السبت، 7 يونيو، 2014

رحيق الكلمات


عبدالباقي يوسف 
حُسن الظن
طهّر نفسك بمسك طهرانية حسن الظن، 
رطّب لسانك بترنيمة حسن الظن، 
انعش شمّك بلوتس حسن الظن، 
استمدّ توازنك بفضيلة حسن الظن، 
رجّح فكرك بحكمة حسن الظن، 
جدّد مخيلتك برحابة حسن الظن، 
متّع ناظرَيك بأيقونة حسن الظن، 
نقّ خلاياك بسكينة حسن الظن.
ليس لقلبك رشيد سوى رشيد مشكاة حسن الظن. 
ساعة تبدر بادرة حسن ظن بكائن ضمر لك غلاً، ثم يلقاك تجدّد مليحة حسن ظنك بصنيعه، كلّما عاود غلّه، فإنك تضع قدمه ليمدّ خطوة أولى في درب تعديل صنيعه، مهتدياً بما نفح عليه تكرار حسن ظنك من هدى. 
إن لم يعدل من صنيعه، إياك أن تركن إلى ومضة ضجر، فإن استمرار حسن ظنك به إذ ذاك يمسي وبالاً عليه، حتى يبات في مدرج، يتلقى فيه ناتج سوئه من ثنايا ديمومة حسن ظنك، التي ما تتوانى تستمدّ خلايا تجددها.
كلّما أحسنت الظن بأولئك الذين يكيدون لك كيداً، حصّنت ذاتك من وقوع أذاهم عليك.
إذ تدرّب نفسك على سلوك حسن الظن، فإنك تلبث قائماً على مسار حسن ظنك، حتى بالنسبة لأولئك الذين يقذعونك بأشواك الأذى، وأنت تراهم رأي العين.
وإذ تدرّب نفسك على سلوك سوء الظن، فإنك تلبث قائماً على مسار سوء ظنك، حتى بالنسبة لأولئك الذين يقدّمون إليك الزهور، وأنت تنظر إليهم نظر العين.
مؤاخذة تنالها عن ناتج حسن ظن، هي خير من مؤاخذة تصيبك عن ناتج سوء ظن.
دوامك على قبسات بادرة حسن الظن، يروي ظمأ زهرة الظن الحسن في تربة روحك. 
دوامك على ظلمات بادرة سوء الظن، يروي ظمأ شوكة سوء الظن السيء في تربة روحك.

زهرة النجاح
إن لم تشمس عليك شمس الصيف، لن يورق عليك ورق الخريف.
إن لم يورق عليك ورق الخريف، لن يمطر عليك مطر الشتاء.
إن لم يمطر عليك مطر الشتاء، لن تهلّ عليك دوحة الربيع.
لا يكون صيفكَ صيفاً، إلاّ وخلاياك تتجدّد بشمسه. 
لا يكون خريفك خريفاً، إلاّ وأنظارك ترنو حكمة أوراقه. 
لا يكون شتاؤك شتاءً، إلاّ ونفسك تغتسل بمطره. 
لا يكون ربيعك ربيعاً، إلاّ ووردة نفسك تتفتح في دوحته. 
إن لم يكن لك خصوم، تلبث وحيداً بلا أصدقاء. 
إن لم يكن لك بغضاء، تمكث مترهلاً بلا أحباء. 
ألف ضريبة نجاح تقدّمها، خير لك أن تُمنى بضريبة إخفاق واحدة.
عندما تّسدّد ضريبة نجاح، فإنك تُسدّدها بلذة ظافر، 
وعندما تُسدّد ضريبة إخفاق، فإنك تُسدّدها بخذل مهزوم.
من أزكى فضائل النجاح عليك، أنه يفصح عن الوجه الحقيقي لمبغضيك،
ومن أزكى فضائل الإخفاق عليك، أنه يفصح عن الوجه الحقيقي لمحبيك.
أن تكون ناجحاً يقذفك الفاشلون بحجارة فشلهم، خير لك ألف مرة من أن تكون فاشلاً تقذف الناجحين بحجارة فشلك.
إن هذه الورود المزدهرة، تفتحّت إلى جوار هذه الأشواك، 
إن هذه الأشواك الواخزة، تشابكت إلى جوار هذه الورود.
مثلما الشوكة تؤدي مهمة تحصين الوردة، يؤدي الخصم وظيفة تحصين النجاح، 
ما يهبه لك الخصم من تحفيز على آفاق النجاح، قد لا يهبه لك خلٌ وفي.
النجاح الذي لا يتكلل بخصوم، لا يتجاوز أن يكون سراب نجاح، كلما مددتَ أناملك إلى غمامه، تلاشى بين فراغاتها، حتى يستكين فيك يقين أنك كنت متلبساً بحمّى تكهّن.
لولا تلك العاصفة الهوجاء، لما كان هذا النسيم العليل. 
لولا هذا النسيم العليل، لما كانت تلك العاصفة الهوجاء.
من أولى علامات النجاح الكبرى، ظهور ملامح خصوم لك من حيث تدري، ومن حيث لا تدري، وكلما تقدّم النجاح، أفصح عن ملامح الخصوم. 
عندما تحيا في قلب واقع لا يجافيك فيه أحد قط، فذلك برهان بأنك لا تملك مقوّم نجاح طفيف يجدر أن يتكلل بخصم واحد. 
تبتغي أن تكون ناجحاً، تجني نضيج ثمار نجاحك دون أن يظهر لك خصوم،
تبتغي أن تكون مثل شجرة، تريد أن تعتمر بالورود، دون أن تظهر عليها أشواك.
جميل الفوز، ما انبثق من رحم مشقة. 

عجينة الأدب 
الإنسان كائن مجبول من عجينة الأدب، 
عندما يجنح به المدار عن شطر عجينته،
يجنح به عن عن مزايا كينونته. 
إن قعد ابن الأدب، قعد في مقعد أدب. 
إن مشى، مدّ خطواته في ممشى أدب. 
إن تحدّث، قال كلمة أدب. 
إن صمت، ركن إلى صمت أدب. 
إن عاتب، عاتب بلباقة أدب. 
إن أثنى، أثنى بلفظ أدب. 
إن أكل، تناول اللقمة بأدب. 
إن شرب، تناول الشربة بأدب.
إن عاهد، أوفى بأدب. 
إن أؤتمن، أدّى بأدب. 
إن عمل، مهر بأدب. 
إن نام، استلقى في فراش أدب. 
إن استيقظ، نهض من فراشه بأدب. 
إن عاشر، تغطى بلحاف خلوة أدب. 
إن مازح، بدر منه المزاح على كفة ميزان أدب. 
إن ارتدى ثوباً، زرّه بأزرار أدب. 
إن سُرّ، وقف على سروره وقوف أدب. 
إن حزن، قام على حزنه مقام أدب. 
يبلغ ابن الأدب مرتبةً يشعر فيها الجماد بهيبةِ حياءٍ من أدبه. 
يشعر فيها الحيوان بلمسة حياء من أدبه.
عندما تنظر إليه، تلمح في سحنته خامة حياة الأدب. 
عندما تدنو منه، تشمّ من هيأته عطر الأدب. 
حينها يتسرّب إلى دواخلك إحساس مبهم بأنك إزاء بركات إنسان، يمكن أن تخفض جناحيك لمكرمات أدبه.

نفحة الحب 
عندما يحب المرء للحب فقط، يخفق قلبه للحب فقط، وبمجرد أنه يتخيّل أي لمسة ممّن يحب، يستشعر لذة أن يكون الإنسان عاشقاً. 
كل شيء في ناظرَيه يبدو جديداً، يبدو كما لو أنه في سرمدية عرس كرنفالي. 
هكذا مجرّد أن الذي يحبه هو كائن موجود في الحياة، يمكن في أي لحظة متوقعة - أو غير متوقعة- أن يلتقيه، هكذا يبقى الأمل مشرعاً، تنفتح أمام روحه كل أبواب الحياة، يشعر بعذوبة العاطفة الإنسانية، وكم هو تعيس ذاك الذي حُرم منها، لا يتذوّق حلاوتها. 
هكذا بمقدور الحب أن ينبثق بغتة من تحت جنح المجهول، ويحمل معه معالم حياة كاملة، لكن هذا هو الحب، كأن حلوه لا يكتمل إلاّ بمرّه، كأن زهوره لا تكتمل إلاّ بأشواكه 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق