الاثنين، 1 ديسمبر، 2014

الإسلاموفوبيا من الغرب إلى الشرق

جاسم محمد الشرنخي
ظاهرة الرهاب الإسلامي، أو الخوف المرضي من هذا الدين، في الغرب، لاشكّ أنّ لها جذوراً ممتدة في التاريخ، تضافرت عوامل كثيرة على نشأتها، ومن ثم تقويتها، حتى تشكّلت الصورة النمطية، والحكم المسبق على الإسلام والمسلمين بالإدانة والاتهام عبر العصور، لكنّ هذا التّحامل والكراهية قد ارتفعت وتيرتهما، وتصاعدت حدّتهما، خلال أكثر من عقد من الزمن، إلى درجة أن تحوّل العداء لكلّ ما يمت إلى الإسلام بصلة، من حالات إلى ظاهرة، ومن ثمّ إلى "أمر مشروع"، على حدّ قول (مسعود شاردجره)، رئيس لجنة حقوق الإنسان الإسلامية في (المملكة المتحدة)،
وصار الحال في (بريطانيا) - على سبيل المثال - أن لا تخلو الصحف اليومية من خبرين أو ثلاثة من حالات الاعتداء على المسلمين، مثل خلع الحجاب، أو البصق في الوجه..
وإذا كانت تلك الثقافة العدائية في الغرب تجاه ديننا، مصيبة كبيرةً، يتطلّب الأمر معها أن يقوم كل مخلص لهذا الدين، بما في وسعه، من أجل تغيير تلك الصورة الكريهة، وتقديم الإسلام في حقيقته البهية. فإن الكارثة الحقيقية أن تتعرض صورة الإسلام، في  نفوس كثير من المنتسبين إليه، أنفسهم، إلى هزّة شديدة، وأن ينتقل مرض الرهاب الإسلامي إلى العالم الإسلامي نفسه، فيتزعزع الإيمان في قلوب البعض بعظمة الإسلام، كدين جاء لإسعاد البشرية، ورحمة مهداة للعالمين. فباتوا يشككون في ثوابت الإسلام، ويثيرون الشبهات المردودة، التي أثارها الأعداء الكافرون منذ عهد بعيد، وظنّ الناس أنّ الزمن قد تجاوزها إلى غير رجعة، فإذا بالجميع قد فوجئوا بعودة إثارة زوبعة الشبهات –وبقوة- في الفضاء الثقافي، في بعض البلدان الإسلامية، لا سيما في هذا الجزء الذي نعيشه من العالم، الذي ابتلي بـ(داعش)، ومن قبلها (القاعدة).
وأكاد أجزم أنّ بصعود (داعش)، وتمدّده، انتقل التحامل والعداء للمشروع الإسلامي، وللتيار الإسلامي المتنامي، إلى أخطر مرحلة، وهي العداء للإسلام جهاراً نهاراً، والهجوم في عقر (دار الإسلام) على أقدس مقدسات الإسلام والمسلمين، على الرسول الكريم (محمد) (صلى الله عليه وسلم)، وعلى نصوص الإسلام القطعية الثبوت، فأصبحنا نسمع من يرفع بعقيرته بأنّ ما يرتكبه (داعش) من الفظائع المروّعة: من قطع للرؤوس، وعرض مشاهده السّادية في مقاطع الفيديو، واسترقاق للأسرى، بل وقتلهم بصورة جماعية، وسبـي للنساء، "إنّها – على حدّ قولهم - هو الإسلام في حقيقته الجليّة، التي يحاول بعض المسلمين، جاهدين دون جدوى، من إخفاء الوجه الحقيقي لهذا الدين". وصرنا نرى من يتجرّأ فيطعن في  كتاب الله تعالى، بأنّه يزخر بنصوص كثيرة تحرّض على العنف والقتل والإرهاب، وأنّ الإسلام ما كان أن ينتشر إلّا بحدّ السيف، وأنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلمّ) هوّ الذي شرّع قتل الأسرى، بل إنّ القرآن الكريم - حسب زعمهم الباطل - قد عاتب النبـيّ لعدم قيامه بمجزرة في حقّ أسرى (معركة بدر)، ويستدلون بتلك الآية التي تصدّرت بعبارة {ما كان}، والتي ارتبطت بواقع تاريخي مضى، لا بحكم شرعي مفروضٍ من قبل الشارع الحكيم عزّ وجلّ. قال تعالى: [مَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]. فتلك أهم الشبهات التي يثيرها هذه الأيام صنّاع الإسلاموفوبيا، أؤلئك الذين وجدوا فرصتهم سانحة للصيد في الماء العكر، وأظهروا - بطعنهم المتكرر المتواصل على صفحات الأنترنت، وغيره - أنّهم رأوا موبقات (داعش) هدايا قدّمت إليهم على طبق من ذهب، وكأنّهم كانوا ينتظرون مثل ذلك كي تتقيّأ أفواههم قيحاً نتناً، أثبتوا به للعالم كلّه، أنّهم أبعد ما يكونون عن الإيمان، ولا يحملون من الإسلام سوى أسمائهم، التي تظهر أنّهم ولدوا من آباء مسلمين ليس إلّا. ولست أرى داعياً للتفصيل في الرد على أؤلئك النفر، الذين نقلوا، بأمانة وحرفية شديدة، شبهات ألدّ أعداء الإسلام من المستشرقين، وباتوا يعيدون نشرها من جديد، بفضل (داعش)، التي أخشى أن تكون العذاب، أو العقاب الداخلي، المسلّط علينا، مصداقاً لقول الرسول الأعظم (عليه أفضل الصلاة والسلام)، فيما يرويه عن ربّه سبحانه وتعالى: "إِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ..." ، فيكون (داعش) سبباً قوياً ومباشراً في أن تؤجج نار الحرب المسلّطة على الإسلام والمسلمين.
لكن قد يستلزم الأمر الرد على شبهات البعض، على عجالةٍ، بشأن موضوع انتشار الإسلام بقوة السيف، الذي يكّذبه واقع الشعوب المسلمة، التي وجدت فرصاً متكررة للعودة إلى دين أجدادها، في فترات غياب سلطة الإسلام عن الحكم لقرون، وكما هو الحال اليوم! كما تكذّبه نصوص واضحة وصريحة في رفض فرض العقيدة، كقوله تعالى: [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ]، تلك الآية المحكمة التي لا تقبل التأويل، ولا تحتمل غير معنى واحدٍ، وهو حرية العقيدة، بعد التحرر من ظلم وعبودية الطواغيت، التي تفتن الناس عن دينهم، وبعد ذلك فالأمر كما قال تعالى: [وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ].
وبخصوص الاسترقاق والعبودية، لم يأت نص، في مصدري الشريعة الرئيسين، يشرّع للعبودية، وإنّما جاء الإسلام فأغلق كلّ سبيل من السبل الكثيرة، التي كانت مشرّعة لاستعباد من ولدتهم أمّهاتهم أحراراً، وحرّمها جميعاً، سوى سبيل واحدٍ، ألا وهو الحرب المشروعة، ولم يبقه سالكاً مفتوحاً، بل ضيّقه إلى أبعد الحدود. فأسرى الحرب المشروعة بين حكمين رئيسين، هما: إمّا المنّ بإطلاق سراحهم، أو الفداء، تطبيقاً لأمر الله عزّ وجل: [فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ، حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا]. هذا هو الأصل الشرعي، كما كان هناك حكمٌ استثنائيٌّ، وهو الاسترقاق، الذي كان بمثابة قانون سائرٍ في عصر صدر الإسلام، وما تلته من عصور، فكان ذلك من مبدأ التعامل بالمثل، وأمّا وقد حرّم استرقاق الأسرى في العصر الحديث عالمياً، فإنّ غالبية الفقهاء المعتبرين على تحريم استرقاق من يقع أسيراً بأيدي المسلمين في حرب مشروعة، مادام غير المسلمين  يمتنعون عن الاسترقاق، فلا يجوز لنا أن نتجاوز ردّ الاعتداء بأشدّ من مثله. ثمّ إن الإسلام قد فتح أبواباً كثيرة، شجّع بذلك على تحرير العبيد، وجعل كفّارة أخطاء وذنوب كثيرة عتق الرقاب، وفكّها.
وبخصوص حالات نادرة جداً، حول قتل بعض من وقع في أيدي المسلمين، في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلّم)، فوقائع السيرة النبوية والتاريخ يشهدان أنّ ذلك لم يكن بسبب الأسر، وإنّما كان بسبب الغدر والخيانة العظمى المتكررة، كما في قتل رجال (بني قريظة)، أو بسبب جرائم حرب ارتكبوها، فقُتلَ أفرادٌ كمجرمي حرب، مثل: (عقبة بن أبي معيط)، و(النضر بن الحارث)، اللذان قتلا بأمر النبـي يوم (بدر).
فمشهد الخيانة والغدر تلك، وصورة الحقد الأسود، التي دفعت أصحابها أن يلقوا حتفهم ومصيرهم المشؤوم، يتغافل عنها صنّاع الإسلاموفوبيا، في الدّاخل والخارج، عمداً، ويحاولون اجتزاء جزء من الصورة، واستغلالها، للتحريض على العداء للإسلام، بتشويه صورته الناصعة.

 وهكذا، فاليوم إنّ المسؤول - في المقام الأول - عن نشر مرض الإسلاموفوبيا بين المسلمين أنفسهم، وحمل وزر زعزعة الإيمان، وفقدان الثقة بالإسلام، فضلاً عن المشروع الإسلامي الحضاري، هو (داعش)، بما يقترف من إرهاب فظيع، تقشعّر له الأبدان، يرتكبه كلّه تحت راية التوحيد، والتوحيد منه، ومن جرائمهم، براء. وبعد (داعش)، فإنّ تلك الفئة من أصحاب الأفكار المسمومة، والثقافة الموبوءة، والمشحونة بالعداء والحقد الدفين لديننا، الذين بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر، مسؤولون أيضاً عن بثّ جراثيم الإسلاموفوبيا في الداخل. فهل نحن على حذر من هذين الفريقين سواء بسواء، اللذين يكمل أحدهما الآخر، ويخدم بعضهما بعضاً، في حركتيهما الهدّامتين، بغية تصفية الإسلام، واغتيال الإيمان معنوياً؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق