الجمعة، 11 يوليو، 2014

العلمانية المؤدلجة ومخاطرها على الديمقراطية.. (مصر) نموذجاً (2 من 5)

أبوبكر علي
ترجمة: اسو أحمد
عند التأمل في تصريحات سياسيين وكتاب علمانيين، كهاشم صالح، يتبين لنا أن لهم إشكالات كثيرة في فهم طبيعة التيار الإسلامي والأحزاب الإسلامية، فهم يعتبرون كل وجود إسلامي مناقضاً للديمقراطية، ويتجاهلون التغيرات التي حلت على الفكر والتفكير والاتجاه والسلوك السياسي والشعارات والطروحات التي تتبناها مدارس وقوى إسلامية مختلفة. يتعلق جزء من التغيرات بتبني قيم الدولة الحديثة، ومبادئ المواطنة والديمقراطية، ولم يعد قسم من الإسلاميين القوى التقليدية القديمة، بل أصبح جزءاً من التغيرات ذات البعد العالمي، والتي شملت المجتمعات المسلمة على أكثر من مستوى. بمعنى آخر، باتت القوى الإسلامية قوى عصرية، تعمل في إطار تشكيلات حزبية حديثة، وتعقد التحالفات مع القوى الأخرى، ويشكل خريجو الجامعات الحديثة، وذوو التخصصات، الجزء الأكبر من قياداتها، وجماهيرها، وقد
اندمجت في الواقع السياسي، وهي تنافس بشكل مدني، مؤمنة بمبدأ التوافق على الدساتير الحديثة، وتخلت عما كانت تحمله سابقاً من شعارات أيديولوجية. 
إن تجاهل مثل هذه التغيرات، رغم أنها لم تصل بعد إلى نهاياتها، أصبح مصدر العديد من التحليلات الخاطئة، والإسقاطات التاريخية، والراهنة، غير الصحيحة، والفاقدة للأساس. إن سمة المحافظة الاجتماعية لحزب عصري، ذي خلفية إسلامية، لا يضع الجدية والتجديد في البعد السياسي لتفكير تلك القوى وتعاملها، تحت طائلة التشكيك، بل هي العلاج الذي يجب أن تبحث عنه المجتمعات الإسلامية من أجل الديمقراطية، والتنمية السياسية الحقيقية، ولجم التطرف العلماني والإسلامي. لذا فإن وجود شريحة من ذوي الرأسمال المتدينين، والسياسيين الديمقراطيين الملتزمين بالواجبات العبادية والأخلاقية والاجتماعية الإسلامية، يعتبر جزءاً من المشهد السياسي الجماهيري العام، ومؤشراً للتوجه نحو لحظة الالتقاء بالاستقرار والتوازن الجذري، والتوصل إلى المسار الطبيعي لتنمية المجتمعات. إن تبني الإسلاميين لقيم الديمقراطية، وبعض القيم الجديدة، ليس شعاراً أيديولوجياً، بل هو مؤشر على تقدم في البيت الإسلامي، وتجربة سياسية معنوية ومادية في أكثر من مجتمع، بحيث يصعب العثور على قوة علمانية، في طول العالم الإسلامي وعرضه، لها ما للإسلاميين من صدقية تجاه قيم الديمقراطية، وبعض المفاهيم الخاصة بالمجال السياسي والاقتصادي المعاصر.
قد تُثار هنا مسألة، ويقال إن فهم بعض الإسلاميين، والتيار الإسلامي بصورة عامة، للديمقراطية ومبادئ المواطنة المتساوية، والدولة الحديثة، لا يزال يعتريه الإشكال والنقص.
وهذا القول صحيح، ولا نرفضه، لكنه لا يؤدي إلى نقض ما وصلنا إليه من استنتاج، وذلك لأن الإشكال والنقص الموجودين لدى العلمانيين، ليسا بأقل، إن لم يكونا أكثر، فالغموض يعتري فهمهم للكثير من هذه المفاهيم، ومع أنهم يدعون أن لا إشكال لهم نظرياً، إلا أن الواقع التاريخي، والراهن، في أكثر من بلد إسلامي، يبرهن أنهم ليسوا فقط غير ملتزمين بتلك المبادئ النظرية، بل أنهم ارتكبوا انتهاكات كبرى ضدها، ووصل الأمر عندهم إلى إنتاج الدكتاتورية، وتفريغ القوانين والمحاكم من محتواها، والوصول إلى مستويات خطيرة من الفساد والظلم. فالانقطاع بين العلمانية والديمقراطية، وصل حداً يجب فيه على العلمانية برهنة إيمانها بالديمقراطية، وقيمها، والقبول بنتائج التنافس المدني مع الآخر الفكري والسياسي، بدل كيل التهم للإسلاميين باللاديمقراطية والشمولية والاحتكار. فالأصل في العلمانية الشرقية، ونموذجها المتسلط، خلال القرن الماضي، يحكي عن عدم تعايش العلمانية مع الديمقراطية، بل وتناقضها معها. التجربة المشوهة والتعامل السياسي السيء، في أكثر من وجه، يدلان على إشكالية الفكر، وتشوهه، وأزمة التفسير لديهم.
إن (العلمانية الشرقية) تحاول رفض اللعبة السياسية، وطرد الإسلاميين من الساحة، من خلال اتهامهم باللاديمقراطية، وعدم الإيمان بمدنية الدولة، وذلك كي يتسنى لها التنافس مع نفسها، أو مع خصم يرضى بالمساحة والتأثير اللذين تحددهما له في الحياة والساحة السياسية، وتفرضهما كشرط مسبق عليه.
ليسوا قليلين في مصر الآن، من ينادون بانتهاء مرحلة الإخوان، والتيار الإسلامي ككل، ويريدون طردهم من الساحة السياسية، أو على الأقل تقليص حقهم في الحضور السياسي، إلى درجة أن يصبحوا مجرد زينة لواجهة الموديل السياسي، الذي يبغيه التيار العلماني ويؤمن به. ومن هنا نلاحظ وجود حملة إعلامية قاسية ضده، واتهامات لا نهاية لها، ومحاولات لإشراكه بطريقة ما، كل ذلك يجري بأسلوب مخابراتي غير ديمقراطي، من أجل تحجيم ذلك التيار، ومن ثم تهميشه.
إن سيادة الدعاية والحملة الإعلامية تلك، في القنوات المصرية المؤيدة للعسكر والقوات المدنية، مؤشر على الروحية الفاشية، وهي تذكر بالأسلوب الذي اتبعته القوى القومية واليسارية الدكتاتورية، التي تحكمت في المنطقة سابقاً. هذا الإعلام لم يتوان في اتباع الأساليب الديماغوجية، من أجل إضفاء الشرعية على قمع الخصوم، وتصفيتهم، وتجميل مساوئ الحكام، وصناعة المجد الزائف، والأبطال الوهميين. فالنخبة التي سيطرت على السلطة في المنطقة، وخصوصاً إبان حقبة القومية الانقلابية الدموية، المتشربة باليسارية، بعد النصف الثاني من القرن العشرين، تمثل نموذجاً جلياً وسيئاً للمكافيلية، تتوسل بكل الوسائل من أجل الدفاع عن سلطتها ومصالحها الخاصة، وتقبيح وقمع كل الأشخاص والقوى والنخب، التي تخاصمها، أو لم تشأ أن تكون جزءا من ماكنتها السياسية والإعلامية والعسكرية. وكل ذلك يأتي من منطلق عدم اهتمامها، وورثتِها، وبقاياهم في الزمن الراهن، بالحقيقة والواقعية والعلمية والمهنية، فقد كانوا على الدوام في أزمة مع الشرعية السياسية والأخلاقية، وهدفهم الأسمى هو الحفاظ على سلطتهم، والنأي بها عن التهديد ومخاوف الانهيار. هذا التفكير والفهم اللاأخلاقي للسلطة، يتطلبان-بطبيعة الحال- محاولة لإعادة توصيف الأوضاع السيئة، وتشويهها، حتى عن الحقيقة نفسها، وتغييبها عن الواقع، وذلك فضلا عن قمع المدافعين عن الحقائق، والمطالبين بحقوق الناس، إذ إن تجلي وجه الحقيقة، يحتاج إلى الفهم الصحيح للواقع والأوضاع المحيطة. وهذا بحد ذاته كاف لإزاحة كل حاكم وسلطة ونظام لا يستطيع مجابهة حقائق مجتمعه، ويخاف من معرفة الواقع. ولذلك فإن ازدياد وكثافة المساحات المظلمة للمجتمع، وندرة أو انعدام المعلومة، ومحاولة وضع الأراء والتوجهات بديلا عن الحقيقة، وعلى الوجه الذي تتطلبه الدعاية السياسية، سيظل آلية وهدفاً أساسياً ودائمياً لهذا النمط من الحكم.
 ***  ***
مخاطر هذه الحملة من التشهير والتقبيح والشيطنة والتجريم، ضد (الإخوان)، والتيار الإسلامي بصورة عامة، كخصم سياسي وفكري وأيديولوجي، وإظهارهم بمظهر العدو، والتي يقودها التيار العلماني، لا تكمن في كونها قضية سياسية فقط، بل إنها تؤثر على استقرار البلد وأمنه، وهو ما يكفي لاعتباره خطأ في التعامل والسلوك السياسي.
الخطورة العميقة والجدية لهذا النمط من التعامل، هو أنه من الناحية السياسية عمل بالمعادلة الصفرية. والمعادلة الصفرية هي محاولة التحطيم الكلي للخصم، وطرحه من الساحة، وإنهاء وجوده، أو القضاء على كل طاقة له للنهوض، والعودة إلى صراع جدي مستقبلاً.
هناك العديد من الكتاب والسياسيين والمراقبين، المصريين وغير المصريين، الذين يقرؤون أحداث البلاد ورؤيتها العلمانية، ويرون أن وجود تفكير كهذا لا ينسجم مع ألفباء الديمقراطية، وأي حديث عن الديمقراطية في ظل هذه الظروف ليس إلا شعاراً سياسياً هزلياً عديم المعنى، فهذا النمط مجرَّب، في بعض دول المنطقة، ومنها تركيا.
لقد رفضَ نمط العلمانية والديمقراطية في تركيا الهويتين الإسلامية والكوردية في البلاد لسنوات عدة، أي أنه كان نمطاً بعيداً عن الإسلام والكورد. وفي ظروف كهذه تضيق دائرة الفكر والتسامح إلى مستوى خطير، حيث تُطرح العديد من الهويات والقوى والتجمعات والمكونات السياسية والقومية والدينية والمعرفية خارج اعتراف شرعية الدولة، والنخبة الحاكمة، ويضيق معنى التعددية إلى مستوى قومية معينة، وتيار معين، كما حصل في النموذج التركي، أي أن على النظام أن ينتج نفسه باستمرار، وتتحول التعددية إلى تبديل المناصب والنفوذ بين مكونات اللون الواحد، وأعضاء التيار السياسي والأيديولوجي المعين، حيث من الطبيعي أن يقوم النظام في هذا الإطار، وهذه الحالة، على نفي الآخر، والآخرين، إن وجودوا. إذ عندما يكون هناك حق وجود لقوة معينة، ويكون لها شرعية المنافسة السياسية، فإنه يجب عليها أن تؤمن بحق المنافسة والمنافسة العادلة للقوى والتيارات والهويات الأخرى، والتي قد لا تملك – في بعض الأحيان-وجوداً، أو ظهوراً، أو تعبيراً عن الذات.
بالطبع، قد يحدث في بعض الأزمنة والأماكن والحالات، أن يتطلب الأمر، ولضرورة حماية الديمقراطية، وحفظ المجتمع من الكوارث والحروب والدمار، أن يتم اللجوء إلى حظر بعض الأحزاب والتيارات، كما في مثال حظر النازية والفاشية، وأمثالهما، ولكن اذا كانت الفاشية والنازية مقياساً، حيث تقوم أهم عناصرهما على التطرف القومي والشعبوي، لكان من الواجب حظر الكمالية، كأيديولوجيا، في النموذج التركي، وليس الهوية الكوردية والإسلامية، كما كان الحال.
فما من منطق، سوى ضيق الأفق القومي والأيديولوجي، يقبل القول بأن الهويتين الكوردية والإسلامية هما العائق أمام تنمية المجتمع تجاه الدمقرطة. بل على العكس، فإن حظر الهويتين وقمعهما، على امتداد عقود طويلة، كان مؤشراً خطيراً على محدودية التجربة الديمقراطية التركية، وسطحيتها. وكل انفتاح تجاه هاتين الهويتين، هو انفتاح أفق جديد أمام الديمقراطية والتعددية الحقيقية. وهذا ما أثبته الواقع، إذ لم تبدأ الإصلاحات الديمقراطية في تركيا، إلا عندما تراخت الضغوط على هاتين الهويتين، بل إن القوى السياسية ذات الميول الإسلامية، والقوى الممثلة للهوية والإرادة الكورديتين، تعتبران اليوم القوى الأساسية والأصيلة، التي تأخذ على عاتقها التوجه نحو ديمقراطية أكثر تكاملاً.
إن قراءة النموذج التركي، ذو أهمية كبرى لواقع مصر، والمنطقة بأسرها، إذ يمكن بها توفير الوقت والطاقات والعرق والدماء التي قد تهدر من شعوب المنطقة، فما يحصل في مصر، وفي مستوى أدنى في بعض دول المنطقة الأخرى، هو محاولة لتكرار التجربة الكمالية، في سياق زمني وسياسي دولي وعالمي مختلف.. إذا كانت روح الكمالية، من الناحية السياسية، وفيما يتعلق بتكوين القومية والشعب وإدارة السلطة، قد تأسست على قمع الآخر، فإن ما يراد تكراره في مصر اليوم، على مستوى الهوية الأيديولوجية والسياسية، هو ذات التجربة، إذ أن هناك تحالفاً شبه علني بين المؤسسة العسكرية والقوى العلمانية في البلاد. إن العودة إلى النموذج الكمالي، في سياق زمني ودولي مختلف، لن ينتج عنه سوى إطالة الطريق، وتعقيده، وزرعه بالمصاعب والآلام.
وهنا أحد ميادين اختبار القوى المختلفة، حيث تختبر مصداقيتها، ويظهر مدى بعض القوى التي تدعي الليبرالية والديمقراطية بقيم الليبرالية والديمقراطية. بل إن هذه هي المحطة التاريخية، والإطار الفكري والتنظيمي والسياسي، حيث تقف العلمانيةُ في الخندق المقابل لليبرالية والديمقراطية، وتواجه قيمهما، ويضيق وعاؤها الفكري والسياسي بحيث لا يمكنها استيعاب أطياف واسعة من المجتمع، لأنها تصل إلى حالة تبحث فيها عن الهيمنة، والتعالي، ونفي الآخر، وتصفيته فكرياً وأيديولوجياً، وهي حالة تفقد فيها الإيمان بالشراكة مع الآخر الفكري والسياسي. ومن هنا تصبح قوةً قمعية خطيرة، ومصدراً لشرعية مشوهة لسلطة مجيرة لصالح التمييز، والقمع، والاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. مشكلة هذا النمط هي أن روح الوصاية فيه حاضرة بقوة، وهو يبغي ويحاول توجيه الظروف حسب مشيئته، ولا يدع دوراَ للآخرين سوى في توجيه برقيات التهنئة، والانقياد الأعمى، والدعم والتبجيل غير المشروط! لأن من أهم ثمار روح الوصاية تلك، والتي تشكل خاصية استعمارية بالأصل، وتنطوي على النظرة الدونية للآخرين، هو عدم الاستعداد لتقاسم السلطة المعرفية والتفسيرية والتعريفية مع التيار المقابل، والذي هو هنا، في التجربة المصرية، وفي العالم الإسلامي، يتمثل في التيار الإسلامي. 
إن النمط العلماني المتعصب، والمجرد من الديمقراطية، ليس مستعداً لسماع فهم الآخرين لمفاهيم الدولة والسياسة والديمقراطية والدستور والحرية، وما شابهها من مفاهيم، إلا قليلاً، وذلك لأنه يرى أن تفسير تلك المفاهيم، وتحديد مضامينها، وانعكاساتها، يدخل ضمن حقوقه وسلطاته الحصرية، ولا يحق الآخرين المشاركة في ذلك! ويرى أن غيره أساساً ليسوا في المستوى والقدرة اللتين تؤهلانهم لمثل هذه المشاركة، من حيث المرجعية الفكرية والدينية والحضارية. بل إن بعض الأجنحة الأشد تطرفا، ترى أن الإسلاميين هم الأعداء الحقيقيون لتلك المفاهيم، وبالتالي فإنه ليس فقط لا يجب الاستماع لهم وإشراكهم، بل يجب اتباع سياسة الإسكات والإبادة حيالهم!
إن أحد أهداف القوى العلمانية المصرية، في اللجوء إلى المؤسسة العسكرية، لعزل (مرسي)، وحجز قادة التيار الإسلامي، وغلق قنواته، وإسكات إعلامه، وقتل المئات، وجرح الآلاف، واعتقال آلاف آخرين من أتباعه ومؤيديه، هو إخافة ذلك التيار، ومحاولة طرده من المجتمع، وقمعه بشكل لا يتمكن من النهوض لعشرات السنين القادمة! بحيث يبيدوه، ويمنعوا حركاته ونشاطاته إن استطاعوا، وإن فشل هذا الخيار لجؤوا إلى الخيار الآخر، وهو التعامل معهم على أساس منطق التصدق عليهم في ظل نمط مشوه من الديمقراطية المشروطة، على أن يكون حضورهم في ميدان يحددون، وبالمقدار الذي يقدرونه لهم.
*** ***
ما يثير الاستغراب هو أن قسماً من القوى المصرية، التي تدعي الليبرالية، هي التي تقوم بهذا العمل، وهم في الحقيقة بعيدون كل البعد عن قيم الليبرالية، وأكثر آلياتهم التي يتبعونها، هي التي كانت متبعة في المرحلة غير الليبرالية التي سبقت الثورة، وهي من مخلفات عهد مبارك. وربما يكون هذا الفهم والتعامل السياسي، والذي كان سائدا في ماضي المنطقة، من العوامل المهمة في تشويه محتوى مفهوم مهم كالليبرالية، بل وحتى الديمقراطية، التي بدت في السنوات الأخيرة، وما قبلها، مظهرا وآلية لليبرالية السياسية، وحظيت باستعمال وقبول واسع على المستوى الشعبـي.
 هذه الخيانة تجاه قيم الليبرالية، من قبل القوى العلمانية المصرية، أو على الأقل فيما يخص تعاملها مع الانقلاب العسكري، وما تبعه، نابعة من العديد من العوامل المختلفة، منها: الخلفية الأيديولوجية اليسارية والقومية المتطرفة والقديمة لتلك القوى، فبعضها متأثرة بالأيديولوجيا الماركسية والقومية العربية، بل بنمط منها، وهي الناصرية، وهاتان الأيديولوجيتان، من الناحية التاريخية، تريان جزءاً مهما من شرعيتهما في الانقلاب على التجارب الليبرالية الجزئية، التي شهدتها مصر والعراق وليبيا ودول أخرى في المنطقة، لذا لا يمكن لها أن تكون حاملاً وفياً وموثوقاً فيه لقيم الليبرالية والديمقراطية.
مشاركة هذه القوى في الانقلاب على تجربة ديمقراطية جديدة، أو - بكلام أدق – دعوة القوات المسلحة للانقلاب على صناديق الاقتراع، هي استمرار لنهجها المقيت عينه، ولكن بصورة أخرى، وفي ثوب مباين! فالانقلاب جرى باسم الديمقراطية، والليبرالية، وليس الاشتراكية، والقومية، كما كان الحال في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في كل من مصر وليبيا والعراق.. وهذا ما عقَّد المشهد، وخلط الأوراق بصورة خطيرة وسيئة.
قد يكون هذا النوع من التعامل، في حد ذاته، مؤشراً على محاولة القومية العربية لاستعادة ما خسرته من خنادق، نتيجة هزائمها المتوالية في كافة الأصعدة. إن إثارة مسألة العدالة الاجتماعية في قضية تعديل الدستور، من قبل بعض القوى اليسارية، تشير بشكل من الأشكال إلى إعادة حضور الاشتراكية في ثوب شعاراتي. المشكلة ليست في وجود هذا السر، وحضوره في الساحة السياسية، بل المشكلة في تعامل القوميين مع أسس الديمقراطية، وقيمها، وتضخيم دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وفي محاولتهم لتقسيم المجتمع إلى معسكرين متحاربين، وشيطنة تيار سياسسي واجتماعي كبير، ومحاولة طرحه خارج الساحة، وهو التيار الذي كان قد حصل على الأغلبية في أكثر من انتخاب، وكسب ثقة أغلبية الناخبين.
كما أنه في التعامل مع ذلك التيار بروحية البلاشفة، وكأن الإسلاميين هم مناشفة بلادهم، وأنهم ارتكبوا الخيانة، ويستحقون العقوبة.
إن سلوك العلمانيين في مصر مع المؤسسة العسكرية، بصورة عامة، ودور تلك المؤسسة، ومكانتها في الحياة السياسية، يخالف مبادئ الليبرالية، وقيم الديمقراطية.
إن الدولة في ظل الليبرالية والديمقراطية، يجب أن تكون قبل كل شيء مؤسسة محايدة، ومركزاً ينتمي إليه الكل، ويحتضن الهويات المختلفة للمجتمع. إن حياد الدولة، الذي هو جوهر العلمانية المعتدلة، هو ذلك النموذج الذي يمكنه التعايش مع الديمقراطية، ويحتاج إلى العديد من الضمانات والإجراءات، بعضها يتعلق بدور القوات المسلحة، ومركزها، وعلاقاتها في الحياة السياسية.
لكي تكون السلطة حيادية، يجب أن تكون القوات المسلحة وطنية، ويكونَ ولاؤها للوطن والدولة فقط، وتتجرد من الولاءات الحزبية والأيديولوجية والدينية والمذهبية والقومية، في البلاد ذات الأديان والمذاهب والقوميات المختلفة. إن دور القوات المسلحة، وعلاقتها بالسلطة المدنية، يجب أن يتجسد في عدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية، وفي أن لا تتجاوز وظيفتها وواجبها في الدفاع عن الحدود من الاعتداء الخارجي، إلى وظائف وأدوار أخرى.
إن فصل القوة العسكرية عن السلطة السياسية، كان -ولا يزال- يشكل أحد أهم مطالب القوى والتيارات المطالبة بالإصلاح السياسي، وبالتغيير لاحقاً، لأن تداخلهما يشكل مصدراً مهماً ومظهراً أساسياً للفساد السياسي. ولا تختلف المسألة ما إن كانت هيمنة السياسيين على الجيش، أم هيمنة القادة العسكريين على السياسة، إذ في ظل القائد التاريخي، والحزب القائد، وحكم العائلة، وتدهور المجتمع المدني، لا يبقى هناك ثمة فصل بين المؤسستين العسكرية والسياسية. وإن وجد فصل، فإنه يكون  تكتيكيا، واختصاصيا، وظاهريا، أكثر من كونه سياسياً ودستورياً ومؤسساتياً. فالسياسة، وكافة مؤسسات الدولة، ومتطلبات تجسدها وانعكاساتها، تتعرض -في ظل الاستبداد، وسيادة الظلم- إلى نوع من التشوه والسبات القاتل. وفي ظل ظروف كهذه، من الحكم الفردي والاستبدادي، يتحول الجيش، وجميع المؤسسات الأخرى، بل الدولة ذاتها، إلى مجرد وسيلة لفرض قرارات وإرادة القائد، والحزب، وأزلامهما. ومن هنا يتعرض مفهوم الدولة إلى الانقلاب، ولا يبقى من هذه المؤسسة السياسية غير الحدود الدولية، والمؤسسات البيروقراطية، والشكلية.
في حين أن الليبرالية السياسية والديمقراطية، في إطار الدولة الحديثة، محاولة لإنقاذ الدولة، وإعادة بنائها، بحيث تتسع لكل المواطنين، ويشعروا في ظلها بالحرية والمساواة، ولا تُهمَّش المجاميع المختلفة، ولا تتعرض للقمع والحرمان، ويتفرغ الجيش لحماية الحدود، ويترك السياسة للسياسيين، ويحترم قوانين التنافس السياسي، وتلك مدعاة لحماية الدولة من الزلزلة والانهيار.
إن مساهمة الجيش في انتصار السياسة في بلاده، هي مشاركته في السياسة، واحترامه للفصل الذي تتطلبه الدولة المعاصرة. وماعدا ذلك، فإن التدخل في الشؤون السياسية يتسبب في الارتباك واختلال الموازين، ويُدخل الدولة في حالة من الطوارئ، قد تكون غير معلنة رسمياً، وبهذا التدخل يكسر الجيش هيبته بنفسه، فهيبة الجيش -كما يقول أحد الكتاب- هي في حماية الوطن، وليس التدخل في المسائل السياسية، والحلول محل الشرطة والقوات الأمنية، أو التحول من مؤسسة مهمتها ضمان السلام، وحماية الحدود، وسيادة الدولة، إلى مصدر لأرهاب المواطنين. يقول (أحمد ماهر)، منسق حركة 6 ابريل في مصر: إنه يخشى من اعتباره إرهابياً، بسبب تحذيره من تقدم الجيش!
أن يواجه الجيش تياراً سياسياً معينا، أو جزءاً من الشعب، هي حالة الخطيرة في أية دولة، فالجيش يجب أن يكون جيش الكل، وينظرَ إلى الكل بنفس النظرة، بما فيها القوى المتنافسة في العملية السياسية. وعندما يتدخل الجيش في العملية السياسية، ويقوم بانقلابات عسكرية، يتحول إلى قوة منحازة، ويفقد كل خصائصه، وهنا يختلط مفهوما الحكومة والدولة، وانحياز الدولة، وبالتالي يتشوه مشروع الدولة والوطنية، والدولة -في ظل فقدانها الحياد- تتوجه إلى ضرب فئة من الناس، بدل ضم كل أبنائها، وكل التيارات، والقوى، والمكونات، والتجمعات، الموجودة على أرضها، ولكي تبرر تلك الخطوة، وتُعطي صورة مغايرة، ومعنى آخر، للتدخل العسكري، تقوم بتهميش المعارضين، والتشكيك في ولائهم للوطن والدولة والقومية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق