الجمعة، 11 يوليو، 2014

ميتافيزيقية الفيزيقي

عبدالكريم يحيى الزيباري
لم يكن (فوكو) أول الذين يزدرون الميتافيزيقا، سبقه (فولتير) و(هيوم) و(نيتشة) و(وليم جيمس) وغيرهم. فلأنَّ الجينالوجيا بحسب (فوكو) "لا تتغذى من الميتافيزيقا، بل تتغذى من التاريخ: عليها أنْ تُظهِرَ الجسم مطبوعاً كله بالتاريخ، والتاريخ يحيلُ الجسم إلى مجموعة آثار... غرض الحفريات ليس شرح الخِطاب أو تأويله، بل وصف ظروف ظهوره، وشروط عملهِ"(1)، لا ينفك (فوكو) عن محاولاته الانفلات من كلِّ ما قبله، وخاصةً الميتافيزيقا، لاعتقاده أنَّها تتنافى مع الصرامة العلمية التي ينتهجها، لكنَّ هروبه لا يتعدَّى مرحلة الظنون. وبحسب (هايدغر) "لا يحق لنا أنْ نظن على أساس تخمين انتهاء الميتافيزيقا، أننا نقيم خارجها، فالميتافيزيقا لا تنمحي عندما يتم تخطيها، إنَّها تعود من جديد، في شكل مغاير، وتبقى في موقع السيطرة، بصفتها الاختلاف الذي لا يزال ساري المفعول بين الكون والكائن"(2) . وباعتبار اليقظة طبيعة، والأحلام ما وراءها، فلماذا انهمك (فوكو) بتحليل كتاب (أرتيميدور): (مفتاح الأحلام)؟، وباعتبار الجسد طبيعة، والروح ماوراء، فلماذا انهمكَ بتحليل كتاب (جالينوس): (انفعالات الروح)؟ أول الفلاسفة الميتافيزيقيين (طاليس/ 650 قبل الميلاد) تساءل عن أصل الأشياء، وقال إنَّ الأصل واحد، والكل واحد، وأرجعَ أصل الأشياء إلى الماء. وكتبَ (بارمنيدس) قصيدته (في الطبيعة)، حيث يقول: الكل واحد، وينبذ المعرفة الحسية لصالح التأمل العقلي. كما وأنَّ المشكلة الميتافيزيقية تنشأ من تناقضات الخبرة اليومية والخبرة العلمية، كحوار (غاليلو) والصبي (أندريا):
(- لكني أرى بوضوح أنَّ الشمس في المساء تتوقف في مكانٍ غير مكانها في الصباح، فليس من الممكن أنَّها لا تتحرك. يضع غاليلو الحامل الحديدي وسط الغرفة: لنفرض هذا هو الشمس، أينَ الشمس عن يمين أم يسار؟ - على يسار. - وكيف تنتقل إلى اليمين؟ - إذا حركتها إلى اليمين طبعاً. – فقط في هذه الحالة. يرفع غاليلو الصبي مع الكرسي، يحركه نصف دورة: أين الشمس الآن؟ - على اليمين؟ - وهل تحركت؟ - لا طبعاً- ومن الذي تحرك؟ - أنا. – لا يا مغفَّل الكرسي، الكرسي هو الأرض، وأنت جالس فوقه)(3) . حواسنا تخدعنا، كما أخبرنا تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)النمل: 88. وكم مِن الأشياء تختلف حقيقتها عمَّا نحسبه ونظنه، حواسٌ خَدَّاعات، وعقولٌ تُصَدِّقُ الْكَاذِبَ، وَتُكَذِّبُ الصَّادِقَ، وَتأتمِنُ الْخَائِنَ، وَتُخَوِّنُ الْأَمِين، ونرى الخير شراً، والصادق كاذباً، كما في قصة الخضر وموسى عليهما السلام.

للميتافيزيقا نشأة ميتافيزيقية:
انتهى (أرسطو) من المنطق والسياسة والأخلاق وعلم الحيوان والموسيقى والمسرح والشعر والمحسوس والمرئي، انتقلَ إلى غير المحسوس واللامرئي والجوهر والعرض والزمان والنفس والروح.
حين أراد الرئيس الحادي عشر لمدرسة المشَّائين (أندرونيقوس الرودسي/ 60 قبل الميلاد) ترتيب كتب (أرسطو) زمنيَّاً، لم يكن يعلم أنَّهُ يضعُ اسماً لفرعٍ جديد من فروع الفلسفة، وجدَ أنَّ (أرسطو) بعدما انتهى من موضوع الطبيعة، كتبَ نصوصاً تركها بلا عنوان، احتارَ (أندرونيقوس) ماذا يسميها، فَسمَّاها بحسب تسلسها: ما بعد الطبيعة، وهو لم يقصد أبداً مواضيع هذه الأبحاث، وإنَّما جاءت التسمية عَرَضَاً، (أرسطو) سَمَّاها: الفلسفة الأولى، أو الحكمة. 
إذا كان (أرسطو) قد بدأ بالفيزيقي وانتهى بالميتافيزيقي، فإنَّ الفلسفة على العكس نشأت ميتافيزيقية، ثمَّ انتقلت إلى الفيزيقية، ولهذا كان تقدمها معكوساً، استناداً إلى مبدأ: اترك ما لا تطيقه، وهكذا (حققت الفلسفة تقدماً من نوع غير معتاد، لأنه لم يتمثل في إجابة الأسئلة، بل في طرح أسئلة أفضل، فحين بدأ فلاسفة اليونان القدماء يتساءلون: ممَ صُنِعَ العالم؟ وكيف جاء إلى الوجود؟ لم يَصِلوا إلى الإجابة الصحيحة، لكنهم اكتشفوا العقل، الذي من خلاله أثبتوا وجود نظام كامن خلف وقائع الحياة اليومية، غير مرئي للعين المجردة. لكن ما المقصود بنظام الطبيعة؟ فكان الجواب الطبيعي: إنَّ نظاماً للطبيعة نمَّ عن عقل تنظيمي، وهو الله)(4).
الإنسان يغرق في الميتافيزيقية حال سؤالهِ: مَنْ أنا؟ لماذا أنا هنا؟ لماذا أنا بهذه الصورة؟ أينَ سأذهب بعد الموت؟ وكذلك (سقراط) بدأ فلسفته بالميتافيزيقي، وظلَّ حذراً خائفاً الاقتراب من الميتافيزيقا. وعن ردَّة فعله عند اقترابه يقول: (ما كنتُ أبلغ هذه النقطة، حتى أحيد عنها بأقصى سرعة، خشية الضياع والسقوط في هاوية من الترَّهات). يجيبه (بارمنيدس): (ذلك لأنَّكَ لا زلت صغيراً يا سقراط، ولأنَّ الفلسفة لم تستولِ عليك بعد بالقوة التي أحسبُ أنَّها سوف تستولي يوماً، وحينئذٍ لن تشعر في نفسك احتقاراً لشيء)(5).
والتقسيم الشائع للإنتاج الفكري لـ(فوكو): (مرحلة نظرية، هي مرحلة اللغة والخِطاب، ومرحلة عمليَّة، هي مرحلة السلطة والمؤسسات(6)، أي مرحلة ميتافيزيقية سبقت الفيزيقية.

ميتافيزيقا الخطاب الأوديبي
حين يبحث (فوكو) علوم: الطب العقلي، والاقتصاد السياسي، والتاريخ الطبيعي، يبحثها كأشكال يحاول تجريدها مِن الذوات، وَمِن كل ما علقَ بها، ويتظاهر كما لو أنَّه قد اكتشفَ ميداناً جديداً للعلم، واستدلَّ على قياسات ومفاهيم لم يُسبق لها، وليس بالإمكان تجاهلها. حين يدعم الجينالوجيا كمنهج لفك عقد حبائل الميتافيزيقا الممتدة، والتي غَيَّبَت العقل احتفاءً بنزعة الأنسنة في عصر النهضة، يتظاهر بحكمةٍ أكبر، اكتسبها من خبرته وجديته وإخلاصهِ لمشروعه الفلسفي- وهو يرفض نسبته إلى الفلسفة خوفاً على صرامة بحثهِ وعلميته-. كما وأنَّ العصر الكلاسيكي، عصر العقل، لم يستطع الإفلات من قبضة الميتافيزيقا، رغم ظهور علوم اللغة، وتطور علوم الطبيعة، حيث اعتُبِرَ الجنون لا عقلاً، نفياً، إقصاءً، وتهميشاً، وسجناً، وتعذيباً. لم يعد في المجتمع الكلاسيكي مكان لصوت المجنون المُقدَّس، بعدما كان صوته يُعبِّر عن إرادة السماء، أو الشياطين التي اتخذته مأوىً، لهذا يستحق الضرب بالنعل. في رواية (لوقا): "لأَنَّ شَياطينَ كثيرينَ دَخَلوا فيه...وكانَ هُناكَ قَطيعٌ كبيرٌ منَ الخَنازيرِ، يَرْعى في الجَبل، فابْتهلوا إِليهِ أَنْ يَأذَنَ لهم بالدُّخولِ في الخنازير، فأَذِنَ لهم. فخَرجَت الشَّياطينُ منَ الرَّجُلِ، ودَخلوا في الخَنازير. فَتَواثَبَ القطيعُ عَنِ الجُرْفِ الى البُحْيرةِ، فاختَنَق". هذا الأثر المقدَّس سيتمركز في العقل الطبِّي طيلة قرون كغذاء ميتافيزيقي. ولأنَّ الجينالوجيا بحسب (فوكو) "لا تتغذى من الميتافيزيقا، بل تتغذى من التاريخ: عليها أنْ تُظهِرَ الجسم مطبوعاً كله بالتاريخ، والتاريخ يحيلُ الجسم إلى مجموعة آثار"(7). لكن التاريخ في جزئه الجوهري ميتافيزيقي، غير قابل للفهم، والزعم بتجاوز الميتافيزيقا هو السبب الرئيس العائق لتقدم العلوم الإنسانية لمواكبة تقدم العلوم الطبيعية. 
كيف نستغني عن الميتافيزيقا، ما دام الجسم ليس إلا ثوباً بالياً للروح الملوثة بنزعة نرسيسية تمنعها الوقوف على النتائج المدمرة للأثر الأوديبي؟ وقد اعترفَ (هايدغر) بعدم استغنائه عن الميتافيزيقا، حتى في محاولاته نقضها: "فكل نطق بنقض الميتافيزيقا هو أصلا جزء منها، ومن هيئتها، ومنطقها الأساس"(8)، لأنَّها تتساءل حول الموجود، وتتجاهل الوجود ذاته؟
في لاوعي الإنسان تغلي التنبؤات، تختلط، يطفو أحدها على سطحِ الوعي بصورة أملٍ كاذب، أو تحذير زائف، يدفعه إلى تجنب أو إيقاع الضرر، ويتحدد سلوكه بحسب ثقافتهِ وعزمهِ. وحينَ تنبأ (وليم ليلي) بالطاعون الذي اجتاحَ لندن 1665، والحريق الذي دمرها 1666، تشكَّلت لجنة برلمانية للتحقيق معه، خشية أنْ تكون نبوءته بالحريق قد دفعت بعض المهووسين إلى تحقيقها، وما يسميه (كارل بوبر) بالأثر الأوديبي (سواء ساعد على وقوع الحدث، أو منع حدوثه). بينما يفرق (أرنست ناجل) بين التنبؤ القاتل لنفسهِ، والتنبؤ المُحقِّق لنفسهِ.. فمثلاً تنبَّأ الاقتصاديون بحالة ركود في الأعمال التجارية خلال 1947، وبناءً على هذا التحذير العلمي، خفَّضَ رجال الأعمال أسعار عدد من المنتجات الاستراتيجية، فزاد الطلب عليها، ومن ثم لم تحدث حالة الركود المتنبَّأ بها.. بنك الولايات المتحدة لم يكن في ضائقة- لكن زبائنه- حسبوا أنَّه قد يفلس سريعاً، فسحبوا ودائعهم، فأفلسَ البنك)(9). نصف التنبؤات يتأكَّد بابتكار أسئلة جديدة، ليظلَّ النصف الآخر- المتمثِّل في محاولات الإجابة المتكررة- ضمن دائرة الاحتمالات وآفاق الممكن، والتي لا يتحقَّق شيءٌ منها إلا نادراً. بالمقابل، غير المتوقَّع دائم الحدوث. حقل الاحتمالات غير المتحققة، التي ينتجها الخطاب، هي دائرة الأحلام، كما عند (بورخس) في قصة (المعجزة السرية): (جارومير هلاديك) يعتقله الجستابو، يحكمون عليه بالموت، (جارومير) يتخيَّل ميتات لا نهائية، (ثمَّ فكَّر بعد ذلك في أنَّ الواقع لا يتطابق عادةً مع التوقعات المسبقة، واستنتجَ بمنطقٍ خبيث: إنَّ توقع تفصيل من أحد الحوادث، هو منع لحدوثه). (جارومير) بتخيلاته يُشَكِّل لنفسهِ خِطاباً مُضاداً لِخِطاب السلطة، حيث أنَّ الحكم بالموت هو أقوى ضروب الخِطاب التي قد تلجأ إليه السلطة، و(جارومير) لا يملكُ غير كوابيس رجلٍ محكوم بالإعدام. وهي دائرة تحقيق الذات الفنتازية عند (غونترغراس)، في (الطبل الصفيح)، في اللحظة التي يقوم بها أحد ضيوف الحفلة، التي تقيمها عائلة البطل (أوسكار ماتسرات)، وهو يرتدي الزي العسكري، بتحديد طولهِ، وتوقع طوله في السنة المقبلة، والتي تليها، حتى يصير بطولهِ. في تلك اللحظة من يوم 12/9/1927، يقرر (ماتسرات)، وهو في الثالثة من عمرهِ، أنْ يتوقف عن النمو، فيقفز من درج القبو على رأسهِ، ويتوقف نموه، ونومه، ويكتسب خاصيَّة أنَّهُ إذا تعرض لضغط -كأنْ يحاول أحدهم أخذَ طبلتهِ- يصرخ بصوتهِ، يحطِّمُ زجاج النوافذ، أو الساعات، أو الكؤوس الزجاجية، وهي رمز للخطاب المقاوم للسلطة. كذلك (هولدن كولفيلد)، بطل (الحارس في حقل الشوفان)، لا يريد أنْ يكبر، لئلا يصير شخصاً زائفاً، كجميع البالغين الذين يعرفهم، أو يصبحَ قطعةً في متحف، ولا يريد للأطفال أن يكبروا أيضاً، يريد حمايتهم من حالة فقدان البراءة التي يعانيها الآخرون.
ولولا ردُّ (أبي تمام) لما أدركنا مكانة التنجيم في عصر (المعتصم بن هارون الرشيد)، رغم تشديد التحريم في الإسلام: ((مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ))، وعقوبات العلماء، وحرقهم فيما لو بحثوا فيها.
وعن البنية الداخلية للميتافيزيقا الحديثة، يقول (هايدغر): "أساس هذه البنية هو الأنطولوجيا، وقمته هي الثيولوجيا"(10)، لكن هذه البنية المنحصرة بين علم الوجود واللاهوت، أو علم الكلام، هي عينها بنية الميتافيزيقا القديمة أيضاً. وحين أدركَ (كانط) أنَّ العقل البشري لا يمكنه الانفكاك عن الميتافيزيقي، حاول استعادة الميتافيزيقا في (مقدمة لكلِّ ميتافيزيقا مقبلة، يُمكن أنْ تصير علماً)، ولسان حال (هيوم) يقول: "الرياضة البحتة تتألف من القضايا التحليلية فقط، أما الميتافيزيقا فتتألف من القضايا القبلية وحدها". ويتساءل (كانط) عن "التصورات التي تنتمي إلى الميتافيزيقا كالجوهر، فإنَّ الأحكام التي تنتج عن تحليلها تنتمي إلى الميتافيزيقا أيضاً"(11)، ويعتبر (كانط) قضية "كلُّ ما هو جوهر في الأشياء: ثابت"، قضية ميتافيزيقية بالمعنى الحقيقي.

العلم الأول ميتافيزيقي
الخطاب الفلسفي ميتافيزيقي، أو ترانسندنتالي، أي ليس من نوع: حين يفقدُ الإنسان كميَّة كبيرة من الدم، يجري تعويضه من خلال الوريد، لا من خلال الفَم، لأنَّ شرب الدَّم ضارٌ جداً. عودة إلى القرآن الذي يُحرِّم شرب الدَّم، وسفر التثنية يبرِّر التحريم: (احترز لا تأكل الدم، لأن الدم هو النفس). والأمثلة من هذا النوع كثيرة، مع المحافظة على خصوصية كل حالة، والحذر الشديد من مخاطر التعميم، الذي أودى بالنظريات الميتافيزيقية، كما أودى بالمنطق، إلى مغالطات مضحكة، من نوع: (استناداً إلى رسم بياني، يُوَضِّح أن درجة حرارة الأرض ترتفع على مدار القرن العشرين، وبنفس الوتيرة ينخفض عدد القراصنة، إذاً: القراصنة يحفظون برودة المناخ، والاحتباس الحراري ما هو إلا خدعة).
في محاولة لاختصار الطريق بين الفيزيقي والميتافيزيقي، المُتربِّص بالبحث العلمي، الذي بمقدوره تناول معدة الإنسان كعضو بيولوجي منفرد، لكنَّ البحث يظلُّ ناقصاً، ما لم ينظر إلى المعدة كجزء من جهاز هضمي متكامل، وللجهاز الهضمي علاقة بالانفعالات النفسيَّة، وبوظيفة القلب وحركة الدم، وفي كلِّ بحثٍ -هكذا دواليك- نجد أنفسنا ننتهي إلى عوالم ميتافيزيقية، تؤكِّد الانسجام الذي يمتاز به الكون، والتقاء الأشياء المختلفة والمتباعدة يؤيد التكامل الذي يمتازُ بهِ الكون. أمَّا ما يقوم به الإنسان من تمييز بين أشياء متَّحِدَة بطبيعتها، من خلال تسميتها بأسماء تخدم توجهاته القائمة بلا أساس علمي. وللآية 31 من (سورة البقرة) أسرارٌ عظيمة: (وعلّم آدم الأسماءَ كلها ثم عرضَهُم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علمَ لنا إلا ما علّمتنا إنّك أنت العليمُ الحكيم).
كمعرفة أمبيرية مرتبطة بالتجربة، يتكون ببطء، خطوة فخطوة، وفجأةً ينفد الوقت، والعلم في بدايتهِ لا زال، يضطرُّ الإنسان أنْ يبحث عن ميتافيزيقا تختار له الجِّهة التي سيتَّخِذها هدفاً، وتنقذه من الحيرة والضياع، لكن أليس في هذا التعريف خلطٌ بين الأيديولوجيا والميتافيزيقا؟ حالما يعتقد الإنسان علمهُ بشيء، يتحوَّل علمه إلى قاعدة سلوك، تدفعه لأنْ يَتَّخِذَ اتِّجاهاً مُحدَّداً، والكارثة تبدأ حين يختار الإنسان لنفسهِ أيديولوجيا فاشيَّة، تقوم على إلغاء الآخر المختلف، كما حَذَّر (فوكو): "الخصم الاستراتيجي هو الفاشية.. الفاشية بداخلنا جميعا، الفاشية في رؤوسنا، وفي سلوكنا اليومي، الفاشية التي تدفعنا إلى حب السلطة، وإلى تمني امتلاك كل شيء يسيطر علينا ويستغلنا"(12).
يقول (غاسيت): "التوجُّه ليس علماً، بل العلم على العكس توجُّه. لنعد إلى تعريف الميتافيزيقا: إنَّها ما يقوم بهِ الإنسان، حينما يبحث عن توجه أساس في موقفه"(13). العبارة الأولى ملتبسة، وتقع تحت طائلة مبدأ عدم التناقض: (أ) ليس (ب)، بل (ب) هو(أ). لكن التوجه الأول غير علمي، التوجه الثاني توجُّه علمي. الأول: عقل فارغ يبحث عن فكرة، إنسان ساكن يريد أنْ يتحرَّك، يبحث عن توجه، لكن التوجه ليس علماً، فـ(عطيل) لم يتوجَّه إلى قتل (ديدمونة)، إلا بعدما عَلِمَ من (ياغو) أنَّ (ديدمونة) خائنة. و(هاملت) يتوجَّه للانتقام من عمِّهِ ووالدتهِ، بعدَما عَلِمَ باشتراكهما في قتلِ أبيهِ. توجُّه (عطيل) السريع الغاضب، في لحظة نهاية المسرحية، لا يشبه توجُّه (هاملت) البطيء، الذي استغرق المسرحية كلها، فعند معرفة الحقيقة تكون نهاية التراجيديا: (أوديب) الذي حينَ تواصلَ علمه بالحقيقة انتهى ضريراً شريداً، و(أنتيغون/ سوفوكليس) التي علَّمت البشرية أين ينتهي حق الملك ليبدأ حق الشعب، التي ترفض أمرَ الملك القائل بعدم دفن الموتى لأنَّهم خونة، وحين يأمر بقتلها، تجيبه: "ليست هذه هي القوانين التي سنتها الآلهة للناس، ولم أعتقد أنَّ أوامر الحظر التي تصدرها أنت، هي من القوة، بحيث تسمح لكائن فانٍ، بأنْ يتخطَّى قوانين أخرى، غير مكتوبة، لا تتزعزع، قوانين سنتها الآلهة.. إنَّ الموت ليس مؤلماً في نظري"(14)، وهو كجواب سحرة فرعون بعدما أمرَ بقتلهم: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)طه: 72. وليس ثَمَّة اختبار أقوى من مواجهة الموت بدون تردد. وفي الإصحاح 22 من (إنجيل لوقا)، حيث اللحظات الأخيرة من حياة المسيح عليه السلام: (43: وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. 44 وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ. 45 ثُمَّ قَامَ مِنَ الصَّلاَةِ وَجَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ، فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا مِنَ الْحُزْنِ. 46 فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا أَنْتُمْ نِيَامٌ؟ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ)، العبد مهما كانَ رسولاً، أو نبيَّاً، أو صالحاً، يظلُّ بأمسِّ الحاجة إلى معونة السَّماء والملائكة، لكن ما حاجةُ الإله إلى ملاكٍ يُقوِّيه؟ هذا السؤال قفزهُ (باسكال)، ونوَّهَ إليه بصورة غير مباشرة في كتابهِ (أسرار المسيح)، خوفاً من محاكم التفتيش. 
إذا انطفأ النور، وأظلمت الغرفة، وأراد أحدهم الخروج، سيعود إلى علمهِ بالباب، ويتَّجِهُ إليه، أما إذا كانت الغرفة كبيرة، ومزدحمة، ولم تسعفه ذاكرته بالجهة التي يوجد فيها باب الغرفة، سيتخبَّط في اتِّجاهات كثيرة، قبل أنْ يصلَ إلى الباب. لكن هذا العلم المكتسب ذاتياً نادر في سلوكنا الاجتماعي، أما البقية فمردها إلى "جملة القناعات التي تمتلكونها، وهي ما يجعلكم تشعرون بأنفسكم موجهين، وليس ضائعين.. يعني أنكم تلقيتموها من المحيط الاجتماعي.. أنتم تستعملونها، ولكنها ليست قناعتكم"(15). 
-----
الهوامش:
1- جان فرانسوا دورتيي، فلسفات عصرنا، ترجمة: إبراهيم صحراوي، منشورات الاختلاف،2009، بيروت، ص136.
2- هايدغر، كتابات أساسية، ترجمة: إسماعيل المصدق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003، ج2، ص113.
3- برشت، حياة جالليو، ترجمة: عبدالرحمن بدوي، سلسلة المسرح العالمي، سبتمبر 2009، الكويت، ص136.
4- هكتور هوتون، متعة الفلسفة، ترجمة: يعقوب يوسف، ط1، بيت الحكمة، بغداد، 2002، ص281.
5- أفلاطون، محاورة بارمنيدس، ترجمة: حبيب الشاروني، المشروع القومي للترجمة، 2002، القاهرة، ص18.
6- د. الزواوي بغورة، مفهوم الخطاب في فلسفة فوكو، المجلس الأعلى للثقافة، 2000، القاهرة، ص217.
7- جان دورتيي- فلسفات عصرنا، ترجمة: إبراهيم صحراوي، منشورات الاختلاف، 2009، بيروت، ص136.
8- عمر التاور، الميتافيزيقا بين هيدغر ودريدا، مجلة الرافد، 191، تموز 2013.
9- د. صلاح قلنصوة، الموضوعية في العلوم الإنسانية، دار التنوير، 2007، بيروت، ص54.
10- هايدغر، السؤال عن الشيء، ترجمة: د. إسماعيل المصدق، المنظمة العربية للترجمة، 2012، ص162.
11- كانط، مقدمة لكلِّ ميتافيزيقا مقبلة يُمكن أنْ تصير علماً، ترجمة: د نازلي إسماعيل، دار الكتاب العربي، 1968، القاهرة، ص63.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق