الخميس، 10 يوليو، 2014

(آخر الكلام) المؤسساتية تصنع الحضارة

محمد واني 
التطور الحاصل عند المجتمعات المتقدمة لم يأت عن فراغ، بل جاء من خلال الجهد المنظم والتفاني والعزم والإصرار والإخلاص والعمل الدؤوب وإنكار الذات وغيرها من الصفات والمفاهيم الحضارية السامية، التي لم نجربها، ولم نعمل بها، كحالة مجتمعية مؤسساتية منظمة، ربما جربناها كحالات فردية، أو جماعية ضيقة غير منظمة، ولكن من المستحيل أن يحدث تقدم، ما لم تتحول هذه المفاهيم من حالة شخصية، إلى حالة مجتمعية منظمة ومؤسسة ..
لم تتقدم (اليابان) مثلا، إلا عندما استثمرت جهدها وحماسها الشديد إلى التحديث، وجعلته حالة مشاعة في المجتمع، وضمن أطر مؤسساتية، وتحت شعار"دع آسيا، وادخل أوروبا"، الذي رفعه أحد مفكريها العظام، الذين أسهموا في صنع اليابان الحديث، وهو (يوكيتشي فوكوزاوا 1835 ــ 1901). وفعلا انطلقت بكل ثقلها إلى الغرب لتنهل منه التطور، وبدأته بالتعليم، وراحت تغير من مناهجه، وتدخل نظام التعليم الأمريكي إلى مناهجها التعليمية، وبمرور الوقت أصبحت من أرقى الدول العالم تعليميا.. وإن كنا قد اخترنا (اليابان)، كنموذج للدولة التي استطاعت تطويع العلوم الغربية لصالحها، والاستفادة منها، وتطويرها، فلكونها فعلت كل ذلك من دون أن تتخلى عن عاداتها وتقاليدها الدينية والاجتماعية. ورغم وصول اليابانيين إلى أرقى درجات العلوم والرقي الحضاري، فإنهم مازالوا يواظبون على ممارسة طقوسهم الدينية بصورة متواصلة، وبشكل يومي، دون انقطاع: الأكل والمطابخ لها عبادة، ولها إله يجب أن تقدم له فروض الطاعة. والسفر له "إله"، أو "آلهة"، وتسمى "ناريتا". ومن يبحث عن السلامة والأمن أثناء السفر، عليه أن يردد صلوات أمامها، ومن يريد أن يحضر امتحانات القبول في الجامعات من الطلبة، عليه أن يزور معابد "تانمانغو" طلبا للنجاح. وهكذا توجد لكل شيء إله أو آلهة يجب أن تعبد، حتى وصل عددها إلى ثمانية ملايين آلهة!! وبحسب الكاتب الياباني (أكيراتاتكا) فإن ما يقارب الثمانين بالمئة من اليابانيين يمارسون الطقوس الدينية.. ورغم وجود كل هذه الآلهة فإننا لم نر اليابانيين يختلفون عليها، أو يتقاتلون من أجلها، أو بسببها، كما نحن نختلف على إله واحد، ونتحارب بسببه !! .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق