07‏/06‏/2014

وإنا لفراقك يا دلشاد لمحزونون

دلشاد
رشاد احمد 
يقول الله (سبحانه وتعالى) في كتابه الكريم: [كُلُّ نفسِ ذائقةُ المَوْتِ وإنمَّا تُوَفَّوْن أجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وأدخِلَ الجَنَّةِ فَفَدْ فَازَ وما الحَيَاةُ الدُّنيَا إلاَّ متاعُ الغُرُورِ]. آل عمران/ 185.
وروي عن أنس بن مالك (رضي الله عنه)، في صحيح البخاري، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) حين وفاة ولده إبراهيم: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلاّ ما يرضي رَبُّنَا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون". ونحن نقول: إنا لفراقك يا دلشاد لمحزونون، ولا نقول إلاّ ما يُرضي الله.. 
لي ثلاثة أولاد، أكبرهم اسمه (محمد)، والأوسط (أحمد)، والصغير (دلشاد)، علماً أن ولدي الكبير يعيش في (النرويج)، وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال: بنت وولدان، وقبل أكثر من شهر حضر إلى (أربيل)، لغرض إجراء عملية ختان لولديه، وكان من المفترض أن يبقى لدينا لمدة أسبوعين، وبعدها يسافر إلى مكان إقامته في (النرويج). وبعد إجراء عملية الختان لولديه، وقرب موعد رحيله، وهو يوم الأربعاء الموافق 23/4/2014، لاحظ أن موقع عملية الختان حدث فيه بعض الالتهابات، فعزم على تأجيل سفره، وطلب من شقيقه الصغير (دلشاد) أن يذهب إلى شركة الطيران المعنية، لكي يدفع غرامة مقدارها (200) دولار، لكي يتم تأجيل السفر لمدة إسبوع إضافي، فذهب ولدي الصغير (دلشاد) إلى شركة الطيران، ودفع المبلغ المطلوب إليهم، وتم ذلك الأمر. وحين تواجد ولدي (محمد) في (أربيل) اشترى صنارة لصيد السمك، وكان (دلشاد) يَلّح على أخيه (محمد)، ويقول له: لنذهب إلى نهر (الكلك) في ناحية (خبات) الواقعة على الطريق الذي يوصل بين (أربيل) و(الموصل)، لكي نصطاد السمك هناك، فوافق (محمد) على ذلك الاقتراح، وتم اتفاق الأخوة الثلاثة على السفر إلى (الكلك).
وفي يوم الخميس الموافق 24/4/2014، سافر الأخوة الثلاثة عصراً إلى (الكلك) لصيد السمك، وأنا لم أكن أعلم بموضوع سفرهم إلى هناك، وقبل حوالي الساعتين من الحادثة قلت لزوجتي بأنني أشعر بضيق شديد في صدري، وأنني أنوي الذهاب إلى سوق المدينة، لكي أتمشى قليلاً، عسى أن أشعر ببعض الراحة، فقالت لي: إذهب بسيارتك لكي تريح نفسك. فذهبت إلى سوق المدينة، وزرت أحد أصدقائي من أصحاب المحلات، حيث جلست عنده قليلاً، ثم غادرته، وأخذت أسير في السوق، عسى أن يذهب عني الضيق الذي سيطر على قلبـي، وبعد فترة من الزمن دقَّ جرس هاتفي الجوال، وحينما أجبت على المتصل، علمت أنها زوجتي.. أخذت تصيح بصوتٍ عالٍ: يا رشاد، إن أولادك قد غرقوا في النهر.. فأقفلت الموبايل، وأخذت جسمي رعشة قوية، ولم تحملني رجلاي، وفكرت قليلاً: كيف غرقوا ولا يوجد نهر في مدينة (أربيل)، "لأنني لم أعلم بسفرهم إلى الكلك"، وبعد لحظات أخذت أجري بسرعة لكي أصل إلى الكراج الذي أوقفت فيه سيارتي، وبعد مدة وصلت الكراج المذكور، وانطلقت بسيارتي إلى بيتنا، وحينما وصلت البيت رأيت الناس مجتمعون أمامه بكثرة، ولا أحد يتكلم، وكلهم واجمون، ولمحت زوجتي واقفة على الشارع الرئيس، وهي تبكي بشدة، فقلت لها: يا امرأة من الذي غرق؟ قالت: إنه دلشاد.. غرق في نهر (الكلك).
(دلشاد).. ولدي الصغير الذي غادرني من مواليد عام (1990)، وهو خريج الكلية التقنية/ قسم المحاسبة.. رفعت بصري إلى السماء وقلت: الحمد لله الذي أخذ مني واحدا، وأبقى لي اثنين.. الحمد والشكر لك يا رب على هذا الفضل العظيم.. بعدها طلب مني أحد الجيران أن أرافقه بسيارته إلى مكان الحادثة في (الكلك) لنعلم الخبر اليقين.. وصلت (الكلك)، وذهبنا مع جموع الأقرباء والمعارف إلى ضفة النهر في الجهة اليمنى من الجسر القديم، حيث غرق ولدي (دلشاد). ورأيت هناك ولدي (محمد) و(أحمد)، وهما يبكيان بشدة وحرارة، والغواصون من أفراد شرطة الدفاع المدني يغوصون إلى قعر النهر، عسى أن يجدوا جثة ولدي (دلشاد) (رحمه الله تعالى، وأدخله الفردوس الأعلى، إن شاء الله)، وبقينا لمدة يومين قرب ضفة النهر، وفي اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة الموافق 25/ 4/2014، وحينما كنا واقفين قرب ضفة النهر، نشاهد فرق الإنقاذ، وهي تبحث للعثور على الجثة، أذّنَ المؤذن لصلاة الجمعة، فتوجهت إلى المسجد للصلاة، وفي بداية خطبة الجمعة دعوت من الله (عزَّ وجلَّ) بحرارة أن نجد الجثة، وبعد حوالي عشر دقائق من بدء الخطبة، تقرَّب مني أحد الأقارب (أدعو له بالموفقية)، وأسرَّ في أُذني قائلاً بأن الجثة قد أخرجت من النهر..
سألت ولدي الكبير محمد: كيف كانت الحادثة؟ قال: حينما وصلنا نحن الثلاثة إلى ضفة النهر، رميت صنارة السمك إلى الماء لاصطياد السمك، ولمحت من بعيد (دلشاد) وهو يصيح منادياً: يا محمد سوف أرمي بنفسي في النهر لغرض السباحة، وكان سبّاحاً جيداً، ولكن أجل الله (سبحانه وتعالى) أقوى من كل قوة في الكون، مهما كانت هذه القوة، وكان موعده مع الموت في تلك اللحظة. وقال محمد: ناديت عليه قائلاً: لا تسبح فإن الماء بارد جداً، ولكنه لم يسمع كلامي، ورمى بنفسه في الماء، وأخذ بالسباحة، وبعد برهة لم نر له أثراً، فصحت على (أحمد)، وقلت له: لقد غرق أخونا (دلشاد).. بعد لحظات ظهرت يداه على الماء، وهو يصيح: أنقذني يا (محمد).. علماً بأن (محمد) و(أحمد) لا يجيدان السباحة، وحاولا أن يقتربا منه في منطقة قريبة من ضفة النهر، ولكنه غاب ثانيةً، ثم ظهر على الماء مرة أخرى، وأخذ يصيح مجدداً: أنقذني يا محمد.. ولكن بدون فائدة، ثم غطس تحت الماء.. بعدها ظهر ثالثةً على الماء، ولكنه هذه المرة أصبح في عالم الأموات، ثم بعدها اختفى، إلى أن أخرجه الغواصون يوم الجمعة أثناء إلقاء الخطبة. وبعد إخراجه، ولله الحمد، رأيته ولم تدخل قطرة ماء واحدة في جوفه، وكان جسمه ووجهه طبيعيان، لم تأكل من لحمه الحيوانات والأسماك..
في هذه اللحظات الحرجة من حياتي أتذكرك يا (دلشاد)، يا فلذّة كبدي، كيف رويت لي بأنك رأيت الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرؤيا، وقد زارنا في بيتنا، وقلت لي آنذاك إن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل إلى بيتنا، وجلس على الأريكة، وأنك يا أبي جلست على يساره، ووالدتي جلست على يمينه الشريفة، وأخي (أحمد) كان واقفاً خلفه، وقلت: يا أبي إنه لم يكن ينظر إليكم، ولكنه كان ينظر إلي، ويبتسم معي عدة مرات، وأنا كنت أبادله الابتسامة.. كنتَ يا ولدي موحّداً، تصلي وتصوم، وتوصي إخوانك وأصدقاءك بالصلاة، وكنت تجود بأغلب راتبك في طرق الخير والصدقات، وكثير من زملائك من طلبة الكلية كانوا يأتونك إلى البيت، لكي تلقي عليهم الدروس، لأنهم قد رسبوا في مادة أو مادتين في الامتحانات، وكانوا يبيتون لدينا عدة ليال لتلقيّ الدروس عليك.. كنت يا عمري في البيت كالفراشة الجميلة الرقيقة، لم نر منك - أنا ووالدتك - خشونة ما، وكثيراً ما سمعت أن رضا الله من رضا الوالدين، وأنا ووالدتك راضيان عنك، فأدعو الله (سبحانه وتعالى) برحمته وعفوه ومغفرته أن يرضى عنك، ويدخلك الفردوس الأعلى، ونحن راضون وصابرون بعونه تعالى على هذه المصيبة، فلله ما أعطى، وله ما أخذ. وكثيراً ما سمعت وقرأت الحديث الشريف للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن أحد الشهداء السبعة، من غير الذين استشهدوا في الجهاد، هو (الغريق).. أرجو الله (عزَّ وجلَّ) أن يحشرك يا (دلشاد) مع زمرة الشهداء الأبرار، ويبدل سيئاتك حسنات.. 
أيها القراء الأعزاء، كان لحياتي قبل هذه المصيبة طعم معين، ولكن بعد هذه المصيبة تبدّلَ طعمها، وكأني أعيش في روضات الجنان، وهذا فضل الله (عزَّ وجلَّ) عليَّ، أحمده وأشكره على هذا الفضل، والكل يعلم أن الحياة الدنيا التي نعيشها هي لحظات تمر بسرعة بدون أن نشعر بها، فالواجب على الكل أن يقوِّي علاقته مع الله (سبحانه وتعالى)، لكي يعيش حياة هانئة في الدارين..
وبهذه المناسبة أدون هنا هذه القطعة الشعرية للأستاذ عبد الكريم الدبان: 
إلهي خُذْ بكفي وانتشلني 
فقد غرِقَ الفؤادُ بأي بحرِ
أفكر في النجاةِ، ولستُ أدري 
أينفعني لكشف العُسْرِ فكري
إلهي أنت من أرجو وأخشى 
أجوبُ الأرضَ مِنْ قَفْرٍ لقَفْرِ 
متى تبدو لي النفحاتُ تترى 
وتطلقَ مُهْجَتي من قَيْدِ أسري
إلهي أنت مَنْ أرجو وأخشى، 
تداركني بحنانٍ ويسرِ
لقد ذَبُلَتْ زهوري في بعادي 
وحطّمتِ الرياحُ رياضَ عُمْري
أغثني يا مُغيثَ الخَلْقِ طُراً 
وأكرمني وأسْرِعْ جَبْرَ كسري
رغبتُ اليك ممتلئاً رجاءً 
وقلبـي خافقٌ والدمع يجري
ألهي لستُ أرجو غير رحمى
لأمضي في رحابك دون ذعرِ
أجبني واصبب الآمال صباً 
فأنت "الله" مأملُ كلِ خيرِ
وفي الختام، يا حبيبـي يا (دلشاد)، أستودعك الله (سبحانه وتعالى) أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وأرجو الله (عزَّ وجلَّ) أن يتغمدك برحمته الواسعة، وأن نلتقي إن شاء الله معك في رياض الجنة.. إنه سميع مجيب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق