الجمعة، 11 يوليو، 2014

وباء المازوخية السياسية

جاسم محمد حسن
المازوخية أو الماسوشية مصطلح يطلق في الأساس على مرض أو انحراف نفسي واضطراب جنسي، وتعني بإيجاز الخضوع والتلذذ بالإهانة والاضطهاد، وعدم الحصول على المتعة الجنسية كاملة، بغير أن يصاحبها التعذيب النفسي والجسدي من الطرف الآخر، وفي بعض الحالات المرضية لا يستمتع الماسوشي إلا بعد درجة بالغة من الألم قد تسبب الوفاة، وينسب هذا المرض إلى الكاتب الروائي النمساوي (ليبولد فون زاخر مازوخ) (Leopold von Sacher Masoch)، الذي كان هو نفسه يعاني منه، وقد جسّده في كثير من رواياته، لاسيما أشهرها، وهي (فينوس في معطف الفرو)، فقد كان يمنح شخصياته استعذاب القهر والتعذيب.
لكنّ المرض هذا يتعدّى مجال الانحراف الفردي، ويتجاوزه كثيراً، ليصل إلى ما يسمّى بالمازوخية العامة، التي تعرف عند علماء السايكلوجيا بالسلوك الهادم للذات، وهو أن يجد البعض المتعة القوية في قهر الآخرين له،، وإذلاله، وإيقاع أشدّ أنواع الإيلام به. وهنا أشرك القارئ الكريم في استذكار قصة ذلك الثري والوجيه المصري، الذي عاش في القرن العاشر قبل الميلاد (أخناتون)، والذي استولى فرعون مصر (أمفسيس) على كل ثرواته وأملاكه، و أجبره على أن يتنازل عن زوجاته وجواريه وعبيده، ولم يكتف بذلك بل أقدم على قطع أطرافه من خلاف (يديه وقدميه) وجدع أنفه. وإذا لم تسمع بالقصة، فماذا تظن أنْ يحمل (أخناتون) من مشاعر تجاه (أمفسيس)؟ لا أشك أنّك ستقول: هي مشاعر الحقد الدفين والغضب الشديد بأعلى درجاته، لكن حقيقة الأمر ستصدمك كما صدمتني، إذ ينقل طبيب فرعون (سنوحي) بدهشة: أنّ فرعون لما مات رأيت (أخناتون) يبكي بكاء الثكلى، وقد علا بكاءه بكاء كل المنافقين من الكهنة، فذهبت لأهدأ من روعه، وقد ظننت أنّ بكاءه إنّما هو بهجة وسرور بموت ذلك الطاغية الظالم، الذي أذاقه أفظع أنواع العذاب، لكنّه خيّب آمالي حينما أبدى عن سبب بكائه، بأنّه لم يكن يعلم أنّ فرعون كان عادلاً وبارا بشعبه إلى هذه المرتبة العظيمة، إلا بعدما سمعت ما قاله كهنتنا فيه، وها أنا أبكي، لأنّني كنت أحمل الحقد لهذا الإله العظيم بدلاً من الحب والإجلال..حقّا لقد كنت في ضلال كبير". نعم، هكذا استقبل (أخناتون) موت من أذاقه صنوف العذاب، واغتصب زوجاته، واستباح عرضه !!
وما زال هذا الانحراف النفسي يفسّر كثيراً من سلوكيات الأفراد والشعوب، التي طال عليها أمد العبودية والذل، في ظل حكّام ساديّين، يستعذبون قهر شعوبهم، ويستلذون الظلم والفتك بها. ويوصف هؤلاء الحكام بالسادية، من قبل الكثير من الأخصائيين النفسانيين، وكأنّ كلّ ساديّ من أؤلئك الحكّام له رغبة شاذّة جامحة في قهر شعبه، الذي يستجيب أبناؤه، فيحققون له تلك الرغبة بماسوشيتهم الجمعية. فالأمر إذن قد تطور ليصل إلى ما يمكن وصفه بالظاهرة المتفشيّة، ومصر التي يومها كتاريخها الموغل في الزمن، من أكثر بلدان العالم الإسلامي ابتلاءً بهذا الانحراف السايكلوجي إلى حدّ خطير، تجلّت أقرف صوره التي أثارت استغراب العالم كلّه، واشمئزاز الأحرار أينما كانوا، بعد أوّلّ ثورة شعبية عظيمة على صروح الظلم والطغيان والفساد، والتي كادت أن تصبح أعظم أيقونة يستلهم منها الثوار في أرجاء المعمورة، لكنّ قوى متنفّذة في الدولة، في ما يسمّى بالدولة العميقة، كانت لتلك النسمة الرائعة من الحريّة بالمرصاد، وآلمها عودة الشعب إلى الفطرة السليمة في إرادة الاستعلاء على الذل والخنوع، فعملت تلك القوى الفاسدة المفسدة، وبتعاون وتآمر مع قوى الاستكبار العالمي، على استغلال الوباء المتجذِّر في نفوس الكثيرين، واستحيائه من جديد، حتى دفعت بالجموع ليستبدلوا الذي هو أدنى، وهو الزعيم القاهر، والفرعون الصنم، "قائد الضرورة"، بالذي هو خير، وهو القائد المنتخب من قبل غالبية الشعب، وليستعيدوا الظلم الذي ثاروا عليه، وليعيدوا حكم البيادة العسكرية، في حالة ماسوشية بامتياز، ويرضوا بأن يكون عبيداً للبيادة، بعد فترة وجيزة جداً من التحرر منها في أعظم ثورة شعبية!.. وإذا كانت المشاهد البائسة لبعض المصريين في الشوارع مقززة، حينما نقلت الكاميرات صورهم، وهم يضعون تلك الأحذية العسكرية الغليظة، التي تسمى عندنا بالبوستال، وعندهم بالبيادة، على رؤوسهم، وعلى رؤوس أبنائهم وبناتهم، ويطوفون بذلك الحال المقرف في الشوارع. وهذا مثال متكرر من مئات، وربما آلاف، الأمثلة، التي تجسّد الماسوشية الجماعية في مصر. فإنّ هنالك ما هو أسوء، حينما تجد النخبة أيضاً، تستلذّ الخنوع والذلّ، فيأتي بعضهم بحذاء عسكري "بيادة"، وبتراب كذلك، في استوديو بث فضائي مباشر، ويأخذ حفنة من التراب في إحدى يديه، ويقول بصراحة أكثر من وقحة، يعبّر بها عن انحرافه المقزز، وماسوشيته، فيقول: " نحن لا نعبد البيادة فقط، بل نعبد كذلك التراب الذي يُداس بالبيادة"!.
وإذا ما انتقلنا من مصر إلى وطننا، فلا تخطأ أعيننا رؤية مشاهد من مأساة الماسوشية الاجتماعية السياسية، وإن كانت بدرجة أخفّ مما شاهدناه، وما زلنا نشاهده في مصر، فبماذا نفسّر تأييد الجماهير الغفيرة المتواصل والمستمر، في كل عملية انتخابية، للساسة الفاسدين، الذين غرقوا في الفساد المالي والإداري والسياسي، فاستباحوا الوطن، وثروات الشعب، وهم – المواطنون- لا تنفكّ ألسنتهم عن الشكوى من الفساد الحاصل من ذلك الطرف السياسي، الذي سلّموه زمام أمرهم، لكنّهم لا يساهمون في تحقيق التغيير، الذي يفتح لهم باب العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، فيتحررون من الظلم الفئوي، ويكونوا أسياداً على ما يملكون، لا عبيداً عند من يفسدون.. لكنّها الماسوشية، التي تمكنّت من الشعب بفعل الطغيان، على مرّ السنين، وبدلاً من سعي النخب السياسية في بلادنا لعلاجه كمسؤولية وطنية، وواجب محتّم لا يتحمّل التأخير، فإنّ كثيراً من الساسة قاموا باستغلال المرض والانحراف النفسي لصالحهم، كي يأمنوا على أنفسهم، ويطمئنّوا على استمرارية الفساد، من غير خوف من صحوة المرضى الماسوشيين، أو شفائهم بسرعة، وليدفعوا آنذاك عن أنفسهم الحرمان والظلم الاجتماعي والسياسي، فلا يظلون على بؤسهم وشقائهم، الذي عبّر عنه خير تعبير أحد كبار المسؤولين، في مناظرة نقلت عبر الأثير، بعد الانتخابات الأخيرة، بأنّ الشعب هو راضٍ عن حاله، فهو الذي اختار بإرادته من يُتّهمون بالفساد!! 
ولكن في ظلّ قتامة المشهد، وسوداويّته، تظلّ هناك بارقة أملٍ بانبلاج بصيص من النور في وسط الظلام، يحمله إلينا شباب الوطن، الذين ربّما لم يتلوّثوا بعد بداء الماسوشية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق