السبت، 12 يوليو 2014

صراع الحضارات في عصر العولمة

سالم الحاج 
هل الحضارات في حالة صراع وصدام؟!.. 
من يقرأ التاريخ لن يخطئ في قراءة حالات الصراع والصدام الدموي بين الشعوب والأقوام، والدول والامبراطوريات، المختلفة.. ولا شك أن الدوافع وراء هذه الصراعات والحروب، كانت تقف وراءها دائما عوامل الطمع، والرغبة في التوسع، وتحقيق الأمجاد، وغير ذلك.. ولكن هل يدخل ذلك ضمن صراع الحضارات؟!..
إن التنوع والاختلاف هو ضرورة حضارية، وحقيقة كونية أيضا، وكما نشاهد ذلك من حولنا في عالم الأفكار والتصورات، على مستوى الأفراد، فإنه أيضا لا يمكن إنكاره على مستوى الأقوام والشعوب والحضارات.. ولكن هذا التنوع والاختلاف، كان - في الغالب - سببا لنشأة النزاعات، والخلافات، بين البشر.. ولم تصل البشرية إلى مرحلة تقبل اختلافاتها، والاعتراف بها، إلا بتدرج وبطء، وبعد تاريخ دموي من النزاعات
والحروب.. وإذا كانت تلك النزاعات والحروب تقف وراءها – كما ذكرنا- دوافع شتى من التعصب، والجشع، والأحقاد، وقلما كانت تتدخل فيها عوامل الاختلاف الحضاري والثقافي، فذلك ما يسمح لنا بالقول بأن الدوافع وراء ذلك لا يصلح تفسيرها بـ (الصدام أو الصراع بين الحضارات)، فهي في معظمها نوازع وأحقاد فردية، ولم تكن تنطلق من منطلقات العرق والقوم والحضارة!!.. ولكن دون أن يعني ذلك أن هذه المعاني كانت غائبة بالكلية عن تلك النزاعات، فالإنسان في النهاية كائن معقد، والحضارات البشرية لم تكن بعيدة عن بعضها، ولا منفصلة في جزر معزولة، بل كانت في حالة تفاعل وتأثير متبادل فيما بينها..
إن صراع أو صدام الحضارات هو هاجس معاصر للبشرية، أو لنقل: لبعضها، نشأ في العصور الحديثة، بعد أن أخذت الشعوب تدرك الاختلاف في هوياتها، وانتماءاتها القومية والحضارية.. ويمكن القول إن نوعا من أنواع ما يمكن اعتباره صراعا للحضارات، قد بدأت ملامحه بالتبلور والظهور، مع بدايات ظهور الامبراطوريات الكبرى في التاريخ. ومع بزوغ فجر الحضارة الإسلامية، وخاصة بعد توسعها، واستيلائها على أراض وبلدان شاسعة كانت تحت سيطرة الامبراطورية البيزنطية، وغيرها، أصبح الطابع الحضاري للصراعات يأخذ شكلا أكثر تبلورا.. فمنذ أن برزت الحضارة الإسلامية، وبسطت سلطانها على مساحة واسعة من الأرض، ولأزمان مديدة، بدأت النزاعات والخلافات تأخذ أكثر فأكثر شكل تنافس ونزاع مؤسس على الانتماء الحضاري، والديني بالدرجة الأولى.. ولكن دون أن يعني ذلك أنها تحولت إلى صراعات حضارية صرفة، فتلك حالة لم تشهدها البشرية، حتى اليوم.! 
فالصراعات والحروب في تاريخ البشرية، القديم والحديث، لم تخلو من نفس حضاري، ولكنها لم تك قط نزاعات حضارية صرفة، ولم تقم النزاعات بين الشعوب على هذا الأساس وحده أبدا، بل كثيرا ما كانت الاختلافات والتمايزات الحضارية بين الشعوب والأمم، تستغل من قبل الحكام والملوك والأباطرة، وتتخذ ذريعة وتكأة لتحقيق مصالحهم وطموحاتهم، باسم الدين أحيانا، وباسم العرق والقوم أحيانا أخرى..
إن مروجي هذه النظرية اليوم يدّعون قراءة التاريخ، ويرون أن البشرية، وبعد أن كانت نزاعاتها وحروبها تقوم في السابق على أساس رغبات وأطماع الملوك والحكام، تطورت لتكون صراعات بين الشعوب، ثم تحولت إلى صراعات آيديولوجية في العصر الحديث، وهي اليوم مرشحة لتكون صراعا بين الحضارات المختلفة..ذلك أن تمسك الشعوب والأمم، على مستوى العالم، بخصوصياتها الثقافية، هو مصدر خطر على مستقبل البشرية، لأن الحضارات هي قبائل الإنسانية الكبرى، وصراعها هو صراع قبائلي على نطاق عالمي!! وهذه الرؤية للتاريخ تتناسى أن الصراعات داخل نطاق الحضارة الواحدة، قديما وحديثا، كانت دائما هي الأكثر والأوسع، والأشد عنفا، والصراع الذي تتنبأ به على مستوى الحضارات يظل فرضا نظريا، لا يؤيده التاريخ، ولا مسيرة التطور الإنساني المعاصر.
ومن هنا، يمكن القول إن نظرية صراع الحضارات هي نظرية آيديولوجية، ملوثة بنفس لا إنساني، وهي لا تعبر عن مستقبل البشرية، بل هي نظرية تعيش في التاريخ، وتريد أن تجعل من تلك المحطات السوداء فيه-المحطات التي تعبر عن الجانب المظلم من البشرية-مقياسا لتفاعل الحضارات فيما بينها..
 إن البشرية، سواء على المستوى النظري، أم على المستوى الحضاري، قد تجاوزت هذه النظرية.. ولكن ذلك لا يعني أن الصدام بين الحضارات قد توقف أو انتهى، لأن الحضارات هي في حوار دائم فيما بينها، سواء بصورة صدامات، أم بأشكال التعاون والحوار.. نعم، إن الصراعات والصدامات بين الحضارات المختلفة كانت موجودة، ولا تزال، ولكن لا يجب أن نجعلها الأساس لرؤيتنا، بل يجب النظر إليها كأمراض أو أعراض مرضية، وحالات هبوط بشري.. إن حالات الصراع والنزاع بين الحضارات هي مراحل طارئة، وعابرة في حياة الشعوب، التي كانت تحاول من خلال ذلك الوصول إلى حالة الاستقرار والتفاهم ..
ولذلك فإن الاعتراف بهذا الاختلاف والتنوع، بين الشعوب، وحضاراتها، واحترامه، وتعبيد الطريق أمام تعارف الشعوب، وتعاونها، هو ضرورة لا يمكن تجاهلها، أو الغفلة عنها، وأي تجاهل لها لن ينتج عنه سوى المزيد من الخراب والحروب والنزاعات..
إن البشرية، في عصرها المعولم، هي اليوم أبعد ما تكون عن نبوءة صراع الحضارات، بل هي بحكم العلاقات الاقتصادية المعقدة والمتداخلة، وبحكم الانفتاح الثقافي والفكري الواسع الذي تعيشه اليوم، في ظل الفضاءات المفتوحة، أقرب ما تكون إلى تحقيق مقولة القرية الكونية الواحدة!.. نعم، إن الصراعات ستبقى، والحروب لا تزال قائمة بين بني البشر، ولكنها صراعات على هامش المصالح والتناقضات السياسية والاقتصادية، ولم تبن على أساس حضاري، ولا ينبغي لها أن تكون!..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق