01‏/12‏/2014

لا تكن خيراً منه فتهلَك وتهلِك

فاتن محمد
يتفق البشر في فطرتهم الخلقية، فالإنسان مجبول على الأخلاق الحسنة، ثم يتفاوتون بعد ذلك في مدى حفاظهم على هذا الأصل الخلقي أو انعدامه، كل بحسب تربيته، ومجتمعه، وغيرها مما يؤثر في شخصية الإنسان. قال تعالى: [لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ]، فالأصل في الأخلاق الحسنة فطرة، [ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ]، أي: ثم يأتي خلال مسيرة الإنسان ما قد يؤثر على صلته بهذه الأخلاق.
ومن هنا نفهم أن الخلق موجود في كل الإنسان: المسلم وغير المسلم .
فإذا كانت الأخلاق موجودة عند المسلم وغيره، فهل هي عند غير المسلم حقيقة أم شكلية؟
الإنسان بدون الدين الأخلاقيات عنده إما أن تكون شكلية، خوفا من العقوبة، أو على مركز، أو على سمعة، أو طمعا بمنزلة أو... وهناك من الناس الأخلاق عنده حقيقية، فهي عنده مبدأ، سواء قدر الناس هذا الخلق، أم لم يقدروه، وسواء كانت جريرة الالتزام الأخلاقي عليه
منفعة أم مضرة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا).
فإذا كان الخلق الحسن فطرة في الإنسان، فما علاقة الدين في الأخلاق؟
إن مهمة الدين من الناحية الخلقية هي إعادة ترميم الأخلاق لا بناءها، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فلم يقل (صلى الله عليه وسلم) إنه جاء ليؤسس أو ليؤصل للأخلاق، إنما لأتمم، فالأخلاق موجودة، ولكنها تمرض كما تمرض الأجساد، وتحتاج لعلاج، وعلاجها ممكن، فكانت من مهام النبـي معالجتها.
وكذلك هناك مميزة للمسلم الملتزم أخلاقيا على غير المسلم، أن المسلم يعامل الله، وغير المسلم يعامل نفسه، والنفس تغش صاحبها، فقد تزين له ما هو غير أخلاقي على أنه خلقي، لمصلحة لها به. وهذا يعطي المتدين مميزات:
- الثبات على الأخلاق، مهما كانت الظروف والتحديات. فغير المتدين قد يصمد لمرحلة معينة، ثم يضعف، لكن الدين يعطي الملتزم به قوة، تأتيه من صلته بربه.
- التمييز: عندما يختلف بين خلقين أيهما الأولى التمسك به في موقف معين، هنا لن يجد الجواب في نفسه، إنما الذي يعطي الجواب الصحيح للإنسان هنا هو الدين .
- القدوة: وهو النبـي (صلى الله عليه وسلم)، بل ويعتبر النبـي (صلى الله عليه وسلم) أصل للأخلاق الإنسانية للبشرية جمعاء. فقد قال الله عز وجل في حقه: (إنك لعلى خلق عظيم)، فهو (صلى الله عليه وسلم) مقياس للأخلاق وأنموذجه.
إن العالم اليوم، وليس المسلمون، يفتقد حقيقة الأخلاق. فالعالم اليوم يعاني أزمة أخلاق، فالأخلاق وإن وجدت في مجتمع من المجتمعات، فهي أخلاق شكلية لا حقيقية .
والأخلاق ضرورة اجتماعية لا غنى عنها لمجتمع من المجتمعات، فمتى فقدت الأخلاق التي هي الوسيط الذي لا بد منه لانسجام الإنسان مع أخيه الإنسان، تفكك المجتمع، وتصارع أفراده، و... ثم أدى بهم إلى الانهيار والدمار.
لكن لن يشعر العالم بهذه الحاجة للأخلاق الإسلامية، إلا بعد أن نستشعر نحن أنفسنا حاجتنا إليها، ونطبقها في سلوكنا، ويروا هم أثرها على الأمة الإسلامي، كمجتمع وأفراد، حينها سيشعر العالم بحاجته للتتلمذ على هذا الدين .
وهنا تكمن أهمية التزامنا بالأخلاق الإسلامية من الناحية الدعوية، فالنبـي (صلى الله عليه وسلم) قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم مكارم الأخلاق)، فجعل علة بعثته هي الأخلاق. فهل الأخلاق أهم من العقيدة والعبادة؟ بالطبع كلا. ولكن لبيان أهمية الأخلاق في هذا الدين. فهي أبرز ما يراه الناس من الدين، ومن خلالها يحكمون على صحة الدين من عدمه، فالناس لا تعنيهم عقيدة الإنسان أو عبادته، فهي بينه وبين ربه، والذي يخصهم هو أخلاقه، فالمسلمون سفراء الإسلام للبشرية، وأخلاقهم هي أول رسالة يتلقاها العالم منهم عن طبيعة دينهم، أيا كانت مراكزهم، أو وظائفهم، فذلك لا يختص بالدعاة، كلا بل بأي مسلم طبيب، معلم، مهندس .. لذلك عندما دخلت (أندونيسيا) و(الملايو) و(الفلبين) و(ماليزيا) الإسلام، دخلته عن طريق أخلاق تجار (اليمن) و(حضرموت) المسلمين. فدول بأكملها دخلت الدين من خلال الأخلاق .
وإن ابتعاد المسلمين عن الأخلاق الإسلامية هو أول ما ينفر غيرهم من دينهم، قال تعالى: [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ]، وبذلك يحملون إثمهم وإثم من كانوا سبباً في كرهه أو نفوره من الإسلام بسبب سوء أخلاقهم قال تعالى: [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ].
ولكن هناك سؤال يطرح نفسه، إن كانت الأخلاق فطرة في الإنسان، وإن كان الدين يولي الأخلاق هذه الأهمية الكبيرة، فلماذا نرى ابتعاد المسلمين عن أخلاقهم؟ ونخص منهم الدعاة أو الملتزمين بالدين المحسوبون عليه، فما السبب؟
سؤال كان كل ما بدأته من كلام طريقا للوصول لهذه النقطة، فما السبب؟ وهل هو موجود فعلا؟
هل هو موجود أو لا؟ هو جواب يستطيع الإجابة عليه كل منا، وبكل سهولة: نعم هو موجود.
فإن كان موجودا، فما سببه؟
1- اختلال مفهوم التدين عندنا، وجعل العبادة فقط هي معيار التدين،وعدم معرفة أن الأخلاق هي أساس في التدين. سئل النبـي عن امرأة تصوم وتصلي، ولكنها تؤذي جيرانها، فقال صلى الله عليه وسلم: (هي في النار).
وهذا الخطأ أثمر خطأ آخر، وهو حكمنا على الآخر بنفس المقياس، وهو العبادة، فنحكم على الإنسان أنه ملتزم أو لا من خلال عبادته فقط، وننسى المقياس الأخلاقي!
والفرق بين النقطة الأولى والثانية، أن الأولى تخص الحكم على الإنسان نفسه، أي حكمه على نفسه، والثانية تخص المجتمع، أي حكمنا على الآخرين..
2- غياب معنى ربط العبادات بالأخلاق، فعلامة اتقان العبادة، هي ظهور ثمرتها في أخلاقنا. قال تعالى: [إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]، وأن الذي لا تنعكس عبادته على أخلاقه، فعبادته فيها خطأ. قال صلى الله عليه وسلم: (من لم يحمله صيامه على ترك قول الزور والعمل به، فلا حاجة لله في أن يدع صلاته وصيامه).
3- اختلال مفهوم الحب والبغض في الدين، والتعامل الجاف مع غير الملتزمين على أنه لا يجوز محبتهم، بل ينبغي إظهار البغض لهم، وهو خطأ، لأن غير الملتزم كالمريض الذي يحتاج للعلاج، فلا تكون النصيحة بالبغض، لأنك إن أبغضته تجعله يبغض دينك الذي أبغضته بسببه، وهكذا تكون صادا عن الدين، لا داعيا له. بل إن الاحترام والتقدير سبب في محبة الإنسان، وبالتالي محبة دينه، والدخول فيه. قال صلى الله عليه وسلم للصحابة: (ادعوا الناس وأنتم صامتون)، قالوا: وكيف؟ قال: (بأخلاقكم).
4- انعكاس معنى المنة في الدين. قال تعالى: [يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]، فحين يشعر الإنسان بمنة الله عليه في هدايته، ينعكس ذلك على سلوكه مع عباد الله.
5- العلم الإبليسي: ازدياد كبر الإنسان كلما ارتقى في مراتب العلم، وهذا هو العلم الإبليسي: [أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ]، وهو ما أهلك إبليس. أما العلم الرباني، فهو ما يظهر في أخلاق صاحبه، بأن يزيد تواضعه، وحلمه، وتتحسن أخلاقه، كلما ازداد علماً، فثمرة العلم تظهر في سكون العالِم. فالفرق بين العلم الرباني والعلم الإبليسي، أن العلم الرباني ممزوج بخشية الله، قال تعالى: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]، وقيل: (العلم خشية كله، يعرف بذلكم أهله، وليس بالأقوالِ، وكثرة الجدالِ).
فلا تكن صاحب علم إبليسي، فتنفر الناس من دينك، فتَهلَك، وتُهلِك. واعلم أنه: أينما كمنت الأخلاق الراقية، كمن الدين، وأينما كمنت الأخلاق الراقية، كمن العلم، وأينما اختفت الأخلاق، فلا دين ولا علم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق