (عليه السلام) أسّس حزباً سياسياً، ودعاه إليه، لرفض ذلك. وهو تطاول على جبريل (عليه السلام)، والثوابت الإسلامية، لا معنى له.
بينما يوصي أتباعه، في مكان آخر، بالعمل الدؤوب حتى يجدوا الأرضية المناسبة للقضاء على الفراعنة. وأغرب ما لاحظناه في هذا المجال، ما تمّ عرضه في قناة (الجزيرة) يوم 14/8/2016 من مكالمة هاتفية لأحد المقرّبين منه، يخبره فيه أنه رأى الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الحلم، ويطلب منه زيادة التواصل الاجتماعي مع الناس عبر الانترنت، وزيادة تغريدات أتباعه التي تصب في مجال دعوته، فيؤيّده الشيخ، ويقول له "فليكن"، وهذا النوع من الكذب معروف لدى من يدّعون الصوفية، وكل من يريد تبرير أعماله وأقواله بنسبتها للرسول (صلى الله عليه وسلم).
وعلى كلّ حال، فإن ما نرمي إليه ليس إلقاء التهم بسبب العاطفة، ولكنها دعوة لمثقفينا ودعاتنا، الذين ينخدعون بظواهر الأمور، وعدم الغوص في الخفايا وبواطن الأمور، فكما انخدع الكثيرون وإلى الآن بصوفيّة الحلاّج، فاليوم نرى على صفحات الانترنت كيف ينخدع من يصفون أنفسهم بالدعاة ببكاء ونحيب (غولن)، ويفرحون جداً بأن الإسلام بخير، والغريب أن قسماً منهم سلفيون للعظم، ويكرهون كلّ ما يمّت للتصوف بصلة، ولكنها السطحية الثقافية، والعواطف، التي تسوقنا إلى الأحكام الساذجة، التي تسهّل لهذه الشخصيات تمرير مخططاتها، وخلط الأوراق على الناس.

وهكذا فالعامل المشترك لهذه الشخصيات هي امتلاكها لأكثر من وجه، وبسيناريوهات محكمة، تتبدّل بتبدّل الزمان والمكان، وتلك عبقرية يجب الاعتراف بها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق