الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016

عبق الكلمات/ حكمة التمكين

عبد الباقـي يوسف
[أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ] الأنعام/ 6
شالتمكين هنا، مدى المقدرة على تمكّن ما تسعى إلى التمكّن منه ليُصبح تحت أمرتك وتُصبح متمكّناً منه بشكل جيّد، وكلّما تتسع إمكانات الإنسان، فإنه يغدو متمكّناً أكثر. وبذلك فإن الإنسان يمكن له أن يأخذ العِبرة من التمكّن، فقد يؤدّي التمكين بصاحبه، إلى التواضع وفعل الخير، ثم إلى النجاة، وقد يودي بصاحبه إلى البطر والبطش، ثم إلى الهلاك. وللتمكين مستويات، لكن النتائج هي هي: فهناك التمكين في الدولة، والتمكين في المؤسسة، في العائلة، في العلاقات الاجتماعية، في الصحة، في المال، في المهنة. فهذه
مسؤولية التمكين الجسيمة.
يُذكّر الله الـ [مُعْرِضِينَ]، الذين [كَذَّبُواْ ] و [يَسْتَهْزِئُونَ] بالتنزيل الحكيم بأنه قادر على إهلاكهم: [أَلَمْ يَرَ] هؤلاء [كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ]، فلينظروا إلى المتمكّنين من قبلهم، ويتخذوا منهم عبرة.
إن التمكين [فِي الأَرْضِ]، وما يتفرّع عنه من أسباب القوة، والنفوذ، والثروة، والصحة، لا يعني بأن الله غير قادر على أخذ كل شيء، بل الله الذي مكّنكم، قادر أن يأخذكم: [أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ] القمر/42، كما أخذ الذين سبقوكم، فانظروا: [كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِ]، كم [مِّن قَرْنٍ] بمعنى [مِنْ] جيلٍ بشري خلال مائة عام بعد أن: [مَّكَّنَّاهُمْ ] جعلنا لهم مكاناً [فِي الأَرْضِ] وجعلناهم متمكّنين فيه: [مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ]، فاعلموا يا أهل مكة بأن ما أنعمنا به عليكم هو أقل ممّا أنعمنا به على قوم عاد، وثمود، وشعيب، وفرعون، وغيرهم، حيث كانوا أكثر منكم لياقة وقوة في الأبدان، وأكثر جاهاً، ومالاً، ونفوذاً، وبنيناً: [وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً] المطر الغزير الذي جعلهم في خصوبة، ونماء، وكثرة الثمار والأرزاق، [وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ بيد أنهم لم يُقدّروا النعمة، ولبثوا في الذنوب: [فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ].
إن ذلك يجعلنا نتأمل ما يمكن أن يفرزه التمكين من خير، وشرّ. فالمتمكّن الذي يسعى إلى الخير، يكون قادراً على ذلك بشكل أوسع وأشمل بحُكم إمكاناته المتاحة، والمتمكّن الذي يسعى إلى الشرّ، يكون قادراً على ذلك بشكل أوسع وأشمل بحكم إمكاناته المَتاحة، وكما أن الأول يتمدّد في بسطة الخير، فإن الثاني يتمدّد في بسطة الشر.
فالذنوب لا بدّ أن تنتهي بصاحبها إلى الهلاك مهما بدا له، أو للآخرين، بأنه قويّ، ومتمكّن في الأرض. ولدينا في العصر الحديث شواهد على جبابرة مكّنهم الله في الأرض، وتمتعوا بأسباب القوة، والنفوذ، والسلطان، لكنهم انتهوا نهايات مذلة، مهلكة. فأقرب سبيل إلى الهلاك هو سبيل الذنوب، وأقرب سبيل إلى النجاة هو سبيل التوبة. وكأنّ الله - جلّ شأنه - يقول: كفاكم ذنوباً حتى لا تلحقوا بالذين [أَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ]، بعد أن أغدقناهم بأسباب الرفاهية ورغد العيش.. فمهما كنتم أقوياء ومتمكّنين، فقد أهلكنا مَن هم أقوى، وأمكن منكم، عندما اتبعوا الشهوات، ولبثوا في الذنوب.
الذي يتعرَّض لقبسات الإشراق الإلهية، فإن كل شيء فيه يُضيء: مُحيّاه، مُقلتاه، هيأته، صوته، بسمته، بل حتى الثياب التي يرتديها، والبيت الذي يقطنه. فثمة ثياب تبدو باهتة، مهما كانت جودتها عالية، وباهظة الثمن عندما يرتديها أناس، وثمة ثياب تشعّ مهما كانت جودتها متواضعة، ومنخفضة الثمن، عندما يرتديها أناس.
وثمة منازل، وأنت تدلفها، تراها مُنطَفِئة، رغم ما هي عليه مِن فخامةِ البِناء، والزينة، والأثاث، وكلّ ما فيها يبدو واجِماً منطفئاً أمامك.
وثمة منازل تدلفها، فتراها مُضيئة، رغم تواضع بنائها، وتواضع ما تحتويه من أثاث.

كذلك الموائد، فيمكن أن تجلس إلى مائدة عامرة بأشهى وألذّ أصناف الطعام والشراب في ذاك البيت، غير أنك تشعر بأنّ كلّ ما عليها يفتقد النكهة، والشهيّة. وتجلس إلى مائدة متواضعة، في بيت متواضع، فتأكل بشهيّة، وكلّ لقمة تكون أكثر طِيباً من الأخرى، وكلّ شربة تكون أكثر لذّة من الأخرى. وهكذا الإنسان، فترى شخصاً كُلُّ ما فيه مُظلم، مُطفأ، رغم أنّه بالغ الثروة، أو النفوذ، في حين تلفى شخصاً كلُّ ما فيه مشرق، ومُضيء، رغم ما هو عليه مِن تواضعٍ، وإمكاناتٍ محدودة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق