السبت، 7 يونيو، 2014

القضية الكوردية من المنظور الروسي


أحمد خليل ارتيمتي
ماجستير في العلاقات الدولية/ جامعة بغداد
ملخص
تعد القضية الكوردية من أكثر القضايا حضوراً وتأثيراً في الساحة السياسية في الشرق الأوسط، فـ(روسيا) القادمة لاستعادة مكانتها ودورها الدولي، تسعى للاستفادة من تاريخها العريق مع الأكراد، والذي يعود إلى بداية القرن التاسع عشر، وبالرغم من مشاركة الكورد للحروب التي خاضها الروس ضد الامبراطوريتين الفارسية والعثمانية، في بدايات القرن التاسع عشر، إلا أن تاريخ (روسيا) السياسي مع القضية الكوردية لم يأخذ القالب الجدي لأخذ أي خطوات رسمية إزاء مطالبتهم بحق تقرير المصير، وعلى مدار حكم الأنظمة في (روسيا)، ولطالما استخدمت سياسة الاستقواء إزاء الأكراد، وكانت تتركهم في آخر اللحظات، وتساوم بهم مقابل إغراءات اقتصادية بسيطة. ولكن القضية الكوردية برزت، وبشكل واضح، بعد الحرب الأمريكية على العراق عام 2003، حيث تعاملت (روسيا) معها بصورة أكثر واقعية، بعد إدراكها لوجود خطط غربية أمريكية تنوي إعادة ترسيم الحدود، ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد، ومن الممكن أن تستخدمهم كورقة ضغط إزاء (إيران) الحليفة لـ(روسيا)، لذا كثفت (روسيا) جهودها لتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية مع حكومة إقليم كوردستان العراق. أما بخصوص تعاملها مع أكراد تركيا وإيران، فما زالت (روسيا) مترددة في مسألة التعامل مع الأقليات في تلك الدول، نظراً لاعتبارات وأجندات سياسية، دفعتها إلى التأني في الإقدام على أي خطوة تؤدي إلى تنافر علاقتها مع حكومات هاتين الدولتين. إلى جانب ذلك أقدمت (روسيا) على التعامل مع القضية الكوردية في (سوريا)، إثر اندلاع المظاهرات فيها عام 2011، وبصورة كبيرة إثر التدخلات الدولية والإقليمية فيها، فسعت إلى إعطاء إدارة ذاتية للأكراد في (سوريا)، ورأت أن ذلك سوف يغلق جبهة قتالية أمام الحرب على نظام بشار. وهي في النتيجة في استفادة ثنائية من توثيق اتصال مع أكراد سوريا من جهة، واستقرار نظام الأسد من جبهة قتالية له.. 

المقدمة..
تعتبر موضوعة العلاقات الروسية الكوردية من المواضيع الهامة والمثيرة للجدل في قائمة القضايا الفتية التي برزت في الساحة السياسية في الشرق الأوسط الجديد، بما شكلته من تساؤلات وسجالات للمختصين والمهتمين حول ماهية القضية الكوردية، وكيفية رؤية (روسيا) لها في الآونة الاخيرة. خصوصاً بعد اتضاح الموقف الروسي في إعادة مكانته الدولية، بعد التراجع الذي طرأ عليه إثر تفكك (الاتحاد السوفييتي) عام 1991.
وكما هو معلوم، فإن دور السياسة الخارجية الروسية قد تراجعَ في العقد الأخير من القرن الماضي، إثر انشغالها بإعادة ترتيب البيت الروسي من جديد، إلا أن سعيها في إعادة تلك المكانة التي كانت تتمتع بها سابقاً، قد مهد لها الطريق لقطع أشواط من المراحل التأهيلية لتثبيت مرتكزاتها الداخلية، ومن ثم الانطلاق بسياستها الخارجية نحو منحى جديد من التعامل والتفاعل مع القضايا المعاصرة في العالم والمنطقة، ومنها (القضية الكوردية).
وتأتي هذه الدراسة بفرضية مفادها أن (روسيا) تنظر للقضية الكوردية كنقطة محورية في منطقة الشرق الأوسط، سيما أنها أصبحت على دراية من وجود خطط غربية وأمريكية لإعادة رسم حدود دول الشرق الأوسط، أي إنشاء (كيان كوردي مستقل)، التي هي في المحصلة للضغط على كل من النظام الإيراني والتركي، مما دعا صانع القرار الروسي إلى إعادة النظر في التعامل مع القضية الكوردية بصورة أكثر برغماتية من السابق، وذلك لعدة أسباب منها:
1. الأهمية الجيوسياسية للمنطقة المعروفة بـ(كوردستان الكبرى)، بما تمتاز بهِ من خصائص جيوبولوتيكية وطبيعية، مثل: الغاز، والنفط، والمناخ المعتدل، و...إلخ.
2. الترابط التاريخي الموجود بين الشعبين الروسي والكوردي، الذي يعود إلى أكثر من قرنين، والذي يمثل الدافع الأكبر لتوثيق العلاقات المستقبلية بين الجانبين، والرؤية الروسية نحو كسب وحدة أوسطية في المنطقة، من خلال ربطها بعلاقات تجارية واقتصادية وثقافية..

نبذه تاريخية للعلاقات الروسية-الكوردية
يعود تاريخ العلاقات الروسية – الكوردية إلى أوائل القرن التاسع عشر، خلال فترة انضمام ما وراء القوقاز (جورجيا، وشمال أذربيجان، وشرق أرمينيا) إلى (روسيا)، واتسمت تلك العلاقات بطابع العمل المشترك ضد الامبراطوريتين الفارسية والعثمانية، المعاديتين لـ(روسيا)، والمحتلتين لكوردستان. فقد شارك الكورد إلى جانب الجيش الروسي في فترة الحروب الروسية- الفارسية 1804-1813 و1826 -1828، والحرب الروسية -العثمانية 1828 -1829، وغيرها من الأحداث الصراعية الساخنة في المنطقة، كما كان للموقف الكوردي من أطراف الصراع خلال تلك الحروب أهمية كبيرة، فقد بذلت (روسيا) القيصرية على وجه الخصوص جهودا كبيرة لاستمالتهم إلى جانبها، ونجحت في ذلك إلى حد كبير، لأنهم كانوا يتعاطفون مع (روسيا) في معظم الأحيان، بسبب اضطهاد الامبراطوريتين العثمانية والفارسية لهم.
وفي الواقع، فقد اتسمت طبيعة علاقة الجانب الكوردي مع أنظمة الحكم في (روسيا) بالمصداقية والشفافية، بغية تلبية طموحاتهم القومية، وعبر إظهار حسن نواياهم، والوقوف معهم في مجمل الأحداث والمستجدات التي جرت في الساحة السياسية آنذاك، إلا أن الأنظمة الروسية من جانبها لم تكن لديها أي نية لتبني القضية الكوردية، في أي جزء من أجزاء كوردستان الكبرى. لقد كانت الخطوط العريضة في السياسة الروسية تجاه الكورد ثابتة، ولم تتغير طوال العهدين القيصري والسوفييتي(1)، والتي كانت عبارة عن سياسة الاستقواء بالكورد في عملية التوازن، وتركهم بين أنياب الوحوش في اللحظات الحاسمة.
فمع بداية العقد الأول من القرن العشرين، سيطرت القوات الروسية على أكثر المناطق الكوردية عام 1911، لا سيما في شرق كوردستان، وساهم الروس في فتح مدرسة كوردية في مدينة (خوي)، الواقعة تحت نفوذ الزعيم الكوردي (سمكو)، وكان يفترض أن تقوم (روسيا) بإنشاء دولة كوردية، وضمها إلى الحدود القيصرية، بمجرد سقوط الامبراطورية العثمانية، إلا أن قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 في (روسيا) غيّر موازين القوى، فقد انتقلت (روسيا) الجديدة - بحكم أوضاعها الداخلية الصعبة، والضغوطات الخارجية عليها، ولحماية مصالحها القومية العليا- من عدوة لدودة للدولة العثمانية، إلى صديقة حميمة لتركيا الكمالية، ووقعت معها جملة من المعاهدات، ضحت خلالها بالقضية الكوردية. ومع بداية الحرب الباردة بين (موسكو) و(واشنطن)، في إطار المرحلة الأولى من تلك الحرب، تراجعت القيادة الستالينية عن موقفها الداعم لجمهوريتي (مهاباد) الكوردية، و(أذربيجان)، وخضعت للضغوطات الغربية لسحب قواتها من المنطقة، لكن ذلك لم يكن مجانا، بل بعد أن نجحت الدبلوماسية السوفيتية مع حكومة طهران في الحصول على امتيازات نفطية، وعقد معاهدة مع حكومة قوام السلطنة في 4/نيسان/1946، ونصت على انسحاب الجيش الأحمر خلال ستة أشهر.
وفي فترة الستينات، عندما استعدت كل من (تركيا وإيران) للتنسيق مع نظام بغداد بعملية (النمر) العسكرية، ضد الحركة الكوردية الثورية في العراق عام 1963، وبمساعدة من القوات السورية، بقيادة العقيد فهد الشاعر، أرسل وزير خارجية الاتحاد السوفياتي (أندريه غروميكو) مذكرة احتجاج إلى الحكومات الأربعة، طالب فيها بالانسحاب الفوري لتلك القوات، وتم رفع القضية الكوردية إلى مجلس الأمن الدولي، عن طريق (جمهورية منغوليا الشعبية)، ومع عقد اتفاقية الجزائر عام 1975 بين الحكومتين العراقية والإيرانية، لم يوضح السوفييت موقفهم من بنود هذه الاتفاقية، وإزاء الحركة الثورية التي قام بها ملا مصطفى البارزاني في العراق(2).
أما الجانب المشرق للموقف السوفييتي من الشعب الكوردي، وحركته التحررية، ففي الحقيقة ركز السوفييت اهتماماتهم باللغة الكوردية وأدبها، ووضع أول أبجدية كوردية متكاملة بالحروف اللاتينية في عام 1927، وتطبيقها في المجالات التعليمية والثقافية، وإصدار أول جريدة كوردية ( ريا تازه )، وإعداد المدرسين والمعلمين، وطبع الكتب الدراسية باللغة الكوردية، إضافة إلى فتح مراكز الدراسات الكوردية في (موسكو) و(لينينغراد) و(يريفان) و(باكو). ولا بد من الإشارة إلى أنه في السنوات العجاف الكوردية، عندما أصبح اسم كوردستان من الممنوعات، كان الاتحاد السوفياتي يحتضن العشرات من الباحثين والطلبة الكورد، لتهيئتهم للمستقبل.
أما في مجال الاستشراق، فقد كان للمستشرقين الروس الدور الكبير في مجال الكوردولوجيا، أي: (معرفة الكورد)، أو (علم الكورد)، أمثال: ديتل وبرزين وليرخ وجابا ويوستيو إيكيازار وفوبنزنكر وكارتسفوكولي وباكين وليخوتين ومورافييف وأوربيللي وفيلجيفسكي، و(نيكيتين)، و(خالفين)، و(لازارييف)، و(حسرتيان) ...إلخ(3). وإذا حاولنا تقييم السياسة الروسية من القضية الكوردية، من الضروري الإشارة وباختصار إلى عدد من المعطيات، الجيوبوليتيكية، والاستراتيجية، والأمنية، وتشابك المصالح التي تساهم في تداخل وتشابك مجموعة قضايا مختلفة الجذور ومتناقضة المصالح، فالخبراء الاستراتيجيون الروس ينظرون إلى المسألة الكوردية وكوردستان، في الشرقين الأوسط والأدنى، في المنظور العام، كجزء من كل، أو بمعنى آخر: كجزيرة صغيرة في محيط، وهذا بالذات يمنع تبلور موقف روسي مؤيد من القضية الكوردية. وفي محصلة الحديث: إن المصالح هي فقط التي تتحكم بالمواقف السياسية، وإليها تخضع الأخلاق والمبادئ السامية.

العلاقات الروسية الكوردية المعاصرة
تسعى (روسيا) إلى إثبات مكانتها الدولية، من خلال لعب دورها الفعلي في المنطقة، فالتغيير الذي حدث في عهد الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) في رسم الخطوط العامة للسياسة الروسية، من الاهتمام بالشؤون الداخلية، بدلا من الشؤون الخارجية، وظهر ذلك جليا من خلال الحديث الذي جرى بين (بوتين) و(مدفيدف)، عندما أكدا على أن النظام العالمي الجديد أصبح يقوم على أساس التعددية، بدل الانفراد من قبل طرف معين، ما يعني بروز الأقطاب الجديدة على المستوى الدولي: كـ(روسيا)، و(الاتحاد الأوروبي) و(الصين)..، لكن الذي يهمنا هنا هو السعي الروسي لزيادة دورها في المنطقة، ومن ثم تعزيز مكانتها دوليا، لذا تقوم بمتابعة ودراسة كل ما يتعلق بالمشاكل المرجحة، في المنطقة عامة، والقضية الكوردية خاصة، فهي تتبنى سياسة متوازنة وثنائية تجاه الأكراد، الذين يعيشون في الأجزاء الأربعة، وعبر مسارين(4):
1. التعاون الوثيق مع سلطات الدول والمجتمع الدولي.
2. العمل على توطيد علاقاتها المباشرة مع الأكراد، لتشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية وغيرها. هذا فضلا عن توثيق تعاونها مع شركائها الإقليميين التقليديين: إيران وتركيا وسوريا، واستعادة كامل علاقاتها مع العراق، بهدف التوصل إلى حل سلمي لجميع النزاعات والصراعات، والتي تفضل أن يتم تحت إشراف الأمم المتحدة، أي: بطرق قانونية، لتكون في المحصلة لمصلحة المجتمع الدولي، والمسألة الكوردية في حد ذاتها، وذلك من خلال وقف أعمال العنف والحرب الأهلية الدامية في سوريا، واستقرار الوضع الأمني في العراق، والسعي إلى تحويل المطالبة بالحقوق المدنية والقانونية، من الكفاح المسلح إلى الطلب بالطرق السلمية والقانونية، في كل من تركيا وإيران، والتركيز على أسس القانون الدولي، لصياغة قرار فعلي للقضية الكوردية، في كل بلد من البلدان التي يعيش فيها الشعب الكوردي. 
وعلى الصعيد الخارجي، فإن (روسيا) تتبنى سياسات مختلفة إزاء القضية الكوردية، في كل من العراق وسوريا وتركيا وإيران. لذلك سنتناول طبيعة هذه العلاقات، كل واحدة على حدة:
أ‌. علاقات روسيا- بأكراد العراق.
عقدت (روسيا) مع حكومة كوردستان العراق علاقات وثيقة ومتبادلة بعد حرب الخليج الثالثة عام 2003، وفي ظل النظام العراقي الديمقراطي، الذي فسح مجال وصلاحيات واسعة لـ(روسيا) بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية العراقية. فقد كانت (روسيا) سباقة إلى فتح قنصلية عامة في المركز الإداري للمنطقة الكوردية (مدينة أربيل) عام 2007، لتكون أول دولة تفتح قنصلية في كوردستان العراق، وكثفت جهودها الدؤوبة لزيادة علاقاتها التجارية والاقتصادية بينها وبين حكومة إقليم كوردستان العراق. ومن الناحية الثقافية، قدمت(روسيا) سنويا منحات دراسية للطلاب الكورد العراقيين في الجامعات الروسية، وركزت اهتماماتها في مجالات التعليم والعلوم والثقافة والاتصالات، وفتحت إذاعة (صوت روسيا)، التابعة لشركة روسية حكومية عام 2008، لتبث صوتها بلهجات اللغة الكوردية لمعظم المدن الرئيسية في إقليم كردستان العراق (أربيل، دهوك، السليمانية، كركوك)، وبعدها تم فتح ممثلية خاصة لحكومة الإقليم في الجمهورية الروسية، كما أن العشرات من المستشرقين والإعلاميين، والمئات من السياح الروس، زاروا الإقليم خلال السنوات الأخيرة، ونشروا انطباعاتهم الطيبة عن الشعب الكوردي، وعن النهضة التي يشهدها الإقليم في كافة مجالات الحياة، وزادت الزيارات العلمية لأساتذة الجامعات، للتعرف على النظام التربوي والتعليمي الروسي، وعقدت العديد من الندوات والعروض الموسيقية والفنية، وسعى الطرفان إلى تنشيط السياحة بين الجانبين، والبدء برحلات الطيران المباشرة بين موسكو وأربيل(5) .
وقد جرت العديد من الزيارات بين حكومة إقليم كوردستان و(روسيا)، حيث شكلت زيارة رئيس الوزراء الروسي الأسبق (يفغيني بريماكوف) رئيس غرفة التجارة والصناعة في (روسيا)، و(سليم خان موتسايف) نائب رئيس الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي، إلى إقليم كوردستان في أيار عام 2008، بدعوة من القيادة الكوردية العراقية، خطوة هامة في تعزيز العلاقات الثنائية بين الجانبين. وكان (بريماكوف) قد لعب دوراً فعالاً في التوصل إلى اتفاقية آذار 1970، بين الحكومة العراقية والقيادة الكوردية في ذلك الحين. وقد لقي (بريماكوف) ترحيباً حاراً من قبل حكومة وشعب كوردستان، والنخب السياسية والعلمية والثقافية الكوردية، على نحو لافت للنظر، وكان لتصريحه الذي أدلى به خلال الزيارة، حول ضرورة ضم (محافظة كركوك) إلى إقليم كوردستان، صدى طيبا في الأوساط السياسية الكوردية، وأكد على أهمية توطيد العلاقات بين الإقليم و(روسيا الاتحادية).
وفي عام 2010 قام رئيس إقليم كوردستان (مسعود البارزاني)، بزيارة رسمية لـ(موسكو)، وبرفقة وزير الثروات الطبيعية بحكومة الإقليم (آشتي هورامي)، واستقبله رئيس الاتحاد الروسي (فلاديمير بوتين)، وجرت محادثات حول سبل توطيد العلاقات الوثيقة بين الجانبين، في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، وناقش الجانبان مسائل التعاون الثنائي في مجال النفط والغاز، وخاصة في التنقيب والاستخراج واستثمار المشتقات النفطية. وأكد رئيس غازبروم (أليكسي ميلر): إن الشركة الروسية بدأت تدرس إمكانية التعاون مع الإقليم، في مجال النفط والغاز. ويذكر أن (غازبروم نفط)، فرع شركة (غازبروم)، دخلت عام 2012، في مشروعين للتنقيب عن المواد الهيدروكربونية في العراق، ووقعت الشركة الروسية مع حكومة إقليم كوردستان اتفاقيتين لتقاسم المنتجات في حقلي: (كرميان) و(شاكال)، الواقعين في جنوب الإقليم، وتستمر في الحقلين أعمال التنقيب الجيولوجي، التي من المقرر أن يبدأ في أعقابها استخراج النفط، وذلك في موعد لا يتعدى عام 2015، وستبلغ حصة (غازبروم نفط) في استثمار (شاكال) ما يعادل 80%، وستدير الشركة هذا المشروع. أما استثمار حقل (كرميان)، فستحصل (غازبروم نفط) على حصة 40%. وستبقى شركة "فيسترن زاغروس" (WesternZagros) الكندية، التي تملك حصة 40% في المشروع أيضا.
أما قنوات الاتصال مع الأجزاء الأخرى من كوردستان: (سوريا، تركيا، إيران)، فإن الاتصالات الروسية لا تزال محدودة، نظرا لأسباب موضوعية معينة.
ب‌. علاقات روسيا- بأكراد سوريا
شهدت الأنظمة السياسية في الدول العربية، منذ نهاية عام 2010، العديد من المظاهرات المطالبة بتغيير الأنظمة الاستبدادية التي حكمت لأكثر من ثلاثة عقود، واستطاعت أن تغير البعض من هذه الأنظمة، مثل: مصر، وتونس، وليبيا، واليمن، إلا أن المعطيات التي امتازت بها (سوريا) قد منحتها مساراً آخر، اختلفت فيه عن بقية الأنظمة الأخرى. والذي يهمنا هنا هو دور (روسيا) من القضية الكوردية، في هذا البلد، والتي برزت بعد اندلاع المظاهرات في سوريا عام 2011.
وقد عمت المظاهرات ابتداء، في (سوريا)، مطالبة بالإصلاح في القوانين والدستور، لكن سرعان ما تطورت تلك المطالبات الموضوعية، لتطالب بتنحي (بشار الأسد)، فسارعت المجاميع وأحزاب الحركة الوطنية الكوردية في سوريا إلى إطلاق مبادرة لحل الأزمة في 14/أيار/2011، دعت خلالها إلى ضمان حقوق المواطنين الكورد السوريين كنتيجة حتمية، و(كتحصيل حاصل)، لما آلت إليه أوضاع البلاد. وقد رصت الحركة الوطنية الكوردية في سوريا صفوفها بعقد مؤتمر وطني كوردي، وبمشاركة المناضلين الأوائل في الحركة الكوردية السورية، واتجهوا نحو بناء علاقات سياسية، والانفتاح على العالم المؤثر، بعد فشل اللقاء في (القاهرة) على هامش اجتماعات المعارضة السورية، بين (ائتلاف الثورة السورية)، برئاسة (معاذ الخطيب)، مع رئيس اتحاد الشعب في الثورة الكوردستانية في سوريا (صالح مسلم).. هذا وقد زار وفد رفيع المستوى من المعارضة الكوردية (موسكو) مؤخرا، بناء على دعوة وجهت إليهم من القيادة الروسية، بعد أن أبدت (موسكو) رغبتها في بناء علاقات مع الحركة الكوردية في سوريا، وإدراكها الدور الكوردي في المستقبل(6).
وقد أكد "صالح مسلم" رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي بأنهم توجهوا إلى (روسيا) بناءً على طلب من وزارة الخارجية الروسية، وبأن هذه الدعوة دليل على اعتراف رسمي بالهيئة الكوردية العليا من قبل (روسيا)، ومشيراً بأنهم قالوا بأنهم يدعمون الحل السياسي للأزمة السورية، وبأن الكورد الذين سيشاركون ضمن صفوف قوى المعارضة الأخرى يمثلون الشعب الكوردي في سوريا. وقد طالب المجلس الوطني الكوردي في سوريا (ممثلية (روسيا) الاتحادية( في25/آذار/2012 السلطات الروسية بأن تقوم بإيلاء الاهتمام بالقضية الكوردية في سوريا المستقبل، انطلاقا من كونها قضية شعب وأرض، والأخذ بعين الاعتبار بأن المؤتمر الوطني الكوردي جزء أساسي من المعارضة الوطنيةالسورية، كونه يمثل فعليا أكثر من 70% من الشعب الكوردي في سوريا، وعليه سيكون من المفيد أن تقوم (روسيا) الاتحادية بلقاء ممثلي المجلس الوطني الكوردي، والاستماع إلى وجهة نظرهم، وتصوراتهم لحل الأزمة السورية المتفاقمة .
وقد أكد أستاذ (إسماعيل حمه) في 14/6/2013 في لقاء صحفي مع صحيفة (كيفاتا الكوردية) في لقائه مع الممثل الخاص لرئيس (روسيا) الاتحادية، ونائب وزير الخارجية، والوفد المرافق له، أن اللقاء كان إيجابيا ومثمرا، وأنهم لمسوا موقفا (روسيا) جديدا حيال القضية الكوردية، فقد شدد الجانب الروسي - في معرض شرحه للوضع السوري- على أن الشعب الكوردي شعب أصيل، ووجوده تاريخي، وعلى أهمية حل القضية القومية للشعب الكوردي، والإقرار بكافة حقوقه المشروعة في دستور البلاد. وقد أدانت (روسيا) في 7/8/2013، على لسان وزير خارجيتها (سيرجي لافروف) الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي، بعد المجزرة التي قامت بها الجماعة الإسلامية المسلحة (جبهة النصرة)، التي راح ضحيتها أكثر من 450 كوردياً في سوريا، في غالبيتهم نساء وأطفال(7)..
وقد لمس الشعب الكوردي في سوريا بوادر هذه الإشارات من العواصم الأوروبية، وخاصة موسكو، الذي بدأ ينكب على الملف الكوردي، حيث تبدو في الأفق -كما أسلفنا- بوادر انفتاح على الأزمة السورية، من خلال قوى الشعب الكوردي، وقد تمت مناقشة أوضاع الكورد في سوريا، في سياق المباحثات التي جرت بين وزير الخارجية الروسي (سيرغي لافروف)، ورئيس إقليم كوردستان العراق (مسعود بارزاني)، في 20/حزيران/2013، وقد جاء في البيان، الذي صدر عن الزيارة، أن "الجانبين أعارا اهتماما خاصا للوضع في منطقة الشرق الأوسط، وقبل كل شيء فيما يتعلق بالأزمة السورية، وعدم وجود بديل لتسويتها سياسيا إلا عن طريق عقد مؤتمر دولي حول سورية في (جنيف)".
ج.علاقات (روسيا)- بأكراد(تركيا وايران)
يذكر (ستانيسلاف ايفانوف) مؤلف ومؤرخ وباحث بارز في معهد الدراسات الشرقية في الأكاديمية الروسية للعلوم، أن (روسيا) تقف بشكل قاطع ضد كل الروابط الخارجية والاتصالات بالأقليات الكوردية في تركيا وإيران، بحيث أصبح على الدبلوماسي الروسي أن يأخذ الحذر التام، أو في بعض الأحيان الامتناع عن التفكير في إقامة أي علاقات مع الأكراد في هذه البلدان. لكن بالرغم من ذلك، ومن أجل الحفاظ على المزيد من الشراكات الاستراتيجية مع (أنقرة وطهران)، فإن المسؤولين الروس يحاولون إجراء مفاوضات ثنائية، لا تنطوي على مسألة التمييز على أساس الجنسية الكوردية في تركيا وإيران(8).
وقد رحبت (روسيا) بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الزعيم الكوردي التركي (عبدالله أوجلان)، وممثلين لحكومة (أردوغان)، في نيسان عام 2013، لإنهاء الأعمال العدائية بين (حزب العمال الكوردستاني) والقوات الحكومية، والتسوية السلمية التدريجية للقضية الكوردية في تركيا. وقد طلب (حزب العمال الكوردستاني) مساعدة (روسيا) في حل القضية الكوردية، من خلال الرسالة التي طالب بها القوى الدولية، خاصة (الولايات المتحدة) و(الاتحاد الأوروبي) و(روسيا)، لدعم خطوات النجاح في حل القضية الكوردية. وقال مدير الفرع العراقي للمركز الدولي لبحوث السلام في الشرق الأوسط (Chetiner جيتين)، إن حزب العمال الكوردستاني ينتظر الاهتمام السياسي الروسي في عملية التسوية للقضية الكوردية، وأن الحزب يرى (روسيا) كلاعب سياسي قوي، ويريد أن يراها بصفة مراقب في العملية كلها. وقال (جيتين) إن (روسيا) اليوم هي الدولة الوحيدة القادرة على موازنة نفوذ (الولايات المتحدة)، في كل العمليات التي تحدث في المنطقة، وأشار إلى أن (أوجلان) في عام 1987 و 1999 كان في (روسيا)، ويعرف ما هي (روسيا)، وما الأثر الذي قد يترتب على العملية برمتها من تسوية القضية الكوردية. علاوة على ذلك، يجب الإشارة إلى أن في (روسيا)، الكثير من الأكراد الذين يعيشون في (موسكو)، و(سانت بطرسبورغ)، وغيرها، ولديهم منظماتهم الخاصة، والتجارية، وقنوات البث، والصحف باللغات الروسية والكوردية، مثل: صحيفة "كوردستان الحرة"، ومجلة "أون لاين (Kurdistan.ru)(9).

الخاتمة
إن تاريخ العلاقات بين الجانبين هي ليست وليدة عقد أو عقدين، بل هي تمتلك جذورا تاريخية قديمة، تعود -كما أسلفنا- إلى أكثر من قرنين. وكذلك نرى أن الجانب الروسي لم يكن يهتم بالقضية الكوردية، ولا بآمالها، ولكن وبعد انتهاء الحرب الباردة، دخلت العلاقات الروسية الكوردية منحى آخر، وبمفهوم آخر، إثر التغيرات التي حدثت في المنطقة، مما أعطى القضية الكوردية رونقاً جديداً، أكثر أهمية مما سبق، مما أدى بالساسة الروس إلى زيادة الاهتمام بالقضية الكوردية، باعتبارها نقطة مهمة، في مكان مهم. ومع دخول القرن الحادي والعشرين تغيرت الرؤية الروسية إزاء القضية الكوردية برمتها، فبدأت ترى أن أكراد إيران يجوز منحهم الاستقلال الذاتي، تحت (المظلة) الأمريكية، وترى أن قتال الأكراد مع حكومات العراق، وسوريا، وتركيا، وإيران، من أجل حقوقهم الوطنية، والحريات المتصلة، هي مشاكل داخلية لهذه الدول، ولا تؤثر بشكل مباشر على مصالح (روسيا)، حيث أن (روسيا) تتبنى سياسة برغماتية في مجالها الخارجي، لذا مع إضفاء الصفة القانونية على الأحزاب والحركات الكوردية في هذه البلدان، يمكن لـ(روسيا) إقامة علاقات معهم من خلال مجالس البرلمان، والأحزاب السياسية، والحكومات المحلية، والمنظمات غير الحكومية، والمجتمع المدني. بطبيعة الحال، في السياسة الخارجية الروسية، وأعمال وزراء الخارجية الروسية، يجب أن نأخذ في الاعتبار الدور المتزايد، وأهمية الـ 40 مليون من الشعب الكوردي، والأقلية الكوردية المتنامية، في كل بلد تتركز فيه..

----------
الهوامش:
1-.توركان إسماعيل، البارزاني بعد لقائه بوتين، جريدة الزمن، العدد27082، 20/2/2013.
2-.خليل كارده، الكورد في سوريا والانفتاح الروسي، وكالة أور الاخبارية، 7/3/2013 الموقع الألكتروني:
http://www.uragency.net/index.php..
3- voice of Kurdish in Russia: Kurdistan.ru.news 15136_Koaliciya_pravovogo28/3/2012.
4-رسالة المجلس الوطني الكوردي في سوريا، ضمن أرشيف الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا (البارتي)، http://www.alparty.org/modules.php?name=News&file=article&sid.
5-جودت هوشيار، مرحلة جديدة في تطوير العلاقات الكوردستانية-الروسية، صحيفة خندان،3/3/2013، 248. وينظر أيضا: المستشرق يوسف أوربيلي والكورودلوجيا، ضمن هديته لموقع جلجامش .
6- صالح مسلم، الدعوة الروسية، وكالة أنباء هاوار،14/2/2013، ضمن أرشيف موقع وكالة أنباء هاوار.
7- يةكيةتى ميديا، كيفاتا كوردي، لقاء صحفي مع الأستاذ إسماعيل حمه، ضمن أرشيف كيفاتا انفو، عربي 2132، 14/6/2013.
8- أنوار جمال صحبت، استغلال ثروات الخليج الفرص والمعوقات، مجلة الهدايا، بغداد، العدد16، 2012، ص67. 
9-SvargamanИюн 29, 2013 вВнешняяполитика | НеткомментариевБольшеинформациинаError! Hyperlink reference not valid. © ВОПРОСИКhttp://voprosik.net/poziciya-rossii-po-kurdskomu-voprosu/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق